|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:58 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الشيخ عبد الله سراج الدين ـــ أ.د.بكري شيخ أمين(*) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. العلماء هم مصابيحُ الأمة وأنوارها وهداتُها في كل الأزمنة والأمكنة، يُنيرون دروبَ حياتها، فيفتحون القلوب المغلقة، ويُجْلون الغشاوة عن العيون المتعَبة، وينقلونها من دياجير الجهل إلى أنوار العلم، ويُخرجون الناس من الظلمات إلى النور. وأخص بالذكر منهم علماءَ الشريعة، وفقهاءَ الدين.. فبالشريعة يكون الإنسان إنساناً شريفاً، والمواطنُ مواطناً حقاً.. وفي ضوء الشريعة يعرف الحقّ فيتّبعه، ويعرف الباطل فيجتنبه.. يعرف ما يهوي به إلى الجحيم، وما يرقى به إلى أعالي الفردوس والنعيم. وعلماء الشريعة وحدَهم الذين يأخذون بأيدي الناس إلى طريق الهدى والصواب والحق والنور.. لأنهم ورثة الأنبياء، وحمَلة الرسالة والأمانة.. وهم دائماً في عيون الناس المثل الأعلى الذي به يقتدون. أريد أن أصل بهذه الكلمات إلى عالمٍ من بلدي.. يحمل تلك المزايا، ويتصف بتلك الصفات، اسمه عبد الله بنُ محمدِ نجيب سراج الدين الحسيني. لو رأيته تذكرت رسول الله (، وقاراً وجمالاً وجلالاً وسكينة وتواضعاً وبشاشة ورقة.. وأحلى ما يتصوره الإنسان في كمال وجمال في عبد من عباد الله. فالرجل متمثل برسول الله ( تمثلاً إن لم نقل: كاملاً فهو قريب من الكمال.. من فَرْقِ شَعرِه إلى أَخَمصِ قدميه.. في مظهره.. وفي حديثه.. وفي حركاته.. وسكناته.. وفي تبسمه.. وفي أخلاقه.. وفي كل ما يتصل بحياته الإنسانية من صغيرة أو كبيرة. الرائع في هذا النور المحمدي الذي سكن في مدينة حلب الشهباء من أرض سورية أنه ليس عالماً فقط، وإنما هو عالمٌ عامل.. وحتى نلم بسيرته تفصيلاً نذكر النقاط التالية: ولد الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني بمدينة حلب سنة 1342 للهجرة النبوية والموافقة لسنة 1923 للميلاد من أب كان نجمَ حلبَ في أيامه هو الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني الحنفي، فأدخل ابنه عبدَ الله جامع سليمانَ القريب من حي قاضي عسكر بحلب.. فتعلم تلاوةً القرآن الكريم والكتابة، ثم انتسب إلى مدرسة دار الفلاح ـ السلطانية.. فتدرج في صفوفها، وجوّد القرآن الكريم على القارئ الشيخ عثمان قنديل الطنطاوي المصري، وأخذ شيئاً من فقه العبادات والنحو، وأشعارِ العرب، وخُطبهم التي كان مفروضاً على الطلبة يومذاك أن يحفظوها، كما أخذ علوم الرياضيات عن الشيخ محمد خير إسبر. ثم انتسب إلى مكتب الشيخ عبد الوهاب المصري الحلبي.. فبدأ بحفظ القرآن الكريم وتجويدهِ عليه، واستمر سنتينِ كاملتْينِ حتى حفظ كتاب الله كله عن ظهر قلب. ثم انتقل إلى المدرسة الخسروية متدرجاً في صفوفها. وحبّب إليه الحديث النبوي، وأولع بقراءته، فحفظ قسماً كبيراً من صحيح البخاري، ثم عاج على العلوم الدينية الأخرى من فقه وأصول وتفسير وفرائضَ وتوحيد ومصطلح وسيرة، وأتبعها بعلوم العربية من نحو وصرف وعروض وبلاغة، فكان فيها المبرز والمتقن. ثم استقر به الحال في غرفة والده الشيخ محمد نجيب في المدرسة الشعبانية مجاوراً للشيخ ياسين سريّو الذي كان يُعدّ من أجَلّ شيوخه رحمه الله تعالى.. كما لازم دروس الفقه في المدرسة الإسماعيلية عند الشيخ أحمد عساف الحجي الكردي. وظائفه: عين مدرساً في جامع (أبو درجين) ثم دعي للتدريس في معهد العلوم الشرعية في المدرسة الشعبانية، وكلّف بتدريس التفسير والحديث والفقهِ الحنفي ومصطلح الحديث. كذلك استُدعي إلى المدرسة الخسروية، فدرّس فيها المصطلح، وألف كتاباً في هذا الموضوع، فطبعته المدرسة، ووزعته على طلابها ناب خلال ذلك في التدريس عن والده الشيخ محمد نجيب سراج الدين في جامع الحموي، ثم أبدل بجامع أبو دَرَحَيْن درسَ المحافظة في الجامع الأموي الكبير. وشاء الله تعالى أن ينتقل من جامع الحموي، ويركّز جهوده في المدرسة الشعبانية، وراح يستقبل طلاب العلوم الشرعية، حتى إذا تخرج أحدهم من الشعبانية تلقفته جامعة الأزهر الشريف في أرض الكنانة، وأدخلته في قسم الدراسات العليا. يضاف إلى هذا كله اتصالُ عالمنا الشيخ عبد الله بعلماء العالم الإسلامي، ومحادثتهم، ونيل الإجازات الرفيعة منهم بخط أيديهم. * * * آمن الرجل بحكمة رائعة خلاصتها: لا يكفي أن يكون المرء عالماً، ومبرّزاً في علوم الأولين والآخرين، ثم ينطوي على نفسه، فلا يستفيد منه أحد.. إنما شأنُ العالمِ أن يكون عاملاً بعلمه، موزّعاً معارفَه عبْرَ الجهاتِ كلها، ينشر الخير َ يمنةً ويسْرَةً، آناءَ الليل وأطرافَ النهار.. ثم يكون لـه أتباعٌ يتمثلون بشخصه وتعاليمه، ويقتدون به، ويغدو كلّ منهم فلكاً جديداً تدور حوله نجوم وكواكب وأقمار.. وهكذا. ومع هذا كلّه، لا يكفي أن يلقيَ العالمُ دروسهَ على أتباعه ومريديه وتلامذته.. ثم ينصرفُ وينصرفون.. وينتهي كلّ شيءٍ بانتهاء حياته أو حياتهم.. إنما ينبغي أن يتركَ العالمُ بعده آثاراً مسجّلة مكتوبة، يقرأها الناس أيام حياته وبعد موته. ويطّلع عليها من هو قادر على أن يصل إلى الشيخ ويراه، ومن هو غيرُ قادر على أن يصل إليه أو يراه. لقد آمن أن نفع التصانيف أكثرُ من نفع المشافهة، فهو يشافهُ خلال حياته عدداً محدوداً من الناس، ولكنه بتصانيفه ومؤلفاته المطبوعة يشافه عدداً لا يحصى، ما خُلقوا بعد.. ودليل هذا انتفاعُ الناس بتصانيف المتقدمين كما يستفيدون من مشايخهم المعاصرين، وأن العالمَ الحقّ ينبغي أن يعكف على التأليف إن وُفّق إلى التأليف المفيد، فإنه ليس كل من ألّف أفاد ونفع، وليس المقصودُ جمعَ شيء كيفما كان، وإنما هي أسرارٌ وأنوار يُطْلِعُ الله تعالى عليها من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمعُ ما تفرق، ويرتبُ ما تشتت، ويشرحُ ما يحتاج إلى شرح، ويحلّ كل غامض أو معقّد.. لقد دأب شيخنا في حياته على إلقاء الدروس في المدارس المختلفة كالشعبانية والخسروية وفي جوامعَ عدةٍ كالجامع الكبير وجامع الحموي وجامع بنقوسا وجامع سليمان، ومع تلك الدروس الملقاة راح يسجل دروسه بتصانيف وكتب، زاد عددها على عشرين كتاباً مطبوعاً، نذكر منها: كتاب سيدنا محمد (. التقرب إلى الله تعالى. الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها. الدعاء صعود الأقوال ورفع الأعمال إلى الكبير المتعال ذي العزة والجلال. شهادة أن لا إله إلا الله، سيدنا محمد رسول الله (. الصلاة في الإسلام. الصلاة على النبي (. تلاوة القرآن المجيد. هدي القرآن الكريم إلى الحجة والبرهان. هدي القرآن الكريم إلى معرفة العوالم والتفكير في الأكوان. حول تفسير سورة الفاتحة. حول تفسير سورة الحجرات. حول تفسير سورة ق. حول تفسير سورة الكوثر. حول تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين. شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث. أدعية الصباح والمساء. قصائد كثيرة في مدح الرسول( . * * * وحتى نقدم صورة موجزة عن هذه المؤلفات نكتفي بعرض موجز لآخرِ كتابٍ صدر له، وهو (حول تفسير سورة الفاتحة أم القرآن الكريم) وهي التي قال عنها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لو تكلمت لكم عن سورة الفاتحة لأوْقَرتُ سبعين بعيراً". ونعجب من قول الإمام علي (.. إذ كيف يمكن أن يتضمن تفسير سورة صغيرة مجلداتٍ ومجلدات؟ ويقف العلامة فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى فيؤكد قوله الإمام علي ( فيقول: "اعلم أنه مرّ على لساني في بعض الأوقات أن سورة الفاتحة يمكن أن يُستنبطَ من فوائدها عشرةُ آلاف مسألة، فاستبعد ذلك الحساد، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب ـ يعني تفسيره ـ وقدمت لـه مقدمة لتصير لـه كالبيّنة على أنّ ما ذكرناه ممكنُ الحصول". أما شيخنا سراج الدين فقد خطط لبحثه كما يلي: الكلام على البسملة وراح يفسرها، وانتقل بعدها إلى: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم. مالكِ يومِ الدين. إياك نعبد وإياك نستعينِ اهدنا الصراط المستقيم. صراطَ الذين أنعمتَ عليهم. غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمينْ( عرض اللطائف والمواقف التي اشتملت عليها سورة الفاتحة في الصلاة وما في ذلك من البشائر. استحباب التأمين عند كل دعاء. من فضائل سورة الفاتحة وخصائصها. * * * هذه الخطوط العامة لتفسير سورة الفاتحة ليس فيها جديد، وقد يخيل إلى المرء أن كل متصدّ للتفسير يمكنه أن يقف عند كل آية، فيوضحَ مفرداتها، وعباراتها، ومقاصدَها, فإذا كان فقيهاً استنبطَ منها أحكاماً فقهية، وإذا كان بلاغياً استخرج منها لآلئ بلاغية، وإذا كان لغوياً التقط منها جواهر لغوية، وهكذا. ومع هذا كلّه فلا يعدو تفسيرُ هذه السورة القصيرة عدداً من الصفحات في أكثر تقدير، لأن معانيها ليست غامضة، ومفرداتها ليست غريبة، والقضايا البلاغية فيها متركزةٌ حول التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والقطع والوصل. إذن، كيف نقارن هذا المفترَض في تفسير هذه السورة مع مقولة سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (لو تكلمت لكم عن سورة الفاتحة لأوقرتُ سبعين بعيراً)؟ الحقّ أقول: ما كدت أنتهي من قراءة كتاب شيخنا عبد الله سراج الدين هذا حتى أيقنت أن أمير المؤمنين علياً محق فيما قال... وأنه يُكتب في هذه السورة المجلدات المتعددة. لقد فتح الشيخ عبد الله عيني على الآفاق الرحيبة التي يمتد إليها تفسير هذه السورة، وأنها أوسع ممّا تخيلتُ وتوقعت.. فالشريعة الإسلامية بصورتها العامة وخطوطِها العريضة.. مندرجةٌ في هذه السورة.. وكامنةُ في ثناياها.. وهي لا تحتاج إلى عالم فذ، وخبيرٍ ماهر، يستخرج من بواطنها الكنوزَ والرموزَ.. ويدُلَّ الآخرين عليها. ولأضربْ على ذلك مثلاً بشاهد على ما أقول في تفسير شيخنا لقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين(. لقد امتد الكلام عن هذه الآية من الصفحة 85 إلى نهاية الصفحة 110 أي أخذت خمساً وعشرين صفحة كاملة، كلها فيض وتحليق. بدأ الشيخ بشرحٍ مختصر وبسيط، فقال: "إياك نعبد، أي: لا نعبد إلا إياك، لأنك ربّ كل شيء، والكلّ عبادُك، وحق على العبد أن يعبد ربه سبحانه". ومن هذه النقطة أفرد الشيخُ جناحَيْ تفسيره ليحلّق في أجواء الآية الكريمة.. فبدأ بكلمة (العبادة) وراح يفسرها، ويعدّد شروطَها، ويبيّن الفرق بين العبودية والألوهية.. وما فيهما من توافق أو تباين أو تضاد.. وتنساب الآيات القرآنية المتصلة بـ (العبد) و(العبادة) وتتلوها الأحاديث النبوية في المجال ذاته، ويكون حديث معاذ ( في أولها: (قال معاذ: كنت رديفَ رسول الله ( على الدابة يوماً، فقال لي: يا معاذ! قلت: لبيّك يا رسول الله! ثم سكت ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك يا رسول اللهَ! ثم سكت ساعة، ثم قال: يا معاذ بنُ جبَل! قلت: لبيك وسَعْدَيْكَ يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلمُ. قال ( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئاً؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئاً ألا يعذبَهم.). ويستدرك شيخنا فيقول: فهذا حق، هو سبحانه حقّه على نفسه، تفضلاً وتكرماً، فإنه سبحانه من كرمهِ وفضلهِ هو قد يُحقّ على نفسه، وقد يوجب على نفسه، ويكتب على نفسه، ويحتّم على نفسه، ويحرّم على نفسه.. كل ذلك من باب الفضل والكرم والجود الإلهي. وعزز قولـه ذلك بالشواهدَ من الكتاب العزيز من مثل قوله تعالى: (وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين(، (كتب ربكم على نفسه الرحمة(. (كان على ربك حتماً مقضياً(. ومن الأحاديث القدسية من مثل: وجبت محبتي للمتحابين فيّ.. يا عبادي إني حرّمتُ الظلمَ على نفسي.. ويتابع الشيخ الكلام في (إياك نعبد) فيرى أن فيها تلقيناً من الله لعباده أن يقولوها بعد أن وقفوا موقف الذاكرين في البسملة، والحامدين في الحمدَلَةِ، والمثنين بقوله: (الرحمنِ الرحيم)، والممجدين في (مالك يوم الدين).. فحقّ لهم أن يرتقوا في القرب، ويعلوا في الدرجات، فعلّمهم أن يقولوا: (إياك نعبد). ويتساءل الشيخ عن هذا الضمير الجمعي في (نعبد) و(نستعين) ولماذا لا يقول العبد: إياك أعبد، وإياك أستعين؟. ويجيب هو عن تساؤله بتحليل لا أحلى منه ولا أمتع فيقول: هذا موقفٌ فيه هضم النفس والاعترافُ والإقرار بالعبودية لرب العالمين، والاستشعارُ بالذل، والافتقارُ له. فكأنه يقول بلسان حاله: يا الله! أنت رب العالمين، وأنت الرحمنُ الرحيم، ومالك يوم الدين، لك العزة الربوبية، وسيادةُ الألوهية، ما أنا بالذي بلغت عبادتي القاصرة تلك المكانة حتى أذكرَها وحدها، وأتقدمَ بها إليك، بل أخلطُها وأجمعُها إلى عبادات جميع العابدين لك، وأذكر الكل بعبارة واحدة ـ فلعلك ترضى ـ فاسلكني في نظامي، وأجملني في جملتهم، فإن فيهم الأنبياءَ والرسلَ والأولياءَ، وكلهم عبادك، وخاصة إمام العباد، وإمام الأنبياء والمرسلين، سيدُنا محمد (، فاقبلني في جملة العابدين من أتباعه، وتقبل عبادتي بشفاعته وكرامته. ويسترسل في هذا التحليل اللطيف، فيردف إلى ذلك قوله: في هذه الآية الكريمة صورة لاتهام العابد نفسه بنقص العبادة اللائقة، فيشفَعها إلى عبادة العابدين، لعل الله تعالى يقبل ذلك، فإن من كرمه ـ سبحانه ـ أن يلحق الناقص بالكاملين إذا انضم إليهم، كما جاء في الحديث (همُ القومُ لا يشقى بهم جَليسُهم). ويزيد الشيخ في تعميق هذا المعنى فيقول: ففي الجمع بيانُ أن جميع العباد واقفون في هذا الباب ـ أي التوجه إلى الله تعالى المعبود وحده ـ وهو ـ أي العابد القائل ـ: (إياك نعبد) هو واقف معهم، وفيهم كامل العبادة وناقصُها، فكمال أهل الخير يَجبرُ ويغطي أهل النقص ـ من باب الفضل والجود الإلهي ـ فالله أ جل من أن يقبل بعضاً ويردّ بعضاً، في حين أن الكل واقفون على بابه، ومتوجهون إلى جنابه في عبادتهم، واستعانتهم به، وطلب الهداية منه إلى ما هنالك ـ سواء كانوا مجتمعين بأجسامهم كصلاة الجماعة، أو متفرقين ومنفردين ـ فإن القلوب كلها مجتمعةٌ ـ متوجهةٌ إلى رب واحد، ومعبود واحد ـ سبحانه وتعالى والكلّ يطلبون الإعانة ويسألونها، من رب واحد، ومعبود واحد، ومعين واحد. ويستمر تيار الفيض دفاقاً، فينتقل المؤلف الكريم إلى جانب من (إياك نعبد) فيرى أن العبادة عزّ وشرفٌ وجاهٌ وكرامةٌ للعبد إذا قام بها في هذه الحياة نال أجرها من هذه المعاني في الحياة الآخرة، إذ بالعبادة وحدَها ينال العابد القربَ والحب ودخول جنة النعيم، والتربّع على مقعد الصدق عند المليك المقتدر. وبالعبادة يقف العابد على الأسرار والأنوار والآثار التي منها: 1 ـ القربُ من حضرة الرب (واسجدْ واقتربْ) 2 ـ انصباغُ القلب بالأنوار البهية (صبغةَ الله ومَنْ أحسنُ من الله صبغةً ونحن لـه عابدون). 3 ـ الانتقالُ من رتبة العبدية العامة إلى مرتبة العبدية الخاصة التي ينال بها شرفَ الإضافة إليه (قلْ لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة(. 4 ـ الحصانةُ من رجس الشيطان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان(. 5 ـ نيلُ البشائر (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه(. 6 ـ الأمانُ من الله (يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون(. 7 ـ تذوقُ طعم الإيمان وحلاوته )ثلاثة من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان). وذكر منهن: من عَبَدَ الله وحدهَ، وعَلِمَ أنه لا إله إلا الله. * * * وينتقل الشيخ إلى الجزء الآخر من الآية الكريمة (وإياك نستعين) وهنا ينطلق إلى الساحة العريضة والأفق المديد يَلُمُّ جميع ما يتصل بكلمة (الاستعانة) و(العون) وما يتفرع منهما من مشتقات وردت في كتاب الله العزيز أو في الحديث الشريف، فيتحدث في كل منها حديثاً متأنياً، لا إيجاز فيه ولا إسهاب. من هذه الاستعانات: الاستعانة بالله، والإعانة على أعداء الله، وشكوى العبد الضعيف إلى الإله القوي المعين، ووجوب سؤال الإنسان ربّه في كل حاجاته، صغرت أو كبرت، دقت أو جلّت، فالله معين.. والله مسخر للإنسان من يعينه كذلك من بني الإنسان.. شأنه في ذلك شأن الإحياء، والهداية، والرزق فالرزاق هو الله.. ومع ذلك فقد جاء في القرآن الكريم نسبةُ الرزق إلى الإنسان (وإذا حضر القسمةَ أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً. والإعانة ـ أصلاً ـ من الله، ومع هذا يصح أن يضاف العون إلى الإنسان، مصداقاً لقوله ( [والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه]. ثم يأتي إلى بيان الحكمة من تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين( فيذكر أن العبادة حق الله تعالى، فحق الله مقدم على حق ما هو للعبد.. ثم إن العبادة تضم أعمالاً صالحة وأقوالاً طيبة، وأدعية كثيرة... فهي جميعاً من باب التوسل إلى الله بهذه الأقوال. وتقديمها على طلب الاستعانة يكون أرجى لقبول الدعاء واستجابته.. والعبادةُ من معانيها قيام العبد بواجب الأمانة الكبرى التي التزمها وحملها يوم عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان.. والاستعانة طلب العبد من الله عونه على الحمل الثقيل. وأخيراً: فما دام الإنسان مخلوقاً للعبادة، ومأموراً بالاستمرار عليها حتى آخر لحظة من حياته مصدقاً لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(.. فالاستعانة على استمرارية العبادة أمر طبيعي في هذا المجال. * * * لقد كنت أود أن يشير ـ قدس الله سره ـ إلى ما في هذه الآية الكريمة إلى الروائع البلاغية كلها، وإن كان قد جاء بالكثير الكثير منها، وأخص بالذكر في هذه الآية: تقديم وتأخير الضمائر في (إياك نعبد وإياك نستعين( فيتابع التحليق.. وهي أمور لا تقل أهمية وروعة عما أورده. إن علماء البلاغة يقفون بإجلال وإكبار عند هذا التقديم والتأخير ويسهبون في تحليل أبعاده، وشرح ما فيه من روائع وأطايب وأعاجيب وعبودية كاملة. إن تقديم المفعول (إياك) على الفعل (نعبد) وتقديم (إياك) على الفعل (نستعين) دلالة على الاختصاص والحصر.. فكأن العبد يقول: يا الله لا نعبد إلا إياك، وبعبارة أخرى: إنا لا نعبد المال، ولا نعبد الجاه، ولا نعبد الشهوة، ولا نعبد الشيطان، ولا نعبد الحبيب، ولا نعبد الولد، ولا نعبد السلطة، ولا نعبد المجد، ولا.. ولا.. إنما نعبدك وحدك دون سواك. ولا نطلب العون من هذا ولا ذاك، إنما نستعين بك وحدك دون سواك. * * * ومن الروائع البلاغية لهذا التعبير أنك لو قارنت بين ما لو قلنا: نحن نعبدك يا ربنا ونستعينك أو نستعين بك لظهر الفرق واسعاً بين المعنيين. الأول يعني: إنا نعبدك، وإنا نستعينك أو نستعين بك.. ولكن هذا لا يمنع أن نعبد سواك، ولا يمنع أن نستعين بغيرك.. مثال ذلك: لو قلت لأحد الناس: أنا أحبك يا صاحبي! فإن هذا لا يمنع أن تحب سواه من الناس من أب، أو أم، أو أخ، أو أخت، أو جار، أو شريك، وهكذا.. أما لو قلت له: إياك أحب، فقد حصرت حبك كله فيه، ولم تشرك معه فيه أحداً.. هذا هو معنى تقديم المفعول على فعله وفاعله.. إنه يفيد القصر والحصر والاختصاص.. بعبارة أخرى: إنه التوحيد الخالص المطلق الذي ما بعده بعد.. شيء آخر من روائع هذه الآية يتجلى في حذف المفعول للفعل (نستعين). لقد حذف المفعول ليشمل كل شيء في هذا الوجود.. إياك نستعين يا الله على عبادتنا، وعلى أعمالنا، وعلى دراستنا، وعلى تربية أبنائنا، وعلى خدمة ديننا، وعلى نصرة شريعتنا، وعلى حب وطننا، وعلى كل صغيرة وكبيرة في أمور دنيانا وأخرانا.. هذا الحذف للمفعول أطلق الفكر إلى عوالم لا نهاية لها.. ولو ذكره لقيد الفكر وحصر المعنى. * * * إن في هذه الآية التفاتاً من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب.. كانت الآيات تمضي وهي تحمل ضمير الغائب.. الحمد لله.. رب العالمين.. الرحمن الرحيم.. مالكِ يوم الدين.. وفجأة انتقلت إلى الخطاب المباشر: إياك نعبد.. وإياك نستعين. ألسنا نحس بالواقع النغمي الطروب لهذه النقلة المفاجئة، أو لسنا نشعر بالراحة في هذا التبدل النغمي.. من ضمير إلى ضمير؟ ومن سكة إلى سكة؟ * * * وبعد: فإن قراءة هذه الكتاب جعلتني أؤمن بما صرح به سيدنا علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ وفخر الدين الرازي ـ رحمه الله ـ من أن شرح سورة الفاتحة وحدها يملأ مئات الصحف والمجلدات، فالسورة فيها الحياة بكل دقائقها، وفيها الآخرة بكل جزئياتها، ولا تتأتى معرفة ذلك إلا لمن فتح الله تعالى عليه * * * أعود إلى الحديث عن شيخنا الكبير عبد الله سراج الدين لأقول: إن جميع كتبه من هذا القبيل، فهو لا يتناول موضوعاً إلا أشبعه بحثاً وتفصيلاً حتى لا يترك لمستزيد حاجة إلى زيادة. الطريف في هذه المؤلفات أن الناس في مدينة حلب ـ هذه المدينة المباركة ـ يقبلون على اقتنائها، ويتهادوْنها.. وتنتقل هذه الكتب شراء وإهداء إلى معظم بيوت الناس في بلاد الشام، ومن بلاد الشام تنداح إلى مختلف أصقاع العالم شرقاً وغرباً. وتسهر المطابع على إعادة نشرها وتوزيعها مرة بعد مرة، وتقول هل من مزيد؟ * * * صورة لا تنسى: وإن أنس لا أنس شارع بنقوسا في مدينة حلب.. ففي هذا الشارع جامع كبير يتسع لآلاف المصلين.. وكان شيخنا يلقي فيه درساً على الناس بعد عصر كل يوم جمعة.. في ذلك الوقت لا يمكن لسيارة أن تمر بهذا الشارع من كثرة الزحام أو المجالسين المنصتين على الأرصفة وأرض الشوارع، يستمعون إلى درس هذا الرجل الكبير.. والرائع في تلك السيارات أن أبوابها تخرس أو تشل، فلا تسمع لها ضجة أو بوقاً أو صوتاً.. وشرطة المدينة تقف في مختلف الجهات تحوّل مسير السيارات إلى هنا وهناك.. حفظاً على حياة هؤلاء الذين يجلسون في الشوارع.. هذا يبكي، وهذا يستغفر، وهذا يطرق برأسه، وهذا يفتح يديه إلى السماء. وتستمر هذه الحفلة إلى مغيب الشمس، ثم ينفرج الطريق ليمر موكب الشيخ المَهيب... ويصطف الناس على جانبي الطريق.. صفين متقابلين واضعين أيديهم على صدورهم.. مثبتين أعينهم على شيخهم الحبيب، داعين الله أن يحفظه ويمد في عمره.. والسعيد من اقترب منه. أو لمس يده، أو استنشق من عبير أنفاسه وعبقَها. * * * الدمعة الحرى: وتمر الأيام، وتتوالى الأمراض على الشيخ، ثم يعجز عن الخروج من داره، ويعتزل الناس إلا من أسعده الحظ بلقائه لحظات خاطفات.. ويتقاطر الناس إلى بيته يسألون عن صحته، ويودون أن لو استطاعوا فداءه بأرواحهم.. ويحملون ما يحمل ويعاني ليبقى سليماً معافىً.. يرونه ويرون فيه صورة حبيبهم الأعظم صلوات الله تعالى عليه. ولكن هيهات هيهات.. فلا راد لقضاء الله.. وليت الأماني بالتمني. * * * وبزغت شمس العشرين من ذي الحجة عام 1422 للهجرة والموافق للرابع من شهر آذار سنة 2002 للميلاد على مدينة حلب، فإذا هي شمس كئيبة صفراء، وشاع في المدينة نبأ مزلزل، يقطع القلب هلعاً، والنفوس جزعاً، لقد مات حبيب الأمة وعالمها وسراجها وكوكبها الدري.. لقد مات الشيخ عبد الله سراج الدين.. وراح الناس يجهشون بالبكاء، ويسيلون جموعاً إلى موكب وداعه، ودموعهم مسفوحة، وعيونهم زائغة، وحسرتهم تقطع القلوب، وتسري في المدينة كلها كلمة: رحل الحب والحبيب... رحل الإنسان الذي كنا نراه فكأنا نرى رسول الله (.. ودفن في المدرسة الشعبانية التي أحبها وأمضى فيها زهرة حياته، وبقي الناس يومها لا يشتهون طعاماً أو شراباً، ولا بيعاً أو شراء، وبقيت حلب تئن من يتمها ولا تزال. (* ) عضو اتحاد الكتاب العرب، عضوا اللجنة العالمية للغة العربية |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |