|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:56 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
حلب في شعر شعرائها زمن الأيوبيين ـــ د.أحمد فوزي الهيب(*) ظلت حلب على مدى الأزمان عقبة كأداء مستعصية أمام الطامعين, وحباً تخفق به قلوب العاشقين, وأغنية تصدح بها حناجر المغنين، وسِفْراً عظيماً كتبت فيه الحضارة العربية الإسلامية أسمى صفحاتها, وقصيدة عصماء يزين بها كبار الشعراء دواوينهم. نجد ذلك واضحاً في دواوين شعراء سيف الدولة الحمداني قاهر الروم, وفي مقدمتهم شاعر العربية الأول المتنبي وأبو فراس الحمداني وغيرهما,كما نجد ذلك جلياً أيضاً في شعر شعرائها, من أبنائها أو من غيرهم الذين اتخذوها موطناً لهم, زمن صلاح الدين الأيوبي وأبنائه من بعده, صلاح الدين قاهر الصليبيين ومحرر القدس من رجسهم, والذين قال يوم فتحت لـه قلعة حلب ذراعيها, وصعد إليها حامداً لله تعالى معبراً عن سعادته بها: "ما سُررت بفتح قلعة أعظم سروراً من فتح حلب"([1]), ومثلما سعد هو بها سعدت هي وأهلوها به, وعبر عن ذلك الشعراء بعامة وشعراؤها بخاصة، ومنهم سعيد بن محمد الحلبي بقوله([2]):
وسأكتفي هنا بالحديث عن الشعر الذي قاله فيها, وفيها فقط, شعراؤها زمن الأيوبيين,مادحين لها أو واصفين لما فيها, أو معبرين عن مشاعرهم اتجاهها في حِلّهم فيها, أو متحدثين عن أشواقهم في ترحالهم عنها, سواء أكانوا من أبنائها أم من الذين طاب لهم المقام فيها, فاتخذوها لهم موطناً وسكناً. أعجب الشعراء بمعالم حلب الكثيرة الغنية، وأهمها قلعتها الفريدة المنيعة الشماء التي أخافت صروف الدهر وأخجلتها, وسخرت من الزمان ومعاوله وكسرتها, وقهرت الملوك القاهرين، وردتهم على أدبارهم مهزومين, قال ابن أبي منصور، علي بن ظافر([4]):
ووصف محمد بن محمد بن علي أبراجها العالية الحصينة وسورها المنيع([6]):
وأُعجب عبد الرحمن بن النابلسي بالميدان الأخضر الذي جدده الملك الظاهر حتى غدا مرجاً من مروج الجنة، ليكون مجرى للخيل وملعباً للكرة([7]):
وكان لنهر حلب "قُويق" منزلة هامة لدى الشعراء, فتأنقوا في وصفه والتشوق إليه, فمحمد بن محمد الخضري لا يعدل به أنهار بردى ودجلة والنيل, ويتلهف على جرعة منه تبلّ غليله([8]):
وكذلك تمنى ابن المعجمي أن يضع فمه فيه, ويشرب منه مباشرة، ليبل شوقه الشديد إليه, ويروي منه عطشه الشديد([9]):
ويرى ابن سعيد الأندلسي في شط قويق ملاعب لنسيم الصبا العليل لا تستطيع العين أن تتجاوزها إلى غيرها:
وكان جبل الجوشن المطل على حلب مغنى للشعراء, وصفوه وتغنوا به وتشوقوا إليه, مثل ابن نوفل الذي سفح الدمع شوقاً لنفحة تأتيه منه رطبة بماء قويق, ليسألها عن أحبابه الغالين في حلب, وليطمئن عليهم, ويتلذذ بذكرهم والحديث عنهم([11]):
كما تغنى أيضاً ابن سعدان برقة نسيم الجوشن العليل وتلذذه بشمه واستنشاقه([12]):
ورجا ابن العجمي أحبابه أن يخلّوا بينه وبين نسيم الجوشن, ليحمّله أشواقه وسلامه إليهم, وليسرح طرفه في ملاعب صباه في شعابه وهضابه الخضراء([13]):
وذكر محمد بن محمد الخضري معالم أخرى من حلب, مثل بطياس وحيلان والميدان وغيرها, كما أقسم ألا ينسى ساعات الأنس فيها والرياض والأشجار والمنازل مدى الحياة([14]):
وأُعجب ابن سعيد أيضاً بمتنزهات حلب التي تسر العين والقلب بتغريد طيورها وأزهار غصونها التي تتمايل للعناق([16]):
ثم دعا لها ولجبل الجوشن ومنتزه بطياس والسعدي بالسُّقيا([18]):
وكذلك فعل ابن سعدان([20]):
هذا الحب الشديد لحلب من أبنائها, ومن الذين نزلوا فيها, وآثروها على بلادهم, فاتخذوها موطناً و مقاماً, جعلهم جميعاً يشتاقون إليها إذا ما ابتعدوا عنها شوقاً شديداً, غنوه بأشعار رقيقة موارة بآلام الشوق والعاطفة الصادقة، مثل عيسى بن سعدان الذي ابتعد عن حلب فاشتاق إليها فمثّلها لـه البرق لامعة أمام ناظريه([21]):
كما ذكر أيضاً في قصيدة أخرى لـه تلعات حلب الخضراء والأطلال الدارسة بسفح الجوشن مشتاقاً, واستنجد بنسيم منها يطفئ نيران آلام بعده عنها الذي طال([22]):
وسافر محمد بن محمد الخضري إلى دمشق, فلم يطق اغترابه عن حلب, فغدا حرّان من الوجد والشوق, فقال يخاطبها ويذكر بعض معالمها مثل العين والفيض([24]):
ومثلما اشتاق الشعراء إليها, في أثناء بعدهم عنها, اشتاقوا إلى أهلها, سواء أكانوا من أبنائها أم نزلائها, أو من الملوك والخاصة أم العامة، فهذا ملكها الأيوبي الناصر يوسف الذي سافر عنها فمنعه شوقه إليها من التهويم، بل من النعاس, فلم يجد بدّاً من أن يرسل إليها تحياته على جناح السرعة مع مسافر تحمله ناقة سريعة شديدة أصيلة([25]):
وهذا أيضاً ابن العجمي أحمد بن عبد العزيز لم يُنسِهِ بعدُهُ عن حلب وأهلها حبَّه الكبير لهم في حالتي القرب والبعد([26]):
كما رأى أن بُعدَهُ عنها صيّر كل ما يلقاه من حسنات دهره ذنوباً, فقال([27]):
وأما الحسن بن نوفل فقد اجتاحته لبعده عن حلب هموم عظيمة، أقلُّها لا يمكن تحمّله, وقد كاد يهلك كلما عنَّ لـه ذكرُها, فلم يجد سوى الآمال يلوذ بها لعلها تتحقق([28]):
والشاعر شميم الحلّي العراقي, وهو الغريب عن حلب, يتمنى أن تتسنى لـه زيارتها, ويستقر بها, ليحمد بذلك غربته في حلب, تلك الغربة التي لا تُحمد في سواها([29]):
وابن سعيد, وهو الأندلسي, ينكر على قائد القافلة التي كانت تنقله إلى حلب كثرة وقفاتها, ويطلب منه الإسراع إليها, لأنها مقر حبه وقبلة أشواقه([32]):
وأما محمد بن محمد بن علي فقد رأى حلب تفوقت على غيرها من المدن بكل ما فيها, بمائها وهوائها وأبنائها ومبانيها المتميزة، فقد أزرت بضوء الشمس وبالشهب, وأنسى كرم ضيافة أهلها الغريب غربته, فقال([33]):
وكذلك رآها الشاعر ابن أبي طيّ النجار أسَّ الفخار ومحل العلياء, مَن ملكها ملكَ الأرض كلها, فقال([34]):
هذا غيض من فيض مما قاله الشعراء في حلب وعنها في العصر الأيوبي الذي أخذت فيه حلب حيّزاً كبيراً من شعر شعرائه الذين أحبوها حباً جماً, وتساووا جميعاً في هذا الحب, سواء أكانوا من أبنائها أم من غير أبنائها الذين اتخذوا منها موطناً أنساهم بلادهم وأهليهم, فمدحوها جميعاً, ووصفوها واشتاقوا إليها, وبكوها إذا ابتعدوا عنها بأشعار صادقة رقيقة وعواطف ساخنة، كما بدؤوا قصائدهم بتحيتها تحية حب وإجلال وإكبار, ودعوا لها بالسقيا على عادة الأقدمين, ووصفوا معالمها, ومدحوا أهليها, وأعطوها حقها من التقدير والتبجيل, وتحدثوا عما وجدوه فيها من منزلة ومنعة وإباء, شأنهم معها شأن كل الشعراء معها في كل زمن من الأزمان, لذلك لا غرو إذا اختارتها الأمة الإسلامية ـ هذا العام ـ عاصمة للثقافة الإسلامية. (* ) اتحاد الكتاب العرب ـ حلب. [1] البداية والنهاية، أبوا لفداء, مطبعة السعادة، مصر 1932, 12/313, [2] الروضتين, أبو شامة، ت: محمد حلمي محمد أحمد, لجنة التأليف والترجمة والنشر, مصر 1956, 2/45. [3] مصلتاً: مجرِّداً, قواضب: سيوف، شهيرها: مسلولها, الغرب: ما بين الظهر والعنق, تنوفة: فلاة، الشعرى: كوكب, رَوح: رائحة. [4] الأعلاق الخطيرة، ابن شداد, ت: دومينيك سودريل, المعهد الفرنسي, دمشق 1956, 1/170. [5] حسيراً: كليلاً. [6] إعلام النبلاء، الطباخ, المطبعة العلمية، حلب 1343هـ، 3/548. [7] الأعلاق الخطيرة 1/167. [8] المصدر نفسه 1/143, [9] إعلام النبلاء 3/557. [10] نفخ الطيب, المقري, ت: إحسان عباس, بيروت 1968, 2/326. [11] الأعلاق الخطيرة 1/168. [12] معجم البلدان 2, ياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي, بيروت 1979, 2/417. [13] إعلام النبلاء 3/557. [14] الأعلاق الخطيرة 1/166. [15] هو للناقة كالضرع للشاة. [16] نفح الطيب 2/326. [17] ممتلئة. [18] نفح الطيب 2/326. [19] كريم. [20] الأعلاق الخطيرة 1/165. [21] معجم البلدان 1/307. [22] المصدر نفسه 2/102. [23] الأحص: موضع قرب حلب, الصحصحان: موضع بين حلب وتدمر (معجم البلدان 1/112, 3/394. [24] الأعلاق الخطيرة 1/166. [25] ذيل مرآة الزمان 2, اليونيني, دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد, 2/143. [26] إعلام النبلاء 3/557. [27] المصدر السابق. [28] الأعلاق الخطيرة 1/168. [29] المصدر السابق 1/164. [30] قام للرحيل. [31] العطاء. [32] نفح الطيب 2/326. [33] الوافي بالوفيات, الصفدي ت: هلموت ريتر, فيسبادن 1969, 1/186. [34] الروضتين 2/45. |