|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:58 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
نِسَاء حلبيَّات ـــ نادية الغزِّي مقدمة اسمها حُلَبْ في السريانية والكلدانية. ولربما كانت تكثر فيها المراعي ففعل (حَلَبَ) الشاة أخرج ما في ضرعها من اللبن. واسمها.. الشهباء لشهبة في لونها للقادم من بعيد... وسميت.. قديماً حلبو وكانت عاصمة مملكة يمعاض. *** أما أيام العثمانيين.. فكانت السكة تضرب في قلعة حلب بأمر الوالي العثماني والسكة تكون من الفضة والنحاس. أما التجار البنادقة فقد كانوا يشترون ما تستورده المدينة من الشبّ ومن منتجات الهند والعجم.. وقد تواجدت في المدينة وكالة أوروبية دائمة للتجارة. فحلب نهاية طريق الحرير.. وهي بلدة التجارة العريقة.. وكان من الحلبيين الكثيرون من العملاء الدائمين في الهند وفي بلاد الكُرج والفرس وبلاد الأرمن. ومن أهم معاهداتها.. تلك التي أجريت بين السلطان سليمان الأول وبين فرانسوا ملك فرنسا فيها: يمنح العثمانيون الجاليات الفرنسية الرعاية الممتازة. ولربما فقدت حلب مكانتها التجارة القديمة بعد فتح طريق رأس الرجاء الصالح. لكن أخبار السفن القادمة من الإسكندرية أو الراحلة عبر الموانئ الشامية نحو الإسكندرية كانت تصل خلال ثلاث ساعات.. فالناس كانوا يتناقلون الأخبار بوساطة الحمام الزاجل.. خليوي الماضي العريق. بعض أقوال الكُتاب والرحالة عن حلب: دارفيو: هي مدينة على سبع رابيات لها عشرة أبواب وكانت موجودة في القرن السابع عشر. أما مفاتيح هذه الأبواب فكانت مع زعيم الانكشارية. وقال: دُعيت في شهر رمضان إلى عشاء في قصر الحسبي بين باب الأحمر والبياضة. وقد وصف دارفيو الضيوف والمائدة والطعام: لها بيوت من طبقة واحدة فيها تخوت مغطاة بسجاد وبسط منسوجة. دولاسال: تحدث عن منزل (قره لي) إلى جانب بوابة في حلب الياسمين وأعجب بزخارف البناء. وتحدث عن بيت (يوصف صادر) وهو في حارة الحصرم وهو من أوسع بيوت حلب. لامارتين: وصف امرأة حلبية تدخن النارجيلة في قصيدة وقد سكن الشاعر لفترة في حي الكتاب. عيسى المعلوف نشرت هذه المعلومة في مجلة الضاد. كما ذكر شكسبير حلب: قيل الكثير عن قيبها (قبابها) وعن مناراتها المصفحة بالرصاص وقيل الكثير عن أسواقها المتصالبة التي تقيس 7كم وكم تأسرني هذه الأسواق. وبعد عهد نابليون وثورة الانكشارية 1814 و1826 بدأ تقهقر تجاري يغزو المدينة.. بسبب انعدام الأمن, إضافة إلى ما آثرت عليها زلازل عام 1822 ـ 1827 ـ 1832 وما أثرت عليها أوبئة الطاعون عام 1814. لكن الضربة التجارية الكبرى لحلب كانت عند افتتاح قناة السويس وانتقال الطريق التجارية نحو الشرق عبر البحر. هي حلب.. التي استعادت هيبتها وهيكلها التجاري العريق.. هي حلب.. التي صدرت الحنطة والحرير والصوف والقطن والكتاب والقنب والزيت والسمن والتين والزبيب والجوز واللوز والفستق والصنوبر والدبس والعسل والأغنام والماعز والبقر والخيل. كما صدّرت البسط الكردية، الخام البلدي, و(الصرامي) الحلبية، والعفص والجلد, والمحلب والأفيون, والخشخاش والأنيسون. كما صدّرت الصابون والعصفر والملح وغير ذلك, وهي التي استوردت السجاد والتنباك من العجم واللؤلؤ والأحجار الكريمة من البحرين والطيب والأفاويه والعقاقير من الهند. وهي التي أفرزت الكثير من عظماء الرجال والنساء. مع جامع الفردوس.. المحراب: ومن أجمل ما فيه المحراب, فإنه عديم النظير لما اشتمل عليه من حسن الصنعة والنقوش والإتقان والإحكام فيه عدة ألواح من (اليشب) النادر الوجود. قال ابن العديم: وهو من أعاجيب الدنيا, يرى الناظر إليه وجهه في صفاء معدنه.. وفي شرق القبلة غرفة متقطعة فيها قبران, يزعمون أن الشمالي منها مدفون فيه سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه, حتى إنه مكتوب على رقعة في ثوب الضريح (هذا قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, نقل صندوقه سيف الدولة أيام دولته في النجف سنة 317هـ.) قال الغزي: هذا كذب ظاهر.. فقد نص المؤرخون على أن قبر علي كرم الله وجهه خفي لا يعرف موضعه ومنهم من قال: مجيء سيف الدولة إلى حلب كان سنة 333هـ. ومما يلحق بهذه المحلة عمارة الهودي.. السابع.. ثم في فتنة التتر خرب بعضها, ولم يبق إلا حجرة الضريح التي على مثال الكعبة وجميع حجارتها مكتوبة حكماً ومواعظ. وذكر الفردوس الشيخ وفا في منظومته ص 65:
