|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:55 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
من حلب إلى أصفهان (عاصمات للثقافة الإسلامية) ـــ أ.محمد قجة لم يكن اختيار منظمة المؤتمر الإسلامي لمدينتي حلب وأصفهان عاصمتين للثقافة الإسلامية مصادفة ولا افتعالاً. ففي ضوء المعايير التي اعتمدت لاختيار المدن بعد مكة المكرمة كان الدور الثقافي والتراثي في المقام الأول. وفي هذا المجال تحتل أصفهان المرتبة الأولى خارج نطاق المدن العربية. ولو أحصينا عدد العلماء والأدباء والباحثين الذين ارتبط اسمهم بمدينة أصفهان لاقترب هذا العدد من مائتي اسم بعضهم كثير الشهرة مثل أبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني، والعماد الأصفهاني المؤرخ والوزير للدولة الأيوبية، وعشرات المحدثين وعلماء الدين واللغة والأدب. وفي هذا المجال تأتي مدينة "بغداد" متفوقة في نسبة الأعلام الذين نسبوا إليها ويحملون لقب "البغدادي" بينما تحتل "حلب" المنزلة الثالثة في هذا السياق متساوية مع مدينة الري فيمن يحمل لقب "الحلبي" أو "الرازي" بينما تبقى المرتبة الثانية لأصفهان. ولكن هذا المعيار لم يكن كافياً وحده. وبتفسيره الحرفي.. بل إنه يشمل نوعية الفترات المتألقة. وفي هذا السياق تحتل مدينة حلب المرتبة الأولى منفردة بالبلاط الحمداني الباذخ أيام "سيف الدولة" الذي يقول فيه الثعالبي: "إن العلماء والأدباء والشعراء الذين اجتمعوا في حلب أيام سيف الدولة، لم يشهد أي بلاط لخليفة أو سلطان أو ملك أو أمير ما يماثلهم". وبعضهم كان الأول في ميدانه على مرّ التاريخ الإسلامي: الفارابي: الأول في الفلسفة والموسيقى. المتنبي: الأول في الشعر العربي بصورة مطلقة. الصنوبري: الأول في شعر الطبيعة. ابن جني: الأول في خصائص اللغة. أبو فراس الحمداني: الأول في فروسية الشعر. الخوارزمي: صاحب المنطق والأدب والحكمة. أبو علي الفارسي وابن خالويه وأبو الطيب اللغوي: وهم أوائل في علوم اللغة. وقد أحصى الخالديان أكثر من عشرة آلاف بيت شعري قيلت في سيف الدولة. إلى جانب ذلك ارتبط اسم كثير من الشعراء والأدباء بمدينة حلب على مر العصور، كالبحتري ومحبوبته علوة الحلبية، والمعري الذي كانت أمّه من بني سبيكة من حلب. وكتب حول هذه المدينة روائع مؤلفاته، مثل رسالة الغفران، والصاهل والشاحج. ويقول في رسالة الغفران إن الله تعالى اختار طباخين من حلب ليكونوا مسؤولين عن مطبخ الجنة، وذلك في الرحلة المتخيلة لعلي بن القارح الحلبي التي كتبها أبو العلاء المعري تحت عنوان "رسالة الغفران". * * * وكان معيار العمارة ماثلاً في الأذهان لاختيار المدينة التي تسمى عاصمة الثقافة الإسلامية. وفي هذا المجال تتفوق حلب على أصفهان وعلى غيرها من مدن العالم الإسلامي لتوفر شروط فيها لا تتوفر في سواها، وهذه الشروط هي: 1 ـ إن العمارة الإسلامية في حلب تشمل سائر الوظائف العمرانية: فالعمارة الدفاعية تمثلها القلعة والأبواب والأبراج والأسوار والأنفاق المحفورة تحت المدينة. وتنفرد قلعة حلب بأنها الأقدم في العالم 7000 ق. م بموجب اللقى الأثرية التي تم العثور عليها. كما أنها الأكبر داخل مدينة مع خندقها الدفاعي المحكم وشبكات الأنفاق تحتها وحولها، والدور التاريخي والسياسي والعسكري والثقافي الذي لعبته مدى عمرها، والعمارة الدينية ممثلة بالمساجد التي يزيد عددها على ألف مسجد في حلب الكبرى، والكنائس التي تزيد على خمسين كنيسة. وبعض هذه الجوامع يعود إلى القرن الهجري الأول: جامع الشعيبية في باب إنطاكية الذي يعود إلى عام 16هـ. والجامع الأموي الكبير الذي يعود إلى عام 98هـ، وهناك مساجد تمثل كافة العصور الإسلامية التي عرفتها حلب باختلاف طرازها المعماري من سلجوقية وزنكية وأيوبية ومملوكية وعثمانية وحديثة. وفي حلب عدد من الزوايا والتكايا الصوفية تمثل الطرق الصوفية المختلفة من مولوية وقادرية ونقشبندية وشاذلية... الخ. أما العمارة المدنيّة فهي تضم سائر حاجات الحياة اليومية من أسواق وخانات وقيساريات وحمّامات وبيمارستانات وحارات ودور مختلفة وقساطل وخانقاهات ومدارس.. وكل هذه الوظائف المعمارية تراها في حلب بإعداد كبيرة. وبعضها تنفرد به حلب، كالأسواق المسقوفة وعددها /39/ سوقاً تتمحور حول سوق مركزي مستقيم ممتد من باب إنطاكية حتى مدخل سوق الزرب أمام القلعة. 2 ـ وهذا التميز بالوظائف العمرانية يقابله تميز زمني، ففي مدينة حلب يطل التاريخ منذ الألف العاشر قبل الميلاد في تنقيبات "تل القرامل". وفي حلب تتعانق الحضارات عبر آلاف السنين، ويزيد عددها على ثلاثين حضارة من أبرزها السومرية والأكادية والعمورية والبابلية والآشورية والكلدانية والحثية والميتانية والمصرية والأخمينية والآرامية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والممالك العربية قبل الإسلام، وصولاً إلى الحضارة الإسلامية التي استوعبت كل تلك الحضارات في ردائها السمح المرن المعترف بالآخر. وخلال العصور الإسلامية المتتابعة نجد في مدينة حلب نماذج عمرانية تعود إلى كل تلك المراحل التي عرفتها الدول المتتالية منذ العصر الراشدي حتى العصر الحديث مروراً بكل الدول التي عرفتها حلب والتي تركت كل منها بصمات عمرانية خاصة في المدينة. ولعل الفترة الأيوبية شهدت غنى في الحركة العمرانية، وكذلك الأمر بالنسبة للتطور الاقتصادي الواسع في مطلع العصر العثماني وما رافقه من عمارة ضرورية كالخانات والأسواق والقيساريات. * * * أما مدينة أصفهان فهي من المدن القديمة في جمهورية إيران الإسلامية، وهي تتوسط إيران ويمر بها نهر يدعى "زندروذ" ويسميه أهلها "نيل أصفهان" وعليه مجموعة من الجسور التاريخية الجميلة. وكلمة أصفهان أو أصبهان فيها وجوه ومعان لعل أقربها "المعسكر" ويبدو أنها كانت مركزاً لتجمع الجند والفرسان فحملت هذا الاسم. ويقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: إن أرض أصفهان صلبة، وتربتها لا تفسد فيها اللحوم، وهي صحيحة الهواء خالية من جميع الهوام. وهي من أعلام المدن وأعيانها ويسرفون في وصف عظمها حتى يتجاوزوا حدّ الاقتصاد وحولها 16 رستاقاً، وكل رستاق /360/ قرية بين قديمة ومحدثة وقد فتحها المسلمون عام 19هـ صلحاً بموجب معاهدة وقّعها عبد الله بن عتبان. ومن يومها تدخل أصفهان في نطاق التاريخ الإسلامي وتتعاقب عليها الأحداث والدول ويشهد العصر العباسي قيام الدول المستقلة أو شبه المستقلة في شرق العالم الإسلامي من غزنوية وسامانية وبويهية وسلجوقية ومغولية وصفوية وقاجارية. وصولاً إلى العصر الحديث. وتحتفظ أصفهان بروائع معمارية من العصور الإسلامية التي تعاقبت عليها وبخاصة من الفترة السلجوقية وما بعدها. ولكن أهمية العمارة الإسلامية في أصفهان تتجلى بروعتها وإبهارها في الفترة الصفوية حينما أصبحت أصفهان عاصمة الدولة الصفوية بعد سقوط "تبريز" بيد العثمانين. ويحلو لأهالي أصفهان وصف مدينتهم بأنها "نصف جيهان" أي صورة الدنيا. وتتوسط مدينة أصفهان ساحة هائلة تدعى "نقش جيهان" أي: صورة الدنيا، وقد أطلق عليها حديثاً تسمية "ميدان الخميني" وهذه الساحة الأسطورية تضم فعلاً صورة الدنيا بعمارتها الفنية المتنوعة من جوامع ومدارس وقصور وأسواق. ويحمل ذلك كله طابع الطراز المحلي من الزخارف والفسيفساء بألوانها المتناوبة بين الأبيض والأزرق. ويقف جامع الإمام علماً معمارياً فريداً، وهو الجامع الأكبر في أصفهان، وجامع الشيخ لطف الله، والمئذنتان المتحركتان، وقصر علي قابو. وتحيط بساحة "نقش جيهان" سلسلة الأسواق العجيبة المسقوفة والمكشوفة. وهي أسواق متخصصة تجد فيها المصوغات الذهبية والفضية، والنحاسيات، والخشبيات والأقمشة المزركشة، والأحجار الكريمة والسجاد الباهر الباذخ الذي لا يماثله أي سجاد في العالم. والجولة في أسواق أصفهان تحملك فوراً إلى أسواق المدن الإسلامية القديمة فكأنك في حلب أو دمشق أو فاس أو تونس أو دلهي أو القاهرة القديمة. مع التميز في أسلوب البناء وزخارفه. * * * وإلى جانب معياري التراث الثقافي والعمارة... كانت هناك أسئلة حول الدور الاقتصادي للمدن. وفي هذا الإطار تشكل مدينة حلب أهم حلقة على طريق الحرير العالمي لوقوعها على مفترق طرق يربط شرق آسيا بالأناضول ثم أوربا. ولوقوعها على مسافة متساوية تقريباً بين الفرات والبحر المتوسط. حيث كان الفرات ممراً مائياً تجارياً للسفن القادمة من الخليج وكان ميناء "بالس" (مسكنة حالياً) مرسى للسفن.. وتكمل القوافل طريقها إلى حلب على الجمال، ومنها إلى ميناء اسكندرون على المتوسط. وهذا ما يفسر الحجم الهائل للخانات التي كانت مستعدة لاستقبال القوافل المؤلفة من آلاف الجمال دفعة واحدة. وكان ما يباع في حلب في يوم واحد يحتاج إلى ثلاثة أشهر لكي يباع في القاهرة. وتحتفظ حلب بخانات قديمة منها خان البنادقة الذي يعكس الاتفاقية التجارية التي وقعت عام 1207 بين الظاهر غازي الأيوبي ملك حلب ومندوب البنادقة "بيترومارينياني". وليس غريباً أن أوائل القنصليات الأجنبية أسست في حلب، وأول غرفة تجارية كانت فيها، وأوائل المصارف، ورغم افتتاح قناة السويس عام 1869 وفقدان حلب جزءاً كبيراً من تجارتها إلا أنها احتفظت بمركز تجاري متميز خلال الفترات اللاحقة. أما أصفهان فتلعب دوراً اقتصادياً بارزاً لوقوعها في مركز متوسط في إيران ولشهرتها الكبيرة في الصناعات التقليدية وبخاصة السجاد العجمي الفاخر، والصناعات النحاسية والخشبية والحريرية وصناعة الذهب والفضة. إلى جانب كونها مركزاً صناعياً وتجارياً هاماً في الوقت الحاضر. * * * وتتميز مدينة حلب باحتضانها للتراث الموسيقي بشقيه المشرقي والمغربي، فقد غدت حلب مركز إشعاع تلتقي عنده الدراسات الموسيقية. ويكتفي أن نذكر في هذا المجال قدوم الفارابي وفي وقت مبكر إلى حلب ليكون واسطة العقد في بلاط سيف الدولة الحمداني. كما جاء أصفهان أبو الفرج الأصفهاني يحمل كتابه "الأغاني"، وهو أهم كتاب من نوعه في تاريخ الأدب العربي والغناء والموسيقى، وقد تخطى أبو الفرج الأصفهاني كل سلاطين عصره بمن فيهم خليفة بغداد واختار أن يأتي إلى حلب ليقدم كتابه إلى أميرها الجليل سيف الدولة. كما جاء بعد ذلك بأكثر من قرنين المؤرخ والوزير العماد الأصفهاني ليكون واحداً من أركان الدولة الأيوبية في بلاد الشام ومصر. وورثت حلب الموشح الأندلسي وطوّرته حتى غدا لدينا لون متميز اسمه الموشح الحلبي ونشأت عن ذلك القدود الحلبية الشهيرة. وتطور عن ذلك الغنى الفريد في الإنشاد الديني من خلال الزوايا الصوفية والفرق العديدة المستمرة خلال القرون حتى يومنا هذا. وأصبحت حلب بذلك عاصمة الطرب بجانبيه الديني والوجداني. وخرج منها أعلام كبار أغنوا الساحة الموسيقية بتراث واسع لاحدود له. * * * وبناءً على هذه المعايير جميعاً وافق المؤتمر الإسلامي على اختيار كل من حلب وأصفهان عاصمتين للثقافة الإسلامية لعام 1427هـ ـ 2006، بعد أن تم اختيار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2005. وبذلك تكون كل من حلب وأصفهان قد جاءتا في المقام الثاني بعد مكة المكرمة. ويهدف هذا الموضوع أساساً إلى إبراز الوجه الحضاري المرن المتسامح للحضارة الإسلامية. وقد نصح المؤتمر الإسلامي بإجراء الاستعدادات اللازمة للاحتفالات التي تستمر عاماً كاملاً، وذلك بتشكيل اللجان المتخصصة، وتأمين الأموال اللازمة، ووضع البرامج للأنشطة المتعددة من ندوات ومحاضرات ومعارض ومطبوعات وحفلات فنية وتراثية وترميم المباني الأثرية ونشرات للتعريف بالمدينة صاحبة الاحتفال، ولوحات تعريفية وإعلانات تلفزيونية ومجلة خاصة، وتغطية إعلانية واسعة بالصحافة والإذاعة والتلفزيون واللقاءات الواسعة في المنتديات والمساجد والكنائس والجامعات والمدارس، وتنظيم زيارات للوفود المشاركة إلى المتاحف والأماكن الأثرية، وتنظيم مسابقات وأمسيات أدبية وشعرية وفنية ومسرحيات وأفلام سينمائية وتلفزيونية ووثائقية. ومن المهم تنظيم حفل افتتاح ضخم يغطي عدداً كبيراً من الأنشطة الإعلامية والثقافية والفنية والمعروضات ودعوة أسماء بارزة من أنحاء العالم لحضور هذا الحفل. * * * إن هذه المناسبة الفريدة فرصة لا تتكرر. ومن واجبنا التصدي لكل المصاعب التي قد تعترض طريقنا في تنفيذ المشروعات والأنشطة المبرمجة مهما كان حجمها كبيراً ومحاورها متشعبة. والسباق الجميل المشروع بين حلب وأصفهان سوف يحدد من منهما سيكون لها السبق المجلّي. العد التنازلي أيام قليلة وتنطلق احتفالات حلب المحروسة عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 1427هـ ـ 2006م. هذه المدينة العريقة التي عانقت صفحات التاريخ وهي تُطوى وتتجدد، والمدينة بشبابها الدائم لا يتسلل إليها الهرم، ولا يعرف الفناء طريقاً لها. وإذا كانت كلمة "عاصمة" ترتبط في أذهان الناس بالمركز الأساسي فقط، فإن هذا الارتباط ليس دقيقاً، وفي كل دول العالم هناك مدن تتوزع الأدوار السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والسياحية، ولا يمكن اختصار دولة ما في مدينة واحدة وإهمال الباقي أو تهميشه أو إلغاؤه مهما كانت الظروف والأسباب. وها هي حلب العظيمة.. شهباء المدن تنفض عن عينيها آثار السبات، وتستعيد أطرافها نسغ الحياة يسري في عروقها التي لم تتوقف يوماً عن النبض. أيام قليلة... وتستقبل مدينة حلب وفوداً يمثلون العالم لتقدم من خلال وجهها الحضاري صورة المحبة والسلام والاعتراف بالآخر والدعوة إلى الموعظة الحسنة والإيمان بأن أكرم الناس عند الله أتقاهم وليس أبيضهم أو أسودهم أو أصفرهم أو من يجري في عروقه دم ملكي. وتقدم حلب صورتها الجميلة.. وهي تحمل على كاهلها عشرة آلاف سنة من عمر الزمان، شيخة المدن وفيقة المدن، وحضارة المدن المثلى في إطارها الديموغرافي والديني والحضاري المرن الواسع المتسامح. ورغم التحديات التي واجهت العمل، فقد تمكن فريق العمل ـ بعون الله ـ من تحقيق كثير من الأعمال في زمن قياسي وإمكانات قليلة ومصاعب شتى، وتجاوز الكثير من العقبات، والكثير من العصيّ في العجلات، مؤكداً أن الطاقة البشرية أهم من كل الطاقات الأخرى. كانت التحديات تتمثل في قصر المدة المتاحة، وهكذا كنا في سباق مع الزمن. وكانت تتمثل في الإمكانات التي يجب أن تتوفر، وتوفر بعضها فقط. كما كان هناك تحدّ آخر هو أن مدينة "أصفهان" تنافسنا في كونها عاصمة الثقافة الإسلامية في المنطقة غير العربية للعالم نفسه. ولست الآن في معرض تقديم برنامج أنشطة، فهذه البرامج متاحة في الصحف وفي الموقع المختار للاحتفالية على شبكة الانترنيت، ولكنني أود أن أقول: إن العمل لهذه المدينة العظيمة لا يزال في أولـه، وليست القضية حفل افتتاح يدوم يوماً أو أسبوعاً إنما هو عام كامل من الأنشطة المتشعبة والمتباينة, وبالتالي فإن جميع أبناء حلب المحروسة ومحبيها وأصدقائها مدعوون للمشاركة في هذه المناسبة الجليلة، كلٌّ حسبما يختار ويتمكن. والأبواب مفتوحة لمن أراد أن يسهم بأي مشاركة أو نشاط أو اقتراح أو رأي أو نصيحة. والأمر ليس حكراً على أحد، إنما طريق المبادرة يتسع لجميع الراغبين في سلوك هذا الطريق، والوطن يتسع لجميع أبنائه، والجميع مدعوون أن يكونوا عاملين وفاعلين ومؤثرين وليس منظّرين من خلف زجاج المقاهي على طريقة "الذين لا يعملون يؤذي نفوسهم أن يعمل الآخرون". * * * إعطاء فرصة تاريخية لحلب ولسورية وللتاريخ الإسلامي، تأتي في وقت عصيب تحاول فيه قوى الغطرسة العالمية إحكام الحصار حولنا وتضييق عنق الزجاجة وحشرنا داخلها. ويأتي اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية ليقدم مساحة واسعة للحوار والتعريف بالذات والمواقف والماضي والحاضر والمستقبل. ولهذا فإن الحدث أكبر بكثير مما يتصوره بعض الناظرين عن بعد، إنه أكبر بكثير من احتفالية مناسبة، أو أمسيات خاصة، أو مهرجان مرحلي. لقد تمّ "وضع القطار على سكّته". والمطلوب منا جميعاً أن نبحث عن مزيد من الوقود والحركة لهذا القطار، وهو لا ينطلق وحده، ولا بدله من هيكلية مبرمجة فاعلة نشطة، ولابد له من محطات يلتقط فيها أنفاسه استعداداً لمحطات أخرى قادمة، ولابد من إزالة العصي التي قد توضع أمام عجلاته. والمناسبة لن تنتهي مع نهاية العام، فنحن نريدها فرصة لتحريك المياه الراكدة في المستنقع، وامتداد خطوط الحياة في شتى الاتجاهات: ثقافياً وحضارياً وعمرانياً واقتصادياً واستراتيجياً، بحيث ننظر إلى المناسبة على أنها استثمار حقيقي ينعكس إيجاباً على آفاق مستقبل مدينة حلب في كل المجالات، ويكون رافداً لكل فعالياتها، وباعثاً على مزيد من تحريك الأيدي العاملة، وتحسين صورة المدينة في بنيتها وأبنائها، ودفع عجلة المستقبل بوتيرة أسرع وأعمق. * * * سوف يكون يوم انطلاق الاحتفالات مناسبة لهذه المدينة لنفض الغبار واستعادة دوران الحياة، وسوف تكون باكورة الاحتفالات تدشين أعمال الترميم التي تمت في الجامع الأموي الكبير، هذا الصرح الحضاري المعماري الذي يلخص تاريخ الوجود الإسلامي في المدينة. وسوف يقدم حفل الافتتاح صورة تاريخية عن حلب عمرها عشرة آلاف سنة، مع التركيز على فترات الازدهار الكبرى في ميادين الثقافة والاقتصاد، وفي مجال الدفاع عن النفس وصد العدوان الخارجي. وهكذا سوف يبرز بلاط سيف الدولة بوهجه الثقافي ودوره الجهادي، كما تبرز المرحلة الأيوبية بشموخها العمراني وريادتها في تحرير الأرض واستعادة الحقوق. ويبرز من ناحية أخرى مركز حلب الاقتصادي بين القارات، ومكانتها الفنية العالية وهي صاحبة القدود والموشحات والطرب الأصيل. * * * حلب المحروسة تستقبل احتفالاتها الضخمة، والوفود التي سوف تصلها من أنحاء العالم، وتفتح ذراعيها مرحّبة بكل القادمين، وسوف تكون باكورة الأعمال الفكرية الندوة العلمية الدولية بعنوان: "الإسلام وحقوق الإنسان: حلب نموذجاً". لنقدم من خلالها صورة الإسلام السمح الذي يحاول بعضهم إلصاق التهم الظالمة المزيفة به وبتاريخه المستنير. إنها دعوة لأبناء حلب جميعاً من مثقفين واقتصاديين ومن سائر المواطنين ليكونوا يداً واحداً في إنجاح هذا العمل وليطبقوا القول المبارك "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون". وليس كما قال القوم الكسالى (اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون(. * * * مرحباً بكل وافد إلى احتفالات حلب الكبرى، مرحباً بكل مساهم ومشارك ومتعاون بفكره وعمله وماله ووقته وآرائه ونصائحه، ويبقى الوطن دائماً ملكاً لجميع أبنائه. قراءة في الحصاد قبل شهر ونصف الشهر انطلقت احتفالات حلب بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية بعد تحضيرات سريعة لم تتجاوز بضعة أشهر، وكان أمام الاحتفالية برامج تحتاج إلى سنوات من الإعداد، كما تحتاج إلى الأموال اللازمة، وإلى الجهد البشري الواسع المبرمج المخلص. كان ذلك تحدياً على مستويات عدة وسباقاً مع الزمن القصير المتاح، ومع الإمكانات المقننة، ومع وضع العصي في العجلات، ومع التوقعات غير المحسوبة..... وكان السؤال الكبير الذي طالما راود الأذهان: هل يتم الاعتذار عن الاحتفالية، وتغييب حلب المحروسة عن ساحة عريضة مديدة أقبلت إليها تسعى طواعية؟ أم يستمر التحدي على مستوياته كلها ويمضي البرنامج وفق ما أعد له من محاور ومفاصل واتجاهات؟. وكانت هناك "أصفهان" عاصمة للثقافة الإسلامية في المنطقة غير العربية، وكانت هناك "مسقط" عاصمة للثقافة العربية لهذا العام، وفي العام الماضي كانت "مكة المكرمة" عاصمة أولى للثقافة الإسلامية. ونظرة أولية على البرامج التي وضعت لاحتفالية حلب بمناحيها الثقافية والفنية وما تشمله من ترميم مبان ومعارض ومهرجانات مسرح وسينما، وطباعة كتب، هذه النظرة التي تعطينا فكرة عن تفوق حجم هذه البرامج على كل البرامج التي قدمتها العواصم المذكورة الأخرى. ولكن القضية ليست لمسة سحرية تتحول خلالها مدينة حلب إلى "المدينة الفاضلة" والوضع المثالي.. فتغدو بين ليلة وضحاها خالية من الحفر، متألقة النظافة، منتظمة المرور، وتضرب في ساحاتها كل يوم طبول الأفراح، وترقص الأسهم النارية، وتتخلص من كل ما فيها من عثرات وعيوب وأمراض. هكذا فهم بعضهم الاحتفالية أو أرادوا إفهامها للناس، ولا يهم في هذا المجال حسن النية أو سوء النية، فالفهم أساساً قاصر وغير موضوعي، ولا أريد أن أقول إن بعض أصحاب هذا الفهم ينطلقون من أحكام مسبقة مقررة متباينة الدوافع. خلال ستة أسابيع من انطلاق فعاليات الاحتفال، أي حتى آخر شهر نيسان كان عدد الأنشطة التي نفذت في إطار برنامج الأمانة العامة للاحتفالية /112/ نشاطاً مختلفاً بين محاضرة ومعرض وندوة وحفل فني و أمسية ثقافية ولا يدخل في ذلك التغطية الإعلامية في الصحف والمجلات والإنترنت والإذاعة والتلفزيون. وكان من هذه الأنشطة ندوتان دوليتان: الأولى حول "الإسلام وحقوق الإنسان" والثانية حول "حلب وحوار الحضارات" وقد حضرت عدة فضائيات عربية لتغطية الندوة الثانية وهي: الجزيرة، اقرأ، الرسالة إلى جانب التلفزيون السوري المحلي بقنواته الثلاث. ناهيك عن ندوتي "ابن خلدون" و"بلاد الشام في عصر الراشدين" في جامعة حلب. وكتب عدد من الباحثين والزائرين انطباعهم بعد العودة إلى أوطانهم وهي انطباعات إيجابية جداً وموضوعية، ومن هؤلاء: ـ يوسف زيدان من مصر. ـ نجيب الغياني من المغرب. ـ عبد الله العثيمين وحمد القاضي من السعودية. ـ حسين شحادة من لبنان. ـ جان جاك تيبون من فرنسا. والنصوص التي كتبوها ونشروها موجودة لدينا. وهذا الرقم الذي ذكرته للأنشطة لا تدخل فيه كذلك الأنشطة المكثفة التي تجري في مركز المدينة في ساحة سعد الله الجابري، حيث يمر عشرات الألوف يومياً، وهي أنشطة مبرمجة يشرف عليها فنيون وإداريون متخصصون. * * * أنا لا أريد أن يتصور أحد أنني أقدم لوحة نموذجية كاملة الملامح ولا أريد أن أزعم أن النجاح كان مطلقاً وكبيراً، ولكن الأمور تقاس بمعاييرها وتحسب بكل أبعادها وتفاصيلها ومقدماتها ونتائجها. لقد كانت هناك ثغرات وأخطاء وتقصير، وكانت محاولات لعرقلة البرامج، وكان هناك ارتباك في الإعلام أدى إلى قصور واضح في بعض المجالات، ولكن في الوقت نفسه، كانت هناك إلمامات إعلامية في الصحافة والتلفزيون، وإن لم تكن كافية. وأعود فأقول: إن عامل الزمن كان عائقاً كبيراً في كل ما حدث. وحينما تقاس الأمور بمعايير موضوعية فسوف نجد أن عناصر النجاح كانت أكبر من عناصر الإخفاق، على المستوى الثقافي والفني. ولا تزال أمامنا سنة طويلة فيها ثمانية أشهر من البرامج المكثفة التي يجري إعدادها وإطلاقها في مواعيدها المحددة. نحن بعد أسبوعين، على موعد من ندوة دولية كبيرة بعنوان "الحياة الفكرية والأدبية في بلاط سيف الدولة الحمداني" وتتولى جامعة حلب ـ مشكورة ـ أمور رعاية هذه الندوة. كما كان لجامعة حلب دور ريادي في برامج الاحتفالية من ندوات وطباعة كتب ونشرات ومشاركة في اللجان المختلفة. وتبقى جامعة حلب ذلك الصرح العلمي العملاق الذي نعتز به أيما اعتزاز. ويصاحب هذه الندوة أمسيتان فنيتان هامتان: الأولى للمطرب الكبير صباح فخري، والثانية حول أعمال الفنان الكبير صبري مدلل يقدمها المعهد العربي للموسيقى. مع استمرار المعارض والمحاضرات والأنشطة الفنية الأخرى وبرامج الساحات الكبرى. ولابد من الإشارة هنا إلى ما تم إنجازه من طباعة الكتب المتصلة بمدينة حلب أو إهداء أو شرائها. وفي مخططنا أن يصل الرقم إلى مائة كتاب مع نهاية العام بإذن الله. كما تم البدء بالمشروع الكبير لكشف السور حول باب إنطاكية وصولاً إلى باب قنسرين، والعمل جار في ترميم وإعادة تأهيل ثانوية المأمون. * * * إن الذي أستغربه هو سؤال يطرحه علينا بعض الناس، فيقولون: ـ لماذا فشلت الاحتفالية؟! وموضع استغرابي يكمن في صيغة السؤال الملغومة، وكان هناك حكماً مسبقاً بأن الاحتفالية فاشلة ويجري البحث في أسباب هذا الفشل. وأنا أنصح هؤلاء الأخوة المتسائلين أن تكون صيغة السؤال على النحو التالي: ـ هل نجحت الاحتفالية أم فشلت، وما هي نسبة النجاح أو الفشل؟ وبذلك نكون قد اقتربنا من الموضوعية، وابتعدنا عن التقارير المفبركة سلفاً في نفس يعقوب أو غير يعقوب. فنضع الأمور في نصابها، فنبارك النجاح حيثما يحصل، ونبحث عن أسباب الفشل أو الخطأ أو التقصير في محاولة لتداركها وليس للشماتة بأصحابها والسعي لإحباطهم وجعلهم يتراجعون عن حماسهم للعمل. * * * من جديد، ومرة ثانية وثالثة وعاشرة...... هذه حلب المحروسة، ملك لجميع أبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم وأعراقهم ومذاهبهم، وملك للوطن والأمة والإنسانية. وإن هذه المناسبة فرصتنا الكبرى لإظهار وجه ثقافتنا الراقية ووحدتنا الوطنية، وفرصتنا لرص الصفوف، وتمتين جسور الثقة، والسعي لاستمرار البناء، واستثمار المناسبة لصناعة مستقبل أفضل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وعمرانياً وحضارياً. إن مقياس النجاح والفشل يكون بوضع موازين ومعايير وفق أسس منهجية وعلى ضوئها يتم حساب النتائج وتتم مساءلة القائمين على العمل، وإلا يكون الحال كما قال الشاعر العربي قديماً: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال لـه * * * إياك إياك أن تبتل بالماء |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |