|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:58 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
صورة سيف الدولة في الرواية المعاصرة ميريام أنطاكي نموذجاً ـــ د.أسماء أحمد معيكل(*) تمهيد لعل ظهور صورة سيف الدولة في الشعر العربي أمر بدهي؛ ذلك أنه الأمير الحاكم، والفارس المغوار، والمجاهد الفاتح المخصوص بالمديح، فإليه يتوجه الشعراء بمديحهم لتمجيد بطولاته، ونيل عطاياه، ومن هنا فإن الحديث عن صورة سيف الدولة في الشعر أمر شائع؛ أما حديثنا عن صورة سيف الدولة في الرواية فسيبدو مختلفاً بعض الشيء؛ ذلك أن الرواية التي سنقف من خلالها عند صورة سيف الدولة مختلفة أيضاً. فهي رواية ذات طابع خاص لا يمكن تصنيفها في حقل الرواية العربية التاريخية التي كتبها جورجي زيدان وغيره، ولا يمكن تصنيفها في حقل الرواية الأجنبية التاريخية، فلا هي عربية ولا غربية، وربما تقع على الأعراف بينهما. "الحبيبة المفضلة" رواية عربية باعتبار النسب، فصاحبتها ميريام أنطاكي ابنة الشام التي تقطن في حلب. وهي رواية أجنبية باعتبار اللغة التي كتبت بها، فقد اختارت صاحبتها أن تكتبها بالفرنسية وتنشرها في باريس، وهنا تنتصب أمام أعيننا أكثر من إشارة من استفهام: لماذا اختارت ميريام أنطاكي أن تكتب رواية عن سيف الدولة؟! ولماذا كتبتها بالفرنسية؟! وماذا أرادت أن تقول للآخر من خلال هذه الرواية؟! وما هو مدى شرعية ما قامت به ميريام أنطاكي؟! تساؤلات كثيرة تتبادر إلى الذهن أمام هذا العمل الروائي، نطمح إلى الإجابة عنها من خلال هذه الورقة. وقبل الدخول إلى عالم الرواية، وتقديم دراستنا حولها، لابد من التعريف بكاتبة هذا العمل وأهم مؤلفاتها: ميريام أنطاكي باعتبار كنية الزوج، أما اسمها الحقيقي فهو ميريام شاوي، ولدت في دمشق سنة 1950، وفي عام 1978 تزوجت من جورج أنطاكي قنصل إيطاليا والبرتغال بحلب، ومنذ أيامها الأولى في حلب، عرفت كسيدة مجتمع مرموقة، لما قامت به من نشاط واسع تناول الحياة العامة، ولما بذلته من جهد للتخفيف من آلام المعوزين والمحرومين والمعاقين والمرضى. ولكنها منذ عام 1985، انتقلت من محيطها الحلبي إلى المحيط الأرحب، والأوسع، إلى العالم، وبإحدى أوسع اللغات، أصدرت لها دار "أوربان" باللغة الفرنسية رواية "الحبيبة المفضلة" labien- aimee(1)، التي سنتوقف من خلالها عند صورة سيف الدولة. ثم تلاها مجموعة من الأعمال ذات الطابع التاريخي، أهمها: ـ "قوافل الشمس"، les caravans du soleil سنة 1991، رواية عن إيبلا. ـ "آيات الغفران"، les versets du pardon سنة 1999، رواية عن فلسطين. ـ "تذكر تدمر"، souvies toi palmyre سنة 2003، رواية عن زنوبيا ملكة تدمر. فكرة موجزة عن الرواية: تحكي الرواية سيرة أميرة بيزنطية تدعى "إيرين" يفكر والدها في إرسالها إلى حصن خرشنة حيث يقيم أخوالها، مبعداً إياها عن بيزنطة خوفاً عليها من الطاعون الذي تفشى في المنطقة، ويحدث أن تضل قافلة الأميرة طريقها لتجد نفسها وجهاً لوجه أمام جيوش سيف الدولة الذي كان في حالة حرب مع الروم، ويقضي معظم صحب الأميرة نحبهم، أما هي فتجد نفسها أمام الأمير سيف الدولة الذي تجرأ على التصدي لبيزنطة، والذي كانت قد سمعت عنه الكثير، ولأنها أميرة فقد طلبت من سيف الدولة أن يقتلها مفضلة الموت على الأسر وحياة العبودية، ولكن الأمير الذي لفت انتباهه جمال الأميرة وفتنتها، كان أكبر من أن يعامل الأميرة معاملة الأسرى، ولذلك فقد سألها عن رغبتها في مرافقته إلى قصره لتكون مليكته فيه، وفي البدء تتردد الأميرة قليلاً خوفاً من اختلاف الدين فهي نصرانية، وهو مسلم ولكنها ما تلبث أن تستجيب لرغبته بعد أن تطمئن لحديثه عن النصارى الذين يعيشون في حلب بأمان، ولأنها أدركت أيضاً على نحو خفي انجذابها نحوه ومنذ تلك اللحظة بدأت تنتظره. لقد كان ذلك اللقاء بعلاقة الحب الحميمة التي جمعت بين الأمير والأميرة، والتي من خلالها نتعرف على صورة سيف الدولة في انتصاراته وانكساراته، في جبروته وضعفه، في تسامحه وأخطائه، نتعرف على سيف الدولة الإنسان الذي يحب ويكره، يصيب ويخطئ، يضحك ويبكي، يحزن ويفرح، سيف الدولة الإنسان بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات. وتسير هذه الأحداث لترسم لنا صورة سيف الدولة في كل حالاته: في أدوار قوته وأدوار ضعفه، في حياته العامة وبلاطه وما يجري فيه من مناظرات وأمسيات أدبية وفنية ومؤامرات تحاك في الخفاء، وفي حياته الخاصة وحبه العميق لياسمين الأميرة الرومية التي أطلق عليها هذا الاسم "ياسمين" بدلاً من اسمها "إيرين" لأنه رأى فيها الطهر وحداثة السن. وإذا كانت الرواية تبدأ بهذا اللقاء بين ياسمين وسيف الدولة، فإنها لا تنتهي إلا برحيل هذا الفارس الأبي بعد أن هده التعب وخذله الأصدقاء، وحاكوا حوله المؤامرات، وتمكن الروم من دخول حلب والاستيلاء عليها في ذي القعدة من عام 351هـ الموافق لشهر كانون الأول من عام 962م. رؤيا العالم في "الحبيبة المفضلة": لعل عنوان هذه الرواية يبدو خادعاً بعض الشيء، فعندما تقع عين القارئ على هذا العنوان لأول وهلة يتبادر إلى الذهن تساؤل مهم عن رؤيا العالم التي تسعى ميريام أنطاكي إلى تقديمها عبر هذا العمل: ما هي رؤيا العالم التي تطرحها الكاتبة في الحبيبة المفضلة؟! ماذا تريد أن تقول للآخر الأجنبي؟! هل تود مداعبة خيال الأجنبي عبر تقديم عمل تشويقي يتحدث عن سحر الشرق وغرائبيته؟! والحقيقة أن "الحبيبة المفضلة" عنوان يومئ بشيء ويخفي أشياء كثيرة، ولذلك قلنا إنه عنوان خادع، فنحن عندما نقرأ العنوان يخيل إلينا أننا سنخوض غمار رواية عاطفية ساخنة، تقدم لنا عالماً غرائبياً يقترب مما نصادفه في "حكايا ألف ليلة وليلة"، ولا سيما أن هذه الرواية مكتوبة للقارئ الأجنبي الذي تعرف على الشرق من خلال حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن هذه الرواية "الحبيبة المفضلة" تسير على الطريق نفسها، بيد أننا لا نستقر طويلاً عند الاعتقاد. فبعد أن نستغرق في القراءة يبدأ أفق توقعاتنا بالانكسار مما يجعلنا نعيد صياغة توقعاتنا الجديدة بناء على التوقعات المعدلة، والذكريات المحولة حتى نتمكن من تفسير المعنى المراد وتقويم الأحداث وإدراكها بشكل صحيح، والتوصل إلى رؤيا العالم الموضوعية التي تسعى الكاتبة إلى تقديمها للقارئ الأجنبي. إن رؤيا العالم التي تقدمها "الحبيبة المفضلة" تهدف إلى تصحيح الصورة الخاطئة التي ارتسمت في ذهن الآخر الأجنبي حول الإنسان العربي الشرقي عموماً، والخلفاء والأمراء العرب خصوصاً؛ إذ استقرت في أذهان الغرب صورة قاتمة للإنسان العربي: فهو إما أن يكون بدوياً جلفاً متخلفاً يخفي ذيله خلف زيه الشرقي الذي يلبسه، أو أن يكون أميراً عابثاً لاهياً يغوص في الملذات وفي مجالس الشراب محاطاً بالجواري والإماء والمحظيات، مصوراً على أنه حيوان جنسي يفاخر بفحولته ومغامراته الجنسية. وتأتي "الحبيبة المفضلة" لتقدم رؤيا مختلفة من خلال تسليطها الضوء على حياة الأمير العربي سيف الدولة الحمداني؛ إذ تقدم لنا رؤية موضوعية لسيف الدولة. فهي لا تهدف إلى أسطرته وتقديسه، كما لا تحط من شأنه وقدره بل تقدمه بحيادية وموضوعية في كل حالاته، وعبر الإضاءات التي تقدمها "الحبيبة المفضلة" لحياة سيف الدولة الخاصة والعامة من جهة، ولحياة أعدائه من جهة ثانية تتكشف تلك الرؤيا للعالم وتتبلور، لتقدم لنا إجابة عن تساؤل مهم وهو: كيف نقدم أنفسنا للآخر؟! والحقيقة أن رؤية العالم التي تقدمها "الحبيبة المفضلة" هي رؤية حضارية ثقافية واقعية موضوعية تقدمها كاتبة مسيحية من وجهة نظر بطلة الرواية المسيحية أيضاً، مدافعة فيها عن المبادئ والقيم السامية التي حملتها الحضارة العربية الإسلامية، الأمر الذي يتماشى مع مفهوم الثقافة العربية الإسلامية التي لا تخص المسلمين وحدهم؛ بل تخص كل من أسهم في بنائها، مؤكدة دور الأخوة المسيحيين أبناء هذه الحضارة وهذه الثقافة في بنائها، والدفاع عنها، وداحضة آراء بعض المتطرفين الذين يكيلون الهجمات ضد هذه الثقافة من منظور طائفي متعصب. ملامح صورة سيف الدولة كما قدمتها "الحبيبة المفضلة": منذ الكلمة الأولى في الرواية تبدأ البطلة /الراوي المشارك السرد، لتفتح الذاكرة على مرحلة زمنية ماضية في مرحلة سنية مبكرة، منذ لحظة ولادتها في بيزنطة، والحقيقة أن الراوية في هذه المرحلة لا يمكن أن تمتلك الوعي الكافي الذي يؤهلها لمثل هذا الحكي، وهذا يعني أن الزمن الحقيقي للحكي كان مغايراً للزمن الفعلي للأحداث، عندما انفتحت الذاكرة على مرحلة ماضية ومنتهية، لكن هذا الانفتاح كان مدققاً، يكاد يستوعب الماضي استيعاباً تفصيلياً، يبدأ من لحظة ولادة الراوية، وينتهي باشتداد المرض عليها تمهيداً لرحيلها، وبين لحظة الحياة ولحظة الموت تنتعش أحدا ث زمن ماض. تبدأ الرواية سردها بقولها: "بيزنطة، لم أشهد قط، في حياتي، مثل حسنك وبهائك، أنت البوابة المهيمنة، المشرفة على القارتين القديمتين الحافلتين بمختلف الثقافات والأعراف والعقائد الإلهية... كان مولدي، وأنا أميرة بيزنطية، مسرحاً لجهود حثيثة، فلقد تلقفتني إحدى القابلات بيديها الهرمتين الماهرتين..."،(2). وتنهي سردها بقولها: "نظرت إلى سيف الدولة بأسى، وحنان؛ ما أشد حبي لـه وتمتمت: ـ نوماً هنيئاً يا حبيبي! ـ ليحمل إليك الفجر سلام الله! وكان سلام الله هو سلام الرب"،(3). ومن المعروف أن سيطرة ضمير المتكلم، الذي يظهر مع تولي الراوي المشارك لمهمة السرد، يشد الراوية إلى منطقة السيرة الذاتية، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أننا سنقرأ رواية سيرية تحكي لنا سيرة هذه الأميرة البيزنطية، وفي الوقت الذي نتوقع فيه ـ مع سيطرة الراوي المشارك ـ أن نرى سرداً منحازاً تقدم فيه الرواية كل ما ترويه من منظورها الخاص، ورؤيتها الذاتية الداخلية التي تضفي انطباعاتها، ووجهة نظرها على الأحداث والشخصيات؛ تفاجئنا بتخليها عن ذاتيتها، وانتقالها من الخاص إلى العام ومن الذاتي إلى الموضوعي، لتقدم لنا سرداً موضوعياً، ورؤية موضوعية ـ أشرنا إليها في حديثنا عن رؤية العالم ـ ولتتحول عن سيرتها الذاتية إلى سيرة الأمير سيف الدولة، لتقدم لنا أبرز ملامح صورته على كافة الأصعدة: الخاصة والعامة، الداخلية والخارجية، وفي كل الحالات، وفي كل الأماكن. وسنقف فيما يلي بالتفصيل عند تلك الملامح: 1 ـ سيف الدولة المحارب/ سيف الدولة المحب: تبدو صورة سيف الدولة المحارب في بداياتها قاتمة بعض الشيء، فهو طاغية سفاح، كافر معاد للروم، شرس لا يعرف الرحمة، ويأتي هذا الوصف على لسان بطلة الرواية "إيرين" التي عبرت عن صورة سيف الدولة التي انطبعت في ذاكرتها من خلال ما شاع عنه بين أعدائه، ولعله من البدهي أن يصور العدو عدوه على هذا النحو، ولكن هذه الصورة ستبدأ بالتغير بعد أن تبدأ بطلة الرواية بالتعرف على سيف الدولة عن قرب، لتظهر صورة جديدة لهذا الأمر المحارب لا تمت بصلة إلى الصورة السابقة. فهو ينتمي إلى أسرة تغلبية من الجزيرة الفراتية، وقد وضعه والده ـ الذي كان يتولى ولاية الموصل في عهد الخليفة العباسي المقتدر ـ في عهدة خيرة علماء الموصل لتعليمه مختلف العلوم والفنون، ومنذ نعومة أظفاره عشق الصيد في النهار، وارتجال الشعر في الليل. وقد خاض غمار الحروب مذ كان في الخامسة عشرة من عمره، ومنذ تلك اللحظة بدأت سلسلة من المغامرات والغزوات والحروب والفتوحات التي لم تنته إلا برحيل سيف الدولة، ومن خلالها كانت تتبلور صورة سيف الدولة المحارب الشجاع، والفارس المغوار الذي يمضي من حرب إلى حرب، ومن انتصار إلى آخر، ولأنه كان رجل الحرب الشجاع فقد ملّ حياة القصور وعافتها نفسه، وكان يفضل أن يبقى ممتطياً صهوة جواده، منطلقاً من فتح إلى فتح، على أن يستسلم لحياة الكسل والرخاء داخل القصر. ومع كل الانتصارات التي حققها سيف الدولة ـ فقد هزم الإخشيديين بعد قتال دام ثلاثة أعوام، وفتح حلب وحمص وحماة ودمشق وإنطاكية... وغيرها ـ لم تأسره السلطة، فقد فتح كل تلك البلدان باسم أخيه ناصر الدولة، ولم يكن يسعى إلى تحقيق مجد شخصي، بل كان مهتماً بالمصلحة العامة، ولأن أمير المؤمنين "المتقي" عرف فيه أسمى محارب في الإسلام، فقد منحه لقب "سيف الدولة"،(4). ولأنه فارس نبيل، ومحارب شهم يتمتع بأخلاق الفرسان، فقد أحاط برعايته الخاصة قائد الروم "قسطنطين فوكاس بن برداس" عندما وقع أسيراً لديه، فقد كان يعوده بنفسه ويعتني به في أثناء مرضه، وعندما جاءه نبأ احتضاره بعد أن سُمّم، أصدر أوامره بإجراء تحقيق عاجل في الموضوع لمعرفة الجاني، وأحضر لـه أشهر أطبائه "عيسى الرقي الطبيب المسيحي، ورآه يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن عجز الطبيب عن إنقاذه. وعلى الرغم من اكتشافه أن الفاعل كان مدفوعاً من قبل والد قسطنطين "برداس فوكاس" الذي فضل موت ولده على دفع الفدية التي طلبها سيف الدولة، فإن شيمه في الكرم والحلم لم تفارقه، فقد كتب بخط يده كتاباً إلى دمستق المشرق الأعظم؛ أما جثمان قسطنطين فقد تمّ تسليمه إلى سكان حلب من النصارى ليتم دفنه وفق شعائرهم،(5) مقدماً درساً لا يمكن نسيانه في الإخاء والتسامح الديني. تقول الراوية: كان الجثمان ملتفاً بكفن من أفخر أنواع القماش، كما جرت العادة في الإسلام، وموضوعاً في تابوت من خشب الأبنوس المرصع بالشبّه المذهّب، وأذيب عليه صليب ذهبي رومي مترامي الأبعاد"،(6). هذه لمح من صورة سيف الدولة المحارب الفارس المغوار المتسامح كما تقدمها الرواية؛ فماذا عن صورة سيف الدولة المحب؟! إن سيف الدولة المحارب الذي يتمتع بأخلاق الفرسان والنبلاء، والذي يعرف كيف يبذل دمه رخيصاً في سبيل قضيته التي يدافع عنها؛ يتمتع أيضاً بأخلاق العاشق الذي يعرف كيف يبذل دمه في سبيل حبيبته. ولعل من أروع الصور وأكثرها إيحاء ودلالة ما قام به سيف الدولة عندما أبدت حبيبته "ياسمين" رغبتها في ورود حمراء، وعندما جيء بالورود المطلوبة، لم يكن بينها وردة حمراء فماذا فعل سيف الدولة؟! تقول ياسمين: "تناول سيف الدولة من حزامه المصنوع من البروكار خنجره المرصّع وثقب راحة يده، وتساقطت بعض قطرات الدم في الكأس الفضي وغطس أنصع الورود بياضاً، وبحركة بطيئة ولكنها واثقة، قدّمها لي وقد غض طَرْفه"،(7). ولكن سيف الدولة الذي يبدو من خلال الصورة السابقة عاشقاً حتى النخاع لا يستسلم لعشقه، ولا يقع أسيراً لياسمين أو غيرها؛ لأنه يعشق حريته، فهو إنسان حر أبي يسير على مبدأ لكل شيء وقت... للفرح وقت وللحزن وقت... للحب وقت وللحرب وقت... للحياة وقت وللموت ووقت... ولا ينسيه الحب نداء الواجب، ولذلك نجده لا يركن إلى البقاء بقرب ياسمين طويلاً على الرغم من عشقه لها، تقول ياسمين: "لم يكن حبي ليحتجزه طويلاً، لكنه كان يعيده إلي دائماً"،(8) ولأنه محب ويعرف أحوال المحبين، فإنه يُعيد الجارية المعروضة للبيع إلى حبيبها الذي كان ينتحب لأجلها بعد أن يشتريها بمائة دينار بدلاً من الستين ديناراً التي كان يطلبها النخاس فيها قائلاً للرجل: "لن أفرق أبداً قلبين متحابيّن، هاأنذا أعيد إليك عشيقتك، وليسعد كل منكما بالآخر، وأفيضا من سعادتكما على الآخرين. واحتفظا بالدنانير، فهي ستساعدكما في حبكما"،(9). هذه هي صورة سيف الدولة المحارب، وصورة سيف الدولة المحب كما تصورها ميريام أنطاكي في روايتها، صورة ناصعة مشرقة تفيض بالشجاعة والشهامة والتسامح والمحبة والإنسانية. 2 ـ سيف الدولة الأمير / سيف الدولة الإنسان: لن نتوقف عند صورة سيف الدولة الأمير لأنها مطابقة لما عُرف عنه وشاع من حبه ورعايته للعلماء والأدباء والفلاسفة والفقهاء والمفكرين والشعراء والفنانين؛ إذ انتعشت الحياة الفكرية والأدبية في بلاطه. أما صورة سيف الدولة الإنسان فلها شأن آخر، فقد صورت الرواية سيف الدولة في حالات إنسانية متعددة، ولن نتوقف عند الصورة المضيئة التي تصور سيف الدولة في حالات انتصاره، وعودته مزهواً مكللاً بالنصر؛ ولكننا نود التوقف عند صورة سيف الدولة في بعض حالات ضعفه وانكساره واعترافه بأخطائه. وقد ظهرت هذه الصورة وتبلورت من خلال حادثة "مغارة الكحل"؛ إذ وقع سيف الدولة مع جيشه في الشرك الذي نصبه لـه جيش الروم في الخامس عشر من رمضان سنة ثلاثمائة وتسع وأربعين للهجرة، الموافق للثامن من تشرين الثاني سنة تسعمائة وستين للميلاد، بعد أن تعصب سيف الدولة لرأيه رافضاً الاستماع إلى نصح قادته وتوسلاتهم مأخوذاً بانتصاراته المؤزرة، وبعد انتهاء المجزرة التي كانت الخسائر فيها فادحة، والهزيمة مفاجئة؛ إذ تم تحرير أسرى الروم، واستعيدت الغنائم، وبقي الجيش المظفر يرقد في نهر من النار والدم، فقد تم ذبح العديد من كبار رجال سيف الدولة، ووضعت القيود في أيدي الكثير من الآخرين الذين ساروا في طريق العبودية والمنفى،(10). وتستنطق الكاتبة سيف الدولة لتجعله يروي لنا ما حدث في مغارة الكحل، معبراً عن يأسه وحزنه وندمه يقول: "حين رأيت رجالي المحاربين البواسل يقعون في الشرك الذي نصبته لهم مكيدة ليون فوكاس، اجتاحني الأسى،... كان يأسي عاجزاً، ويا للأسف، مترعاً بالندامة، فكل أصدقائي يدفعون ثمن عنادي الأحمق، ماتوا في سبيلي، في سبيل كبريائي الذي لا يُحتمل، لم يكن لدي ما أمنحهم إياه، ساعة احتضارهم القاسي، سوى الأنين المر، والندامة التي لا حصر لها"،(11). ويحدث أحياناً أن يستفيق داخل سيف الدولة شعور بالسخط على أخيه ناصر الدولة لما تكبده منه من ألوان المذلة والمهانة، ولكن وفاءه لـه وإخلاصه وحبه يجعله يتجاوز عن أخطائه مركزاً على مبدأ الوفاء، يقول: "الوفاء، يا ياسمين، ينطلق من الصدق الذي يحمله المرء في نفسه وتجاه نفسه، لو تنكرت لأخي، لتنكرت لقومي،..."،(12). ويعترف سيف الدولة أيضاً بأنه كان مقصراً في بعض الأمور، فهو لم يدرك إلا مؤخراً دور البحر الحيوي، ولذلك فقد أهمل، على مدى الزمن، تشكيل الأسطول. وسيف الدولة الإنسان يحب ويكره أيضاً وينتقد الآخرين، فها هو يعبر عن كرهه لشخص المتنبي على الرغم من تقديره لعبقريته، مقدماً رأيه فيه، يقول: "ليس المتنبي، وهو أكثر شعراء بلاطي تألقاً، سوى متملق خسيس. ولد معه فن الكلمات وموسيقا القوافي، أحب عبقريته، ولكني لا أحب شخصه، إنه ينتمي إلى من يدفع أكثر... بيد أن شعره هو الأكثر جزالة في أسلوبه..."،(13). ولا تنسى الكاتبة في رسمها لصورة سيف الدولة الإنسان أن تقف عند تأثره وحزنه على رجاله الذين وقعوا في الأسر، ولا سيما ابن عمه، يقول سيف الدولة: "أما أبو فراس، شاعري وصديقي وأخي فهو أسير في سجن مظلم رطب. كنت أحسبه ميتاً، ولكن الله حفظه ليصون جزءاً من تلك الكتلة من المشاعر وتلك العذوبة في الألفاظ... سأعلن عن فدية باهظة كي يعود إليّ..."،(14). ويبدو أن الكاتبة كانت تهدف إلى تبرئة أميرها سيف الدولة من التهمة التي ألصقت به حول كرهه لقريبه أبي فراس(15). إن الصورة السابقة لسيف الدولة الإنسان في مختلف حالاته، لا تهدف إلى الانتقاص من قدره، ولا التقليل من شأنه، بل على العكس تماماً تعطي العمل بكامله مصداقية أكبر وقدرة على الإقناع؛ لأن سيف الدولة في النهاية ليس إلهاً، ولا ملاكاً، ولا نبياً معصوماً عن الخطأ، وليس إنساناً خارقاً أو أسطورياً، بل هو إنسان حقيقي من لحم ودم، من جنس البشر، ومن الممكن أن يعتريه كل ما يعتري البشر من حالات. كلمة أخيرة: لقد استطاعت ميريام أنطاكي أن تقدم صورة مشرقة وموضوعية لسيف الدولة عبر "الحبيبة المفضلة"، مخاطبة الآخر بلغته ليعرف حقيقتنا التي تعمل الصهيونية والإمبريالية بكل وسائلها على تشويهها. وقد حركت ميريام أنطاكي النقد الفرنسي طويلاً، بعد أن اكتشف النقاد أن في سورية من يتقن اللغة الفرنسية ويجيد التعبير بها بأرقى الأساليب، ورأى بعضهم أن "الحبيبة المفضلة" ترقى إلى قصص الحب العالمي كـ "روميو وجولييت"(16). وبهذا تكون ميريام أنطاكي قد استهلت ـ مع غيرها من الذين يكتبون بهذه الطريقة ـ خطاً مثمراً في طريقة تقديم أنفسنا للآخر، ولا سيما في هذه المرحلة الحرجة التي نواجه فيها الضغوطات من كل جانب، والتي تتضافر فيها كل الجهود لتشويه صورتنا والقضاء على هويتنا من أجل تحقيق أهداف أمريكة وإسرائيل؛ الأمر الذي يتطلب منا العمل المضاعف على كافة الأصعدة وبشتى الوسائل والأساليب. ـ المصادر والمراجع: 1 ـ أدباء من حلب: مجموعة من المؤلفين، دار الثريا، حلب، ط1، 2004. 2 ـ الحبيبة المفضلة: ميريام أنطاكي، تر: هشام حداد، دار طلاس، دمشق، ط1، 2000. (* ) مدرسة النقد الحديث في جامعة حلب. (1) انظر: مجموعة من المؤلفين أدباء من حلب دار الثريا، حلب ط1، 2004، ص 367 ـ 368. (2) الحبيبة المفضلة: ص 7. (3) الحبيبة المفضلة: ص 107. (4) انظر: الحبيبة المفضلة، ص 19 ـ 20 ـ 21. (5) انظر: الحبيبة المفضلة، ص 67. (6) انظر: الحبيبة المفضلة، ص 67. (7) الحبيبة المفضلة: ص 24. (8) الحبيبة المفضلة: ص 70. (9) الحبيبة المفضلة: ص 96. (10) انظر الحبيبة المفضلة: ص 75 ـ 76. (11) الحبيبة المفضلة: ص 78. (12) الحبيبة المفضلة: ص 106. (13) الحبيبة المفضلة: ص 29. (14) الحبيبة المفضلة: ص 79، وانظر: ص 82. (15) انظر: المرجع السابق. ص 373. (16) انظر: المرجع السابق. ص 371. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |