|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:58 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
سيف الدولة بين الثقافة العسكرية والأدبية ـــ أ.د.بكري شيخ أمين (*) حمداً لله رب العالمين, وصلاة وسلاماً على أفصح العرب أجمعين, وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين, وعلى جميع أنبيائه الكرام إلى يوم الدين. وبعد: فإنه لشرف كبير لمدينة حلب ـ عاصمةِ الثقافة الإسلامية هذا العام ـ أن تُحييَ سيرةَ رجالها الغُرِّ الميامين الذين قدموا للتاريخ والعالم روائعَ وآثاراً لا تزال خالدة مع الدهر, وأن تَجمعَ في ربوعها جهابذةً من العلماء والأدباء كسالف عهدها في الأيام الخوالي. فباسم واسم كليتي واسم أبناء حلب ـ المدينةِ المباركة ـ أحيّي اللجنةَ المشرِفةَ على هذه الندوة، والإخوةَ الضيوفَ الذين تفضلوا بالحضور مشاركين وباحثين, والمسؤولين الذين ما فتئوا يسعَوْن إلى رفع شأن هذه المدينة المباركة، ويُعلُون من قدْرها. وإذا كنتُ قد وصفت حلب بالمدينة المباركة فليس لكوني أحدَ أبنائها فحسب, وإنما ارتكزتُ على حديث نبوي شريف أخرجه الإمام الترمذي في سننه, والحاكمُ النيسابوري في مستدرَكِه, والبخاريُّ في تاريخه الكبير, والذهبيُّ في ميزان الاعتدال, وابنُ حَجَرٍ في فتح الباري, والمِزي في تهذيب الكمال, ونصه: (عن أبي زُرعةَ بنِ عمرٍو عن جريرٍ رفعه أن النبي r قال: [إن الله أوحى إليَّ: أيَّ هؤلاء البلاد نزلتَ فهي دارُ هجرتك, المدينةَ أو البحرين أو قِنَّسْرين]. وعقَّب الحاكم في المستدرك بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد. أقول: أليست ِنَّسْرينُ اليوم حياً من أحياء حلب, وجزءاً منها؟ إضافة إلى ذلك أقول: حدثني رجل صالح مبارك, آتاه الله علماً وفضلاً وكشف عن بصيرته, وكنا أمام تكية أبي الهدى الصيادي على طرف من أطراف قلعة حلب, قال: وأشار إلى التكية: من هذه النقطة إلى حدود باب القلعة مشى أبو الأنبياء إبراهيمُ الخليل وشيخُ الأنبياء زكريا عليهما السلام. كذلك حين زار حلبَ شيخُ المحدثين في بلاد الشام الشيخ بدر الدين الحسني وتلامذته ساروا حفاة في المنطقة المذكورة احتراماً وإجلالاً. أفلستُ على حق حين أصف هذه المدينة الطيبة بالمدينة المباركة؟ حضرات السيدات والسادة! إذا كنا اليوم نُحْيي ذكرى سيف الدولة الحمداني الذي رفع شأنَ حلب, وخلَّد اسمَها, فواجبٌ كذلك أن نذكرَ أن سيف الدولة لم يكن إلا واحداً من السيوف والشموس التي سطعت على هذه الأرض الطيبة، بل لا تزال تسطع وتمشي على بطحائها, تنير للعالمِ الظلمات, وتقدم للبشرية أطيبَ الجنى. سيف الدولة في بضع سنوات من عُمر الزمان فعل الأساطير, وسجَّل البطولات, وحقق ما يشبه المستحيل. وقد يسأل سائل: كيف استطاع هذا السيف أن يبني هذا المجد, ويكون كالأسطورة في هذا الزمن القصير؟ ما سر عبقريته وما مفتاح تلك الأسطورة؟ *** وتتحدث كتب التاريخ والأدب فتقول: كان عربياً خالصاً من نسل بني حمدانَ الذين يقول فيهم الشاعر:
وكان بنو حمدان ـ كما يقول الثعالبي ـ ملوكاً وأمراءَ, أوجهُهم للصباحة، وألسنتُهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولُهم للرجاحة. ويقول آخر عنهم: بنو حمدان هم بقية العرب, والمشغوفون بالأدب, والمشهورون بالمجد والكرم, والجمعُ بين أدوات السيف والقلم, وما منهم إلا أديب جواد, يحب الشعر وينتقده, ويثيب على الجيد منه؛ لذلك انبعثت قرائحهم في الإجادة، فقادوا محاسن الكلام بألْيَنِ زمام, وأحسنوا, وأبدعوا ما شاؤوا.. وسيف الدولة مشهور بسيادتهم, وواسطةِ قلادتهم, وكان ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ غرةَ الزمان, وعمادَ الإسلام, ومَن به سِدادُ الثغور، وسَدادُ الأمور. تقول الروايات: كان سيف الدولة جميلاً جداً, له مهابةُ العربي الأصيل, وسماتُ القائد الناجح: شجاعةٌ إلى حدِّ التهور، وكرمٌ إلى درجة الإسراف, ونفسٌ لا ترضى إلا بمعالي الأمور، وعاطفةٌ متأججةٌ تغضب إلى درجة الحريق, وترضى إلى حد الخنوع والشكعة بين يدي الحبيب. سيف الدولة ـ كما يقول صديقنا الدكتور مصطفى الشكعة ـ رمزٌ للعربي الذي لا يعرف لليأس لوناً, ولا للهزيمة طعماً. وليس معنى ذلك أنه لم يُهزم في حياته, ولم يُصدَم خلال نضاله, بل لقد هُزم مرات, وانتصر مرات, ولكن ناحيةَ العظمة في هذا الأمير العربي أنه كان في انتصاراته وانكساراته يتصرف تصرفَ العظماء, فلم تغرَّه الانتصارات حتى ينام على أمجادها, ولم يكن الانكسار لِيَفُتَّ في عضده, أو يُدخِلَ اليأسَ إلى قلبه, فيتهاوى شِلواً دون حِراك. لقد كانت الهزيمة تدفعه دفعاً ليجدد شباب جيشه الذي لا يلبث أن ينطلق به إلى أرض الأعداء من جديد, يغزوهم في عقر دراهم, ويؤدبهم, ويوقع بهم الهزيمة، على الرغم من الفرق الشاسع بين صِغَر مملكته وضخامةِ إمبراطورية عدوه, وقلةِ عَدد جيشه وكثافة جيش خصمه, ولكنه بإيمان الشرفاء, وشرف الأمناء.. يواجه أقوى قواد الدولة البيزنطية، ويوقع بهم الهزيمة تلو الهزيمة، مدخِلاً في رَوْع جنوده ألا مفرَّ من أحد أمرين: النصرِ أو الشهادة. وفي نطاق هذا المبدأ الحاسم استطاع سيف الدولة بجيشه الصغير ومملكته المتواضعة أن يحمي الدولة الإسلامية من الخطر الذي كان يتهددها من جانب البيزنطيين, ذلك الخطرُ الذي استفحل فيما بعد, وأصبح يُعرف باسم حروب الفرنجة، أو الحروب الصليبية. حضرات السيدات والسادة: لعل الفترة العصيبةَ التي نعيشها اليوم في صراعنا مع العدو الصهيوني تدعونا أن نقرأ سيفَ الدولة قائدَ العرب وأميرَ حلب وسيدَ الشجعان من بني حمدان قراءة جديدة، وعلى نحوٍ معيَّن, فقد تصنع هذه القراءة شيئاً ما في حياتنا المعاصرة، وتبعثُ في مجتمعنا الأملَ في النصر, والغلبةَ في الصراع, وتعلِّمُنا أننا حين كنا قِلةً غلبنا الكثرة, فما أحرانا ـ ونحن اليوم كثرةٌ, وأصحابُ حق ـ أن نقهر قلةً تعيش على باطل، وسيكون النصر ـ بإذن الله وعونه ـ محققاً, ما دمنا مؤمنين بحقنا, وما دام الدم العربي يجري في عروقنا. أيها السادة! ليس من شك في أن أسبابَ رقيِّ العلوم والآداب في عصر سيف الدولة، وفي بَلاطه بشكل خاص, تلك السماحةُ النادرة، والعطاءُ الكبير, والكرمُ الذي يخلعه سيف الدولة على علماء زمانه وأدباء بَلاطه وعصره, فكانوا كلما جوَّدوا ازدادت عطاياهم, وكلما أحسنوا نالوا المزيد من أميرهم. وتاريخ الحضارات في جميع أرجاء العالم يُظهر لنا أن الأممَ لا ترقى ولا تنهض, ولا يرتفع لها ذِكر إلا إذا كان العلماء فيها معزَّزين مكرَّمين, ميسَّراً لها سبُلُ العيش الكريم والأمنُ والسلام, أما إذا كان همُّهم محصوراً في تأمين لقمة العيش لهم ولأسرهم, أو مضَّيقاً عليهم في رزقهم وحياتهم.. فلا علمَ, ولا تقدمَ, ولا حضارة، ولا خلود ذكر. وبشِّرْ تلك الدولةَ بالانهيار والموت السريع، والزوال المحتم, والنسيان الأبدي. *** إن شاعراً من شعراء سيف الدولة هو ابن نباتة السعدي ضاق ذرعاً بكرم الأمير وكثرة عطاياه فقال:
كان يحبُ العلم والعلماء, ولقد جعل قصرَه ينافس قصور بغداد, حتى إن مكتبة قصرِه حوت من النفائس ما لم تَحوِه أي مكتبةٍ في عصره وفي مكان آخر. وكان أمين مكتبته أبا بكر الصنوبري, ومن بعده تولاها الشاعران الأدبيان أبو بكر وعثمان الخالديّان اللذان قدما للمكتبة العربية بفضل وظيفتهما في المكتبة عدة كتب, منها: كتاب الديارات, وحماسةَ الخالديين, والمختارَ من شعر بشار. وكثيراً ما كان الأمير يستفسر من علماء اللغة المحيطين به عن مسائلَ بعينها, فينطلق الجميع في أرجاء المكتبة باحثين منقبين حتى يُمِدّوه بما طلب من معلومات. *** في الحق كان سيف الدولة مثقفاً بثقافتين: ثقافةٍ عسكرية وثقافةٍ أدبية. أما الثقافة العسكرية فلا جدالَ في أنها كانت عميقةً وشاملة، وهي التي خلّدت بطولاتهِ مع الزمن. كان يعرف كيف ينظِّم جيشَه, ويوزع أجزاءَه, وكيف يَكِرّ أو يَفِرّ, وكيف ينتصرُ أو ينهزم.. وإنها لثقافةٌ جديرةٌ بالإعجاب والتقدير, دُهِش لها أبناءُ عصره, وعبّروا عن دهشتهم بها وإعجابهم بقصائدَ ومؤلفاتٍ خالدات.. ويَخطرِ في البال عند الحديث عن هذه الثقافة السيفُ الآخر الذي دعاه النبي r بسيف الله المسلول خالدِ بن الوليد.. لم يتحدث التاريخ عن ثقافته الأخرى بمثل ما تحدث عن عبقريته العسكرية، وبطولاته الخارقة، حتى قد صارت مادة دراسية مقررة في معظم المعاهد العسكرية العالمية. *** أما الحديث عن الجانب الثاني من ثقافة سيف الدولة، ونعني بها: الثقافةَ الأدبيةَ فقد اجتمع له فيها أسباب قولُ الشعر، فجاء شعرهُ عذباً جميلاً, حتى إن بعض المستشرقين ذكر أنه لم يكن يماثلُ شعرَ الأمير الحمداني رقةً وعذوبةً سوى شعراء Troubadours de la provence أو شعر اللانجدوك languedoc. هذا الأمير كان أديباً بفطرته, وقد نمّى هذه الهوايةَ بتلمذته على ابن خالويه الذي كان يُعد مؤدبَ أمراء بني حمدان, كما يذكرون أن معلمه الثاني أبو سهل بن محمد الكاتبُ النحويُّ الظريف, ومطربَه الفيلسوفُ والموسيقى أبو نصر الفارابي, وطباخَه الشاعرُ كُشاجم, وخزانَ كتبه ـ كما ذكرنا ـ الشاعران الخالديان, وشعراءَه المتنبي, وأبو فراس, والسُّلامي, والوأواء الدمشقي, والبَبْغاءُ, والناميُّ, وابنُ نُباتة السعدي. إضافة إلى كل هذا الجو العابق بالفن والعلم والأدب كانت ندوته سبباً في صقل كثير من المواهب الشعرية, وكان في مقدمة خريجيها أبو بكر الخوارزمي شيخُ نيسابور وأبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني, صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وابنُ جني, وأبو الطيب اللغوي، وأبو علي الفارسي. إذن ثقافةُ سيف الدولة الفنية تجمعت من أرومته العربية الأصيلة، ومن الفطرة الشاعرة لدى بني حمدان قاطبةً, ثم من مؤدبيه ومعلميه, ثم من هؤلاء العلماء والشعراء الكبارِ الذين ضمهم بَلاطه وندواته. *** وتروي المصادر أن له عدداً من المقطوعات الشعرية، لا تشكل بمجموعها ديواناً, وإنما هي خطَراتُ نفس, ونفثاتُ وُجْدان. من ذلك قولُه في جارية رائعة الحسن والجمال بنتِ أمير بيزنطي, كان أسرها في إحدى المعارك, وهام بها حباً, فحسدنها نسوة القصر, ودبَّرنَ لها أمراً بليل ليتخلصن منها بسمٍّ أو سواه, فبلغه الخبر, فنقلها إلى أحد الحصون, وقال:
وروى ابن خالويه من شعر أميره قوله:
وروى أبو الحسن العلوي الهمداني قال: أنشدني سيف الدولة لنفسه:
وروى ابن فارس قال: أنشدني المتيم لسيف الدولة:
ويروي غير واحد أبياته في أخيه ناصر الدولة عند وحشة جرت بينهما:
*** لم يقف الأمر بالأمير الشاعر عند قول الشعر فحسب, بل كان ذا مَلَكة نقدية شديدة الحساسية، تُفرِّق بين الغث والسمين, والجيِّد والرديء, وكم كان يعترض على شاعر كلمة في غير موضعها, فيبين له وجه الحق في مكانها الصحيح كما فعل مع الخالديين يوم أهداهما وصيفة ووصيفاً وجملة ثياب مصريةٍ رفيعة وبَدرةً من المال, فنظم أحدهما أبياتاً في شكر الأمير.. وما قال فيها:
وصحيح أن الأبيات أعجبت الأمير لبساطتها ورقتها وخفة دمها, لكنه اعترض على كلمة (المنكوح) إذ ليست لائقة بما يخاطب به الملوك. ومدحه رجل فقال في تشبيهه وتشبيه أعدائه:
فغضب, وأمر بإخراجه من حضرته, فخرج الرجل, ووقف على الباب يبكي, فأُخبر سيف الدولة ببكائه, فأمر برده وسأله: ما يبكيك؟ قال: قصدت الأمير بكل ما أقدر عليه أطلب بعض ما يقدر عليه, فلما خاب أملي بكيت. قال سيف الدولة: ويلك! فمن يكون له هذا النثر يكون له مثل ذلك النظم, وكم كنت أملت؟ قال: خمسمائة درهم. فأمر له بألف. ويروى أنه سمع السَّرِيَّ الرفّاءَ يعتب عليه كثرة حبه لأبي الطيب المتنبي, وشدة حماسته له, فقال: أشتهي من الأمير أن ينتخب لي قصيدة من غرر قصائد المتنبي لأعارضها, وآتي بأحسن منها, ليتحقق الأمير أنه أركب المتنبي في غير سرجه. فقال سيف الدولة على الفور: عارض لنا قصيدته التي مطلعها:
يقول السري الرفاء إنه كتب القصيدة، واستعادها تلك الليلة كثيراً, فلم يجدها من مختارات سيف الدولة، ولكنه لاحظ أن المتنبي قال فيها عن سيف الدولة:
فقال: والله ما أشار الأمير إلا إلى هذا البيت. وأحجم عن معارضة القصيدة، وتاب عن ذم الشاعر في غيبته. *** وتروي معظم كتب تاريخ الأدب مناقشة سيف الدولة لأبي الطيب المتنبي لبيتيه اللذين خاطب فيهما سيف الدولة ووصفه في معركة الحدث وهما:
قال الأمير: قد انتقدنا عليك هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه:
لنقف لحظة عند هذه المناقشة، ونتبين ماذا أراد سيف الدولة، وماذا قصد المتنبي؟ الموضوع يتصل بما يعرفه البلاغيون بـ (مراعاة النظير)، وهو موضوع أساسي في البلاغة، وعنصر بارز في أسلوب العرب الفصحاء, بل هو مطلوب في أساليب الدنيا على مختلف لغاتها, وقد عرفه العلماء العرب بقولهم: أن يجمع الناظم أو الناثر أمراً وما يناسبه مع إلغاء التضاد لتخرج المطابقة. إن الجمع بين الكلمات المتناسبة، أو المعاني المتقاربة، أو بين الكلمات والمعاني المتآلفة أمر أساسي في كل كلام, سواء أكان شعراً أم نثراً, وسواء أكان حديثاً في الأدب أم في العلم أم في الحديث العادي الذي يدور بين الناس. ومن هذا المنطلق وقف كثير من الشعراء والنقاد ينتقدون من خرج على هذه القواعد، وكتب البلاغة والنقد فياضة بالشواهد. سيف الدولة ذو حس مرهف, أراد مراعاة النظير في بيتي امرئ القيس والمتنبي, وكأنه كان يتمنى ـ مع النقاد ـ أن لو قال امرؤ القيس بيتيه على الصورة التالية:
هذه الأمنية التي تبناها سيف الدولة تحقق مراعاة النظير بين معنى الشطر الأول والشطر الثاني في كل من البيتين؛ فركوب الجواد يناسبه الحديث عن الخيل, وشراء الخمرة للضيوف وشربُها يناسبه ملاعبةَ الكاعب ذات الخلخال, بينما الشاعر الجاهلي قرن ركوب الخيل بملاعبة الكاعب, وشرب الخمرة بمخاطبة الخيل؛ وذلك ما اعترض عليه القدماء ووافقهم سيف الدولة. كذلك الأمر في بيتي المتنبي, أراد سيف الدولة أن يقرن الشاعر بين وقوفه في ساحة المعركة بافترار ثغره, وبين هرب الأبطال بهزئه بالموت, وهذا لعمري منطق سليم, وملاءمة كل شطر لنظيره. لكن أبا الطيب كان من رأي آخر, ومن مدرسة ثانية، أو من عالم آخر. قال المتنبي: أدام الله مولانا, إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلمُ منه بالشعر, فقد أخطأ امرؤ القيس, وأخطأت أنا. فكأنه بهذه العبارة يقول له: إن الذي انتقد امرأ القيس وانتقدني لا يعلم ما نعلم؛ وتابع المتنبي شرح وجهة نظره فقال: ومولانا يعرف أن الثوب لا يعرفه البزاز كما يعرفه الحائك, لأن البزاز يعرف جملته, والحائك يعرف جملته وتفاصيله, لأنه أخرجه من الغزلية إلى الثوبية. وراح المتنبي يشرح وجهة نظره في ترتيب أبياته وأبيات سلفه الجاهلي, فقال: إنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد, وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى ليجانسه, ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عابساً, وعينه دامعة، قلت: "ووجهك وضاح وثغرك باسم" لأجمع الأضداد في المعنى.. *** إذن الخلاف بين مدرستين في النقد؛ أولاهما تفضل السهولة والبساطة وعدم التعقيد, وملاءمة النظير لنظيره في الظاهر, والثانية تغوص في الأعماق, فتركب مركب التضاد، إيماناً بالمثل القائل: "والضد يظهر حسنه الضد". وتنتهي المحاورة بقبول سيف الدولة وجهة نظر المتنبي, ووصله بخمسين ديناراً من دنانير الصلات، وهي تساوي خمسمائة دينار. *** من هذه الروايات نستنتج أن سيف الدولة عدا كونه بطلاً من أبطال العروبة والإسلام كما يتمتع بثقافة أدبية رائعة، كما كان ذا ملكة نقدية رفيعة المستوى، وأنه كان أميراً بحق, استحق بجدارة إمارة حلب. وحلب لا تقبل أن يتأمر فيها من هو دون سيف الدولة؛ لأنها مدينة مميزة ومباركة في هذا العالم. (* ) عضو اتحاد الكتاب العرب، عضو اللجنة العالمية للغة العربية. |