|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:58 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الذوق الحلبي في التراث الشعبي الرجل أنموذجاً ـــ د.محمد حسن عبد المحسن(*) تحت القناطر الحجرية، وبين الأكشاك الخشبية، ومع هديل يمامة وادعة في صحن الدار قرب خرير الماء، وثمار الكباد تتلألأ ذهباً براقاً تحت أشعة النهار، وتفوح أرجاً ومسكاً مع أنسام الليل، كانت الأسرة الحلبية تنطوي على أسرار الوفاء، وهمسات القربى، تتوارثها أصالة ولدت مع فجر التاريخ، واستمرت مع دورة الزمان، تنقش زخرف الآداب، وتنقل أزاهير المعارف، تنغرس في النفوس كما تنغرس الأشجار في تراب الخلود. على أن الدفء أهم ما يميز العلاقات الأسرية في البيت الحلبي بين الجد والجدة والأب والأم والأولاد والحفدة، والصلات الحميمة من أبهج الأمور في الحياة الشعبية الحلبية؛ يسعد الأجداد بالآباء والحفدة، ويجل الأبناء والحفدة الكبار ويحتفون بهم. ويعلم كبير العائلة الصغار ما توارثوه من عادات وتقاليد وأعراف ومأثورات شعبية ومخزون ثقافي وديني، شفاهة حيناً، وممارسةً أحايين أخرى، حتى حرفته يلقنهم إياها ويدربهم عليها. ويعتزّ الصغار بما يرثونه من الكبار أيما اعتزاز، ويفخرون بانتمائهم لأسرتهم، ويعتدون بحرفهم التي اكتسبوها من آبائهم، والتي اشتهرت بها العائلة، وكثيراً ما انتسبوا إليها وتكنوا بها. وإذا ما أهملنا تلك العلاقات وهذه الصلات في عيشنا المشترك بمختلف طوائفنا وفئاتنا؛ في حوارينا العتيقة وفي أحيائنا المتلاصقة فهذا يعني أننا نهمل كل الأشياء الجميلة في حياتنا. واسمحوا لي أن نلامس أحوال الرجال الحلبيين من خلال المأثورات الشعبية الحلبية التي أخشى ما أخشاه أن يعتورها النسيان وتبددها الأيام. لماذا التراث الشعبي؟ أوَّل ما يتبادر إلى الذهن عند التراث الشعبي أنه تراث لا علاقة لـه بالنخبة؛ فهو للعامة وحسب لا يتعداها إلى علية القوم. ولكنا إذا أنعمنا النظر، وأعملنا العقل، وجدنا أن هذا التراث الشعبي يتماهى في حضارة الأمة، وعليه يقوم الكثير من إبداعها الفكري، كما يعد خير مرآة تنعكس عليها مختلف نتاجات مبدعيها. من هنا نستطيع القول: إن التراث الشعبي من أهم مصادر الفكر الجمعي؛ ذلك الفكر الذي تخلص من تعقيدات المنطق، وتحرر من تنظيرات الإيديولوجيات. وإذا كان التنظير يعتمد العقل المحلل والمعلل، فإن التراث الشعبي هو صورة تعكس الحياة الثقافية والاجتماعية والنفسية والروحية والذوقية للأمة، وبذلك يكون التراث الشعبي فكر المجتمع لا تنظيرات الأفراد، وبالتالي هو الفكر الأصيل لا المصطنع، الفكر الناتج عن طبيعة الإنسان الصافية، يتجلى فيه تسامي الأمة على أحسن وجه. التراث الشعبي هو المخزون الثقافي والمعرفي للأمة جمعاء، يتجلى فيه الوعي فناً بمختلف أنواعه المادية وغير المادية؛ فهو يتبدى في تلك المنازع الإنسانية المتغلغلة في شرائح الشعب جميعها، سواء انتمت هذه الشرائح إلى العامة أم إلى الخاصة. من هذا المنطلق مثل التراث الشعبي ـ ولا يزال ـ صورة الشعب الصادقة، العاكسة لعقله وقلبه وروحه وحسه وذوقه معاً. وهو في ذلك يعبر عن ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها أصدق تعبير. الرجل الحلبي في المأثورات الشعبية الرجل، جدٌّ وأبٌ وعمٌّ وخال وأخٌ وصهر وعديل وقريب وصديق... هؤلاء جميعاً أعمدة أسرهم، يعول عليهم في مجتمعنا الشرقي في كل ما يتعلق بشؤون العائلة إلى حد كبير. ولا سيما البيت الحلبي الذي يقوم على كاهل الرجل الزوج، وأفراد الأسرة جميعهم يقرون لـه بذلك، فعندهم: (الكبير في البيت بركة)، و: (الرِّجال رحمة ولو كنُّو فحمة)، و: (الرِّجّال اللي بجيب للبيت فحمه بتنعد رحمه)(1). وعندهم: (الرجال ما بينعاب ولو كان مسمار بالباب). والرجل الحلبي نتيجة خبرة وثقافة شعبية تراكمية، يجد نفسه في العمل خارج البيت وليس في البيت، ومن هنا يقضي جل نهاره في متجره أو تجارته أو صنعته، وهذا كله على حساب حياته الخاصة، أو على حساب أسرته، زوجةً وأولاداً. ومن الصفات التي يرونها في الرجل؛ الوفاء بالعهد والذمم، والعفو عند المقدرة، والذبُّ عن المحارم، وحماية العرض والذمار، ونصرة الجار، ونجدة الملهوف في الملمات، والعفة، والكف عن عورات النساء، والإباء، ورفض الذل، والحياء، وغض الطرف، وغيرها من الصفات التي توارثها أباً عن جد، عبر التاريخ، واحتفظ بمعظمها جيلاً بعد جيل. وللرجل المثالي صفات يحبونها فيه، كأن يكون عارفاً بدقائق الأمور حكيماً كريماً، من حكمهم: (الزلمه بكون عرّيف وكرّيف وصرّيف)(2). وعندهم: (الرجّال جنّا، والمرا بنّا). ويقولون: (لا مطر إلا مطر السيل، ولا جلب إلا جلب الرجيل). ومن كلامهم: (تروك العواطف وكون رجّال، الرجّال اللي بيحسب لبعيد)، و: (فلان بيحسبها ع الطاير). وما أكثر امتداحهم للكرم في الرجل، (فلان بيعطي بسخا)، و: (فلان كسّاب وهّاب)، و: (بيت السبع ما بيخلا م العضام). وفي اعتقادهم أن (الأخ بيعطي بمنّيّه، والزوج بيعطي بحنّيّه). و: (الرّجال الشاطر بيطالع اللقمه من تمّ السبع)، ويرغبون في الرجل أن يكون لائق المظهر، فعندهم (الآدمي نصّو خلقه، ونصّو خرقة)، ويتناصحون: (إذا أنعم الله عليك، حليق وروح ع الحمّام)، ويطلبون من الرجل أن يكون شجاعاً: (فلان زلمه بيشق الصخر). ويقولون: (فلان بيسلُتْ الشعرة مِ العجين)، و: (فلان من الرجال المعدودين)، و: (فلان بملط م الزرد). وأن يكون ملماً بمختلف المعارف: (فلان مثل طاسة الجن، منين ما نقرتا بترن)(3). وأن يحفظ الوعد ويحترم الكبير ويوقر الصغير: (الرجّال الشريف عند كلمتو)، ويتواصون: (لازم نستعبر الكبير). ويتواصون فيما بينهم: (إذا كنت محتار عليك بالختيار)، فالكبير في السن في رأيهم أهلٌ للمشورة وإبداء النصيحة، كما يتناصحون بمعاشرة الأصلاء: (عاشر أصيل إذا جار الزمان بيجود)، و: (إذا جن ربْعك عقلك ما يفيدك)، وعندهم: (لو محبة الرجال بتدوم كانت القيامة ما بتقوم). ويرتاحون للرجل الوديع المسالم فيقولون: (فلان عيونو مدبله)، و: (فلان في وجو ربي يسر). وينعتون الرجل النموذج بابن الحلال، ومن قناعاتهم أن: (ابن الحلال عند ذكرو ابّان)، وإذا ذكروا من لا تعجبهم تصرفاته وأخلاقه وحضر فجأة يقولون: (اذكرو الديب، وحضِّرْلو القضيب). وهناك صفات يكرهونها في الرجل، كأن يكون كسولاً فيتهكمون عليه: (بعد ما أكل واتّكا قال لا: يا مرا أكلك ما لو زكا)، و: (من بعد ما سكر السوق وتطوبق نزل المعتّر يتسوّق)، و: (عم بيمشي وبيتطرجح متل السكران). ويسخرون من الكسول بحوارية لطيفة: (يا عبد الله! عبي الجرة، الميه بره. قشّر توم! ما بقوم، قشّر بصل، ما بصل، قوم تعشّى! يا الله...) وينسبون إلى الكسول قوله حين يطلب منه عمل: (شيلوني لأدربس الباب). كما يكرهون في الرجل أن يكون محكوماً من قبل زوجته، ومسيطرة عليه، ويرون في ذلك رجولة ناقصة. من أقوالهم: (ضرب النبال، ولا توبيخ النسا للرجال). وفي اعتقادهم: (كل مين بيخاف من مرتو بيموت قبل مرتو). كما يكرهون فيه أن يكون طائشاً مدعياً متكبراً، من أقوالهم: (شاف الجرن عشق الحمام)، و: (الرجّال طيّار، والمرا بتغار)، و: (ابنو بحضنو وعم يدور عليه)، ومن تهكماتهم: (مساوي حالو عنتر زمانو)، ويقولون: (دكه ما لو وشاله بأربعطعش). من لوحاتهم: (هالشب ما حدا بيطيقوا، وليش؟ لأنو دايما بتفنطز: بيحط للي نضارات سود على عينيه، وبيشيل هالإيدوانات بإيديه، وبيميل لي برنيطتو، والبليب ما بيقيمو من تمو، وعاجب حالو وبس). ومن لوحاتهم: (هاد بيقول لو للبيتفنطز: سلامه سيدي، هادا البيتفنكر: بياكل بأحسن المطاعم، وبيبرك بأحسن القهاوي، وبيشرب أرقى دخان، لكن الكلام بسرك لما بتقل معو بيشرب أبهدل الدخان بينو وبين حالو، وقدام النسا بيطالع الممتاز، إذن في جيبو اليمين الباكيت الغالي، وفي اليسار الواطي، وبشوفو أواقيت عم بيشرب كازوزه بطّول بشربا ساعه، وبيمص للو مصه وبيفرجي حالو للمارين كأنو عم بيقول: شوفوني شقد عم بجخ)(4). ولا يروق للحلبيين أن يكون الرجل لا مبالياً، غشيماً ملحاحاً: (كل مين بياخد أمي بسميه عمي)، و: (طلطميس، ما بيعرف الجمعه م الخميس)، و: (بيخلط شعبان برمضان)، و(في كل عرس إلو قرص). أو أن يكون ضعيفاً متردداً، يقولون: (كل الجميل بتعارك، إلا جملنا محني ضهرو وبارك). و: (فلان من زبيبه بيسكر)، و: (فلان بيعمل م الحبه قبّه، وم الزبيبه خماره)، و: (المغلوب بياكل مع صاحب مرتو)، و: (الرجال محبوس والمرا عاروس). أو أن يكون قليل الأدب، فعندهم: (الضحك بلا سبب قلّة أدب)، ومن لوحاتهم: (واحد قالع راقع، ودايماً بيضحك، وضحكو عالي، سألو واحد: إيش مساوي ضحتك وُرْدك؟ ـ شلون بيعذبني الملك اللي عم بيضحك معي. ـ العاده شي بتضحك ههه ها وشي هه هو، وشي هه ههي. ـ على حساب إعراب كيفي)(5). ويعدّون (مداح نفسو ما منو خير)، ويتناصحون (لا تقول للأعور أعور بعينو)، ويسخرون من المدعي بقولهم: (شفت هالأسمر أبو الشوارب المعنكفة والخال المبروم، واللي عرض شالتو دراع، شفتو ودايماً "أنا أنا" بتحسبو عنتر... أهل الحارة شافو لما دق الكنا بالكنا كانت إجرو عم بتدق بضهرو). ويقولون: (طبل وزمر، وبياخد من مرتو الأمر) ويتهكمون من المتكبر بقولهم: (فلان مصمود ومتقنزع عالكرويته متل الخف بدكان الإسكاف). ومن المهمل لشؤون بيته: (الرجيل تتطوق، والنسوان تتسوق)، ومن غير المذوق يقولون: (لبس الأسمر أحمر واضحك عليه، ولبس الأبيض أسود وتفرج عليه). وأكثر ما يكرهون في الرجل قلة الشرف والأدب، وعدم الوفاء، والمخادعة. من مسباتهم: (تفي عالما عندو شرف)، ويقولون: (الناس بتفننو في العلم والأدب، وهادا بتفنن الشفترات، بالمسبات، وإذا وقع بتفنن بتمسيحات الجوخ وبوس الصرامي والقندرات)، و: (فلان ما عندو عزة نفس)، و: (فلان عينو لبرا)، و: (المسبحه بإيدو والشيطان بجيبو). ومن لوحاتهم: (بعرف مبجق كبير في هالبلد، بينظم وبيخطب. ـ وبلادنا ما بتعرف مقاييس الكلام وفن الخطابة. وينالون من الرجل ناكر الجميل، ومن الطائش المتهور، ومن كناياتهم: (فلان حاطط دمو على كفو). كما يكرهون عدم الاتزان، فاقد الشخصية، كثير الكلام، يقولون: (هالزلمة إيمت ما شفتو معبوط، والعبطة ملازمتو، وبتعرف إيش عم يعبطو؟ قلة عقلو وبس)، و: (فلان ما بيعرف ألله وين حاطو)، و: (المونون بيقع عراسو نكس)، و: (فلان متل الخشخاشة، ما بترد لاشه)(6)، و: (هوه مبرمبس ومرتو مبربسه، وهالبرباس ما بيعدو عنو)، و: (هادا ما بيعرف يحكي، تش في السهره تشات وخلط خلطات حتى شبع)، و: (فلان ما بيدخل لسانو لحلقو)، ومن تهكماتهم: (ابنو بحضنو وعم بيدور عليه)(7)، كما ينسبون إلى الشوام قولهم عن الحلبيين: (قل أعوذ برب الفلق، من الحلبي إذا انجلق). ولا يكرهون شيئاً من الرجل مثل البخل، فيصفونه بقولهم: (زلمه معصمص)(8)، ويقولون: (من هالدرخوش ما في عصفور)، و: (طعمانا عصفور... زرزور)، ويقولون: (جاب الرجال عصير فكر حالو أمير)، و: (زلمه استحس بلم المصاري)، و: (فلان إيدو بالكرم كتعا). ويعتقدون أن (مال الخسيس بيروح فطيس)، وإن (البخل ما نزل م السما، لكن ناس تعلمت من ناس)، ويخيل إليهم أن البخيل لا يمكن كسبه بشيء، ويتهكمون: ـ قال لو أش عم تتغدى؟ ـ قال لو: كتير متلك عدى(9). ـ قالو لو: عم تتغدى خبز وزيت!! ـ نعم، ومن هديك الدكان اشتريت(10) ـ إن ردت وإن ما ردت بدي أخطف. ـ وأنا بالمديار اللي جنبي بحدف(11) ويستغربون حياة البخيل الذي يعلل بخله بخوفه من الفقر: (بورِّت كلب ولا يحتاج لابن كلب)، وعندهم: (هدية البخيل ليمونه). ويرثون لحاله: (فلان من بخلو بأدم خبزتو بخبزه غيرا سخنه ـ يا ربي! وما بيسخى بأدما بيعود بياكل كتير). ويتواصلون: (كول أكل الجميل، وقوم قبل الرجيل)، ويطلقون عليه أبشع الأسماء والصفات: (دوَّرت السند والهند ما لقيت أنشح من فلان)(12). ويقولون: (فرفوطة الخبز بتقلع عينو، وكل عيلتو على هالطرباق)(13). ويعتد الرجل الحلبي بالقرابة: (هادا ابن عمي شق المنشار)، ويفضلون قرابة العصب على ما سواها: (فلان قرابتي عصب، مو قرابة كرش)(14)، حتى بنات عمومتهم يمتدحونهم في كل شيء، وغالباً ما يكون زواجهم بهن: (شايف هالبنت ما أكوسا! هي بنت عمي، هي فطوم المغربيه ما بتجي خدامه لأضفرا). والزواج ضرورة لا مفر منها للرجل عندهم، لذلك يلحون عليها، وعندهم: (الرجال بلا مرا متل المطبخ بلا مكنسه)(15)، و: (الرجال بلا مرا متل الخاتم بلا جوهرا)، ويقول والد العروس لخاطب ابنته: (بدي طنجره تبقبق، ما بدي قندره تزقزق)، أي يريد صهراً كريماً يطبخ ويشبع عائلته، ولا يريد صهراً يلبس فاخر الثياب وهو بخيل. ويعدون الأعزب خارج الحياة (فلان لسع ما دخل الدنيا). وعند نفر منهم: (موتة المرا عند الردال متل طرقة العِكْس). والرجل مسؤول عن تزويج أولاده، يقولون: (فلان عم يرقدلو على شي سكرتون مليح ورخيص تيجوز ابنو). وللزواج عندهم شروط، فينصحون من يقدم على الزواج بقولهم: (تايصير عندك مصاري إبقي فكّر بالجازه)، لأنه في اعتقادهم: (البيتجوّز بالدّين بيجي أولادو بالفايظ)، لذلك كثر الطامعون بالثريات، من كلامهم: (بدو يتعربطلو بوحده كويسه وزنكينه، وما عم يصح للو)، ومن أهم مبادئ الزواج عندهم: (حط إيدك على قلبك، اللي بتحبو بيحبك). وقد لا تُرضي المرأة زوجها، مهما قدمت له، مما يدفعها إلى التذمر، فتقول له: (جوّا برّا فرشتلك، وحامض وحلو طبختلك، بس طريق التبانة ما حسبتلك)، وتأسى على نفسها، وتعاتب زوجها بقولها: (كنت لحمه أكلتني، وصرت عضمة رميتني). وعندهم: (الما بياخد من ملتو بيموت بعلتو)، و: (يللي بيطلق مرتو أكبر خطيه، ويللي بياخد مطلقه أكبر بليه)، وعندهم: (أبشع لحم لحم القاق، وأبشع الرجيل يللي بيحلف بالطلاق). وبسبب الطلاق وتعدد الزوجات كثرت مآسي الرجل الحلبي وأحزانه على مصير أولاده، من تهكماتهم: (دشرّ أمو وأم أبو ولحق خالتو مرت أبو)، و: (الحاجة الما بتهمك وصي عليها جوز أمك). وفي اعتقاد الحلبي أن (أول مرا مرمره، والتانية سكره)، كل ذلك من أجل الترغيب في الزواج الثاني. ويقرون بفضل من يسعى بالزواج عموماً، أو من يصلح بين الأزواج المختلفين، يقولون: (ما في أشرف وأحلى م البيجمع راسين عفرد مخده)، ويسألون الرجل في أثناء خطبته: (بدك دح ولا نح؟ يجيب: م التنتين)(16). ويعد الحلبي ـ بترعته المادية وروحه التجارية ـ المال أساسياً ومهماً في التفاهم مع النساء، من شعرهم الشعبي: (قال لو: محبوبتي بالسما كيف الوصول ليها قال لو: خشخشلا بالدهب، بتركد بإجريها) ومن أمثالهم: (اللي عندو مال بيحضى بأم العيون السود، واللي ما عندو مال ما بيحضى ولا بالكليب السود). وحين يتزوج الحلبي غالباً ما يميل هواه مع أهل زوجته (قالو لجحا: إنته منين؟ قال لن: من بلد أهل مرتي)، ويحسب ألف حساب لهم، من أقوالهم: (فلان ما لو حق يخسفو قدام بيت احماه)(17). وإذا ما وقف الرجل إلى جانب زوجته ينالونه بسهام النقد والسخرية، بقولهم: (عند أمو داخ، وعند مرتو ساخ)، وقولهم: (على أهلو بطل، وقدام مرتو اسنطل). ولئن ساعد بعضهم زوجته في أعمال البيت فإنه لا ينجو من سخريتهم: (كيمش ديالو باسنانو وعم بيحوس وبيخسل الحوش تيساعد مرتو)، ويرثون لحاله: (مسكين يا ناس اللي علتو مرتو). ومعظمهم يظلم زوجته أشد الظلم، ولذلك يقولون: (انصاب فلان بخطية ظلمو لمرتو)، ومن دعائهم: (الله يساعد مرتو عليه)، و لقناعتهم أن (اللي بيعاشر النسوان بيقل عقلو) غالباً ما يكون نتيجة الظلم هذا حرد المرأة إلى بيت أهلها. ويرثون لحال من تموت زوجته: (أعزب دهر ولا أرمل شهر) ويلحون عليه أن يتقدم لمصالحتها هو رفقاً بضعفها، فينصحونه: (اخز الشيطان وصالح مرتك)، ولو كلفه ذلك ما لا يطيق: (حردت مرتو، قال: ما بترجع إلا بطبل وزمر). وإذا طال الحرد فقد ينتهي بالطلاق، لكنهم ينصحون الرجل بالتعقل في أبغض ما أحل الله: (اللي بيشور عليك بالطلاق ما بيعينك بالنفقه)، وإذا ما حل الطلاق فسيتزوج الرجل ثانية، وللزوجة الثانية شروط عليه: (شرطت عليه مرتو الجديدة يفردلا بيت). ويوزع الرجل الحلبي قلبه بين زوجاته: (جوز الضراير حاير)، أو بين زوجته وأولاده، من أمثالهم: (بحب الولد وبحب شمو، وبحب الولد على محبة أمو). ولا شيء أعز على الوالد من أولاده، ولذا إذا أراد أن يظهر معزَّة إنسان يقول: (إنته متل ابني وأعز)، لأنه في رأيهم: (ما في أغلى م الولد)، و: (قال لو: منو أغلى م الولد؟ قال لو: ولد الولد)، ومن أقوالهم: (لو ما ابني إش جاب بنت الناس لعنا؟). ويدعون بكثرة الأولاد: (تبرك بالعتبة وتكش بالقصبه)(18). ويقال لمن ليس عنده أولاد يساعدونه ويحمونه: (اللي ما لو ظهر بيوجعو بطنو). وأول واجب على الحلبي تجاه أولاده أن يحسن تربيتهم، وللتربية عندهم أصول تعارفوا عليها، إما بالتنبيه من الأشرار: (وصى حلبي ابنه، إذا قال لك حدا: عطيني تنكتك لأعبي لك ياها زيت، قول لو: هات رعبون التنكة)، أو بضبطهم وأخذهم بالشدة: (الولد عطيه وج بينجلق وما بيرتد). ويرى بعضهم تربية الأولاد باللين: (ربيتو كل شبر بندر). وفي رأيهم أن خير الأمور الوسط، لذا يقولون: (لا تشد ع الولد ولا ترخي لو الحبل)، لذا يتناصحون بالاعتناء بالأولاد: (لا تحط ابنك ع الحيطان، وتقول: أمر الله وكان)، وعندهم (الولد الزغير ما بيتدشر لحالو). ويقرون بفضل الآباء على الأبناء، لذلك يعتقدون أن: (أب ربى ألف ولد، وألف ولد ما ربو أب)، لكنهم يحملون الآباء ما قد يصيب الأبناء بسبب سوء تصرفهم: (الكبار بتاكل والزغار بتضرس)، وعندهم: (هالخط الأعوج م التور الكبير). وينتج الرجل الحلبي مواقفه تجاه أولاده من معين التوجه الديني في الغالب الأعم، ومن العادات والتقاليد والأعراف الموروثة جيلاً بعد جيل. ولعل في توصيف الأحنف بني قيس للولد خير مثال على ذلك، حين غضب معاوية على يزيد، فهجره، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين: أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماءٌ ظليلة، وأرضٌ ذليلة، وبهم نصول على كل جليلة. عن غضبوا فأرضهم. وإن سألوا فأعطهم، وإن لم يسألوا فابتدئهم، ولا تنظر إليهم شزراً، فيملوا حياتك، ويتمنوا وفاتك. فقال معاوية: يا غلام، إذا رأيتَ يزيد فأقرئه السلام، واحمل إليه مئتي ألف درهم، ومئتي ثوب(19) وتنبه مأثورات شعبية الرجل إلى عظم مسؤوليته وحساسية دوره في الأسرة: (الرجال عمود البيت)، وينصحون الرجل: (تلاته إذا ما ظلمتن بيظلموك: ابنك ومرتك وأجيرك)، وعندهم: (المليح في غير أهلو ضايع). وأكثر ما يحزن الرجال موت صغارهم، يقولون: (كربو موت ابنو وما بقى يشتهي شم الهوا). ويقولون عن الرجل: (ماتت مرتو جدد فراشو، ماتت أختو ستر عارو، مات أبوه كبر جيبو، مات أخوه انكسر ضهرو). وتحدد مأثورات أخرى سلوكيات الرجل وتضبط تصرفاته، من مثل ما في قولهم: (أول هبال اللي يهوش وما وراه رجال، وتاني هبال اللي بياخد مرا وراها عيال، تالت هبال يقعد ع التل ويبال، ورابع هبال اللي يفلت وليدو بليل ما فيه هلال). ويعتقدون أن (أكل الرجيل على قد فعالا)، وعندهم: (الحر بعمرو ما طب على جيفه). خاتمة: على أية حال، لكل مجتمع مأثوراته الشعبية الشائعة بين أناسه، يتداولونها، فيما بينهم، وتعبر عن وجهات نظرهم من خلال تجاربهم، وكثيراً ما تتقاطع هذه المأثورات مع مثيلاتها المأثورات الشعبية العربية والعالمية، وهذا أمر لا يشينها ولا ينقص من قيمتها، وإنما على العكس تماماً، يعطيها بعداً إنسانياً وحضارياً يدل على التواصل بين الأمم والشعوب والحضارات عبر العصور. ولا يضير هذه المأثورات الشعبية ما يلاحظ فيها من تعارض وتضاد في أحايين كثيرة، في بعضها يدعو إلى أمر، وغيرها من المأثورات يدعو إلى نقيضه وتترجح بين السلب والإيجاب، وهذا نابع من الضعف الإنساني أولاً، ومن كون هذه المأثورات خلاصةً لتجارب وأحداث متفاوتة البواعث والنتائج، وتقع في أوقات مختلفة ومتباعدة أيضاً. وهكذا يدور الزمان وتدور حكايات الأجداد موشاة بميسم الخلود تعلم الأجيال آداب الحياة من دون أن تمسك بريشة أو تخط بقلم، إنما من خلال نبضة القلب ورهف الشعور ونبل الحكمة وسداد البصيرة، ولا ريب في أن فنون القول الشعبية الحلبية إنما ترسم للإنسان إذن سبيل الخلود الخلقي الاجتماعي بما تبعثه فيه من قيم حية، تتأبى على الفناء مع نسيج الأيام لأنها ليست محض أسمار وإنما هي فن التعليم الحي، فإذا تأملنا ما دار حول الأسرة الحلبية من أمثال وحكم وحكايات وفنون قول أخرى ألفينا من أسرار الحكمة وآداب الذوق ما يعين على تربية النشء وصلاح المجتمع. المصادر والمراجع 1 ـ الأبشيهي، شهاب الدين أحمد، المستطرف في كل فن مستظرف، دار المعرفة، لبنان، ط1، 1998م. 2 ـ الأسدي، محمد خير الدين، موسوعة حلب المقارنة، مطبعة جامعة حلب، ط1 ، 1986. 3 ـ عبد المحسن، محمد حسن، الأدب الشعبي في حلب، مطبعة وزارة الثقافة السورية، دمشق، ط1، 1994م، وط2، 2006م. 4 ـ عبد المحسن، الأدب الشعبي الحلبي، رسالة دبلوم دراسات عليا، جامعة حلب، 1977م. (* ). أستاذ في جامعة حلب. (1) الأدب الشعبي في حلب، د. محمد حسن عبد المحسن، ط1، وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1994، ص 116. (2) يريدون: الزلمة: (الرجل المستكمل صفات الرجولة)، يكون عارفاً بدقائق الأمور التي يعاينها، ثم يشم أخبار الوقائع قبل حدوثها بثاقب حدسه وتجاربه، ثم ينفق لتسيير الصالح ما يستدعي من جهد ومال. (3) طاسة الجن هي الطاسة المصنوعة من النحاس الخاص النقي، من (جان) الفارسية بمعنى الخالي من الشوائب. لذلك يكون رنينها واحداً من جميع جوانبها. (4) موسوعة حلب المقارنة، محمد خير الدين الأسدي، مج2، ص 361. (5) المصدر السابق، ج5، ص 206. (6) يقولون هذا في من فقد شخصيته، فغدا يقبل كل ما يعرض عليه. (7) موسوعة حلب المقارنة، الأسي، مج3، ص 216. (8) أي رجل بخيل لا خير عنده. (9) أي ولم ينل أحد زادي. (10) يريد: لا تطلب مني أن أطعمك. (11) المديار: الكلنك، الدبوس. (12) أطلقوا (المنشح) على البخيل كأنهم تصوروا فيه نتانة النفس. (13) يريدون: على هذه السنة وهذا النهج. (14) يريدون قرابة أب لا أم. (15) الأدب الشعبي الحلبي، محمد حسن عبد المحسن، رسالة دبلوم دراسات عليا، جامعة حلب، 1976، ص 40. (16) دح: زنكينه، نح: كويسه. (17) يريد: يحقره. (18) تدعو الجدة أو الأم، تريد أن يكثر نسله. (19) المستطرف، في كل فن مستظرف، شهاب الدين أحمد الأبشيهي، دار المعرفة، لبنان، الطبعة الأولى 1419ه/ 1998م، ص 357. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |