|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:56 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
عاصمة الثقافة الإسلامية وأولى المطابع العربية ـــ د.سهيل الملاذي اليوم،ونحن نحتفل بحلب عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2006، لابد أن نذكر أمراً لـه دلالته الخاصة، وهو أنّ حلب التي كان عبر العصور المتعاقبة مركزاً لإشعاع ثقافي عربي إسلامي، كانت أيضاً ممراً ومقراً للثقافات الإنسانية في رحلتها شرقاً وغرباً. أخذت حلب منها وأعطتها وتفاعلت معها، ممّا أهّلها لتكون من أهم مراكز الحوار الحضاري بين الشرق والغرب، الأمر الذي مّهد بكل تجلياته لدخول العرب عصر النهضة الحديثة. ومن هذه التجلّيات تعرّفت حلب على فنّ الطباعة منذ فجر العصر الحديث، فكانت أوّل مدينة سورية تمارس هذا الفن، وأوّل مدينة في الشرق تعرف الطباعة بالحروف العربية(1). يقول جرجي زيدان: "السوريون أسبق المشارقة إلى الطبع بالأحرف العربية، وأسبق المدن إلى هذا الفضل حلب"(2). ويذكر المؤرخ عيسى إسكندر المعلوف أنّ "للحلبيين اليد الطولى في صناعة الطباعة. كان منهم رهبان في رومانيا اشتغلوا بمطبعتها، وكذلك في حلب بعد انتقالها إليها، وفي لبنان وغيره. فالثابت منذ القديم أنّ لهم يداً بيضاء في فن الطباعة وإنشاء المطابع، ولهم خدمات في مضمار العلم والأدب"(3). تعود علاقة حلب مع الطباعة إلى أواخر القرن السابع عشر، حين ارتحل أثناسيوس الرابع الإنطاكي الحلبي ابن الدبّاس الدمشقي بطريرك الروم الملكيين الأرثوذكس في إنطاكية والمشرق إلى القسطنطينية، ليفضَّ الخلاف الذي استفحل في الكرسي الانطاكي، ومنها سافر إلى بلاد الأفلاق(4) عام 1968، واتصل بحاكمها الأمير يوحنا قسطنطين برنكوفان(5)، وسعى لديه بإنشاء مطبعة تخدم الدين، بطبع كتب كنيسة بالعربية واليونانية. وقد حقق له الأمير رغبته، وساعده في إنشاء مطبعة في بخارست، التي كانت آنئذ غنية بالمطابع، وخصوصاً باللغتين اليونانية والرومانية. وكان الأمير برنكوفان قد أنشأ مطبعة عربية في سيناغوفو في جزيرة قرب بخارست، وكلّف الأب أنتميوس الكرجي رئيس دير السيدة فيها بالإشراف عليها والقيام بصنع حروفها العربية، وقامت بنشر عدد كبير من الكتب الدينية، وبذلك أصبح للأب أنتميوس خبرة واسعة في فن الطباعة وصنع الحروف، فانتدبه الأمير مجدداً للتعاون مع البطريرك الدّباس في إنشاء مطبعة بخارست. قام الأب أنتميوس بنقل معدّات المطبعة الجديدة من سيناغوفو إلى بخارست، وحفر أمّهات الحروف العربية لها، وما إن أصبحت جاهزة حتى طبع فيها أول كتاب وهو (القنداق: خدمة القدّاس الشريف) باليونانية والعربية عام 1701، و(السواعي) عام 1702، وما عرف من كتبها آنذاك سوى هذين الكتابين. إلاَّ أنّ سامي الكيالي يضيف إليهما كتاب (الليتورجيات الثلاثة)، ويقول: إنّه طبع باليونانية والعربية عام 01701، قبل كتاب (القنداق)(6). ولعلّ ذلك الكتاب لم يكن مطبوعاً في المطبعة نفسها، بل في مطبعة "سيناغوفو"، أو في إحدى مطابع بخارست. وحين عاد الدّباس إلى حلب وزع (القنداق والسواعي) مجاناً على كهنة الروم الأرثوذكس، وأنشأ مطبعته المعروفة. إنّ جميع من أرّخوا للطباعة يتفقون على أنّ الدبّاس صاحب الفكرة والفضل في تأسيس أول مطبعة عربية في المشرق في حلب، لكنّهم يختلفون على تأريخ تأسيسها وعلى مصدرها ومصيرها. فأمّا تأسيسها فيحدده بطرس البستاني بعام 1698(7)، وهو عام وصول الدّباس إلى بخارست. ويذكر آخرون أنّه تم في عام 1702(8)، وهذا التاريخ لا يتناقض مع ما ذكره الأب لويس شيخو عن إنشاء المطبعة في العشر الأول من القرن الثامن عشر(9)، ويتفق مع ما أورده جرجي زيدان عن أنّ أحد المحامين بحلب كان بحوزته نسخة من كتاب باليونانية والعربية مطبوع فيها عام 1702(10). في حين يذكر خليل صابات أنّ إنشاءها كان في عام 1706(11)، ولعلّه يستند في ذلك إلى صدور أول كتاب لها وهو (المزامير) في هذا العام. وأمّا أصلها فمختلف فيه أيضاً، فالمؤرخ شنورد Schnurrer يؤكد أنّ حروف "مطبعة حلب" هي نفسها حروف "مطبعة سيناغوفو"، وأنّ الدّباس جلبها معه من بخارست، وهذا ما يذهب إليه المؤرخون: شارون Sharon وغراف Graf ولوفنك Leveng، الذين يجزمون بأنّ المطبعة إنّما جاءت من الأفلاق. غير أنّ المؤرخ سليفستر دي ساسي De Sacy يرى فرقاً بيّناً بين حروف مطبعتي حلب وبخارست، بالمقارنة بين كتبهما. فإذا قارنا حروف كتاب (المزامير)، وهو أول ما طبع بهذه المطبعة في حلب، وعليه شعار الأمير برنكوفان، بحروف كتاب (القداس) المطبوع في الأفلاق، وجدنا الفرق شاسعاً، وهذا يدفع إلى الاعتقاد أنّ لكل مطبعة منها حفاراً خاصاً(12). فإذا كان ما قاله دي ساسي صحيحاً. فكيف سبك الدّباس حروف مطبعته؟ هنا لابدّ أن نستنتج أنه اصطحب معه الراهب الكرجي انتميوس إلى حلب، فحفر له حروفاً جديدة، أو أنّه تعلّم سبك الحروف بنفسه في رومانيا، فلما عاد لقّن هذا الفن لبعض الحلبيين(13)، أو أن يكون أمير الأفلاق قد أرسل إليه الطابعة دون الحروف، فقام عبد الله زاخر بحفر الحروف العربية لها(14). ولعلّ اقتران اسم زاخر بالمطبعة، هو ما دعا يواكيم مطران أن يتصور أنه مؤسسها(15)، ودفع الأب يوسف الصائغ البولسي الحلبي (المطران مكسيموس صائغ) مدير مجلة "المسرّة" أن يقول: "يظهر بجلاء أنّ مؤسس هذه المطبعة وصانع آبائها وأمهاتها إنما هو عبد الله زاخر، فيكون قد أحرز مجداً أثيلاً بإنشائه أول مطبعة عربية نشرت الكتب المفيدة في بلادنا". ويضيف: "صنع مطبعة في حلب بمساعدة أخيه، وعملا آباءها وأمهاتها وجميع آلاتها، وطبعا بها عدة كتب، وذلك بدون أن يشاهدا المطابع، وبغير أن يرشدهما أحد إلى هذا العمل"(16). ومن الواضح أنّ الأب يوسف الصائغ بكلامه السابق، يسحب من الدّباس كل فضل له بإنشاء المطبعة، ويعزوه إلى زاخر، واضعاً في اعتباره ما ذكر عن انفصال زاخر عن كنيسة الدّباس الأرثوذكسية، وهربه إلى لبنان واعتناقه الكثلكة. وفي كلّ الأحوال فإنّ قول الدباس في مقدمة (المزامير) المطبوع في حلب: "حيث أن الله وفقنا إلى عمل طبع الحرف العربي"، يوحي بأنّ حروف المطبعة التي عرف نمطها (بالحرف العربي) قد حفرت بأيدي الحلبيين، وسبكت في مدينتهم(17). وكانت حروفاً خشنة والطبع عليها غير متقن، وإن كان جلياً نضراً(18). طبعت المطبعة بين عامي (1706 ـ 1711) عشرة كتب(19)، استخدمت فيها ثلاثة أشكال من الحروف: استعمل الأول منها في طبع (المزامير 1706 ـ 1709) و(الإنجيل 1706 ـ 1708) و(النبوءات والرسائل وفصول الإنجيل 1708)، واستعمل الآخران اللذان يحاكيان خط النسّاخ المسيحيين في طبع بقية الكتب، وهي (عظات أثناسيوس بطريرك أورشليم تلتها مقالاته والمعزي 1711) و(سلك الدر النظيم في سر التوبة والاعتراف القويم 1711)، وقد جمعت العناوين كلّها بحرف واحد لم يتغير منذ نشأة المطبعة إلى حين توقفها عن العمل(20). ما يزال الغموض يحيط بمصير "مطبعة حلب". وقد تكون الأسباب التي أدّت إلى إهمال "مطبعة دير قزحيا" في لبنان، حيث وجدت في سيل الكتب المجانية المطبوعة في "مطبعة روما" إغناء لها عن بذل المجهود والكلفة في سبيلها؛ هي نفسها التي أدّت إلى إهمال "مطبعة حلب"، فإنّ الكتب المطبوعة في الأفلاق كانت تغدق بسخاء على كنيسة الروم الملكيين في حلب، فما وجدوا حاجة في مطبعة تكلفهم فوق طاقتهم. وهكذا وئدت أولى المطابع العربية المشرقية في مهدها، ولم تجد مناخاً ملائماً للحياة والتطور(21). ويعتقد بعضهم أنّ الرهبان الحلبيين الكاثوليك نقلوا المطبعة إلى دير البلمند، ثم حُملت بعض أدواتها إلى "مطبعة الشوير" العربية في عهد عبد الله زاخر والأب نقولا الصائغ الحلبيين(22). لكنّ هذا الاعتقاد غير صحيح، بدليل أن الرهبان الحلبيين تركوا دير البلمند عام 1697، قبل سنوات من إنشاء "مطبعة حلب"، التي كانت ما تزال تعمل في عام 1711، بعد مغادرتهم الدير بأربع عشرة سنة(23). كما أنّ "مطبعة الشوير" لم تتمكن من طباعة أول كتاب إلاَّ في عام 1733. ونستطيع القول: إنّ عبد الله زاخر الذي انشق عن الكنسية الأرثوذكسية وترك حلب عام 1720، ثم أسس "مطبعة الشوير" قد صنع بنفسه الحروف العربية للمطبعة الجديدة، مما أوحى لهؤلاء أنّه حمل أدوات "مطبعة حلب" إليها. ويرى عيسى إسكندر المعلوف أنّ "المطبعة الحلبية" صارت خلفاً لمطبعة الدباس، وأنّ من مطبوعاتها عام 1721 كتاب (صخرة الشك). وأنّها ظلت في حارة أبي عجور، قرب محلة التدريبة في منطقة الجديدة، مقر البطريركية قديماً، وبيت باسيل أفندي الإنطاكي اليوم(24). نستخلص أنّ المطبعة بقيت حيث هي، وإن أصبح نشاطها ضعيفاً، ثم أهملت، خصوصاً بعد أن تخّلى زاخر عنها، عقب الخلاف الذي نشب بينه وبين الدباس، واستفحل عام 1720. ولا نرى دليلاً على انتقالها إلى مكان آخر قبل وفاة الدباس عام 1724(25). وهذا الرأي يؤيده الأب لويس شيخو، حين يذكر أنّها بطلت بوفاة منشئها، ثم أهملت. وبذلك يجعل عمرها يمتد حتى عام 1724(26). ولا يمكن أن يكون زاخر قد تمكن من نقل معداتها إلى الشوير، وهو الذي ناصب الكنيسة الأرثوذكسية العداء، ولكن قد يكون استطاع نقل الحروف التي صنعها بنفسه فيها إلى الشوير. وما كتاب "صخرة الشك" الذي يذكر المعلوف أنّه طبع فيها عام 1721 إلا دليل على بقائها في حلب. ومهما قيل عن دور هذه المطبعة ومصيره، فمن الإنصاف أن نقول: إنها كانت المقدمة الحقيقية لظهور الطباعة في الوطن العربي وتطورها، لتكون مظهراً أساسياً من مظاهر النهضة العربية الحديثة. ومن الواجب اليوم، ونحن نحتفل بحلب عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006، أن نستعين بما كتبه المؤرخ عيسى إسكندر المعلوف، عن المطبعة وموقعها، إثر زيارته لحلب عام 1909، فنحدد مكانها، ونضع فيه لوحة تشير إلى أن هذا المكان شهد إنشاء أول مطبعة عربية في المشرق. هو رجاء نسوقه إلى الأمانة العامة لاحتفالية حلب. (1) المطبعة الأولى في بلاد العرب كانت مطبعة أقيمت في دير قزحيا بلبنان عام 1610، لكّنها كانت بحروف سريانية. (2) جرجي زيدان "تاريخ آداب اللغة العربية" مصر (1914): 4/44. (3) "الضاد" حلب. العدد 10 (1947): 346. (4) الأفلاق أو الأفلاج تشكل مع البغدان دولة رومانيا اليوم. ولها علاقات وثيقة مع كنسية حلب الشرقية. وقد زارها في القديم كثير من البطاركة الملكيين الإنطاكيين، يذكرهم عيسى إسكندر المعلوف في مقالته في "مجلة النعمة البطريركية" بدمشق، إثر زيارته حلب عام 1909 ("الشعلة" حلب، 2/8 (آذار 1922): 383. (5) أصبح أمير عليها عام 1688 (م.س)، وكان شديد الاهتمام بحالة رعاية الكنسية الملكية، يزودهم بكتب الصلاة المختلفة التي كانوا بحاجة إليها للقيام برسالتهم الدينية على الوجه الأكمل (خليل صابات "تاريخ الطباعة في المشرق العربي" القاهرة (دار المعارف) ط1 (1958): 93). وكان البطريرك الدّباس على صلة وثيقة معه منذ توليه البطريركية عام 1685. (6) سامي الكيالي "الحركة الأدبية في حلب" القاهرة، ط1 (1957): 205). (7) بطرس البستاني "أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث" بيروت. ط1 (1937): 150. (8) فيليب حتي "تاريخ سورية" لندن (1951): 677 ـ إبراهيم عبده "تطور الصحافة المصرية" القاهرة (1945): 17. (9) "المشرق" بيروت، السنة 3 (1900): 355 ـ 157، والسنة 9 (1906): 691. (10) زيدان: 4/56 ـ 57. (11 صابات: 18، 93، حيث يذكر أنّ الدبّاس عاد إلى حلب عام 1704، وأسس مطبعته عام 1706. وهذا الكلام يعتمده عبد الله يوركي حلاق في مقالته (مطبعة حلب) في "الضاد" 53/5 (أيار 1983): 3 ـ 11. (12) صابات: 94. (13) لويس شيخو،في "المشرق" بيروت، السنة 3 (1900): 355. (14) كان زاخر في البداية على علاقة طيبة بالدّباس، وقد نسخ له عدداً كبيراً من المخطوطات، وألف له عدة مؤلفات، قبل أن يناصب الأرثوذكس العداء عام 1720، ويهرب إلى لبنان، ويؤسس"مطبعة الشوير". فهو أول من صنع حروفاً عربية في المشرق العربي. (صابات: 94) نقلاً عن مجلة "الرسالة المخلصية" (1948): 248. (15) مجلة "المسرّة" (1948): 387. (16) مجلة "الشعلة" حلب 2/8 (آذار 1922): 400، نقلاً عن "المسرّة" السنة 4/ الجزء 6. (17) الكيالي: 205، عمر الدقاق "فنون الأدب المعاصر في سورية" دمشق، ط 1 (1971): 16. وديع قسطوت، في "الشعلة" حلب 1/1(تموز 1920): 4. (18) لويس شيخو، في "المشرق" بيروت، السنة 3 (1900): 355 ـ 357. (19) مقالة المعلوف في "الشعلة" : 384، ومقالة الحلاّق في "الضاد": 9 ـ 10. (20) صابات: 95، وذكر أنّها ظلت تعمل إلى عام 1711، بينما قال (ص 17): إنّها لم تعش إلاَّ سبع سنوات، معتبراً إنشاءها عام 1706. (21) م. س: 95. (22) مقالة المعلوف في "الشعلة": 385. (23) صابات: 95. (24) مقالة المعلوف في "الشعلة": 385. (25) توفي عام 1724، بعد أن بقي في اسقيفته (38) سنة، شارك فيها البطريرك كيرللس بثماني سنوات، واستقل أربع سنوات، والباقي كلّه مشاحنا وخصام شديدان. خلفه البطريرك سليبسترس القبرصي الذي كان تلميذاً له، ومن رهبان الجبل المقدس (آنوس)، وهذا سار إلى رومانيا عام 1745، وشيّد فيها دير القديس اسبيريدون، وأعاد تجديد "المطبعة العربية" التي أنشأها معلمه أنثاسيوس الدباس، وذلك في باشي وبخارست، وطبع وأعاد طباعة عدد من الكتب الدينية (م. س: 384 ـ 385). (26) لويس شيخو "الآداب العربية في القرن 19" بيروت (1908): ½. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |