|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:55 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الجالية الأرمنية في حلب ونشاطاتها ـــ د.الكسندر كشيشيان(*) خير مقدمة لهذا البحث المقال البليغ الذي كتبه عميد وشيخ الصحافة الحلبية شكري كنيدر في العدد 186 من جريدته "التقدم" لعام 1911 تحت عنوان: "المسلمون والمسيحيون في حلب" ((امتازت حلب على أكثر أخواتها في البلاد، إذا لم نقل كلها. بما بين أهليها على اختلاف أديانهم من الألفة والمودة والتمازج والاتفاق وقلما يحدث بينهم شيء من التنافر التخاصم يكون منشؤه التعصب والبغض الديني حتى إنك لتجد الرجل المسلم من الأصدقاء والخلان والعشراء المسيحيين أكثر مما له منهم بين أبناء دينه وكذلك المسيحي. وليست هذه المودة حديثة وجدت بعد الدستور الداعي إلى الإخاء والمساواة بل هي قديمة العهد ثابتة الدعائم من قبل ذلك. وقد كنا نعجب حين نسمع بأنباء الخصومات والمنازعات التعصبية والحوادث السيئة التي كانت تقع في البلاد السورية وخاصة بيروت ونحمد الله على ما نحن فيه من الغبطة والصفاء. ولقد رأى أهل بيروت عجباً حين شاهدوا وقت إعلان الدستور شيخاً وقسيساً يتصافحان وقد ملأ كتبتهم يومئذ الصحف في الكلام على هذا الأمر الغريب وعدوها أعجوبة باهرة ونعمة عظمى وآية كبرى. أما هنا فقد تعجب القوم من تعجب جيرانهم لأننا اعتدنا أن نرى دائماً الشيخ والقسيس يتصافحان.. وآثار المحبة والائتلاف بين أصحاب الأديان المختلفة في الشهباء تظهر بأحسن مظاهرها في الأوقات الصعبة والمواقف الحرجة. وإذا بحثنا عن أسباب تآلف المسلمين والمسيحيين في هذه المدينة لا تجد من سبب غير ما طبع عليه الأهالي عموماً من كرم الخلق ولين العريكة ورقة الجانب. فإنه ليس من تكافؤ ليحصل التوازن وعدد المسلمين أضعاف عند المسيحيين والكثرة تقتضي الأثرة واستضعاف القلة وليس شيء من ذلك في حلب. فليس إذاً لتلك الصداقة من سبب إلا ما ذكرناه من سهولة الطباع وصفاء القلوب. وكل من أقام بينهم من الغرباء يشهد لهم بفرط الأنس ورقة الحاشية وكثرة اللطف حتى لقد يحسب الغريب اللطف ضعفاً ويظن الرقة تذللاً ويحمل الإكرام على الضعة والخمول. فعلى العقلاء أن يحرصوا ما استطاعوا على هذه الحالة التي تغبط حلب عليها أكثر المدن وأن يعملوا جهدهم على زيادة التآلف والتمازج وينتبهوا لأقل ما يوجب التنافر والتنازع)). آراء حول الأرمن بسم الله الرحمن الرحيم (1)من الحسين بن علي ملك البلاد العربية وشريف مكة وأميرها إلى الأمراء الأجلاء الأماجد فيصل والأمير عبد العزيز الجربا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فقد صدرت الأحرف من أم القرى بتاريخ 18 رجب 1336هـ نحمد الله الذي لا إله إلا هو ثم نصلي ونسلّم على نبيه وآله وصحبه وسلم... وإن المرغوب بتحريره المحافظة على كل من تخلف بأطرافكم وجهاتكم وبين عشائركم من الطائفة الأرمنية اليعقوبية (تساعدوهم) على كل أمورهم وتحافظون عليهم كما تحافظون على أنفسكم وأموالكم وأبنائكم وتسهلون كل ما يحتاجون إليه في إقامتهم فإنهم أهل ذمة المسلمين والذي قال فيهم صلوات الله عليه وسلامه: "من شيمكم وهممكم" والله يتولانا وإياكم بتوفيقه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (2)يستشهد العلامة الشيخ كامل الغزي بنشاط الأرمن في بداية هجرتهم إلى حلب بعد الحرب العالمية الأولى 1915-1923 بالتعابير التالية: ((نورد في هذا الاستطراد بعض ما وقفنا عليه من الأحوال الروحية والتقاليد القومية التي سارت على سننها الهيئة الاجتماعية في الطائفة الأرمنية التي مضى على مجاورتنا إياها بضع سنوات، فقد هاجرت إلى حلب بعد الحرب العالمية وقد أصبح فيها منهم العدد الكبير الذي يقدر بستين ألف نسمة فنقول: الأرمن مهما اختلفت أجناسهم وتباينت أقطارهم أمة نشيطة جدية عاملة وهي ثابتة في مقاصدها وقوية الإرادة في منازعها تمارس من صعاب الأمور ما يعجز عنه غيرها من أمم الشرق ولا تعتمد إلا على نفسها ولا يعوقها عائق في سبيل غاية تطلبها. ترى كل فرد من أفرادها ذكراً كان أم أنثى وكبيراً كان أم صغيراً منكباً على عمله مهرولاً إلى حانوته مبكراً لمزاولة مهنته التي ارتضاها له قوة جسمه وسعة مداركه فمنهم التجار بأنواع البضائع الشرقية والغربية ومنهم الصيدلي والطبيب والمحامي والمهندس والصراف والخادم والكاتب والميكانيكي والخياط والحائك والنجار والحداد والمعمار والطاهي واللحام وصاحب المقهى والنزل وبائع الخضر والبقول وغير ذلك من المهن التي لا تخلو واحدة منها شريفة كانت أم منحطة إلا والمشتغلون بها من الأرمن عدد كبير يزاولونها باعتناء وإتقان لا مزيد عليهما. كل فرد من أمة الأرمن ذكراً كان أم أنثى لا يرضى أن يكون عاطلاً في العمل متقاعداً عن الاحتراف لذا لا ترى منهم متسولاً ولا متشرداً ولا من هو عالة على غيره سوى من أعجزته العاهات عن النهوض بعمل ما كالأيتام الذين ليس لهم مال ولا أولياء ينفقون عليهم فإن هؤلاء تكفلت بإعاشتهم الجمعيات الخيرية الأرمنية المؤلفة في حلب وغيرها من بلاد أميركا وأوروبا ففتحت لهم دور العجزة والأيتام والمدارس وأغنتهم عن الحاجة إلى غيرهم وعنيت بأمورهم أحسن عناية)). الشيخ كامل الغزي (نهر الذهب في تاريخ حلب) الجزء – 3، صفحة 428-429. (3)جاء في العدد 398 لعام 1913 من جريدة "التقدم" تحت عنوان "الأرمن" ما يلي: ((.. أول ما يدعو إلى الاعتبار من مزايا الأمة الأرمنية عنايتها بلغتها ومحافظتها عليها أشد المحافظة مدة أجيال طويلة مع ما نال المتكلمين بها من الاضطهادات العنيفة والمصائب والآفات.. فالأرمني أول ما يعلم ولده اللغة الأرمنية تعليماً وافياً مهما كانت حالته، يبذل في سبيل ذلك ما عز لديه، فترى الأرمن المقيمين بحلب منذ أجيال كثيرة يتقنون جميعهم اللغة الأرمنية عدا اللغات الأخرى.. ولا يخفى أن تعلم اللغة وإتقانها والعناية بها تنتج الميل إلى العلم وتستلزم الاطلاع على المعارف المختلفة لذا ترى الأرمن متقدمين في العلم والمعرفة وقد أحرزوا قسطاً وافراً من التهذيب والتثقيف على تأخر البيئة التي يعيشون فيها وقلة ما وصل إليها من أنوار المدنية. وكثيراً ما نشاهد الأرمني الخادم يطالع الجريدة في المطبخ كل ما سنحت له الفرصة وهو يوفر من راتبه القليل ما يمكنه من الاشتراك في الجرائد واشتراء الكتب في حين تجد السيد الكبير عندنا غير ميال إلى المطالعة.. وقد امتاز الأرمن بالذكاء والنشاط وكثر بينهم النابغون في المطالب المختلفة وحسبك بمن يقيم في حلب على قلة عددهم مثالاً. فأشهر الأطباء في هذه المدينة اليوم أرمني وأفقه المحامين أرمني وأمهر المصورين والخياطين والصُّيَّاغ وأرباب غير ذلك من الحرف والصنائع من الأرمن. ومن مزاياهم الجرأة والبسالة والإقدام ورباطة الجأش والصبر والثبات. وناهيك أنهم على شدة الاضطهاد الذي وقع عليهم ومع كل ما أهرق من دمائهم لم ينثنوا عن مبادئهم وظلوا يؤلفون الجمعيات الثورية ويجاهدون في سبيل الحرية. (4)جاء في العدد 4693 لعام 1937 من جريدة "التقدم" أيضاً تحت عنوان: ((موقف الأرمن من قضية اللواء: مرات كثيرة أظهر فيها الشعب الأرمني ولاءه وإخلاصه للوطن السوري واستعداده للنضال إلى جانب الشعب العربي في سبيل استقلاله وسعادته. ولا غرو فمقدراتنا واحدة ومصالحنا مشتركة ولكن يظهر أن الفكرة العربية الشاملة قد غزت أخيراً الشعب الأرمني.. ولقد اطلعت منذ أيام قلائل على رسالة وردت من أحد هؤلاء الشباب في جبل موسى إلى أمانة سر "العصبة" في أنطاكية وأنا أورد فيما يلي تعريب بعض فقرات منها: "يجب أن نجاهد ليس فقط في سبيل الشعب العربي والأرمني، ولكن خصوصاً في سبيل الاستقلال ووحدة كل البلاد العربية مثلنا الأعلى – ليس من يستطيع التفريق بيننا في نضالنا لأجل العدالة وخير الجماهير الشعبية العربية التي لم تتحرر بعد من الاستعماريين. إخوتي يعتبرونكم رفاقاً لهم وهم يحيون رفاق جبهتنا المكينة "عصبة العمل القومي" وزعيمها زكي الأرسوزي". ونحن نحيي في الشعب الأرمني هذه العاطفة الكريمة.. ويسرنا أن نشير بهذه المناسبة إلى الجهود الطيبة التي يبذلها في هذا السبيل الزعيم الأرمني الدكتور ماتوسيان لموقفه النبيل من القضية العربية". وهناك مقالات مماثلة عديدة أخرى في الجريدة. الهجرات ونشوء الجالية الأرمنية في حلب والبلاد السورية تعود العلاقات المتعددة الوجوه بين أرمينيا الكبرى وسوريا إلى قرون طويلة خلت بدءاً من القرن الأول قبل الميلاد ولا تزال العلاقات الحميمية بين الشعبين الجارين مستمرة حتى يومنا هذا. لقد كان أول احتكاك بين الشعبين أثناء الحكم الأرمني على سوريا في عهد الملك ديكران الملقب بالكبير الذي بقي في ربوعها مدة 16 سنة فقط بدءاً من عام 83ق.م برجاء من سكانها. وإلى جانب العلاقات السياسية تطورت العلاقات الدينية والثقافية بين البلدين وكان السريان أول المبشرين الذين نشروا المسيحية في المناطق الجنوبية لأرمينيا بين القرنين 2-3م ودرس شبان أرمن عديدون في مدارس سوريا المشهورة وتعلموا اللغة السريانية وترجموا أمهات الكتب السريانية واليونانية والفارسية إلى اللغة الأرمنية. وبعد هذه الحملة لا نعتقد بوصول الأرمن إلى سوريا والتمركز فيها حتى القرن 4م ولا نملك أية أدلة أو وثائق أو شواهد مادية حول وجود رجال دين أرمن في القدس الشريف وخاصة أن الحاجة الغربية Sylvia لا تذكر شيئاً في مذكراتها في عام 375م حول وجود أديرة أو كنائس أو رجال دين أرمن في بيت المقدس عند تكلمها عن الجاليات السريانية واليونانية واللاتينية. Peregringtio Silviae R. P. Don Fermand Cabrol, Paris-1895 مع ذلك من المؤكد في الوقت ذاته بأن الأرمن شرعوا بزيارة الأراضي المقدسة بدءاً من نهايات القرن 6م أو بدايات القرن 7م عبر مدينة حلب التاريخية في وقت سادت العقيدة المسيحية في جميع أرجاء أرمينيا الكبرى ولا تنقصنا أدلة مادية من أديرة وكنائس تعود إلى هذه الفترة لتثبيت فكرتنا. ومنذ هذا القرن اتجه رهبان أرمن عبر أنطاكية وحلب إلى بيت المقدس لغرض الحج أولاً ثم للتأكد من إمكانية نقل الكنيسة الأرمنية إلى مهد السيد المسيح وكان الفلاح من نصيب هؤلاء التقاة. وتطورت حركة الحج بين أرمينيا وفلسطين وتأسست الكنائس والأديرة والجاليات الأرمنية في القدس وبيت لحم مع مرور الزمن وكانت حلب الواقعة على طريق الحج أكبر المدن وأكثرها سكاناً ومعقلاً قوياً للمسيحية في هذه الحقبة فتحولت إلى محطة رئيسية لمبيت قوافل الحجاج الأرمن قبل أن تكون إحدى مراكز الكنيسة الأرمنية وتتشكل في ربوعها جالية كبيرة. لذلك وقبل أن تصبح مركزاً دينياً –استيطانياً للأرمن كانت المدينة محطة روحية أمام الأعداد الغفيرة من الحجاج المتجهين إلى فلسطين من مناطق أرمينيا الكبرى المختلفة. استوطن رهبان أرمن عديدون في الأراضي المقدسة وحازوا على امتيازات وعهود أمان من الدولة العربية الإسلامية الناشئة وخاصة من الرسول محمد(ص) والخليفة الراشدي عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي، وهم يتمتعون بها حتى يومنا هذا، لبناء أديرة وكنائس لهم في القدس وبيت لحم فعظم بالتالي عدد الحجاج في القرون التالية واتخذوا حلب المزدهرة بشكل رئيسي ملاذاً آمناً ومريحاً على طريق الحج. ورغم الجزم بمرور قوافل عديدة من الحجاج عبر المدينة بعد القرن 9م لكننا لا نعثر على مصادر كتابية أو مادية حول امتلاك الأرمن لأديرة أو كنائس في حلب أو وجود جالية أرمنية منظمة فيها والاحتمال وارد جداً بأنهم كانوا يبيتون في نزل و بيوت قرب الكنائس السريانية واليونانية. واستمر الحال على ذلك حتى تأسس أول "هوكيدون" نزل للحجاج في عام 1624 (هوكيدون كلمة أرمنية مركبة مؤلفة من hoki=روح وdun=بيت أي بيت الروح) وشيدت نزل مماثلة لاحقاً في اللاذقية وبيروت ودمشق تبرع بتشييدها التجار الأرمن لراحة الحجاج وتخليداً لروح وذكرى ذويهم. ولكن ومع الأسف وكعادتنا في تخريب تاريخ بلادنا بجهالة فقد تحول هوكيدون حلب إلى "سوق نسوان" وطمست الكتابات الأرمنية المنقورة على نجفات أبواب الغرف وتواريخها فالأمل كبير أن تنتبه السلطات الرسمية الأثرية إلى ذلك لأن الصرح جزء لا يتجزأ من ذاكرة "حلب عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006". أدى تبدل الأحوال السياسية والاجتماعية في أرمينيا الكبرى لاحقاً إلى هجرة الأرمن إلى سوريا وبدأت تتشكل الجالية الأرمنية في ربوعها. وخير دليل على ذلك الترجمة الفرنسية لنص سرياني تاريخي أرسلها بطريرك السريان في حمص العلامة مار أغناطيوس أفرام في عام 1933 إلى مطران الأرمن أردافازد سورمايان في حلب حول بوادر وصول هؤلاء الأرمن قائلاً: ((.. نريد التأكيد لمحبي المعرفة بأن الأرمن دخلوا إلى سوريا وشغلوا كنائسنا وأديرتنا وقرانا في عهد بطريركنا المار أتاناسيوس الثالث الذي اتفق معهم في منازكرد في عام 1037 للتأريخ اليوناني=726م. ولأن الفرس كانوا قد أزالوا مملكتهم في ذلك الوقت نزلت أعداد كبيرة منهم إلى سوريا. وعندما رأى البطريرك أتاناسيوس بأن الأرمن شرعوا ينضمون إلى الخلقيدونيين أو اليوليانيين بسبب عدم وجود أساقفة أو خوارنة أرمن كتب إلى الكاثوليكوس الأرمني Hovhannes فأرسل له ثلاثة أساقفة إلى سوريا لرعاية شؤونهم. وقد قدم بطريركنا ديراً للكاثوليكوس على الحدود الأرمنية –السورية وتم قبول طلاب سريان وأرمن لتعلم اللغتين فقام الطلاب الأرمن بترجمة كتب الآباء السريان إلى اللغة الأرمنية..)). Woodbrook Studies, by Mingana, I,p-100,Cambridge-1931 ومار ديونيسيوس يعقوب بار صليبي مؤلف بحوث دينية عديدة توفي عام 1171م. كانت الأوضاع الدينية والإدارية والتجارية العامة مواتية في حلب وأنطاكية وحمص وأفامية لبدء تشكل الجالية الأرمنية الرئيسة في حلب ابتداء من القرن 14م وتنظيم أمورها الداخلية لتصبح بعد فترة قصيرة أهم مركز للأرمن خارج حدود أرمينيا الكبرى. وقد زاد عددهم كثيراً بعد انهيار المملكة الكيليكية الأرمنية تحت ضربات مماليك مصر في عام 1375م وزوال ممالك الفرنجة في المشرق العربي. وهناك شواهد أخرى عديدة على شكل أناجيل ومنمنمات منسوخة في حلب في عام 1329م و1429م تؤكد على وجود جالية أرمنية فيها. وقد شيدت الجالية الأرمنية في هذه الفترة كنيسة صغيرة ذات بهو واحد في حي الصليبة وكنيسة أخرى ذات أبهاء ثلاثة على بعد أمتار منها. اتخذت الهجرات أبعاداً مأساوية أثناء غزوات المغول والتتار والسلاجقة نحو البلدات والمدن السورية كقطمة ومنبج والباب وحلب ودير حافر ودبسي فرج ودبسي عفنان والهنيدة ومسكنة ودير الزور والشدادة وراس العين وتل أبيض حتى الموصل في الشمال العراقي، وزال إثر ذلك حوالي 1.5 مليون من الأرمن من الوجود، ويدين الأرمن بالكثير لمساعدة العرب بكل فئاتهم ولولا ذلك لما تشكلت الجاليات الأرمنية القوية في القارات الخمس. وتدفق المهجّرون الأرمن من مناطق أرمينيا الكبرى وتبعثروا في جميع الدول العربية المشرقية وأصقاع العالم الأخرى عبر سوريا وهرعت الجموع العربية في المدن والبراري من بدو وعرب رحل ومدنيين بمد يد المساعدة على مستوى الأفراد والجمعيات والحكومات. تؤكد المعلومات التاريخية بأن الهجرة الأرمنية الكبيرة الأولى للأرمن إلى سوريا تعود إلى القرن 6م بعد أن دحر الملك الفارسي كسرى أنوشروان 531-579م بيزنطة في عام 539 واستولى على أنطاكية والرها ونقل إلى هاتين المدينتين الكبيرتين عدداً كبيراً من الأرمن. وبعد ذلك هاجر الأرمن في عهد الخلافة العباسية 750-1259م إلى سوريا هرباً من الاضطهادات الدينية والسياسية البيزنطية والغزوات التتارية ونزح واستقر العديدون منهم لاحقاً في بعض المناطق السورية الساحلية وبنوا قرى مثل اليعقوبية والقنية والجديدة والغنيمية وآراموا وكسب وغيرها في محافظة اللاذقية. سقطت المملكة الأرمنية البقرادونية 885-1071م تحت ضربات السلاجقة 1064-1220م والغزوات المغولية –التتارية المدمرة 1220-1464م فهاجر عدد كبير من الأمراء والأشراف الأرمن مع قواتهم وشغلوا معظم المناطق الممتدة بين بلاد ما بين النهرين الشمالية وأنطاكية وأسسوا إمارات صغيرة كإمارة مرعش وملاطية والرها وكيسون وزوفك وبيري والروبينيين وهذه الأخيرة وسعت حدودها فتشكلت المملكة الأرمنية الكيليكية التي استمرت ما بين عامي 1198-1375م وزالت كما جاء تحت ضربات مماليك مصر فنزح معظم سكانها إلى سوريا ومناطق بيزنطة المختلفة. جرت هجرات أخرى من الأرمن إلى البلاد السورية بسبب المجاعة التي حثت بين عامي 1070-1080م في منطقة آسيا الصغرى فنزحت جموع كبيرة منهم إلى أنطاكية التي غدت مركزاً تجارياً ودينياً وثقافياً كبيراً لهم. ويشهد القنصل الفرنسي في حلب الفارس لوران دارفيو في القرن 17 بأن أغلب سكان أنطاكية كانوا من الأرمن واليونانيين وكان بعض ولاتها من الأرمن مثل Vest Khatchadour Anetsi 1068-1071م Vasak Bhadvouni 1071-1078. وتذكر مختلف المصادر التاريخية عن وجود جاليات أرمنية أخرى أيضاً في هذه الفترة في إسكندرون وبيلان وحمص ودمشق وبيروت وطرابلس وصور وصيدا عدا الجالية الكبيرة في مصر أيام الخلافة الفاطمية. تشهد المصادر الأرمنية بأن أحوال الأرمن في حلب كانت جيدة. وفي مطلع القرن 16 وعلى مدى قرنين من الزمن غدت حلب مركزاً تجارياً كبيراً نتيجة استيلاء العثمانيين على القسطنطينية في عام 1453 فاحتلت الطريق التجارية الجديدة تبريز-حلب المارة عبر المدن الأرمنية بركري-أرجيش-أردزن-خلاط-باغيش- مكان طريق بحر قزوين-أستراخان-آزوف. وكانت حلب تتصل بالبحر الأبيض المتوسط عبر طريقين: طريق حلب-حماه-حمص-دمشق-طرابلس وطريق حلب-أنطاكية-بيلان-إسكندرون فازدهرت الجاليات الأرمنية في هذه المدن المذكورة وشرع التجار الأرمن يصلون إلى حلب من مختلف أنحاء أرمينيا. وقد ظهر على شواهد أضرحة المقبرة الأرمنية في حلب بأن هؤلاء التجار الأرمن جاؤوا من مدن أرمينيا الكبرى كأرضروم وفان Van وموش وتبليس وملاطية وصاصون والرها وغراباغ ومن مدينة جولفا الإيرانية. وقد عُثر في عام 1965 على كتابات أرمنية منقورة على الصخر يصل عددها إلى 20 جنوبي دير الزور بـ80كم تعود إلى العامين 1628 و1674. لكن الهجرات الأرمنية الكبيرة في 150 سنة الأخيرة جرت بسبب الاضطهادات التركية المتواصلة في الأعوام 1876 و1895 و1909 و1915 و1922 و1939 وبلغ عدد المهاجرين إلى سوريا ولبنان حوالي 125.000 أرمينياً منهم 75.000 إلى حلب وضواحيها وتوزع الباقون في المدن السورية الأخرى. جاء في العدد 692 من جريدة التقدم الحلبية ما يلي بعد تهجير الأرمن إلى سوريا: مرسوم من سمو الأمير فيصل بشأن إعادة نساء الأرمن وأولادهم أرسل سمو الأمير فيصل إلى حضرة مرخص الأرمن الأرثوذكس الكتاب الآتي: لحضرة مرخص طائفة الأرمن في حلب السيد أرتين المحترم، سلام واحترام وبعد، فإنّا كتبنا اليوم إلى حاكم حلب العسكري جعفر باشا بوجوب اتخاذ جميع التدابير الممكنة والإعلان في الجرائد بأن كل من يوجد لديه أحد من نساء الأرمن وأولادهم وبناتهم ويعمل على إخفائهم ولا يسلمهم لذويهم أو للحكومة في الحال يجازى بأشد الجزاء. فالأمل إرشاد الحاكم المذكور إلى محل وجود هؤلاء ليسعى في إرجاعهم واقبلوا خالص احتراماتي. فيصل وجاء أيضاً في العدد 6894 لعام 1946 بقلم شكري كنيدر رئيس التحرير وعميد شيخ الصحافة الحلبية آنذاك: ((أصدر الأسقف Zareh Payaslian مطران الأرمن الأرثوذكس لأبرشية حلب وتوابعها نداء إلى المقاتلين الأرمن في الجيش الفرنسي كي ينضموا بأسلحتهم إلى الجيش السوري فلبى الجنود الأرمن نداء الواجب ومنحته الحكومة وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى بموجب المرسوم رقم 381 تاريخ 2 نيسان عام 1946 تقديراً لموقفه النبيل تجاه الوطن السوري. وقد قال محافظ حلب آنذاك الأمير مصطفى الشهابي عند تقليده الوسام: "عندما بدأ الأرمن يهاجرون إلى ديار الشام عقب الحرب كان أبناء هذه الديار تحت تأثير عاملين مختلفين: الأول العطف على هذا الشعب الباسل النشيط الذي نكلت به سياسة الاتحاديين الغاشمة في الدولة العثمانية كما نكلت بنا على السواء. والثاني الخوف من أن تكون له في بلادنا أطماع سياسية أو يكون وجوده بين ظهرانينا مزاحمة اقتصادية تمس سواد الشعب. وها قد مضى نحو ربع قرن على هذه الهجرة فإذا بظنوني الماضية تتحقق وهم يعدون الشام وطناً ثانياً لهم فيرفضون مطالب الأجانب في تأليبهم علينا ويشاركوننا في السراء والضراء يفرحون لأفراحنا ويحزنون لأحزاننا ويعرضون خدمتهم علينا في كل ملمة شأنهم في ذلك شأن المواطن المخلص الذي لا يفصله عن أخيه أي فاصل. ولئن حمدنا مسلكهم السياسي الذي لا غبار عليه فلم نذم أيضاً تأثيرهم الاقتصادي. فقد جاء على ما توقعت من حيث إيجاد صناعات جديدة ورخص في الأيدي العاملة ورخاء لا ينكر. وبعد، إن لهذه الطائفة الكريمة قادة كراماً لم يخلفوا ظناً في وقت من الأوقات ويسعدني أن أرى على رأسها اليوم راعياً صالحاً تقياً أدبياً هو سيادة المطران زاريح فهو ما انفك منذ مجيئه إلى حلب يبث روح المحبة والتآخي وإطاعة القانون والابتعاد عن الشقاق والعمل على ما فيه خير وطننا السوري المحبوب. ويسرني أن أعلق على صدره وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى الذي تفضل فخامة الرئيس الزعيم (شكري القوتلي – أ. ك) بمنحه لسيادته لخدماته الجلى متمنياً له الصحة والخير العميم". وأقدم بعض المقتطفات من رد وشكر المطران في هذه المناسبة: "معالي الأمير، إن هذا الوسام الذي زينتم به صدري هو تقدير حكومتنا المكرمة للجالية الأرمنية التي أمثلها. ورغم قيمتها المعدنية المحدودة إلا أن قيمتها المعنوية عظيمة لا تقاس بمقياس أبداً... نعم يشهد لي ضميري أني كنت دوماً مخلصاً فيما قمت به في الواجب نحو بلادي، وإني حيثما أكن وأينما أقصد سأعمل مادياً كان أم معنوياً وسأبذل قصارى جهدي لإعلاء كلمة هذا الوطن العزيز. صار عام 1945 عاماً للمجد والخلود في تاريخ سوريا. وقد حققت فيه الأماني وتخلص الشعب من نير الأجنبي المسيطر. وما تحقق ذلك إلا بقوة الاتحاد والإخلاص نحو الوطن المقدس. نحن الأرمن ذقنا مرارة النضال لأجل الحرية وسال منا الدم بسيل الفرات والدجلة ومع ذلك سرعان ما انضم الأرمن لأخوانهم العرب لتحقيق آمانيهم السلمية لنيل حقوقهم المقدسة. بارك الله رجالاتنا الأشداء الخلص الذين وقفوا وقفة الأسود أمام الأجنبي الدخيل واستشهدوا استشهاد البواسل الأحرار. لقد أثبت السوريون للعالم أجمع أنهم أسياد بلادهم وقادرون على إدارة شؤونهم بأنفسهم. وبدأت تخطو الأمة خطوات عظيمة في سائر مظاهر الحياة وإني لشديد الاعتقاد أنه سوف لا يمضي إلا بضع سنين وستصبح سوريا زهرة الشرق الأدنى ومناره الوضاء... عاشت سوريا المستقلة الحرة. عاش الشعب السوري وحكومته الجليلة...)) بعض المقتطفات من أعداد جريدة التقدم الحلبية حول هجرة الأرمن إلى حلب والمشرق العربي وحالهم وردود الفعل السلبية والإيجابية المختلفة من السكان الأهليين تجاه نزوحهم. جاء في عدد 1570 لعام 1922 ما يلي تحت عنوان "المهاجرون في حلب": ((لقد كثرت هجرة الأرمن والأروام من أهالي الأناضول إلى البلاد السورية بسبب الأحوال المعروفة في تلك الجهات، وقد أحدث نزول هؤلاء المهاجرين فيما بين ظهرانينا تبرماً عند بعض الأهالي لما قد ينشأ عن ذلك من ارتفاع أثمان الحاجيات واشتداد أزمة السكن. غير أن المتأمل البصير يرى بأنهم منذ نزلوا عندنا يعانون أنواع المهن والحرف والصناعات فازدادت بهم الأيدي العاملة وكانوا مساعدين على تخفيف أزمة الغلاء في كثير من الحاجيات الضرورية. وقد كان أكثر الغلاء كما يعرف الناس متأتياً عن طمع الباعة وطلبهم الربح الفاحش. والمهاجرون الذين تعاطوا البيع والشراء يقنعون بالربح القليل. لذلك نرى أن أثمان الحوائج لم ترتفع بعد أن أتى المهاجرون على كثرة عددهم... أما الآن فقد كثر البناؤون والنجارون والحدادون وغيرهم وسيكون المهاجرون أعظم العوامل لتخفيف أزمة السكن... على أن الحلبيين أضافوا برهاناً جديداً على ما عرفوا به من الأريحية ونبل العواطف وسماحة النفس بما ألفوه من الجمعيات المتعددة لإعانة المعوزين من المهاجرين وتخفيف شقاء المنكوبين كما أن الحكومة المحلية والبعثة الفرنسية قد بذلتا من الاهتمام العظيم بأمرهم وخصصت الحكومة لهم في المدة الأولى (خان التتن والقولى) لإقامة بعض منهم ما استحقتا عليه جزيل الشكر وعظيم الأجر)). وفي عددي الجريدة 1433 (تحت عنوان إعانة جياع الأرمن) و 1572 (تحت عنوان تشغيل المهاجرين) عام 1922 جاء: ((تألفت في هذه المدينة لجنة لمساعدة أهل أرمينيا الذين يفتك بهم الجوع فتكاً ذريعاً. وقد أخذت اللجنة تجمع الإعانات من أهل البر والإحسان... إن عاصمة أرمينيا أريفان الشهيرة بحدائقها وبساتينها والمزروعات التي حولها ليست اليوم غير صورة الموت. فالجائعون يلتقطون كل ما يجدونه في الطرقات مما يخيل لهم أنه يؤكل والأولاد يبيتون في الاصطبلات ملتحفين بالتبن اتقاء الجليد القاتل. وفي صبح كل يوم نجد أولاداً على الأرض أجساداً هامدة أو يئنون وينبحون في حالة نزع والأمهات يرمين أولادهن على أبواب المستشفيات ويذهبن لكي لا يرينهن يموتون جوعاً بين أذرعهن...)). جاءت الكلمات التالية في عدد جريدة التقدم 1572 تاريخ 1922 وتحت عنوان "تشغيل الأرمن": ((إن ما نشاهده من الغيرة في تأليف الجمعيات المتعددة وما جمع من الأموال والثياب لإعانة المهاجرين من الأناضول جدير بالإعجاب والثناء ويسرنا أن الحكومة المحلية والبعثة الفرنسية وذوي المروءة من الأهالي يقومون جميعاً بما تفرضه عليهم الشرائع الإنسانية نحو هؤلاء البؤساء.. والطريقة التي نوهنا بها ويقول بها أرباب الرأي والتدبير هي أن يعطى لأصحاب الحرف والصناعات والمهن المختلفة ما يتمكنون من مزاولة مهنتهم فيكسبون رزقهم ورزق عيالهم بعملهم ولا يكونون عالة على أهالي هذه المدينة ويسدون فراغاً كبيراً في حياتنا...)). وبعد هذه المقالة بسنة واحدة كتب شكري كنيدر في العدد 1734 عام 1923 من جريدته تحت عنوان "المهاجرون في حلب" قائلاً: ((لا نزال نسمع من بعض القوم تذمراً وتأففاً من المهاجرين النازلين عندنا ممن أجبروا على الجلاء عن أوطانهم في الأناضول وغيرها ظناً أنهم عالة على هذه البلاد لا تطيق تحملهم. ونحن لا نريد أن نستثير عواطف الرحمة والشفقة على هؤلاء الغرباء التاعسين الذين أبعدوا عن ديارهم وجردوا من أملاكهم وأموالهم وأصبحوا طريدين شريدين معوزين وكثيرون منهم كانوا ذوي يسار وسعة وأبناء رخاء ونعمة فأصبحوا يكدون لتحصيل الرزق وتخدم نساؤهم في البيوت لنيل القوت.. نريد أن نناقش المتذمرين في الوجهة المادية دون العواطف ونثبت لهم أن هؤلاء المهاجرين ليسوا عالة على هذه البلاد ولكن في وجودهم فائدة. وإنه يكفي المرتاب أن يرجع إلى المصارف فيعرف مقدار ما يرد على أيديها من النقود التي يرسلها إلى المهاجرين أهلوهم وأنسباؤهم وبنو جلدتهم في أمريكا وغيرها من أطراف المعمورة والجمعيات الخيرية على اختلاف أنواعها فهذه النقود كلها تنفق عندنا فتزيد في حركة السوق وتساعد على تخفيف الكساد والضيق المالي. وإذا كنت ترى اليوم في هذه المدينة مئات كثيرة من البنايات المستحدثة منذ سنة فمعظم الفضل في ذلك يرجع إلى هؤلاء المهاجرين الذين كثرت بهم الأيدي العاملة التي كنا نشكو من قلتها واعتدلت الأجور التي كنا نتذمر من فداحتها وقد ابتنى أكثرهم لأنفسهم منازل من الخشب وأكواخاً في أماكن بعيدة فأمن الأهلون مضايقتهم ومزاحمتهم لهم فكانوا من العاملين على تخفيف أزمة المنازل خلافاً لما كان يتوقع ويخشى. ولو سألت الزراع لأجابوك أن المهاجرين يؤدون لهم أحسن خدمة في المزارع والقرى بأجرة زهيدة وقد خففت هذه المهاجرة أزمة الخادمات وكنّ قبل ذلك نادرات جداً. فلسنا نرى والحالة هذه وجهاً أو سبباً معقولاً للتشاؤم من هؤلاء المهاجرين على أنهم عابرو طريق وهم يرحلون عنا تباعاً. ولو نظرنا إلى مصلحتنا لتمنينا مكثهم عندنا وبقاءهم بيننا.... على أن هذه النتائج لم تأت عفواً بل إن كلاً من الحكومة المحلية والسلطة الإفرنسية وكرام الأهلين قد قام بالواجب المترتب عليه حق القيام فاستحق الجميع جزيل الشكر ووافر الثناء. وما أبعد حالة المهاجرين اليوم عن حالة أمثالهم في أثناء الحرب العامة حيث كان الجوع والاضطهاد والوباء يفتك فيهم فتكاً ذريعاً حتى كانوا يموتون في الأزقة والشوارع وليس بين أهالي حلب من ينظر شيئاً من تلك المشاهد الهائلة. فشتان ما بين الزمنين وسبحان من يغير الأحوال ويبدل من العسر يسراً)). أريد أن أذكر هنا بعض الجمعيات الدولية التي ساعدت المهاجرين الأرمن مادياً في بلدان المشرق العربي عدا الحكومة السورية وسلطة الانتداب الفرنسي والسكان المحليين السوريين: "الصليب الأحمر الدولي" و"الحكومة الفرنسية" و"جمعية مساعدة الشرق الأدنى" Near East Relief "والصليب الأحمر الأمريكي" و"مكتب العمل الدولي" ومؤسسات أمريكية وجمعيات أرمنية خيرية وأغنياء أرمن مهجريين عديدين جداً. الحقوق الاثنا عشر التي يتمتع بها الأرمن في سوريا: 1 ـ حق المواطنة 2 ـ التسامح الإثني 3 ـ التسامح الديني 4 ـ التسهيلات التربوية 5 ـ حقوق متساوية أمام القضاء 6 ـ حرية الانتقال 7 ـ حريات اقتصادية 8 ـ حرية الاشتراك في المناقصات 9 ـ الأمن والأمان 10 ـ الاحترام المتبادل 11 ـ احتلال المناصب الإدارية والحكومية والسياسية 12 ـ احتلال مناصب قيادية في الجيش العربي السوري. التجار الأرمن في حلب كانت حلب مركزاً تجارياً دولياً هائلاً طوال القرون الوسطى وحتى القرن 19 بسبب موقعها الجغرافي الممتاز بين الشرق الأسيوي والغرب الأوروبي وتحتوي على مئات الخانات والنزل والمستودعات. وكان التجار الأرمن ابتداء من القرن 16 يحتلون مراكز قيادية في تجارة حلب والتجارة الدولية. وهناك مصادر عديدة جداً في أرشيفات الدول الأوروبية نقدم بعضاً منها: ((في تاريخ سيدنا المسيح 1563، أنا قيصر فريديريك من البندقية كانت لدي الرغبة الكبيرة لزيارة الشرق فسافرت إلى حلب وتعرفت إلى التجار الأرمن والعرب وجهزنا أنفسنا للاتجاه إلىهرمز سوية وتركنا حلب خلفنا)). Purchas, His Pilgrims, 1905, Vol-X,p88/9 ويكتب William Biddulph في عام 1600 في حلب قائلاً: ((يتألف سكان حلب من الأتراك والعرب واليهود واليونانيين والأرمن والنساطرة وغيرهم من الشعوب)). Ibid-262 وعندما سافر Pedro Teixer إلى حلب بين عامي 1600 ـ 1605 كتب قائلاً: (( في حلب 24،000 داراً جيدة فقط ومعظمها مبنية بالأحجار وفيها بيوت كبيرة وجميلة جداً وهي غالية الثمن وتعود ملكية بعضها إلى اليهود واليونانيين والأرمن وبعضها تليق بأن يسكنها الأمراء)). The Hakluyt Society, ll Series, No-IX ويؤكد Edward Terry من سكان حلب بدوره في عام 1616 بأن ((حلب هي السوق الرئيسية لبلدان الشرق ويصل إليها التجار الفرس والهنود والأرمن وتجار من جميع الملل الأوربية واسكندرون هي مرفأ مدينة حلب)). Purdas, His Pilgrims, Mol-Ix,p.103 بعد سوق 40،000 عائلة أرمنية إلى فارس وهدم مدينتهم جوغا في عام 1605 بنى لهم الشاه الفارسي عباس الأول مدينة جديدة في إيران سماها جوغا الجديدة لتنشيط الصناعات والتجارة والفنون والعمارة في البلاد ونزح باقي سكان المدينة القديمة إلى حلب وشرعوا يعملون في التجارة فقد كانوا مهرة وحاذقين جداً في هذا المجال، ومن هؤلاء الأخوين سانوس وبيديك جلبي اللذين إلى جانب تجارتهما الدولية الكبيرة مع هولندة وإيطاليا وفرنسا كانا مديري جمارك حلب وأرضروم المعينين من قبل الباب العالي وكانت تجارتهما تنحصر بشكل رئيسي بالحرير الطبيعي والمنسوجات الحريرية مع هولندة لوجود جالية أرمنية صغيرة فيها جميع أفرادها من سكان جوغا القديمة. واستمر هؤلاء التجار بتنشيط التجارة بين حلب والدول الأوروبية مدة 1،5 قرناً ولا نسمع عنهم بعدئذ شيئاً من المحتمل بسبب منافسة القناصل والتجار الأوروبيين لهم أو فرض ضرائب باهظة على سلعهم أو بسبب هذه العوامل مجتمعة. وبعد فترة تولى السلطة في حلب في عام 1652 ضابط يدعى أبشير باشا وقد كان شخصية مسالمة فازدهرت المدينة في عهده وبنى في حي الجديدة الذي كان معظم سكانه من الأرمن خاناً كبيراً وسبيلاً وأبنية أخرى فاستمرت قوافل التجار الأرمن بنقل البضائع المختلفة من آسيا البعيدة إلى أوروبا عبر حلب وجلب سلع من أوروبا تحتاجها المدينة والبلدان الشرقية. ومن جهة أخرى كان المهاجرون الأرمن في حلب في الربع الأول من القرن 14 أناساً فقراء ومع ذلك كانوا أصحاب مهن مختلفة وخاصة صناعة الألبسة والأحذية اللتين قاموا بتطويرها واشتهروا بهما طوال 6 قرون حتى النصف الثاني من القرن 20 وعن طريق هذه "المهن الأرمنية" تمكنوا من تأمين سبل الحياة الكريمة ووصلت شهرتهم إلى جميع أصقاع الإمبراطورية العثمانية والبلدان الأوروبية والأمريكتين. وكان باشوات حلب وأعيانها وتجارها الأغنياء يرتدون الألبسة التي يخيطها لهم الخياطون المعلمون الأرمن ووصل بهم الحال إلى درجة استلام مهمة تأمين الجيش العثماني بالألبسة العسكرية الخاصة. إلى جانب ذلك كان الأرمن نشطاء في صناعة الأصبغة وخاصة اللون الأزرق الذي كان مرغوباً لدى التجار الأجانب والفرنسيين منهم على وجه الخصوص. وكان معظم معلمي هذه المهنة من أرمن عينتاب ومرعش. ومن الصناعات التي برع بها أرمن حلب في تلك الفترة أيضاً دباغة جلود الخراف والماعز والجمال وصبغها باللون الأحمر والأصفر وكان معظمهم من أرمن ديار بكر. ومن المهن الأخرى الصياغة التي كان يعمل بها السكان النازحون من مملكة كيليكيا الأرمنية ومدينة جوغا القديمة وذلك منذ فترة أبكر وذلك ابتداء من القرن 14م. بدأ قناصل وتجار هولندة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا ابتداء من القرن 16 يستقرون في حلب للتجارة بعد حصولهم على صكوك الامتيازات من السلطان العثماني وشرعوا يتعاونون مع الأرمن في التجارة الدولية للحرير والمنسوجات الحريرية التي كانت من احتكارهم بشكل رئيسي في هذه العصور رغم العدد غير الكبير للجالية الأرمنية التي لا تتعدى 5000 فرداً حسب إحصاء هؤلاء القناصل الأجانب. ومن أهم التجار الأعيان الأرمن في حلب في تلك الحقبة آل شلبي وآل جلبي وآل المعلم سليمان والخواجة خاتشيك والخواجة ناظار وغيرهم. وكان الأمير بيديك شلبي رئيس جمارك وصوباشي حلب وممثّل ملكة هولندة في المدينة وكان شقيقه صانوص شلبي رئيس جمارك أرضروم. وقد أعدم الأمير بيديك في قلعة حلب بقطع الرأس لأسباب غير معروفة حتى الآن بعد استضافته للسلطان العثماني مراد الرابع في قصره في حلب. وضريح الأمير موجود الآن في مقبرة الأرمن الأرثوذكس في حي الشيخ مقصود. زار الرحالة الأرمني سيميون ليهاتسي حلب في عام 1616 على طريق عودته من الأراضي المقدسة في فلسطين وأكد أنّ الجالية مؤلفة من 300 عائلة وأن أحوالهم جيدة. ولعل إنشاء الهوكيدون عام 1624 على بعد بضعة أمتار من كاتدرائية الأربعين شهيداً الأرمنية مقراً ونزلاً لإقامة الحجاج والتجار الأرمن خير دليل على كثرة الأرمن في المدينة. ويذكر أيضاً بأن استقبال قوافل الحجاج الأرمن القادمين من فلسطين كان يتم في خان طومان فقد كان مركزاً رئيساً لتجمع القوافل إلى جانب خان العسل اللذين كانا يقعان خارج أسوار المدينة القديمة وعلى بعد 15 ـ 20 كم عن مركزها. بعض الأرقام الموثقة حول عدد الأرمن في حلب أثناء 400 سنة الأخيرة 6750 أرمنياً عام 1745 حسب إحصاء القنصل البريطاني ألكسندر راسل 6470 أرمينياً عام 1882 حسب المصادر الأرمنية 60،000 أرمنياً عام 1918 حسب مصادر المطرانية الأرمنية 75،000 أرمنياً عام 1920 حسب مصادر المطرانية الأرمنية 48،000 أرمنياً عام 1924 حسب مصادر المطرانية الأرمنية وكان 17،000 منهم يعيشون في بيوت من خشب وصفيح في مخيمات بعيدة عن السكان المحليين في السليمانية والجابرية والحميدية والميدان والهلك والأشرفية وجبل السيدة وغيرها. 60،000 أرمنياً عام 2005 حسب إحصاء المطرانية الأرمنية. التعليم والحياة الثقافية والفكرية والرياضة المدارس عدد المدارس الأرمنية في حلب بين عامي 1924 ـ 1925 كان 19 مدرسة ابتدائية ارتفع إلى 24 في عام 1984 ومدرستان لتعليم فن الرسم والنحت بينما في أربعينيات القرن 19 كانت هناك في حلب 4 مدارس ابتدائية أرمنية فقط: الحضانة الأولى ـ 1869 ومدرسة البنات ـ 1867 ومدرستان للذكور. تأسست أولى الجمعيات الثقافة والعلمية والخيرية والرياضية وغيرها ابتداء من القرن 19 كجمعية روبينيان ـ 1846 وجمعية محبي العلم ـ 1880 والجمعية الخيرية العمومية الأرمنية ـ 1910 و 9 جمعيات ثقافية تستمر في نشاطها حتى يومنا هذا. وقد وصل عدد الجمعيات الثقافية بين عامي 1920 و 1978 إلى 42 جمعية وزال بعضها بسبب انخفاض عدد الأرمن في حلب وبقي منها حوالي الثلث. ولجميع المدارس والجمعيات مكتباتها الغنية يصل عددها اليوم إلى 28 وهناك 29 مكتبة خاصة. وكان الأرمن يملكون أكثر من 30 مطبعة في المدينة وجميع المطبوعات من كتب مدرسية و 40 دورية أرمنية من جرائد ومجلات وإبداعات الأدباء كانت تصدر عنها بين عامي 1918 ـ 1963 ثم تعرض وتباع في 49 مكتبة لبيع الكتب أصحابها من الأرمن أيضاً. حركة الترجمة في حلب وجدول الكتب المعربة يحتفل الأرمن في جميع أنحاء العالم بذكرى المترجمين في شهر تشرين الأول من كل عام وهو من الأعياد الرئيسة في حياتهم إلى درجة التقديس. لم تكن للأرمن حتى القرن 5 م حروف أبجدية وكانوا يتكلمون بالأرمنية مشافهة ويتداولون الكتابة بالحروف اليونانية والسريانية. ويعود فضل اختراع الأبجدية الأرمنية في 36 حرفاً إلى الراهب مسروب فقد فتح عهداً جديداً من الحضارة المدونة أمام الأرمن بدءاً من عام 406 م. وتضافرت جهود المملكة الأرمنية والكنيسة بعدئذ لنقل أمهات المؤلفات التاريخية والدينية والفلسفية عن اليونانية والسريانية والفارسية واللاتينية بدءاً من أسفار الكتاب المقدس وعرف القرن 5 م في تاريخ الثقافة الأرمنية بالعصر الذهبي كما كان الحال في حياة العرب المسلمين بعد 400 سنة في عصر المأمون الخليفة العباسي. ومع الفتح العربي الإسلامي لبلاد أرمينيا في عام 640 ـ 650 م دخلت لغة جديدة مضمار الثقافة الأرمنية وهي اللغة العربية وبدأ عهد جديد للتبادل الثقافي بين الأرمن والعرب. وشهدت القرون الوسطى حركة ترجمة متبادلة فتم نقل كتاب "تاريخ الأرمن" للمؤرخ أكاتنكيغوس وكتاب "الثعلب" لوارطان أيكيكتسي إلى العربية وهذا الأخير يحتوي على قصص وحكايات على لسان الحيوانات على مثال كتاب "كليلة ودمنة" ولكنه أقدم منه. كما نقل كتاب أقراباذين في علم طب الخيل بعد أن كان مترجماً إلى العربية وقد ضاع الأصل العربي، وفي هذه الفترة أيضاً نقلت من العربية إلى الأرمينية كتب في تفسير الأحلام نذكر منها "تبر الملوك" ومقاطع من قصص "ألف ليلة وليلة" وقام بترجمتها آراكيل آنيتسي ومخيتار كليكانيتسي وشيران. كما نقلت رسائل "إخوان الصفا وخلان الوفا" على يد الفيلسوف الأرمني الشهير أوهانيس بلوز يرزنكاتسي تحت عنوان "من كتابات الفلاسفة المسلمين". إلى جانب هذه الأعمال الأدبية تم نقل بعض مؤلفات الأطباء العرب إلى الأرمينية كعيسى بن يحيى والرازي وابن سينا وأبي سعيد. وكان لهذا الطبيب الأخير كتاب "تشريح الإنسان" ضاعت نسخته العربية ولكن هناك 40 نسخة للترجمة الأرمنية في دار مخطوطات أرمينيا والمكتبات العالمية. وهناك مخطوطة أرمنية في باريس تشير حاشيتها بأن هيثوم الأول ملك كيليكيا الأرمنية 1226 ـ 1269م أمر بترجمة مجموعة من الكتب العربية تبحث في علم صب الفولاذ وصناعة السيوف والكيمياء. لقد شهدت مملكة كيليكيا الأرمنية 1073 ـ 1375م تطوراً كبيراً في العلاقات الثقافية الأرمنية ـ العربية لأن الأرمن وجدوا أنفسهم قريبين إلى التخوم العربية فنهلوا من العلوم العربية وتأثر الأدباء الأرمن بفن المقامات المسجعة والأوزان الشعرية والقافية المنظومة والمصطلحات في جميع مجالات الحياة العامة والعلمية ودخلت كلمات عربية عديدة جداً إلى اللغة الأرمنية في مجالات الدين والعلوم من طب وكيمياء وصيدلة وفلك وحقوق وكلمات أخرى تستخدم في الحياة العامة دون أن يشعر الأرمني بأصولها العربية ووصل الحال إلى درجة تبني بعضها ككنية مثل حديديان ونعلبنديان وقصابيان وبيطريان وغيرها. ونذكر من رواد هذا التبادل الثقافي المفكر الأرمني الكبير كريكور ماكيستروس 990 ـ 1059م الذي أتقن الأرمنية والعربية واليونانية. لكن ما لبث هذا التثاقف أن انقطع مع الأسف رويداً رويداً بعد هذه الحقبة وحل عصر الظلام في منطقتنا بسبب غزوات وتخريبات السلاجقة والمغول والتتار فقضوا بذلك على مراكز العلم والحضارة وأحرقوا المكتبات وقتلوا العديد من أعلام الفكر والأدب والعلوم. وكانت مدينة حلب في القرن 17 مركزاً مرموقاً للتبادل الثقافي وهي بدورها عانت من محاربة اللغة الأرمنية وفرضت على الأرمن اللغة العثمانية فلجأوا إلى تداول اللغة العربية بينما بقيت الأرمنية حبيسة الكنائس والمعاهد الدينية فقام بعض المبشرين الأجانب كاليسوعيين والفرنسيسكان وغيرهم بترجمة بعض الكتب الأرمنية إلى العربية. وانطلاقاً من هذه الظروف ظهرت كوكبة من الأدباء الأرمن كتبوا باللغة العربية نذكر منهم شاهين قندي 1660 وكرديج الكسيح الأرمني 1713 وعبد الله الصباغ الحلبي 1788 وأنطوان خانجي 1868 ورزق الله حسون صاحب مرآة الأحوال 1855 وأديب أسحاق 1856 ت 1885 صاحب جريدة مصر وكركور عجميان 1904 وميخائيل قديد وبولس قوشاقجي ويوسف قوشاقجي 1966 و كثير غيرهم. وقد شهد النصف الثاني من القرن 20 وخاصة النصف الثاني منه حركة نشطة جداً في نقل إبداعات الكتاب والشعراء والمؤرخين والمستشرقين والعلماء الأرمن من الأرمنية إلى العربية وكانت باكورة الأعمال في هذا القرن ترجمة الرواية الشعرية "عروج أبي العلاء" للشاعر الأرمني الكبير أواديك إساهاكيان إلى العربية في عام 1948 من قبل العلامة خير الدين الأسدي بمساعدة بارسيخ تشاتويان ونشر عام 1952. وقد تم نشر حوالي 150 كتاباً من الأرمنية إلى العربية (وبالعكس) وتصنف في 4 أبواب: الكتب الأدبية والتاريخية المتعلقة بالتاريخ الأرمني والقضية الأرمنية وكتب تهتم بالقضايا العربية وكتب علمية. أقدم للقارئ العربي الكريم جدولاً مقتضباً جداً عنها: (أ) الكتب الأدبية المترجمة من الأرمنية إلى العربية:
تحولت هذه الرواية الأخيرة التي كتبها المخرج السينمائي العالمي الأرمني هنري فيرنوي (مالاكيان) إلى فلم ناطق بالفرنسية ولعب عمر الشريف الدور الرئيسي فيه إلى جانب ممثلين عالميين آخرين وهي تدور حول التهجير والمذابح.
|