(الآثار الإسلامية أطلس ـ ص 84). (الأسدي ـ المجلد السادس حرف ف). مساء الخير.. مساء يبشر بأوائل ربيع لم يأت بعد.. بعض العشب الأخضر.. بعض من قواقير صغار الأغنام تتبع أمهاتها.. تنفتح هنا وهناك بضع زهيرات من البنفسج يفوح منها طيب غامض يشعل فينا الإحساس بأوائل الحياة.. حيث لا ألم ولا يأس بل ليلك وبنفسج يرسلان إشارات مبهمة.. ويتخاطفان أشعة شمس ربما كانت دافئة أحياناً. أعزائي.. فوق غصن آمن من زرعة في شرفتي ربضت يمامة بنت عشّها من الإبر النحلية الشوكية لقضبان شجرة صنوبر ثم ربضت لا تتحرك فوق بيوضها تدفئها وتنظر إلى تحركاتي بعيونها الجانبية تراقبني فتأمن لي وترتاب أحياناً.. وإني كلما شاهدت هذه الأم اليمامة.. تذكرت أبا فراس الحمداني وهو يناجي حمام الأسر ويتسمع إلى نواحها في بيته المشهور:
أتذكر الحمداني وأتذكر حلب.. وهأنذي في حلب المحروسة.. ونوح الحمام أصبح غناء في طريقي إليكم. رأيت زهر اللوز المخضوضر يوشك على التفتح.. أو لعلَّ بعضه تفتح.. ليدخل في متاهات ذاكرتي.. وبعطره الساكن يدعوني إلى الحديث عن نساء حلبيات.. ولدن.. أو عشن.. أحببن أو حزنّ أو هاجرن أو نطقن بالشعر. فماذا أقول؟ مساء الخير.. هأنذي قدمت إلى حلب بعد غياب قد طال.. قدمت في مساء حلبي جليل أقف فيه خلف منبر جليل مدعم بمداميك الثقافة والعلم والمعرفة هو منبر جمعية العاديات.. التي أشكر لها دعوتها لي للمحاضرة بين أهل الشمال.. كما أشكر الأخت العزيز السيدة أمية الزعيم التي كانت الحمامة الزاجلة بين العاديات وبيني. وإذ أتحدث هذا المساء إليكم فلأقدم شكري لهذه الجمعية العريقة كما أقدم امتناني للحضور الذي سوف يشاركني أمسيتي.. فعساني أكون عند حسن الظن. متمنية أن يكون ما سأقوله.. مهدئاً للقلوب.. ومنسياً الكروب.. مذكراً لما كان وحافزاً لما هو الآن.. يرجعنا إلى الماضي.. لنقفز فوق الأنهار والملاحم متجهين من حلب نحو مشارف الفواصل بين البلاد التي تلعب بها الصحراء.. وتخط الأنهار شريط اخضرارها فننتقل محمولين إلى عصور الانتصارات والرفاه المطلق قبل الميلاد.. ثم نتعدى المئويات لنعيش في لُبّ انتصارات العهد الإسلامي الواسع الرقعة والمتنوع الشعوب.. فإذا ولجنا ذاك الزمان إذا قلعة حلب الشهباء تضيء بالمشاعل.. وإذا بها تعج بالحياة.. وأفراس الجيوش تصهل والناس سعداء مباركون.. وكم حاكم يسعى إلى بناء الأوابد الخالدة.. وبعد ذلك.. سوف نعود إلى زماننا الحالي..ثم نتراجع خطوة أو خطوتين.. وطول خطوتنا مئة عام.. وكأننا عمالقة الزمان لندخل إلى الشهباء أعماقها.. فإذا بنا في أواخر منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.. وهو عصر النهضة الحديثة حين خرجت بلاد الشام من قوقعتها الشتوية لتدخل نحو مدارج المدينة فإذا العلوم الحديثة في متناول كل إنسان وإذا المرأة تعود لتشرق والشمس تشرق كل صباح من مستقر لها.. ولقد طال على نساء البلاد التعتيم.. وأتعبهن الظرف السقيم.. ولمّا انفتحت كوة النور.. وهفهفت رائحة البخور.. وانطلقت صيحات الحرية والعلم والحق من الصدور عادت الأنفاس تتلاحق.. وعادت الأقلام لتكتب, وعاد القلب ينبض.. ينبض.. سيداتي سادتي.. لقد حاضرت في حلب أوائل التسعينات.. وتحدثت يومها قليلاً عن الفستق الحلبي.. ولكنني بعد شريط هذه السنوات أجد نفسي أقف مع حيرتي أمامكم.. فعمَّ أتحدث؟؟ سأتحدث إذاً عن ثلاث نساء من حلب. ثلاث نساء من حلب.. حرت في أمري..فماذا أتحدث عن حلب أمام أهل حلب.. فأنا الجاهلة وهم العارفون.. وأنا القريبة وهم القريبون. قلت أختار ثلاث نساء حلبيات أتحدث عن بعض سيرتهن ومآثرهن.. الأولى منهن عاشت قبل الميلاد بألف ومئتين وخمسين عاماً.. والثانية عاشت في العهد الأيوبي والثالثة عاشت في القرن التاسع عشر.. وكانت الرابطة بينهن, الشخصية القوية والقدرة على تفهّم المواقف والروح الوثّابة والهمّة العالية، والشهرة العريضة والحب حتى أقصى درجات الحب. أولاهن هي (شيبتو) التي ذكرها اللوح الصلصالي ذو الرقم 253 الأركيولوجي والذي وجد في أرشيف (ماري) وتقع ماري تحت أنقاض تل الحريري القريب جداً من مدينة البوكمال. لا بد أن طريق القوافل إلى حلب, كان يغص بشكل مستمر بأنواع من البشر الذين كانوا يختلفون إليها كنجمة في أواخر ما دُعي بطريق الحرير.. نجمة مضاءة, وتضيء ما زالت كما هي في شبابها القديم, وتلّها الضخم يرشد القادمين حتى قبل بناء قلعتها الشهيرة بأكثر من ألفي عام.. حيث كانت القلعة حصناً حصيناً.. ولقد كانت الشهباء وهذه هي صفتها العربية لشهبة في لون أحجار بنائها, تستقبل البشر الذين كانوا يُفرغون حمولاتهم ويتجرون بما أحضروا وبما سوف يبتاعون من بضائع اشتهرت بها المدينة كالزيت والفستق والتين والقمح وأنواع العطور والورد والنسيج. ولسوف نعود الآن إلى الزمن الماضي إلى زمن قديم ينبئ عن حضارة مملكة (يمعاض) وعن عاصمتها (حلبو) وعن ملكها (ياريم ليم 1730) الحكيم القوي الذي تبنى واستضاف (زمري ليم) أثناء النزاعات الساخنة في مملكة ماري 1790. وتكر الأيام ليغدو زمري ليم إلى ماري ملكاً متوجاً لمملكة كانت في ذلك الحين من أقوى ممالك التاريخ القديم.. قائمة على الفرات وتعتبر مفتاحاً ذهبياً للتجارة القادمة من الشرق نحن الغرب.. ومن الغرب البحري في أوغاريت مروراً بيمعاض عابرة الفرات من ميناء (عيمار) (إيمار) أو بالس البيزنطية. ففي مملكة ـ معري ـ أو كما درج المستشرقون والمنقبون على تسميتها (ماري) كان كل شيء منظماً وثميناً وغنياً وقد بلغ الرفاه أقصاه في تلك الحقبة من عهد زمري ليم الذي سيطر على أكثر ممالك الفرات والخابور العليا ودانت لـه بالصداقة ممالك أوغاريت وإيبلا ويمحاض بالطبع.. ولقد كانت حلبو قد قدمت لزمري ليم أثمن هدية يمكن أن يحلم بها إنسان.. إنها (شيبتو) ابنة الملك يا ريم ليم.. التي تزوجها زمري ليم فكانت آخر زوجاته ومليكة قلبه وعرشه.. وأمّا لبعض بناته الثلاث عشر اللواتي توزعن في الممالك القريبة والبعيدة كزوجات وسفيرات قويات للملكة يؤمن التبادل الاقتصادي والحضاري ويرسخن الاتجاه الديني والسياسي ويبقين على صلة قوية بالمملكة الأم.. فلنعتبره زواجاً سياسياً.. أو زواج عقل.. أو زواج حب فلنا ما نشاء من التكهن لكننا سنتحدث الآن عن امرأة حلبية خلّدها التاريخ.. وساست ماري ـ في غياب زوجها أثناء غزواته.. كما أدارت القصر الملكي وشؤون العاملات والكاهنات بشكل مذهل. بل كان الملك يسلمها زمام الأمور كلما غاب عن المملكة في حرب أو تفقد. رحلت شيبتو عبر الفرات نحو ماري.. والفرات يصبح صالحاً للملاحة في (كركميش) التي هي (جرابلس) اليوم وكان الرحيل من مملكة يمحاض ينطلق من (عيمار) إيمار وهي (بالس البيزنطية) وهي اليوم (مسكنة). وعاشت في ماري التي دمرت في النهاية من قبل حمّورابي 1750 أو 1758 ق.م. ولا بد أن شبتو انتهت بشكل ما مع زوجها.. فالرقم لم تكتشف بعد.. تلك التي تتحدث عن شيبتو وكيف برقيم ينقش خبر تدمير مدينة ومدنية. رحلت شيبتو واسمها كما ذكر الأستاذ قاسم طوير (سبطة) محملة بالنفائس وجرار الزيتون والبضائع النادرة، ودعتها أمها الملكة (جاشيرا) (جاسرة) وقدمت لها اللازورد واليشب وخلف الفلوكة النهرية انطلقت عشرات المراكب المحملة بالأخشاب النادرة.. وكانت شيبتو تتساءل مناجية نفسها في رحيلها النهري. أهاجر؟ أبكي.. أأيأس؟ أو أكون في منتهى السعادة؟ فاليأس عالم أبيض.. والسعادة ذات سبعة ألوان.. وأنا صغيرة السن فلأتعلم. أهاجر.. وأنا أرى كتلة الماء المنساب المرئي واللامرئي.. توجهني وتجعلني قادرة على تحقيق المعجزات.. فلماذا لا أرمي قارورة الذكريات في النهر؟ أو لعلني أحتفظ بها لتكون لي دافعاً دائماً يرشدني إلى طريق بين نجمتين.. نجمة أبي ياريم ليم ونجمة زوجي زمري ليم حتى.. وصلت شيبتو إلى ماري!! معري.. بلدة الملوك والحرير القائمة على نسيج الفرات الغامض.. الموجودة على الضفة الغربية الجنوبية من النهر (تقع أنقاض معري اليوم تحت هضبة تل الحريري القريبة من مدينة البوكمال الواقعة على الحدود السورية العراقية ويقع التل فوق مساحة 500م2 قرب مجرى الفرات القديم). ماري. تغلق بواباتها وأسوارها ومن داخلها الصريح الأناشيد, يسمع هدير الماء القريب أشد القرب, فيغلف القلوب بالرهبة ثم تجهم الرياح المحملة بالرمال فتمتص قرابين الهياكل وتدور حول القصر الملكي الفريد.. تتسلل من خلال النخل والشجر والنباتات المزروعة التي ترويها الأقنية متجهة نحو الشمال, حيث تتلاشى مع الخضرة الخصيبة المنتشرة في بساتين نهر الخابور وفي المزارع المتاخمة لنهر بليخ. وصلت شيبتو إلى ماري قادمة من يمحاض.. يجرها ما تحت قدميها من التاريخ وما فوق جبينها من العز.. لتشاهد الفرات حين يغير مجراه فلا تكون نفسها الرمل بل تكون الماء والعطاء. وصلت إلى ماري.. وكان القمر فوق الماء يبدو ويسري والحقول نبت ثمين زاخر بالديمومة. معري.. والقمح تسنبل. لقد بدأت الحياة الحقيقية لشيبتو. كانت منطقة الأنهار منطقة صراع يتغلب فيها الأقوى.. ويُسمع في حقولها صراخ جذور اللفاح ـ الماندراغورا ـ الذي تقتلعها الأيدي.. فيلمس شيبتو ذلك التأثير السحري الأسطوري فتؤكد لنفسها بأنها ستكون شيئاً مهماً في هذا الشريط الزراعي النهري الأخضر الخصيب. ولقد كان القصر رائعاً. وكانت قمم أشجار النخيل تتمايل كراقصات المعابد مطلة على النهر وعلى الرمل.. وكم سُرَّت شيبتو بساحة النخيل, وتفهّمت أهمية هذه المدينة التي تشكل شريطاً رابطاً بين مملكتين شديدتين لتصبح هي الأثرى.. وطمي الربيع يرتمي على الأرض بعد الفيضان مستعداً ليكون غذاءً للأرض الصالحة. قالت شيبتو.. أدير وأنظم هذا البلد السعيد. أدير الغزل.. والنسيج.. أدور على عنابر عاملات الثياب وأتفقد الفضة والذهب.. وأزور المعابد وأقدم النذور وأطيب المرضى. فماري بلد التعدين الأهم بين البلاد. تزوجت شيبتو من زمري ليم المنحدر من سلالة (يعدون ليم) عام 1770 ق.م بعد ثلاث سنوات من حكمه وكانت الزوجة الثالثة التي استطاعت بلطفها وكياستها أن تحول هذا الزواج السياسي إلى عاطفة جياشة، إلى تفاهم مطلق بحيث سلمها الملك زمري ليم زمام الأمور في غيابه أو أثناء حضوره.. كما قامت بمهام دائمة في داخل القصر وخارجه. اختلطت بالناس.. وشهدت إحصاء الجنود وأصحاب المهن اليدوية والقادمين والراحلين والعاملات والنساجات والنقاشين والكتبة وقررت أن تهتم بنساء بلدها الجديد.. بالعاملة والنساجة والأسيرة والسبية.. كما شهدت الأهمية الإدارية وساهمت فيها وفي الإشراف على تنظيم أسماء العاملات العازبات والعاملات المتزوجات والأرامل التي دونت كلاً منها على رقم منفصلة بحيث كان لكل عاملة وعامل سجل مدني وسجل اقتصادي. وكانت تهتم بكل عاملة.. بل أشرفت بنفسها على ما يمكن أن ندعوه رياض أطفال لعاملات بحيث كان الأطفال الأكبر سناً يهتمون بالأطفال الصغار, وكانت الملكة تأمر بأن تتفقد كلُّ أم أولادها كل ساعتين أثناء عملها. كما اهتمت بالمطابخ الملكية.. فعلى ما يبدو كان زمري ليم من أشهر الذواقين في التاريخ.. فكانت شيبتو تشرف بنفسها على إعداد الخبز والمعجنات المنقوشة داخل القوالب (هذه القوالب موجود بعضها في متحف دمشق) وكانت المعجنات تصنع من الجوز والجبن. وكانت تشرف على إعداد الأطعمة المطهوة بالزيت وبالطبع كانت مملكة يمحاض ترسل جرار زيت الزيتون إلى ماري وكانت الملكة تشرف بنفسها على توزيع حصص الزيت على العاملين داخل القصر وخارج وعلى العاملات والنساجات وأفراد الشعب.. كل بعدلٍ وقسطاس. ولقد أدركت المملكة أهمية الثوم بالدرجة الأولى وكذلك البصل.. في تقوية أجسام الجنود المحاربين والعاملات فكانت كميات الثوم تنشر بإشراف شيبتو على سطح القصر الملكي وتقوم هي بالذات بتفقدها كل يوم ثم تذهب الحصص اليومية من الثوم إلى المطابخ الملكي ليصنع (خبز الثوم: غاياتوم) الشهير ويوزع مع حساء البصل (شوحاتينوم) المعد مع الخردل بإشراف الطاهية الشهيرة (أمآدوغا).. كما كانت توزع حصص القمح لصنع رغيف الرافدين الشهير باسم (كاكاروم).. وهذان دليلان بأن الحضارة المشرقية أعدت (الكارلك بريد) قبل آلاف السنين كما أعدت حساء البصل قبل انتشاره في برد فرنسا. ثم تقوم الملكة بتفقد عنابر النسيج: أصواف للمغازل وكتاب للنسيج وقطن مندوف ونثار الصوف يصاعد في أنوال الغزالات الأثرية.. وتنطلق بعدها إلى عنابر النسيج.. وثياب ملونة صبغت باللون الأزرق أو الأسود..أو صبغت بلون التفاح ولقد كانت شيبتو مولعة بهذا اللون, وبالأثواب المصنوعة من الكتان.. وكانت تشرف بنفسها على إعداد صباغ العصفر.. والقرمز.. والأرجوان المستوردان من بلاد الفينيق. ما أجمل ماري.. وألوان ثياب كقوس قزح.. وأقمشة للشعب وللتصدير.. والعاملات نحلات ينسجن أرقى نسيج في ماري واسمه (زارا) وتقترح شيبتو أماكن تصديره خلف الأنهار وبعد الأسوار.. وقرب البحار الدافئة. لقد أُبعدت الملكة الحلبية عن قلب زوجها سائر النساء وكانت تشاركه المآدب والحكم والشورى.. وتتناول معه الحلوى المحشوّة باللوز وتشرب معه جعة شعير الخابور يرشفانها في كؤوس من الفضة ويأكلان في صحاف من الصدف الذي أمرت شيبتو باستخراجه من أغوار الفرات أو جلبته من البحر الأوغاريتي أو من الخليج الحار عبر القوافل. ولقد كانت ماري في عهد شيبتو وزمري ليم نظيفة كالنفجة.. بحيث لم يكن يسمح للحيوانات ولا للبشر بقضاء حاجاتهم داخل المدينة وكان للناس مراحيض عامة.. وللقصر مراحيض وحمامات فيها الماء البارد والساخن. وفي البعيد.. كانت تبدو بوابة عشتار.. وتتعالى أصوات الكهنة والكاهنات في الأماسي والأعياد بالتراتيل الشجية.. فتنسحب شيبتو نحو معبد عشتار بعد أن تلتقي بأخيها الذي يسكن في البيت الأحمر.. وحين تدخل المعبد.. تصبح التراتيل همساً متلاحقاً فإذا ما انتهى الترتيل تفقدت شيبتو السبايا والأسيرات بحيث تختار أجملهن وبمقاييس شديدة الدقة والسمو ليصبحن مغنيات مقدسات في المعابد. وفي عيد عشتار كان يعم المدينة ضجيج وصخب فيجتمع المهرجون والمصارعون والشعراء والمنشدون ثم يبدأ إنشاد المعابد يعلو تحت القبة الزرقاء ويتقدم الراقصون إلى ساحة النخيل يقدمون رقصة الحرب ورقصة القمح. وشيبتو مع زمري ليم.. مليكة فؤاده ومستشارته دائماً.. فقد كانت تنفذ طلبات الملك بحذافيرها.. بالوقت الذي كان تؤثر عليه تأثيراً عميقاً. لقد أشرفت الملكة الحلبية الأصل على النظام الصحي في المملكة متعاونة مع الملك ومع الأطباء, فأُبعدت العاملات المريضات.. وحُجرت من تنقل وباءً تبعاً للقوانين الملكية. ولقد كانت شيبتو على صلة دائمة بأهلها.. ببلدها الأصلي.. بالعنب.. بالفستق.. بالزيتون.. دون أن تتقاعس لحظة واحدة عن اتباع النظام الإداري الصارم الشهري الذي يسود مملكة ماري. وفي الأمسيات.. كانت تجلس إلى جانب الملك وتفرز لـه البريد القادم من الممالك المجاورة وتقرأ لـه بريد بناته اللواتي زوجهن إلى الملوك والأمراء.. وبريد أخواته اللواتي كن ملكات وكاهنات, وكن السفيرات والتاجرات. هكذا عاشت شيبتو.. تزور حلبو أحياناً, وتتخطى أثناء السفر مياه الفرات المسحوبة نحو الأفق ناظرة إلى الخضرة المخطوطة كالحاجب على مسار النهر.. وكزنار للصحراء..أو لعل هذه الخضرة كانت سواراً وتاجاً فوق جبين الحضارة المشرقية الناصع ووساماً لامرأة حلبية الأصل. حُرّقت ماري ودُمرت بعد أن غزاها حمورابي. وبقي تمثال (ربة الينبوع) ذات الرموش المصنوعة من حراشف السمك قائماً..وموجوداً اليوم في متحف حلب. أما شيبتو.. فلعلها راحت مع زوجها.. مع حقول القصب ومع ألوان العصفر والسماق والريحان ومع صراخ جذور اللفاح في الليل المعتم. **** نتخطى العصور.. والغزاة.. وما يزال طريق القوافل متجهاً نحو حلب.. وهو يغص وبشكل مستمر بأنواع من البشر الذين كانوا يختلفون إليها كنجمة في أواخر طريق الحرير.. نجمة وضاءة وتضيء ما زالت كما كانت في شبابها القديمة نجمة الضحى الأشهب.. وتلها الضخم يرشد القادمين.. نتخطى العصور.. نتقدم ألفين وأربعمئة عام وخمسة وعشرين عمّا كنا عليه قبل قليل إلى العصور الزنكية والأيوبية الإسلامية, فنتوقف في (فسط حلب) ولعل الفسط من الفسطاط.. نتوقف لنتحدث عن ضيفة خاتون.. ابنة الملك العادل أبي بكر أيوب صاحب حلب.. وزوجهِ الملك ظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب. امرأة أيوبية ولدت وعاشت وماتت في حلب.. فانتمت إليها.. وتنفست هواءها.. وحكمت في ردهات قلعتها وتزهدت في مساجدها.. وأكلت فساتقها.. امرأة حلبية أيوبية.. امرأة عاشت قبل ثمانمئة عام تقريباً, فماذا تركت خلفها من متاع السلطة والدنيا؟ فقد أثبتت نفسها كامرأة وزوجة وأم وجدة وسياسية ومصممة ومهندسة وقائدة مملكة.. تاركة خلفها جامع الفردوس الرائع التصميم.. وخانقاه (الرباط الناصري) المسمى بخانقاه مدرسة الفرافرة الذي شيدته عام 635هـ ـ 1237م وكان قد أعد للغرباء والزهاد وهو من أوابد حلب الهندسية.. مشهور بمحراب حرمه الرائع.. والذي يلفت الانتباه كما ذكر د. عبد القادر الريحاوي في كتابه: "العمارة العربية الإسلامية". أن الرباط الناصري كان يحتوي على جناح للنساء.. أي النساء الوحيدات والغريبات والزاهدات.. وهذه ظاهرة تدعونا إلى الفخار لأن امرأة حلبية أيوبية أنجزت منذ أكثر من ثمانمئة عام داراً للنساء اللواتي يغلب أن يكن بلا مأوى وهذا الهدف نفسه هو ما تسعى إليه اليوم كل الجهات الإنسانية المنبثقة عن فكرة حقوق الإنسان وحقوق المرأة. بدأت قصة ضيفة خاتون حين كان الملك العادل أبو بكر بن أيوب جالساً في إيوانه فإذا ضيف عظيم الشأن يدخل عليه.. وبالوقت نفسه دخل من يخبره بولادة بنت له.. فحمد الله وقال نسميها "ضيفة" تيمناً بقدوم ضيفنا.. ولأنها ولدت وقدمت إلى الدنيا ضيفةً معززة مكرمة ونحن نملك على حلب. كان ذلك في عام 581هـ الموافق لعام 1185م وقد ولدت ضيفة لتصبح خاتوناً عند زواجها من ابن عمها الظاهر غازي غياث الدين أبو الفتح الذي تولى على حلب عام 583هـ ولما توفي صلاح الدين تولى السلطنة في عام 859هـ وكان عمر ضيفة آنذاك ثماني سنوات.. وما إن كبرت الصغيرة حتى تم زواجها بالسلطان. لا نعرف عدد أولادها الذكور. ولا عدد بناتها لكننا نعرف أنها أنجبت (العزيز محمد غياث الدين) الوريث الأول للظاهر غازي.. وحين توفي الظاهر غازي عام 613هـ كان عمر ضيفة خاتون اثنين وثلاثين عاماً هجرياً. بعد وفاة الظاهر غازي استلم الابن السلطنة وحكم العزيز حتى وفاته عام 633هـ.. وكان عمر الخاتون حوالي اثنين وخمسين عاماً حين انتقلت مقاليد الحكم إلى الحفيد ابن العزيز محمد وهو (الناصر يوسف الثاني) ويكون حفيد صلاح الدين لكنه كان صغير السن غير مؤهل للحكم. هنا برز دور ضيفة خاتون فاستلمت دفة الحكم وأدارته.. لمدة 6 ـ 7 سنوات وقد ذكر ابن الوردي أنها حكمت حكم السلاطين لمدى 6 سنوات. أمّا ما يمكن أن ندعوه حكم ضيفة خاتون فكان من 633هـ حتى 640 هـ الموافق 1242 ميلادية وهو تاريخ وفاتها. واستمر حكم الناصر يوسف حتى عام 658هـ ـ 1260م حين قتله هولاكو مع أخيه الظاهر غازي ويقول المؤرخون وبقي ابنه العزيز في يد المغول. قبل أن نتحدث عن هذه المرأة الأيوبية الحلبية المشهورة بقوتها وحكمتها امرأة ولدت في قلعة حلب وماتت في قلعة حلب, علينا أن نفسر معنى لفظة (خاتون). لا شك أنهاه كلمة معربة وقد قيل إنها فارسية ولربما هي من التركية القديمة وحسب ما ذكرت الموسوعة الإسلامية الميسرة بإشراف د. محمود عكام فإن الكلمة وردت في مجلة المجمع الأهلي العراقي ـ السنة الأولى، بأنها معرفة عن (خاقان ـ تون) مؤنث خاقان الذي يعني الملك أو السلطان وتعني السيدة أو المعظمة والسلطانة. وقد عرف هذا اللقب أيام السلجوقيين (خاتون العصمة بنت ملك شاه السلجوقي) وهي زوجة الملك المستظهر بالله العباسي. مما يعرف أو لا يعرف أن هذه الأميرة أو السلطانة الحكيمة القوية العاقلة الحازمة كانت ذات ميل صوفي عميق.. وهذا ما يشاهد واضحاً في الكتابات التي اختارتها لتنقش على واجهة وباب جامع الفردوس في حلب. وعلى ما يبدو فإن شعلة الشجاعة والحكمة كانت ملتهبة في شخصيات النساء والرجال الذين واللواتي توالين وتوالوا في المراحل التي رافقت الحروب الصليبية وحتى قدوم المغول. لقد مات عنها زوجها.. وثكلت بابنها وعرفت الأخطار المحيطة بها وبحلب فسارعت لتمسك بالسلطة وتقود الحفيد ذا السادسة أو السابعة من عمره.. فأحكمت الوثاق على قلعة حلب وساست بالحكمة البلاد لا فرق بينها وبين أي رجل وهذا ما يفسر قوة الشخصية التي كانت تتمتع بها المرأة.. وما زالت في بلاد الرافدين وبلاد الشام. لم تركن الخاتون لأحزانها, خبأتها ضمن أبراج القلعة الشامخة أو لعلها خبأتها في زاوية التعبد الخاصة بها، التي كانت تعتكف بداخلها في جامع الفردوس، لتستجمع قواها.. ولتعود.. إلى القلعة من جديد وتحكم بيد من حديد.. وكان يقوم بأمور الدولة شمس الدين لؤلؤ تحت إشرافها المطلق حتى وفاتها وهي في السابعة والخمسين من عمرها, وكان الحفيد قد بلغ الثالثة عشر فحكم البلاد. وبقي محراب جامع مدرسة الفردوس... بجماله.. بتاجه.. بالتوافق بين ألوانه القاسية في نباته فالألوان القريبة من الأرض قاسية وهي شديدة الشفافية في التاج المحرابي المؤسس بالرسومات الهندسية التي تعلوه واضحة. بنت ضيفة ختون جامع الفردوس عام 633هـ والماء في البركة المتوسطة يتعاجن ويدخل في دوائر البركة ثم يعود إلى التوافق والهدوء بعد الاضطراب.. ممثلاً شخصية ضيفة خاتون التي أوحت بأفكارها إلى المعمار الذي أنشأ.. ولكأنها كانت هي المهندسة أيضاً. ونتساءل لماذا أسمت ضيفة خاتون هذا الجامع بهذا الاسم؟ فاختارت الفردوس اسماً.. والغرابة الجمالية تكمن بوضوح في هذا الاختيار فاسم (الفردوس) منقوش بخط الثلث تتمة لشريط حجري.. هذا الاسم يقع على يمين الداخل إلى الجامع عند الباب, وكأن الخاتون قد أوحت للنقاشين ليتم التعبير عن معنى روحاني عميق يتجه نحو طريق صوفي.. ويؤكد ذلك وجود غرفة للخاتون مستقلة يُصعد إليها بدرج.. تأتي إليها الخاتون كلما أرادت التوحد والاعتكاف وتستمع من خلال فتحات الجدار الحجرية إلى الأناشيد والصلوات.. وتشاهد من فتحة ما البركة المثمنة الرائعة لجامع الفردوس وداخل الحوض تجاويف محفورة داخل الحجر تجعل الماء أكثر ضجيجاً وتحركاً. هذا ما شاهدته في المعرض الضوئي الذي أقامه الأستاذ منار حماض في دمشق.. وأثناء شرحه للجزئيات المعمارية لهذا الفردوس فردوس ضيفة خاتون.. رأيت الماء يصبح كالوردة الشفافة وخيل إلي أن الحوض من أحواض الفردوس.. ورأيت ضيفة خاتون بخيالي تتأمل.. بعينيها الأيوبيتين الواسعتين وتسبح الله.. وتشعر بالفخر.. لأنها بنت جامع الفردوس الذي كان يقع خارج المدينة وقد سميت المحلة باسمه (د. عبد القادر الريحاوي). استمتعت الخاتون سبع سنوات بالحكم وبجمالية مسجد الفردوس الذي جعلته مدرسة ورباطاً ومسجداً وأوقفت عليه الكثير من المال.. تسرد دروس القرآن الكريم على مسامعها.. وصوت مؤذن يصعد نحو شرفة المئذنة المستديرة ذات القبة المتقشفة. فلعل الخاتون آنذاك.. كانت تدعو لابنها الذي مات.. بجنة الفردوس والبشر يمشون في الأروقة الثلاث التي تحيط بالصحن وبالغرف لتترك مكاناً لإيوان كبير يقال فيه ما يقال من الأحوال والزهد والخشوع. امرأة عجيبة تصدرت الحكم..وتصدرت الزهد.. لجأت من دسائس الحكم إلى فردوسها.. ثم.. لتعود من فردوسها فتحكم من القلعة وحلب تحت أكتاف القلعة كالطفلة الآمنة. إذا شئنا دراسة شخصية الخاتون زوجة الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين.. فإننا لا شك سنرى تناقضات قوية كانت كلها تتجاذب ولا تتنافر لتشكل هذه الشخصية.. ففي داخل جينات ضيفة خاتون تعيش القوة الجبلية وهيبة الترحال.. وسطوة الغزو.. وحب السلطة وفي إسلامها يتجلى الزهد والإيمان القوي المطلق وفي عقلها تتجلى قوة الإبداع الهندسي وقدرة التصميم والرغبة في الإتقان (وهذه مزية الأبنية الأيوبية بعامة) ومهما كان المعمار صناعاً فقد بنى بأمرة الخاتون فقد كانت مملكتها السحرية مدرسة الفردوس الذي يعتبر محرابها من أندر المحاريب في العالم الإسلامي. (د. عبد القادر الريحاوي). ففيه تختلط المستقيمات بأشكال تويجات الورود مزين بها تاج كبير متشابك الرسوم والألوان.. فيه دواء ومربعات تشبه ألغازاً كوفية من الخطوط التي يحار الإنسان في تفكيكها.. ليبدو من ثم النزول الهندسي نحو الأرض.. أو على العكس الصعود إلى السماء, مستقيماً كالحياة السوية.. والألوان مزهرة مصفرة باهتة كشحوب العشق. فمن أنت يا سلطانة.. يا ضيفة خاتون؟ الحاكمة والحالمة والمزخرفة والوردة والمربع والإيوان والفنانة والمتسلطة.. والقلعة؟ في عام 640هـ/1242م القرن الثالث عشر الميلادي.. عصر النهضة والانتصارات والدسائس والحروب الصليبية ماتت ضيفة خاتون.. وأكرمها الله أنها لم تشاهد هجمة المغول على بلاد الشام.. مؤكدة بثباتها.. ومكانتها وحبها وأمومتها مكانة المرأة في تلك العهود التي تلتها عهود ربما أثرت على مكانة المرأة في المنطقة. حلب.. والخاتون.. وأحجار ضخمة وقباب تسع تحرس مدرسة الفردوس.. قباب تمثل في المعنى الصوفي قبة السماء.. قباب ثمانية بل أعناق ملتصقة بسقف البناء وكأنها تعلن انعدام الفواصل بين الأرض والسماء حين تلتقيان في خط الأفق الذي قد يكون مستديراً في الأرض الشديدة الاستواء وفي الروح الشديدة الاستواء.. أما قبة مدرسة الفردوس التاسعة حيث يوجد تحتها المحراب فهي تعلو عن بقية القباب بعنق مستدير.. وعلى جوانب الرقبة ومحيطها نوافذ تؤمن النور.. والنور هو جرعة الرحيق الكونية العليا.. هو الفردوس المجهول. حلب الأيوبية.. وضيفة خاتون؟؟ التي ذكرها خير الدين الأسدي في موسوعة حلب /الجزء الخامس/ وذلك نقلاً عن التذكرة التيمورية ص 383. هي التي بنت خانقاه الفرافرة عام 1237م فكان رباطاً لإيواء الفقراء والمقطوعين فلم يكن هناك فقير إلا أكل في خانقاه الفرافرة، وكعادة كل خانقاه ورباط مسلم.. فقد كان الطعام يقدم من القمح المسلوق الذي أضيفت إليه لحوم الأضحيات أو لحوم من يقدم أيام الجمع أو في الأفراح أو لوفاء نذر.. ويظل يخبط في اللحم والقمع حتى يصبح هريساً.. والهريسة أو القمحية.. هي طعام بلاد الشام الأول والأفضل.. ما زالت منتشرة في كل القرى والدساكر وبيوت المدن حتى يومنا هذا. لقد كانت ضيفة خاتون تطعم الفقراء لحماً وقمحاً.. بل كان كل غريب أو تائه يلجأ إلى خانقاه الفرافرة ليجد فراشاً ووسادة ودفئاً. وكما أسلفنا.. فقد أعد في الفرافرة مكان مخصص للنساء والمظلومات, الضائعات الباكيات.. مكان يبعدهن عن الاستجداء أو السقوط في الرذيلة.. مكان حماية وطعام ونوم وعبادة.. فقد أعدت ضيفة خاتون بهذا البناء حلاً ممتازاً لإبعاد الفقر عن المجتمع.. وهذا يدل على تفهمها التام لنظام التكافل والتضامن الاجتماعي حيث يكفي كل مجتمع نفسه بنفسه. حلبية.. نعم.. أيوبية نعم.. خاتون حاكمة نعم.. متصوفة متعبدة ودرويشة. **** ندير دولاب الأيام.. حتى نصل إلى القرن التاسع عشر الميلادي. وهانحن من جديد في حلب.. في عصر تفتح وإزهار الفكر العربي النهضوي من جديد.. نسأل عن بيت المراش.. تستوقفنا فيه صورة لامرأة جميلة يظهر في عينيها تساؤل عميق ويبدو على قسمات وجهها الثبات والأمان.. فكأن الصورة في ظل شاعري لكتاب ثمين.. صورة من صور ذلك القرن الزاخر بالشاعرة فيها ماريانا مراش.. التي تبدو رقيقة الحاشية.. بعيدة مرمى النظرات وقسمات وجهها من الجانب تعلن عن طموح بعيد المدى أما الشعر المهذب على شكل جدائل تصل إلى ما تحت الكتفين فيعلن عن زينة نساء ذلك القرن.. ولربما كانت هناك شريطة عريضة معقودة تزين التسريحة.. والصورة موضوعة ضمن إطار بيضوي تمثل زخارفه العصر الذي أخذت الصورة فيه. ولدت ماريانا مراس عام 1849 ودخلت القرن العشرين وهي تكتب الأشعار وتنتقص تقاعس نساء البلاد وتدعوهن إلى التزين بالعلم والتحلي بالقوة والطموح. حين كانت تروق ليالي حلب.. كانت تصفو عن نجمتها الشاعرة التي ولدت في أسرة مثقفة متفتحة على الشعر والأدب والصحافة.. ولقد كان لنجمة حلب أهداف وأحلام في إتمام تعليمها.. وفي دخول الجامعات.. وكانت بيروت آنذاك تجتذب المثقفين والأذكياء في العالم العربي. وظلت الفتاة تصر على والدها وأخيها فرنسيس مراش حتى كان لها ما تريد فانتسبت إلى إحدى مدارس بيروت وهي (المدرسة الإنجيلية) وكانت قد أجادت العربية أما الفرنسية فقد تعلمتها في مدرسة راهبات مار يوسف لكنها.. وبسبب الحنين عادت إلى حلب ليشرف على تعليمها والدها العلامة. وبدأت عالم القريض.. بل سعت إلى نشر قصائدها.. قصائد امرأة شاعرة تفصح عن كينونتها بعد عصور من كتم الأنفاس.. والتخلي.. ولقد ساعد الكثيرون ماريانا ومنهم المعلم بطرس البستاني.. وخليل سركيس.. وأفسح المجال لقصائدها في مجلة (الجنان) وفي جريدة (لسان الحال) وبدأت القصائد تتوالى. وفي قلب ماريانا كان يلح هاجس السفر.. كانت تريد أن تسافر (تنهل من منابع الغرب الذي كان قد تخطى الشرق آنذاك.. باكتشافاته وعلومه.. ولقد تهيأت لها فرصة السفر إلى أوروبا وكما يقول المثل (إذا أحب الله عبده أراه ملكه) فالسفر انطلاق وثقافة ومعرفة وعلم حتى لو سافر الإنسان إلى داخل نفسه أو إلى القمر فكيف بالفتاة الشابة تسافر إلى أوروبا لتتوسع ثقافتها وتتطور مفاهيمها وحين عادت إلى حلب.. أنشأت صالونها الأدبي الشهير.. وكم كان جميلاً أن يتقاطر على هذا الصالون أكبر أدباء العصر آنذاك و أحسنُ شعرائه, وأعظم مثقفي حلب, يتبادلون المعلومات والعلوم والأشعار ويتناقشون في السياسة والوطنية ضد الاستبداد. مكنّين لماريانا مراش كل الاحترام والتقدير. والواقع أن ماريانا سبقت (مي زيادة) في مصر.. فكان التجمع الثقافي الحلبي هو السبّاق.. قبل صالون مي الأدبي.. ماريانا تستقبل ضيوفها.. ومجالس أدب حقيقية.. ومصارحات ومساجلات شعرية.. وأفكارٌ تنطلق من الحناجر لا تقبل ضيم المستعمر.. وماريانا تكتب الشعر.. بألوانه.. أثناء الاستعمار وبداياته.. أغلقت ابنة المراش صالونها خوفاً على رجال الأدب والفكر والفن من السجن ومن الاعتقال.. خافت عليهم أن يقتلوا لا جبناً منها.. إنما إنسانية ومحبة منها.. وآثرت الاستمرار في الكتابة.. فكتبت مدحاً.. كتبت غزلاً عفيفاً.. كتبت رثاء.. اعتكفت ونسجت حريراً جدد طريق حرير حلب. ولعل شهبة حلب.. لعل دراويشها.. لعل كنائسها.. لعل نواقيسها.. لعل مآذنها.. لعل أصوات مؤذنيها.. لعل أصوات حلب الرخيمة التي تطلق الأناشيد.. جعلت في قلب ماريانا مراش ميلاً صوفياً ودفيناً ظهر أحياناً في بعض أشعارها.. وككل إنسان محكوم بالفقد والفقدان.. متأثر لا محالة برحيل أحبائه.. فقدت ماريانا مراش والدها وشقيقها وبعد أهلها. فظهر ذلك جلياً في مرثياتها. أنها نجمة حلب.. التي كانت هدياً للكثيرات من بعدها.. والتي كانت شخصيتها مثلاً يحتذى به لغيرها ممن أتين بعدها. ماريانا مراش.. مليكة صالونات حلب في القرن التاسع عشر وأوائل العشرينات من القرن العشرين.. الداعية إلى تعليم المرأة.. سليلة الفكر والأدب والثقافة والصحافة والفن.. الضاربة على أوتار (القانون) الغارق في شرقيته و(البيانو) الآتي من الغرب, الجامعة لروح الشرق وروح الغرب. وفي عام 1919 ماتت ماريانا مراش.. كانت الحرب العالمية الأولى قد حطت أوزارها. وكانت ماريانا قد تعبت شعراً وحزناً ووطنية. سيداتي وسادتي.. إنهن ثلاث نساء من حلب.. عشن في فترات شديدة التباعد.. اخترتهن من بين المئات من مثيلاتهن فعساني قد ذكّرت.. وعساني قد عرَّفت.. وعساني ما أخطأت.. وعساني قد أصررت على إنارة مصابيح ثلاثة سطعت عبر التاريخ في منطقتنا المجيدة. المصادر والمراجع 1 ـ الآثار الإسلاميَّة التَّاريخيَّة في حلب, محمد أسعد طلس 84. 2 ـ أرشيف ماري, اللَّواح الصلصالي 253. 3 ـ أعلام النُّبلاء في تاريخ حلب, محمد راغب الطباخ. 4 ـ تاريخ ابن العديم (بغية الطَّلب في تاريخ حلب) عمر بن أحمد ابن العديم, تحقيق د. سهيل زكَّار. 5 ـ تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر), أبو الفداء إسماعيل بن علي. 6 ـ تاريخ ابن العدوي, عمر بن مظفر ابن الوردي 2/172. 7 ـ تاريخ سلاطين مصر وبلاد الشَّام وحلب, إبراهيم مغلطاني. 8 ـ تهذيب سير أعلام النُّبلاء, شمس الدين الذَّهبي, مؤسسة الرسالة ط 1, 1412هـ/1991م. 9 ـ حكايات صلصالية لنساء ميِّتات, نادية الغزِّي. 10 ـ خانات حلب, د. وعد الحكيم. 11 ـ روضة المناظر في أخبار الأوائل, ابن الشحنة، حوادث عام 634هـ. 12 ـ العمارة الإسلاميَّة العربية, د. عبد القادر ريحاوي. 13 ـ مجلَّة الضاد, عيسى المعلوف. 14 ـ مجلة المجمع العلمي العراقي (السَّنة الأولى). 15 ـ معري, قاسم طوير. 16 ـ منظومة الشَّيخ أبي الوفا, ص 65. 17 ـ موجز مقتبسات الإفرنج في القرن الثامن عشر, 137 (غارات البدو والأكراد والتركمان). 18 ـ الموسوعة الإسلاميَّة الميسَّرة, بإشراف د. محمود عكام. 19 ـ موسوعة حلب, خير الدين الأسدي, المجلد 6/حرف ف. 20 ـ نساء من بلادي, ناديا نويهض. | ||||||||||||||||||