مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 103 السنة السادسة والعشرون - ايلول 2006 - رمضان 1427
Updated: Sunday, March 11, 2007 03:55 AM
فهرس العدد
 

المكتبات الخاصة في حلب مكتبة عبد الوهاب الصابوني (نموذجاً) ـــ أحمد حسن الخميسي

الكتب كنز ثمين، تضم بين دفاتها العلوم والمعارف التي تثقف الإنسان وترقى به إلى المجد الذي يروم. وقد حرص أولو الألباب منذ القديم على اقتناء الكتب وجمعها في بيوتهم لتشكل مكتبة خاصة، يستفيدون منها وأهل بيتهم ومن يشاؤون من أقاربهم وأصدقائهم.‏

ولقد عُرف أهل حلب من أمراء وعلماء وأدباء بحبهم للكتب وامتلاكها وقراءتها على مر العصور.‏

وسنذكر ـ لاحقاً ـ بعض المكتبات الخاصة التي عرفت في القرون الأخيرة، ولا سيما في القرن العشرين، ثم نسلط الضوء الكاشف على مكتبة الأستاذ عبد الوهاب الصابوني الزاخرة بالكتب النفسية، لندرك ما لهذه المكتبة من قيمة أفادت صاحبها، ولا تزال تفيد الأجيال من بعده رحمه الله تعالى.‏

المكتبات الخاصة في حلب:‏

أشارت بعض كتب الأدب والتاريخ التي تحدثت عن حلب وأعلامها إلى أسماء مكتبات خاصة لعدد من العلماء والأعيان مثل: خزانة مصطفى آغا كتخدا، وخزانة محمد زكي بك حميد باشا، وخزانة مرعي باشا ملاح، ومكتبة أحمد بن طه الأشرفي، وخزانة جبرائيل دلال، ومكتبة محمود أفندي الجزار، وخزانة قسطاكي حمصي، وخزانة جرجس شلحت(1).‏

وكثرت المكتبات الخاصة في حلب في القرن العشرين، فمعظم أساتذة الجامعة في حلب يمتلكون مكتبات عامرة تتفاوت في حجمها بين مكتبة وأخرى.‏

وكذلك العلماء والأدباء، تكتظ غرف منازلهم بالكتب التخصصية والثقافية العامة. نذكر من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر:‏

الشاعر عبد الله يوركي حلاق صاحب مجلة الضاد الذي تعد مكتبته من المكتبات الغنية على مستوى الوطن العربي، والأستاذ خير الدين الأسدي، والدكتور نعيم اليافي، والأستاذ محمود فاخوري، والناقد محمد عزام، ومحمد خير حلواني والأديب عبد القادر عنداني، والباحث مختار فوزي النعال الذي تضم مكتبته كثيراً من المعاجم القرآنية والتراثية، والأستاذ عبد الوهاب الصابوني التي تعدّ نموذجاً للمكتبات الخاصة في حلب في القرن الرابع عشر الهجري والقرن العشرين الميلادي(2).‏

اهتمام عبد الوهاب الصابوني بالكتب:‏

ولد عبد الوهاب الصابوني في حلب سنة /1912/، ودرس فيها المراحل المتتابعة، وعندما كان في الإعدادية والثانوية تردد كثيراً على "دار الكتب الوطنية" للمطالعة ثم تخرج في دار المعلمين بدمشق، وأثناء ذلك اطلع على كنوز المكتبة الظاهرية، وفي عام 1944م سافر إلى القاهرة للدراسة، وتخرج من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (قسم اللغة العربية) سنة 1947م بتقدير جيد، وأتيح له خلال ذلك ارتياد المكتبات العامرة ولا سيما "دار الكتب المصرية" فنهل من نفائسها، وعب من رحيقها، ثم عاد إلى حلب حاملاً نفائس الكتب ونوادرها، وعمل مدرساً للغة العربية في حلب لسنوات طويلة، تمكن خلالها من أن يقوم برحلات إلى أوربة فاطلع على آدابها، وجمع بين التراث والمعاصرة. ألف عدة كتب طبع منها: قصة عصام، اللباب في النحو، شعراء ودواوين.....(3).‏

وقد تجلى اهتمام الصابوني بالكتب قراءة وشراء، وحفاظاً وتأليفاً، أما القراءة فقد رأينا أنه منذ أن كان طالباً يواظب على المكتبات العامة في حلب ودمشق والقاهرة، وما إن تخرج وأصبح لديه نقود يستطيع بها شراء الكتب حتى نراه يزور المكتبات في حلب يتابع الإصدارات الجديدة والقديمة ويشتري منها ما يلزمه من الكتب والمراجع حتى تكوّن لديه ـ على مر السنوات ـ مكتبة تضم حوالي /1300/ كتاب في جميع الفنون، وكان له اهتمام خاص بدواوين الشعر، ولبيان ذلك ننقل ما قاله في مقدمة كتاب "شعراء ودواوين":‏

"أولعت ـ منذ الصغر ـ بالشعر والشعراء، ورحت أتقصى أخبارهم، وأحفظ أشعارهم وأقتني دواوينهم، وكنت كلما وقع بصري ـ في السوق ـ على طبعة تفوق تلك الطبعة التي عندي منها، ابتعتها سريعاً، ورحت مغتبطاً بها مسروراً أقلب صفحاتها، أقارن وأصحح وأنقل وأستفيد: سرور يقصر عندي دونه كل سرور!!".‏

مكتبة عبد الوهاب الصابوني:‏

لقد تم اقتناء الكتب التي فيها من حلب ودمشق والقاهرة والعواصم الأوروبية التي زارها عبد الوهاب صابوني، فهي حصيلة انتقاء فريد ومتميز لإنسان خبير بالكتب وما فيها، وعاش حياته عاشقاً للكتب والمطالعة حتى غدت طعامه وشرابه، وعزف عن الزواج ليتفرغ للعلم والقراءة، وغدت مكتبته تضاهي كثيراً من المكتبات الخاصة في حلب، يعب منها ليل نهار، وفي العقد الأخير من حياته أوصى بمكتبته إلى كلية الآداب بجامعة حلب عام 1977م ولما توفي في 10/ 11/ 1986م نقلت مكتبته بخزائنها الثمينة وما فيها من كتب قيمة إلى مبنى الجامعة، وعين الأستاذ حسن بيضة تلميذ الصابوني أميناً لها(4).‏

ولم يكتف الأستاذ الأديب عبد الوهاب الصابوني باقتناء الكتب وقراءتها، بل ألف كتابين عرّف بالكتب التي احتوتها مكتبته، الكتاب الأول: عيون المؤلفات والثاني دواوين وشعراء.‏

عيون المؤلفات:‏

لشدة حب الصابوني للكتب كان يطلع عليها، ويسجل في دفتره تعريفاً لكل كتاب فيها، واستمر على ذلك سنوات حتى تكون لديه كتاب جامع لأمهات الكتب، وكان يعود إليه بين حين وآخر معدلاً ومصنفاً ومنقحاً، ولقد بلغ هذا الكتاب ثلاثة أجزاء في ألف وخمسين صفحة، وهو يشتمل على اثنين وثلاثين باباً من أبواب المعرفة، الجزء الأول يشتمل على ستة عشر باباً وفيه ما يلي (كتب ورجال، تراجم، تراجم الفلاسفة والأطباء والعلماء، التراجم الخاصة، الشعراء، النحاة، أندلسيات، المعاجم، معاجم البلدان، الملل والنحل، الصرف والنحو، البلاغة، التفاسير، بحوث في القرآن، النقد، الفنون).‏

والجزء الثاني يشتمل على أحد عشر باباً وفيه: (اللغة، الحكم والأمثال، المعرب، الموسوعات، المجاميع، الأدب، تاريخ الأدب، التاريخ، تاريخ الحضارة، الاجتماعيات، الجغرافيا، الفلسفة).‏

أما الجزء الثالث فهو يضم خمسة أبواب وفيها (تاريخ الفلسفة، التصوف، العلوم، تاريخ العلوم، الطب والأمراض، الكتب المقدسة).‏

واتبع في التعريف بالكتب منهجاً واضحاً، فهو يذكر اسم الكتاب، ويبين قيمته وموضوعه، ويشير إلى مضامينه ومنهجه، والسنة التي صدر فيها والجهة التي أصدرته، واسم المحقق إن وجد، وكل كتاب يذكره في باب، فإذا تضمن أكثر من موضوع يذكره في باب أخر.‏

إن الصابوني لم يكن يسعى لإصدار ما كتبه في كتاب، وبعد أن مات بعدة سنوات جاء الأستاذ المربي محمود فاخوري، وحقق الكتاب وأخرجه إلى النور.‏

صدر الجزء الأول عام /1992/م وصدر الجزء الثاني والثالث عام 1994م عن معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب.‏

إن المطلع على الكتاب يتعرف على مكتبة عبد الوهاب الصابوني عن قرب، ويدرك كم من الجهد بذله الصابوني في إعداد هذه المكتبة والاطلاع على ما فيها من كتب.‏

شعراء ودواوين:‏

ولشغف الأستاذ عبد الوهاب الصابوني بالشعر والشعراء، لم يتحدث عن دواوين الشعراء في كتابه السابق بل خص الدواوين بكتاب ألفه هو "شعراء ودواوين" تضمن هذا الكتاب كل ما تحتويه مكتبته من دواوين للشعراء حيث رتبها حسب سني وفاة أصحابها، وكتب عن كل ديوان كلمة تعرف به وبالشاعر ثم أتبع ذلك بالمراجع التي ترجمت للشاعر وأضاف مراجع لشراح الدواوين وعن الذين جمعوا مختارات من الشعر، وفي تعريفه بالشاعر ذكر اسمه وتفسيراً لاشتقاق اسمه ومعناه، ولإكمال الفائدة اختار أقوال العلماء والباحثين في الأدب والشعر جمعها في آخر الكتاب، وأنهى الكتاب بخمسة فهارس، الأول لدواوين الشعراء، والثاني للآراء والنظرات، والثالث للكتب، والرابع للأعلام والخامس للمراجع، يقع هذا الكتاب في 359 صفحة، ونشرته مكتبة دار الشرق في بيروت سنة 1978م.‏

تحية وتقدير:‏

وفي الختام نحيي الأستاذ عبد الوهاب الصابوني التي أهدى مكتبته بعد وفاته إلى كلية الآداب في جامعة حلب لينهل منها الباحثون والطلاب على مر العصور.‏

ونقدر لـه تقديراً عالياً تلك العناية الفائقة بالكتب مطالعةً وتأليفاً وحفظاً وتصنيفاً وتعريفاً، ونتمنى من كل أرباب الفكر والعلم والأدب أن يحذوا حذوه، فقد ترك بعده ـ رحمه الله ـ علماً يُنتفع به!!‏

(1) انظر: كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب. للغزي، وكتاب خزائن الكتب العربية. لفيليب طرزي، وكتاب الحركة الفكرية في حلب، لعائشة الدباغ. والحياة الفكرية في حلب، لفريد جحا.‏

(2) انظر مقال المكتبات في حلب والمشهد الثقافي. أحمد دوغان. صحيفة الجماهير الحلبية العدد /12002/ 4/ 1/ 2006م.‏

(3) انظر كتاب عبد الوهاب الصابوني. للأستاذ حسن بيضة. منشورات جامعة حلب 1407هـ / 1987م صفحة 9 ـ 10.‏

(4) انظر: عبد الوهاب الصابوني. مرجع سابق. صفحة 11.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244