مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 103 السنة السادسة والعشرون - ايلول 2006 - رمضان 1427
Updated: Sunday, March 11, 2007 03:58 AM
فهرس العدد
 

حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 2006م ـــ فادية غيبور

ـ في دورته المنعقدة بالجزائر عام 2004م صوّت  المؤتمر الإسلامي على اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية بعد مكة لأنها تمتلك تاريخاً متميزاً، وتضم تراثاً عمرانياً يمثل المراحل الإسلامية كافة (الراشدي، الأموي، الزنكي، الأيوبي، الفاطمي، المملوكي، العثماني..)، وعلى امتداد أشهر كانت حلب الشهباء تستعد لهذه الاحتفالية المهمة رسمياً وشعبياً حتى بدت في أبهى حللها كما يليق بعاصمة حقيقية للثقافة الإسلامية..

وقامت الحكومة السورية بتقديم  كل أشكال الدعم المادي والفني التي تتطلبها تغطية فعاليات هذه الاحتفالية، لما لها من أهمية في إبراز تاريخ مدينة حلب الحضاري والإنساني، ووصولاً إلى يوم الافتتاح وبعده تم ترميم عدد من المباني الأثرية المهمة في المدينة.. ويُعدّ اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية حالة إعلامية مهمة لأن الاختيار كان له مبرراته، فحلب كانت ولاتزال مدينة عريقة لها خصوصيتها الحضارية الخالدة ودورها المميز في امتزاج الثقافات الإنسانية في نسيج روحي متماسك متآلف عبر التاريخ.

ومنذ آذار حتى اليوم شهدت حلب عدداً كبيراً من الندوات والمحاضرات الفكرية والأمسيات الشعرية والحفلات الغنائية والمسابقات الأدبية والمعارض الفنية، بالإضافة إلى إصدار عدد من الكتب الفكرية والتاريخية الخاصة::

وفي إطار فعاليات الاحتفالية دُعيت شخصيات عربية وعالمية مهتمة بالحضارة العربية والإسلامية، كما دُعي بعض المستشرقين "المنصفين" و"أصدقاء العروبة والإسلام".. وتستمر فعاليات الاحتفالية  إلى نهاية العام.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الاحتفالية اللافتة تنفذ بالتعاون مع هيئات ومؤسسات دولية عدة، منها: منظمة المؤتمر الإسلامي، منظمة المدن العربية، منظمة الثقافة الإسلامية، منظمة اليونسكو، مؤسسة الملك فيصل الثقافية، دار الآثار الإسلامية، ونادي تراث الإمارات، منظمة الآغا خان ومؤسسة البابطين وغيرها.. ومن أهم الندوات التي تم تنفيذها في إطار الاحتفالية:

ـ ندوة المكتبات في العصريين الأموي والعباسي:

أجمع المشاركون في هذه الندوة المهمة على أن ميزة الحضارة الإسلامية أنها حضارة كتب ومكتبات، فعندما خرج العرب من الجزيرة العربية إلى البلدان التي فتحوها في الغرب والشرق اطلعوا على الكتب الكثيرة التي وجدوها،  ودفعهم احترامهم وحبهم  للكتب إلى الاهتمام بها، فحافظوا عليها وعملوا على تطويرها وتنميتها؛ وأعدوا الأماكن الكفيلة بحفظها، وأطلقوا على هذه الأماكن اسم خزائن الكتب؛ أو ما عرفه العالم الحديث تحت اسم المكتبات، وقد قرأ المسلمون الأوائل كتب الفرس واليونان ومكتباتهم وأعجبوا بها، وعندما بدؤوا بتأسيس المكتبات العربية الإسلامية جعلوها على نمط مكتبات الفرس واليونان، كما تأثروا بطريقتهم في جمع الكتب وتصنيفها وفي تأسيس المكتبات التي كان لها دور ريادي في تطوير هذه المجتمعات ودفعها في طريق الرقي والنجاح، كما كانت مرآة تنعكس فيها حياة المسلمين وتظهر ملامح الحياة الجديدة التي وجد المسلمون أنفسهم فيها بعد عصر الفتوحات والاستقرار..

وأشار الباحثون إلى أن المكتبات الإسلامية كانت وليدة الحاجات المحلية التي أحس بها المسلمون بعد أن استوطنوا في البلاد المفتوحة وبعد أن انتشر العلم والتعلم في البلاد الإسلامية، وهذه النهضة العلمية التي بدأها الإسلام وتبناها المسلمون كانت السبب باهتمام المسلمين بالكتب والمكتبات، وإن نسينا فلا ننسَ أن أول كلمة نزل بها الوحي على سيدنا محمد (ص) كانت كلمة: اقــرأ، وأن كلمتي الكتاب والعلم وردتا في آيات قرآنية كثيرة منها: (وانزل الله عليك الكتب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً)،  (وقل رب زدني علماً)، (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).

وقد اهتمت الندوة بإظهار تطور المكتبات الإسلامية المنظمة الغنية بمحتوياتها التي صارت  الدعائم الأساسية لصروح العلم والثقافة والحضارة، وتناولت أهمية حركة النقل من اللغات الأجنبية "اليونانية والفارسية والهندية والسريانية"؛ التي تسارعت وتيرتها ووجدت العناية الكبيرة من الخلفاء وخاصة في فترة حكم العباسين؛ وقد بلغ الأمر ذروته زمن الخليفة المأمون، كما نشطت حركة التدوين والتأليف وحفل العالم الإسلامي بالعلماء والبحاثة والمؤلفين الذين يكتبون ويؤلفون وينقلون وكثرت المكتبات بشكل هائل وتنوعت أغراضها ووظائفها وزخر العالم الإسلامي بهواة جمع الكتب ومحبيها .

ومما ساعد على تطور وازدهار هذه الحركة اختراع الورق وظهور الوراقين وفتح دكاكين بيع الكتب ونسخها وازدهرت تجارة الكتب وظهرت طبقة من الكتاب الذين أطلق عليهم النساخ وأصبحت مهنتهم نسخ المخطوطات وبيعها..

أحب العرب المسلمون الكتب وولهوا بها وأنفقوا عليها الكثير من المال.. ولعل اشهر من أحب الكتب ودافع عنها ومدحها ومات في أحضانها "الجاحظ" وهو القائل في الكتاب: (هو الجليس الذي لايطريك والصديق الذي لايغريك، والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يشتريك والجار الذي لايستطيبك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر).

ومن منا ينسى قول المتنبي مادحا" الكتاب:

    أعز مكان في الدنا سرج سابح                   وخير جليس في الأنام كتاب

وبما أن عنوان الندوة يختص بالمكتبات في العصرين الأموي والعباسي فقد وضح  المشاركون تفاصيل وضع المكتبات في كل من العصرين، ففي العصر الأموي تم  تدوين القرآن الكريم في المصاحف واتسعت رقعة الدولة الإسلامية وأصبح الاعتماد على الكلمة المكتوبة، وبدأ تواصل المسلمين بالأمم الأخرى ومشاهدة ما عندهم من حضارات ،وبدأت عملية التمازج بين حضارة المسلمين وحضارات الأمم الأخرى، فبدأت مرحلة التدوين والنقل والتأليف، وكانت الكتابة تتم في العصر الأموي على القراطيس المصرية المصنوعة من لب البردي, وكان اختراع الورق عاملاً حاسماً في نشر المعرفة وغزارة المؤلفات؛ وبدء عهد ازدهار الكتب والمكتبات في الإسلام، وكانت فاتحة التأليف تسجيل الحوادث التي لها علاقة بالرسول الكريم وبالحديث الشريف وتمثل ذلك في الرغبة بضبط الحديث وروايته كونه المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام.

أما تدوين القصص والأخبار والتواريخ فقد أمر به معاوية بن أبي سفيان، وقد اعتمد على رجل حضرمي معمّر اسمه (آمد بن آبد) وعلى معمّر آخر يمني  اسمه (عبيد بن شريه)  وكان ملماً بمعرفة تواريخ اليمن وملوك العرب والعجم فأمر معاوية كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شريه  في مجلسه ، فكان ذلك بداية تدوين التاريخ .

و كان أول نقل أو تعريب في الإسلام في دمشق زمن خالد بن يزيد بن أبي سفيان حكيم آل مروان وعالم قريش فقد زهد في الخلافة وعشق العلم حتى ليقال: إنه أنشأ بعلمه مملكة،  فقد أحضر جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا بمصر وأمرهم بنقل الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهو أول من جمعت له الكتب  وجعلت في خزائن الإسلام وفي دمشق على الأرجح أنشئت أول دار للكتب في العالم العربي، كما كانت دمشق أول عاصمة أنشئت فيها دار ترجمة، ويقال: إن خالد بن يزيد أول من عني بعلوم الفلسفة وكان مقيماً" في حلب سنة (85)  هـ، ومن الأشخاص الذين ورد اسمهم كناقلين ومترجمين جبله بن سالم.

 وفي زمن الخليفة عبد الملك بن مروان تم نقل الدواوين من اليونانية إلى العربية في سورية ومن الفارسية إلى العربية في العراق وبلاد فارس وذلك على يد الحجاج والي عبد الملك بن مروان، ومن القبطية إلى العربية في مصر على يد عامل الخليفة على مصر عبد العزيز بن عبد الملك.

لقد زها العصر الأموي بوجود أشخاص أمثال عبد الحميد الكاتب الذي  كان كاتباً لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أميه وعبد الله بن المقفع الفارسي الأصل الذي نشأ في هذا العصر وهو من تلاميذ الكاتب ونقل إلى العربية كتاب (كليلة ودمنة)..

ويمكن تلخيص مميزات العصر الأموي بأنه العصر الذي وضعت فيه جميع البذور الأولى للحضارة الإسلامية والكتاب الإسلامي والمكتبات الإسلامية، غير أنها نمت وازدهرت في العصر العباسي الذي يعدّ عصر الانفتاح الحضاري الحقيقي على الشعوب والأمم المجاورة وحصل الاختلاط بين العرب المسلمين وبين الفرس واليونان، مما دفعهم ذلك إلى الاطلاع على ما كان لدى هذين الشعبين من آثار المتقدمين من العلماء والحكماء والفلاسفة، وكان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أول من اعتنى بترجمة بعض كتب تلك الشعوب، فقد قام بالترجمة طبيبه (جورجيس بن جبرائيل) الذي كان يشرف على علاجه، فترجم له كتباً كثيرة من اللغات الأخرى إلى العربية، كما ترجم ابن المقفع كاتب المنصور كتاب "كليلة ودمنة" من اللغة الفهلوية إلى العربية وغيرها من الكتب، كما أمر المنصور بترجمة كتاب هندي في الحساب  والفلك من قبل رجل هندي قدم إليه بكتاب مختص بالحساب وحركات النجوم، وان يؤلف منه كتاباً تتخذه العرب أصلا"في حركات الكواكب.

ويعتبر الخليفة المهدي أول الخلفاء العباسين الذين اعتنوا بجمع الكتب فقد ورث دفاتر علم أوصى له بها أبوه أبو جعفر المنصور عند وفاته وكان شديد الحرص عليها.

 ويعتبر عصر الرشيد والمأمون العصر الذهبي لعملية النقل من سائر اللغات إلى العربية، حيث أصبحت الترجمة في زمانهما "عملاً رسمياً" تتولاه الدولة وتنفق عليه من موازنتها وتحشد له أعظم المترجمين والعلماء والمفكرين وتراسل الملوك والحكام من أجل الحصول على الكتب والمخطوطات وترسل البعثات في طلب الكتب العلمية والطبية والفلسفية.

 وكان الرشيد من المتواضعين للعلماء، فقد عهد إلى طبيبه الخاص "يوحنا بن ماسويه" شيخ النقلة برئاسة بيت الحكمة، وكلفه بترجمة الكتب التي غنمها الجيش من أنقرة وعمورية، كما عهد بشوؤن خزانة كتب الحكمة إلى شخص يتقن الفارسية هو "الفضل بن نوبخت" أبو سهل وهو من أئمة المتكلمين وقد تولى أمور خزانة الحكمة وكان ينقل كتب الحكمة الفارسية إلى العربية... ومن النقلة الذين خدموا الرشيد والمأمون "الحجاج بن يوسف بن مطر" الذي  نقل كتاب أقليدس "أصول الهندسة" مرتين الأولى زمن الرشيد  والثانية زمن المأمون.

وأكمل "المأمون" ما بدأه جده المنصور فكان يتصل بملوك الروم ويتحفهم بالهدايا ويسألهم إهداءه ما لديهم من كتب الفلاسفة ومخطوطاتهم. ويروى أن المأمون كان يجد متعة في البحث والدرس والمناظرة والجدل العلمي والتأليف والنقل فكان يجمع العلماء ويطلب إليهم أجراء المناظرات بين يديه ويشارك بها، وهو أول من  اطلع على  علوم الحكمة وحصلّ كتبها وآمر بنقلها إلى العربية، وقد اجتمع لديه في بيت الحكمة عدد من العلماء والبحاثة أمثال "سهل بن هارون" و"سعيد بن هارون" وسلم والحجاج بن مطر وابن البطريق ويوحنا بن ماسويه، كما عهد المأمون إلى حنين بن إسحاق بمراقبة النقل من اليونانية إلى العربية.

ولم يؤثر ضعف الخلافة وفقرها فيما بعد على حب الخلفاء للكتب فالخليفة الناصر لدين الله اعتنى بالمكتبات وأسس المكتبة النظامية وأعاد عمارتها ونقل لها ألوف الكتب النفيسة, وأنشأ الرباط المعروف بالرباط الظاهري غربي بغداد ونقل إليه كتباً كثيرة، كما أنه أهتم بتغذية الخزائن التي كانت موجودة واشترى لها الكتب ونظمها أحسن تنظيم وقد أوكل مهمة اختيار الكتب إلى شخص يدعى(مبشر بن أحمد بن علي الرازي) اعتمد عليه في اختيار الكتب التي وقفها على الرباط الخاتوني.

 أما الخليفة المستنصر بالله الذي تولى الخلافة بعد الناصر فقد أسس المدرسة المستنصرية التي أصبحت في وقتنا الحاضر الجامعة المستنصرية، وانشأ الخليفة المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسين خزانتين  للكتب في دار الخلافة الخاصة ونقل إليهما نفائس الكتب، وكان يقضي بعض وقته بين الخزانتين بالتناوب..

ـ أما في بلاد الشام فأشهر أمراء سورية الذين اهتموا بالعلم والأدب وشجعوا عليه كان "سيف الدولة الحمداني" في القرن الرابع الهجري وكان مقره حلب حيث اجتمع حوله أعظم الأدباء والشعراء والعلماء أمثال المتنبي وأبو فراس وابن خالويه والفارابي, كما اهتم سيف الدولة بالترجمة والنقل وكان عنده طبيب يدعى عيسى الرقي ينقل من السريانية إلى العربية، وقد أوجد سيف الدولة مكتبة كبرى جعلها في عهدة شاعرين أخوين مشهورين هما محمد بن هاشم وأبو عثمان سعيد بن هاشم وقد اشتهرا باسم (الخالديان). 

   لقد حفل هذا العصر والعصور التي تلته بمئات العلماء والبحاثة الذين عشقوا الكتب وأحبوها حبا" ملك عليهم ألبابهم ومشاعرهم وأنساهم ملذات الدنيا حتى الأهل والولد، و كانت دكاكين الوراقين مكاناً يلتقي فيه الأدباء والعلماء والفضلاء يتذاكرون فيه الحوادث ويتناشدون الأشعار ويتجادلون ويتساجلون ويبحثون آخر الأنباء والأخبار الأدبية، ويمكن القول: إن عمل دكاكين  الوراقين في ذلك الوقت يشابه دور النشر والمراكز الثقافية أو الصالونات الأدبية في وقتنا الحاضر.. ولا بد من الإشارة إلى أن إعارة الكتب كانت موجودة سواء أكانت إعارة خارجية أم داخلية, ولكنها كانت تختلف من جهة إلى جهة أخرى ومن وقف إلى أخر، حتى جرت العادة أن الأدباء كانوا يستعيرون من بعضهم.

وباختصار يمكن القول: إن المسلمين نقلوا إلى لغتهم معظم ما كان معروفاً من العلم والفلسفة والطب والنجوم والرياضيات والأدبيات عند سائر الأمم المتمدنة في ذلك العهد وأخذوا من كل أمة أحسن ما عندها. ويروى أن البحاثة والدارسين الأجانب والعرب كانوا يرسلون إلى خازن "المكتبة الوقفية" في حلب رسائل تتضمن تصوير أو تلخيص أحد الكتب التي تفتقر إليها مكتبات العالم..

2ـ ندوة الكواكبي تمحورت المشاركات حول رؤية المفكّر الحلبي عبد الرحمن الكواكبي لعصره فكرياً وسياسياً وتربوياً واجتماعياً، هذا الرجل الذي استشرف مبكراً هول الأخطار التي تحدق بالعالم الإسلامي ومركزه الحضاري "الوطن العربي"؛ فبدأ كتاباته في "الفرات" ثم "الشهباء" ثم "الاعتدال" وفي صحف أخرى خارج بلاد الشام وجمع أفكاره في كتابيه الهامين "طبائع الاستبداد" و"أم القرى" إلى جانب الكتب الأخرى المفقودة التي لم تصل.

وقد رسم الكواكبي صورة مؤتمر "أم القرى" وهو يمتلك الأسس الفكرية لتشخيص الداء ووصف الحالة واقتراح الدواء، ورأى أن أعراض الداء لدى المسلمين تتمثل بالجهل المطلق والخلل النازل وسوء العاقبة وراح يوجه اللوم إلى الأمراء والعلماء والعامة ملخصاً أسباب التخلف الدينية والسياسية والأخلاقية فضلاً عن أسبابٍ أخرى ذكرها بالتفصيل.

وفي مجال التربية رأى الكواكبي أنّ الله خلق الإنسان وفيه استعداد للصلاح والفساد، وأن التربية هي التي تدفع الإنسان في إحدى الطريقين، وتنشأ بالتعليم والمران والقدوة الحسنة، فأهمّ أصولها وجود المربيّن، وأهمّ فروعها وجود الدين، وأكد أن الاستبداد يفسد الأصول والفروع  فيحرف التربية عن مرماها الصحيح، ويقوّي خصال الكذب والخداع والنفاق.

كما وضّح أنّ للاستبداد أثراً سيئاً بكل ما له علاقة به، فهو يحّول الدين إلى وسيلة استلاب،  ويمنع تداول العلم، ويفسد الأخلاق والعلاقات الإنسانيّة، ويعزّز التفاوت بين الناس ليبقيهم في صراع دائم حول الامتلاك،  ويجعلهم يتدافعون لإحراز الثروات. وفي شموليته هذه لم ينس الكواكبي معالجة وضع المرأة وضرورة الاهتمام به من حيث العمل والتعليم..

وكانت مشاركة د. محمد علي آذرشب من الجمهورية الإسلامية الإيرانية مميزة حيث شارك في ندوة الكواكبي ببحث طريف عنوانه قصة الناي في فكر الكواكبي ومهد لها بقوله:

"وقصة الناي معروفة في ديوان مولانا جلال الدين الرومي, المعروف بالمثنوي, هذه القصة التي تتصدر الديوان تشكل عصارة فكر هذا العارف الكبير, وخلاصة مشروعه الاستنهاضي" ورأى ثمة مشتركات كثيرة بين هذا الفكر ومشروع الاستنهاض الذي تبناه الكواكبي.‏

ووقف الباحث وقفة تحليلية عند قصة الناي, فبعد الغزو المغولي للعالم الإسلامي أصيبت الأمة بحالة أشبه ما تكون بالوصف الذي أطلقه الكواكبي على الأمة بعد عصر الغزو الاستعماري الحديث وهو: الفتور العام الذي هو وراء كل تخلّف معنوي ومادّي بين البشر, ويصيب الأمة بعد أن تفقد أهم عنصر من عناصر حيويتها وهو العزّة.‏

ثم تحدث د. آذرشب عن علاقة الفتور بالاستبداد, وبين أن الكواكبي عالج الأمر من منظور حضاري, وهو أن التخلف الحضاري يفرز الاستبداد إفرازا ذاتياً.‏

فالإنسان حين يفقد عزّته الحقيقية يبحث عن عزّته السرابية, وهذا مغزى "قصة الناي" فحين لا يكون في الناي نارٌ, يعبث فيه الهواء, وبالتعبير القرآني حين لا يجد الظمآن ماء يتجه إلى السراب الذي "يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً"..

واستنتج الباحث أن مشروع الكواكبي في الإصلاح لا يتجه إلى معالجة الاستبداد السياسي كما هو الشائع, بل معالجة حالة الاستبداد الطبيعية التي يفرزها الفتور أو التخلف الحضاري, وهذا التخلف الحضاري لا يمكن معالجته إلا باستنهاض الروح الإنسانية في الموجود البشري واستثارة الأشواق التكاملية فيه مع استشعاره بعزّته, وهو مشروع جلال الدين الرومي , كما هو مشروع الكواكبي الذي يتضح بصورة أدبية رائعة في قصة الناي.‏

وقدّم د. حسن حنفي الكاتب المصري المعروف مشاركته تحت عنوان: "جدل الاستبداد والفتور" وقارن بين "طبائع الاستبداد" و"أم القرى" عند الكواكبي , ورأى أن "طبائع الاستبداد" هو ما يذكر غالباً، كونه الأشهر والأقرب إلى الحالة النفسية للعرب المعاصرين؛ وذلك على أهمية "أم القرى" الذي حلل فيه الكواكبي أسباب "الفتور" في العالم الإسلامي, واللامبالاة التي يقابل بها المسلمون العالم مهما اشتدت الظروف وتوالت المصائب.

وربط الباحث بين استبداد الحكام وفتور الشعوب، ورأى أن الكواكبي حاول فك الارتباط بين الاثنين فبحث في "طبائع الاستبداد" عن أسباب الاستبداد،  وبحث في "أم القرى" عن أسباب الفتور الدينية والسياسية والاجتماعية لدى الحكومات والعلماء والقضاة والأمراء والطرق الصوفية والدولة العثمانية وتقليد الغرب.

*أما في مجال آراء الكواكبي والقومية‏ فتحدث د. ستار جبار الجابري من العراق ورأى في ورقته أن عبد الرحمن الكواكبي عملاق من عمالقة التجديد في الفكر العربي الإسلامي في القرن التاسع عشر, فهو مُصلح اجتماعي ومفكر سياسي ومجدد إسلامي, شارك في حركة اليقظة وتنبيه الأمة, ونصَّب نفسه لمهمة النقد البصير, وكشْف العِلل والأخطاء ومقاومة الفساد, وجعل من قلمه صرخةً مدويةً هزَّت الأرض هزًا, فكشف مساوئ الاستبداد وفضح أساليب المستبدين, واستحثَّ العزائم على المقاومة والتحدّي, ودعا إلى إصلاح المجتمع والارتقاء به , ودعم مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية .‏

وأكد د. ستار على أن حركة الإصلاح التي قام بها عبد الرحمن الكواكبي في أواخر القرن التاسع عشر, ومطلع القرن العشرين لا تزال مستمرة بصورة تَتَنَاسَبُ وطبيعة العصر وتَتَلاءَمُ مع متغيّراته ولم تتوقف هذه الحركة عن العطاء قط , ولم تحدث قطيعةٌ بينها وبين الحركة الإصلاحية التجديدية العميقة التي تَتَواصَل في العالم الإسلامي في هذه المرحلة  بأساليب متطوّرة, وبمناهج حديثة, وبفكرٍ جديدٍ يستمدّ أصوله من الفكر الإسلامي المستنير بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية وبعطاء الحضارة الإسلامية المتواصل .‏

وختم الباحث كلامه بالتأكيد على أن عبد الرحمن الكواكبي يعد أحد أبرز أعلام النهضة العربية, ومجددا لا يجارى في هذا الميدان, حيث يمكن عدّه متقدما على زمنه, مقارنة بالأوضاع التي كانت تمر بها أمته من تخلف واستبداد .‏

*راهنية فكر الكواكبي قراءة في طبائع الاستبداد‏: كان عنوان البحث الذي قدمه د. محمود الوهب, الذي بدأ مدققاً في عنوان بحثه، مشيراً إلى أنه يعني بالراهنية الإطار العام لفكر الكواكبي, إذ ليست كل أفكار الرجل مستمرة فينا فبعضها, وهذا أمر طبيعي, تجاوزناه بفعل الزمن, وقد طالب الكواكبي الناشئة بالمحافظة على آداب قومه وعاداتهم غاية المحافظة, مع إقراره بأن فيها بعض السخف..‏ والكواكبي في نظر الباحث, عندما يحلل ظاهرة الاستبداد يحلق إلى أبعد مدى إذ يغوص في عمق الفكرة وفي عمق النفس البشرية.. حتى لا تخاله باحثاً أو مفكراً بل فيلسوفاً على صعيد السياسة والاقتصاد والمجتمع, لكنه حين يتحدث حول بعض المسائل ذات الحساسية الخاصة, تراه يحوم حولها ولا يدخل إلى الجوهر بل يحاول التوفيق بين هذا وذاك، وكأنه لا يريد النقد الشامل بما أتى به, على الرغم من موقفه التغييري وجوهره المسألة الاجتماعية.

وختم الأستاذ الوهب كلامه بالقول: إن ما يميز الكواكبي من سواه من المفكرين الذين عاصروه, هو ارتباطه الوثيق بالواقع وبضرورة العمل على تغييره, وهو على الرغم من ثقافته الواسعة, ومن اتهام البعض له بأنه اقتبس مؤلفاته من المتنورين الأوروبيين والفرنسيين منهم بشكل خاص, إلا أن القارئ المتفحص لفكره يجد أن الكواكبي كان منشغلاً بواقع بلاده وفي البحث عن الأساليب الكفيلة برفع الظلم عن كاهل أبناء جلدته، وأشار الباحث إلى بعض الأفكار الأخرى التي لا تزال تكتسب راهنية ومعاصرة.

الكواكبي والدولة الحديثة‏: محور ورقة عمل قدمها الأستاذ عبد الرحمن الحاج وهو باحث سوري، ابتدأ حديثه عن إطار عصر الكواكبي حيث تشكل الحقبة التي أبدع فيها الكواكبي فِكرَه وكيف استوعب قسطاً وافراً من مفهوم الدولة الحديثة, وولَّد من داخل ثقافته الإسلامية ومفاهيمها الدينية تصورات فكرية وسياسية تواكب هذا التطور.‏

ويلفت الباحث النظر إلى أن مفهوم الاستبداد الذي اشتهر به الكواكبي يبرز لأول مرة في تاريخ الإسلام في تلك الفترة, لتوضح عبر هذا المفهوم ومفاهيم أخرى الكيفية التي استوعب فيها الكواكبي الدولة الحديثة, وتحاول الورقة أيضاً المقارنة مع الأفكار الإصلاحية التي ذاع صيتها في نهاية القرن التاسع عشر, والتي كان الكواكبي على مقربة منها, مثل أفكار الأفغاني ومحمد عبده, وغيرهم , لتبرز النقاط التي كان الكواكبي رائداً فيها.‏

تحت عنوان "الكواكبي والدين"‏ جاءت مداخلة د.أسعد السحمراني قادماً من لبنان الشقيق، وقد بدأ د. السحمراني ورقته بالقول:‏

لا يستطيع شخص أن يتحدث عن حلب الشهباء دون أن تكون محطة الكلام مع السيد عبد الرحمن الكواكبي المفكر الإصلاحي والعلم في الفقه السياسي, وصاحب المواقف التي تختزن الإبداع مع الخبرة مع الثقافة مع الجرأة والشجاعة.‏ ولا يستطيع دارس أو باحث أن يتوقف مع السيد الكواكبي ثائراً ومفكراً ومناضلاً ضد الاستبداد والظلم والتخلف دون أن يتوقف مع مدينة حلب ـ  وهي في هذا العام عاصمة الثقافة الإسلامية ـ هذه الحاضرة التي تختزن سيرتها دوراً عربياً ثقافياً, ويحتضن تاريخها كوكبة كبيرة من الأعلام الذين كانت لهم مساهماتهم في مسار الحضارة الإنسانية, وفي حقل الثقافة العربية, وفي الفكر والفقه الإسلامي والمسيحي, والكواكبي كان متميزاً لكنه ليس وحيداً فمدينته التي أحبها وأحبته جعلت منه درة في عقد دررها التي تباهي به سائر المدن والحواضر.‏

يؤكد الكواكبي على أن الإسلام دين التوحيد, ودعوة لتوحيد الكلمة بعيداً عن الفرقية والانقسام:  "فبعضهم أحلّ المذهب والفرقة والطائفة مكان الدين, وهذا ليس من الدين، فكل أهل الإسلام يجب أن يجتمعوا صفاً واحداً امتثالاً لأمر الله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"..

ورأى الباحث أن هذا النص يظهر الكواكبي عالماً دقيق الملاحظة، فهو يميّز بين منظومة القيم الأخلاقية وهي واحدة في رسالات السماء جميعاً وهي محققة لكرامة الإنسان محاربة للظلم والفساد والطغيان, وبين الإضافات البشرية التي تأتي حاملة لمفاهيم بشرية, ومقاصد يرمي إليها من كتب النصوص.‏

وحول محور "المرأة في فكر الكواكبي" رأت د. وجدان عناد من العراق أن الكواكبي من الشخصيات المهمة في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية, فقد كان فكره صرخة مدوية لإيقاظ أمة بأسرها تعاني من التخلف والاضطهاد تحت نير الاحتلال, إنه صاحب دعوة للإصلاح السياسي والاجتماعي, وعمل بإخلاص لتحقيق النهضة العربية والتخلص من  الضعف والانحطاط والعجز.‏

أما المرأة فقد شغلت نصيباً مهماً من تفكير الكواكبي, لأنه كان يؤمن بمكانتها في المجتمع، وقد قسمت الباحثة ورقتها إلى مبحثين, اختص الأول بحياته وأسرته وتعليمه وأعماله وكتبه, بينما تناول الثاني آراءه في المرأة، وأهمها حسب رأي د. وجدان أنه كان يراها نصف المجتمع, لكنه وجّه نقداً لاذعاً لهذا النصف الذي تمثله المرأة, فهي عاجزة وعاطلة ومتكلة على الرجال، كما وجه إليها نقداً آخر لأن قدراتها وإمكاناتها كبيرة وكثيرة لا تقل عن قدرات الرجال, ورفض أن تختار الأعمال الهينة متذرعة بالضعف، ودعا بقوة إلى تعليمها وانتشالها من الجهل والظلام السائد، وخلصت الباحثة إلى القول: إن أهمية رأي الكواكبي بالمرأة مردها  إلى أن صوته علا من أجلها في وقت كان فيه المجتمع يسلبها حقوقها, فانبرى ينتقد وضعها والانتهاكات المتكررة لحقوقها ووقف مستغرباً من الإصرار على تجهيلها وحجبها عن الساحة العملية في المجتمعات الإسلامية بحجة حمايتها وحماية شرفها, في حين رأى أن لانحلال الأخلاق سبباً مهماً آخر وهو ترك النساء جاهلات على خلاف ما كان عليه السلف الصالح.‏

* شارك د.عبد الرحمن حللي ببحثه الكواكبي ومالك بن نبي مصوراً العالم الإسلامي قبل سقوط الخلافة وبعدها  مبيناً أن من أهم الرؤى التي ركز عليها رجال الإصلاح نقد نظام الخلافة العثمانية, وذلك ضمن إطار رؤيتهم للعالم عموماً والعالم الإسلامي خصوصاً, وكانت للكواكبي رؤية استشرافية لما يمكن أن يكون بديلاً عن نظام الخلافة في إطار العلاقة بين بلدان العالم الإسلامي, فقدم تصوراً افتراضياً من خلال ما أسماه مؤتمر النهضة الإسلامية "أم القرى" وكان بذلك مدركاً لتحولات العالم وموقع العالم الإسلامي فيه وكيف يمكن للمسلمين أن يحققوا وجودهم ومكانتهم في هذا العالم الذي لم تعد الخلافة -التي لا تزال قائمة شكلياً- قادرة على تجسيد مصالحه ووحدته, فقدم الكواكبي رؤيته قبل ربع قرن من سقوط الخلافة الذي جاء تأكيداً لاستشرافه؛ وأكد الباحث أن أهمية البحث في فكر الكواكبي تعود إلى أن رؤية العالم لدى رجال الإصلاح ترتبط بتحولات زمانهم, بينما يفتقر الخطاب الإسلامي المعاصر إلى رؤية عميقة تدرك تحولات العالم اليوم.‏

3ـ  ندوة الحياة الفكرية والأدبية في بلاط سيف الدولة:

شارك في هذه الندوة نحو أربعين باحثاً من بلدان عربية عدة وحضر عدد كبير من أساتذة وأدباء لبنان الشقيق إضافة إلى أدباء من إيران.‏

* كان بحث د. سهيل زكار في الندوة بعنوان "تاريخ الدولة الحمدانية" مبيناً دخول سيف الدولة حلب وقيامه بالدفاع عن الثغور وعن حلب في وجه بيزنطة, والعطاء الحضاري في زمن سيف الدولة وهذا المشروع كبير جداً إذ شكل معلماً من أهم المعالم في تاريخ الحضارة العربية وتاريخ بلاد الشام.‏

وأوضح أنه مع دخول سيف الدولة إلى حلب بدأت بلاد الشام تسترد شخصيتها الثقافية العربية والعالمية وهذه الشخصية تمتد إلى ما قبل الإسلام وظهرت في ظل الدولة الأموية في أيام عبد الملك والوليد ابن عبد الملك ولما كانت حلب تستعد لفتح القسطنطينية ووصول الفتوحات إلى منابع الفولغا حدثت ثورة الدهاقيل أو الثورة العباسية وحصلت انتكاسة, فلما دخل سيف الدولة حلب رجعت حلب لتقوم بدورها المحلي والعالمي ومن هذا الباب تأتي أهمية هذه المرحلة.‏

* في بداية مشاركته تساءل د. محمد عبد الرحمن العريفي من السعودية‏: لماذا يذكر التاريخ سيف الدولة ويغفل غيره ممن عاشوا بحلب?‏..وأجاب: إن الحديث يكون دائماً عمن تميزوا في التاريخ وكان لهم دور بارز في مختلف مجالات الحياة الفكرية والدينية والثقافية والعلمية وغيرها..‏ فسيف الدولة الحمداني كان متميزاً ومؤثراً في عصره وكان دائماً في المقدمة وها قد مضى على موته أكثر من ألف سنة ولا يزال الناس يذكرونه وما كان سيف الدولة يعيش لنفسه وإنما كان يعيش لغيره وكان يريد أن يقدم لغيره.‏

* وتحدث د. بكري شيخ أمين عن ثقافة سيف الدولة الحمداني الأدبية والعسكرية وبيّن أنه لشرف كبير لمدينة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية أن تتطرق لهذه الفترة حيث قدم سيف الدولة للعالم وللتاريخ آثاراً لا تزال خالدة.‏

وقال د. أمين: لم أصف مدينة حلب بالمدينة المباركة لكوني أحد أبنائها وإنما ارتكزت على حديث نبوي شريف يتناول أهمية قنسرين التي هي من أحياء حلب..

وبين الباحث أن سيف الدولة لم يكن إلا واحداً من السيوف والشموس التي سطعت على هذه المدينة الطيبة، وأنه في بضع سنوات من عمر الزمان صنع الأساطير وسجل البطولات وحقق ما يشبه المستحيل من خلال عبقريته وكونه عربياً خالصاً من نسل بني حمدان وكان بنو حمدان ملوكاً وأمراء اتصفوا بكل الصفات العربية الأصيلة.‏

*أما د. حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية فشارك ببحث غني مهم تحت عنوان:  "فلسفة القوة في شعر المتنبي"

عرّف الدكتور الباحث الفلسفة بقوله: "إنها الوقوف على حقائق الأشياء كلها على قدر ما يمكن الانسان أن يقف عليه" ... أما القوة فهي تؤسس للخصائص الذاتية والموضوعية للمبدع، والإبداع بما يمتاز به من الشمول والوحدة الجامعة لمختلف الصفات ..

وأضاف: لهذا نجد أنفسنا مبهورين بقوة الارادة التي كان المتنبي يتصف بها ورسم بها مواقفه وإنتاجه الأدبي الذي خلده.‏

ثم تحدث المحاضر عن مكونات فلسفة القوة كاشفاً عن البعد الحقيقي لمكوناتها نفسياً ًواجتماعياً وثقافياً وفنياً على فرض أن المتنبي ينطلق منها إلى تشكيل صورة, لذلك نجد أن فلسفة القوة والتفاخر لديه ذات أشكال ومظاهر عديدة يرجع إلى بعد يتعانق فيه النفسي بالاجتماعي إلى درجة التعانق العضوي لذلك نجد أن رؤيته الذاتية المبدعة كانت تتفاعل مع بدهيته وفطرته الإبداعية والتي تمتزج برؤية موضوعية ملبية لها.‏

وأشار د. جمعة  إلى أنماط القوة وفلسفتها في شعر المتنبي أسلوباً وتخييلاً وأفكاراً، على اعتبار أن الأسلوب هو الإنسان وهو الذي يرسم خصال المرء وسجاياه وأن التخيّل أو التخييل قوة مصورة تري الإنسان صورة الأشياء الغائبة حتى يُخَيَّل إلينا أنها حاضرة وتسمى (القوة المصوِّرة)، وأن الأفكار تجيء وفق أحوال النفس والأحداث والثقافة التي تحيط بها سواء كانت وفق مبدأ تداعي الأفكار، أم مبدأ الاقتران والاقتراض والخبرات؛ ما يؤدي إلى حصول معنى ما في الذهن يصاغ بلغة حقيقية أو رمزية أو مجازية أو إشارية لتدل على فكرة صاحبها ومشاعره.

وبين د. جمعة أن المتنبي مارس في إبداعه أنماط الإرادة التي أشار إليها في بداية حديثه، وقد انتقلت هذه الأنماط من إطار الذات إلى الموضوع، وهي ذات عارفة بقيمة ما يملك وبقيمة أشكال القوة في تموضعها الخارجي، ومن ثمّ شغلته كينونة وجوده قبل أن تشغله كينونة الآخرين؛ ما جعل فنه ينمو ويتطور إضافة واستمراراً، ليصبح وجوده الإبداعي علامة للفن الأصيل الموسوم بالعلاقات الجمالية العديدة.

ويخلص الكاتب إلى أن فلسفة القوة والتفاخر لدى المتنبي ذات أشكال ومظاهر عديدة ترجع إلى الانطباعات دون انعدام وجود التراكم الفكري والفني الذي يعزز لديه استثارة من نوع آخر ليثبت استجابة مغايرة تتوافق مع رؤيته إلى الحياة والكون.

ولا شيء أدل على ذلك كله من مدح المتنبي لسيف الدولة وعتابه في آن معاً في قصيدته المشهورة ومطلعها:

واحرَّ قلباهُ ممن قلبُهُ شَبِمُ

 

ومن بجسمي وحالي عنده سَقَمُ

وقد توقّف المحاضر ملياً عند تجليات صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي" مؤكداً:

"أن المتنبي لم يعش يوماً حالة من الانكسار سواء تمثل في الاغتراب النفسي أم الاجتماعي أم غيرهما. فهو حاضر أبداً، يشدّه طموحه إلى أعماق نفسه ووجدانه ليطمس كل قلق أو اكتئاب مفتشاً عن آماله الكبرى بعد كل تجربة مخفقة يصاب بها كما ورد في مدح كافور الإخشيدي ولاسيما قوله:

وتعذلني فيك القوافي وهمَّتي

 

كأني بمدح قبل مَدْحك مُذْنبُ

ولكنه طال الطريق ولم أزل

 

أُفتّش عن هذا الكلام ويُنْهَبُ

وهذا الاختيار الحر لممارسة فلسفة القوة وفق مفهوم إرادة الاختيار ـ كما جاء في البحث ـ إنما يكشف عن الاستبطان الداخلي لحقيقة نفس المتنبي وما تملكه من تكوين يبرز تجليات القوة والإرادة باعتبار ما نشأت عليه من مفاهيم ومُثُل.

وما أوردته في هذه العجالة غير كاف للوقوف على غناها ومن ثمّ أنصح القارئ بالعودة إلى النص الأصلي للمشاركة فهو بحث قيم يستحق القراءة كاملاً

* أما د. حسن حنفي من مصر فكان بحثه تحت عنوان (من جدل اللغة إلى حوار الحضارات) وقد بيّن من خلاله أن بلاط سيف الدولة كان يضم كمّاً كبيراً من شعراء وفلاسفة؛ ونوّه بدور الفيلسوف الفارابي آنذاك؛ والذي شكل مفترق طرق ثقافية ولغوية في بلاد الشام لما يمتلكه من معرفة في اللغات مشيراً إلى اعتماده على التحليل في نظرياته والاعتماد على العقل بمفرده للوصول إلى الحقائق..

 وأضاف د. حنفي أن الفارابي يتمتع بقدرة كبيرة على الفهم العقلاني الذي لم يترك له أبواباً أو فصولاً، وقد أراد الفارابي دائماً أن يُري الناس كيف يفكر العقل وكيف يستطيع الفيلسوف أن يفكر. ثمّ بين الباحث أن الفارابي عرض ثلاث قضايا رئيسية عندما حسم قضية العلاقة بين  بين اللغة والمنطق وكيف تتشكل الحروف ألفاظاً ومن ثمّ  أسماء ومقولات وأن كل شيء يحدث انتقالا من الجزء إلى الكل.‏

وقد أشاد الباحث في نهاية مشاركته بعظمة اللغة العربية مقارنة بباقي اللغات؛ لأن اللغة هي منزل الوجود دون أن تمر بعالم المعاني مؤكداً أن الفلسفة ليست هي أم العلوم بل اللغة، وأن  العلوم أولها علم اللسان وعلم التعاليل والعلوم الرياضية وعلم المنطق الذي هو مدخل إلى كل العلوم ثم الحكمة المنطقية.‏

**أما د. محمود الربداوي فكانت مشاركته في هذه الندوة تحت عنوان: حوار الثقافات وليد المناظرات مع اختلاف أدوات العصر..

"ما علاقة حوار الثقافات بالمناظرات الأدبية؟!.." سؤال طرحه وأجاب عليه د. محمود الربداوي مؤكداً أن ظاهرة حوار الحضارات أو الثقافات هي وليدة المناظرات مع اختلاف معطيات العصر وأدواته، وأنها سليلة هذه المناظرات التي اختصرتها أفكار المعتزلة واختزلتها أذهان المتكلمين وبلغ ازدهارها في هذا البلد (حلب) مكاناً وفي عصر سيف الدولة ومفكريه وأدبائه زماناً.‏

عرّف د. الربداوي مصطلح "المناظرة" ومصطلحات أخرى قريبة منها كالمجادلة والمحاورة والمباحثة والمناقشة والمعارضة والمناقضة وغيرها,‏ وكلها تقوم على قول يقصد به إقامة الحجة فيما اختلف فيه المتناظرون, ويستعمل في المذاهب والديانات, وفي الحقوق والخصومات والتنصل والاعتذارات, ويدخل في الشعر والنثر والأدب.

وبين د. ربداوي أن جذور المناظرة تعود إلى بزوغ فجر الإسلام, كما يرى بعض الدارسين الذين يرجعون أوائل نشوئها إلى ما ناظر به القرآن الكريم المشركين والكفار وأصحاب الديانات الأخرى, وأنها ـ أعني المناظرة ـ تطورت وتعددت أغراضها فيما بعد فكانت دينية حيناً وفلسفية تارة أخرى أو أدبية وسياسية وحربية حيناً آخر.‏

وقد صنف د. الربداوي الشاعر الفارس "أبو فراس الحمداني" على رأس قائمة المناظرين كأديب ومحاور أو كمناور سياسي, فابو فراس ناظر الدمستق عظيم الروم في مقومات الهوية العربية, وفي خصائص الأمة العربية وموروثاتها, وفي آداب الحرب ونظام تبادل الأسرى, والتقاليد التي يتبعها العرب في معاملة الأسير كجزء من المبادئ والقيم الإسلامية التي أثلتها الدولة الحمدانية.. وقارن المحاضر بين هذا المدى الرحب للمعاملة الإسلامية الإنسانية للأسرى وبين شريعة الغاب الكبرى المتبعة في (غوانتنامو) و(أبو غريب) ومعسكرات السجون في صحراء سيناء, وأشار إلى أن شرعة الحرب ستظل من مكونات الأمم قديما وحديثاً,ولا سبيل لإلغائها ما دام في الدنيا قوي وضعيف.‏

وبين د. ربداوي أن مساحة المناخ الفكري لهامش الحرية التي كانت متاحة للمناظرين في بلاط سيف الدولة, كانت أعمق من هامش المساحة الفكرية في عصرنا هذا, عصر العولمة وادعاء الديمقراطية، وكان شاهده قصيدة أبي فراس الحمداني الشهيرة التي تعتبر نموذج مناظراته للروم ومطلعها:‏

أراك عصي الدمع شيمتك الغدر

 

أما للهوى نهي عليك ولا أمر

إلى أن يرد على دمستق الروم الذي منّ عليه ترك ثيابه الحربية وسلاحه حين أسره يقول:‏

يمنون أن خلّوا ثيابي وإنما

 

علي ثياب من دمائهم حمــر

وقائم سيفي فيهم دون نصله

 

وأعقاب رمح فيهم حطم الصدر‏

ويشير د. ربداوي إلى أنه على الرغم من نجاح أبي فراس (كونه ابن عم سيف الدولة) في أن يعبئ في صفه كثيراً من رجال الفكر والأدب الذين التفوا حوله تملقاً له وإضراراً بالمتنبي الذي غدا منافساً شديد الخطورة عليهم, إلا أن مناظراتهما كانت خالية من الأذى، فأبو فراس كان قائداً عسكرياً فذاً.. لكنه في الشعر كان يضع عصا الطاعة للمتنبي ويعترف بتفوقه عليه.‏

ولم تقتصر المناظرات عليهما, بل كانت هناك مناظرات كثيرة تحصل بين علماء البلاط بحضور سيف الدولة الذي كان يلذ له أن يحفز المتناظرين ليستمتع بمناظرتهما, وكما يقول الثعالبي صاحب يتيمة الدهر: "لم يجتمع بباب أحد حتى الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر ونجوم الدهر"، لمَ لا وهو الذي حاز ميزتي الحرب والأدب فكان إذا أنجز  انتصاراً حربياً سرعان ما يحاول أن يؤثله بمجد أدبي, وعنده كل المؤهلات لذلك, فهو شاعر ذواقة يطرب للشعر, ويقرب الشعراء فقد استقطبت حلب الشعراء والأدب, الذين غادروا دار الخلافة في بغداد ويمموا شطر حلب منتجعين سيف الدولة.‏

* ألقى د. محمد بشير العامري بحثه عن "الشعراء في بلاط سيف الدولة"، وأشار فيه إلى أن البلاط ازدهر في حلب آنذاك بعمالقة الشعر والأدب العربي من مختلف الولايات الإسلامية من الكوفة والموصل وبغداد وغيرها لأسباب عديدة ساعدت على جذب الشعراء أهمها: المكانة السياسية والعسكرية التي يتمتع بها سيف الدولة؛ والمنافسة بين الشعراء وحسن الكرم والضيافة وازدهار صناعة الورق في ذلك العصر.‏

*وأعقبه الدكتور علي زيتون بورقة عمل عن مفهوم الشعر في كتاب "الأغاني" مستعرضاً هذا المفهوم الذي يتعلق بوظيفته وطبيعته وارتباطها بالحساسية الشعرية والتأثير على المتلقي مبينا أن كتاب الأغاني قدم لنا الشعر على هامش موضوع الغناء.‏

* أما د. متري نبهان من لبنان فتحدث عن تألق حضور المتنبي في بلاط سيف الدولة، مشيراً إلى أن المتنبي كان يتفاعل مع موضوعه وجداً ووجوداً؛ فيمد جسور العلاقة بين ذاته وذوات الآخرين ويفرض ثقافته على مفاصل القصيدة فتتكامل خلقاً وتشكيلاً مبيناً العوامل المكونة لشخصيته التي جعلت منها شاعراً يتألق عطاءً وحضوراً وقوة.‏

* وتناول الدكتور حسين الصديق موضوع "السياسي والثقافي في بلاط سيف الدولة" أشار فيه إلى عدة نقاط أهمها مفهوم السلطة السياسية ووظيفتها عند الفارابي والعلاقة بين الفارابي المثقف وسيف الدولة الأمير؛ مبيناً أن سيف الدولة كان قد جمع المزيد من المثقفين حوله لإضفاء صبغة شرعية ومجد لبلاطه يشع نورا وعلما ومعرفة.‏

* وكانت ورقة عمل د. وفيق سليطين من جامعة تشرين حول " ثقافة القصيدة وحكومة الأمير" ركز فيها على ثلاثة محاور هي العلاقة بين المجلس والقصيدة وقوة المعرفة بين النقض والكشف وسلطة النص وقواعد إنتاج المعنى مبيناً أن الغاية من ذلك الوصول إلى بحث يثير أسئلة بشأن الحياة الثقافية؛ ولا يكتفي بتزويد مصادرها فقط، إضافة إلى إقامة جسور الوصل بين الماضي والحاضر والمستقبل انطلاقا من موقفنا الحالي ومشكلاته الرئيسية بخصوص الثقافة والهوية والمعنى.‏

* والقى د. محمد عبد الرزاق أسود بحثا بعنوان: "التعددية والمسامحة بالمذهبية الإسلامية في عهد سيف الدولة" أشار فيه إلى خمسة محاور أساسية ركزت على علماء وقضاة المذاهب الإسلامية قبل سيف الدولة وفي عهده إضافة إلى الحرية المذهبية الإسلامية في عهده وكذلك مدى التزام المسلمين بالتسامح المذهبي في حياتنا المعاصرة مبيناً أن الهدف من ذلك هو الاستفادة من تجارب الماضي بالتسامح الديني الذي كان يسود حلب في عهد سيف الدولة ومازال حتى يومنا الراهن للم شمل الأمة وتوحيد صفوفها في مواجهة التحديات .‏

* وشارك د. رضا رجب ببحث مهمّ تحت عنوان

ابن خالويه وجهوده اللغوية في بلاط سيف الدولة

وهو بحث يتضمن بالتفصيل حياة العالم اللغوي ابن خالويه الذي قدم إلى رحاب سيف الدولة وأقام في حلب وبلغ موقعاً متقدماً عند سيف الدولة حتى صار أستاذه وأستاذ أولاده.

ثم صار طرفاً في الخصومات الأدبية التي كانت قائمة في حلب وكان في الخندق الآخر المواجه للمتنبي ومجموعته التي كان أبرز أعلامها أبو علي الفارسي وابن جني، وتطرق البحث إلى خطورة هذه الخصومة التي ساهمت في رحيل أبي علي الفارسي وابن جني وفرار المتنبي أخيراً من حلب.

ثم تعرض البحث لآراء النقاد في ابن خالويه كما تعرض لموقعه الأدبي واللغوي، وثم رصد وتحليل لمؤلفاته المطبوعة والمخطوطة ومن أشهرها:

 ـ شرحه لمقصورة ابن دريد وقد كان أستاذاً لـه وكتابه الشهير "ليس في كلام العرب" وأخيراً شرحه وجمعه لشعر أبي فراس الحمداني، و كان ابن خالويه معجباً بأبي فراس وكان حليفاً له في خصومة المتنبي، وقد أثار الباحث مسألة الاهتمام بتراث ابن خالويه وطبع مالم يطبع من كتبه وإعادة طباعة بعض ماطبع منها ولا سيما ديوان أبي فراس الحمداني باعتبار أن الشاعر حلبي وأن جامعه وشارحه حلبي وأن محققه هو أحد أعلام حلب الكبار المرحوم الدكتور سامي الدهان وخاصة أن حلب عاصمة الثقافة الإسلامية في هذا العام ومن الوفاء أن تحتفي بعمل تراثي اجتمع عليه ثلاثة من أبنائها الكبار

ومن المعروف أن الشاعر د. رضا رجب حقق "كتاب الفسر" لابن جني قبل عشر سنوات، ويعتبر تحقيقه من أهم ما كتب حول هذا الكتاب..

*كما تحدث الأستاذ مصطفى صمودي عن الفلسفة في بلاط سيف الدولة مبينا أن التاريخ نوعان تاريخ حياة وتاريخ فكر مشيرا إلى أن سيف الدولة يعامل الآخرين بما يريد لأي كان .. وكان إدراكه كبيراً لما كان يحدث في مجلسه من شعر وفلسفة مشيراً إلى دور الفارابي الموسيقي والفلسفي في حياة سيف الدولة.‏

أما د. سعد الدين كليب فتحدث عن مفهوم الكمال عند الفارابي مبيناً أن الفارابي هو أول من أقام فلسفة الفيض وجعل من الكمال أس الأسس الذي بني عليه الوجود، وبين أن نظرية  الفيض لها مدرستان مدرسة الإسكندرية ومدرسة حران وأن أساس منهج الفارابي في الفيض هو: الكمال الوظيفي والكمال القيمي، وكأن للفارابي مدينة فاضلة واحدة لكن له العديد من المدن المناقضة للمدينة الفاضلة، لكن المدينة الكاملة قيمياً هي المدينة الفاضلة.‏

*وتحدث د. أحمد فوزي الهيب عن جدلية الموت والحياة عند أبي فراس مشيراً إلى أن الموت هو نهاية كل حي مهما طال به البقاء ولعله الحقيقة الوحيدة التي اتفق عليها الناس جميعا رغم اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وأضاف: لقد عرف أبو فراس الموت قبل ولادته إذ ورثه في صبغياته من قبيلة ذات أمجاد خالدة تمتد جذورها إلى الجاهلية.‏

ورأى أنّ الحمدانيين يمثلون العنصر العربي وأن السبيل لبقائهم هو المجد والبأس والجود وغيرها من المثل العربية العليا، وتحدث الباحث عن نشأة  "أبو فراس" على الفروسية في بلاط سيف الدولة بحلب بعدما انتقل من الموصل اثر مقتل أبيه وتعلم فنون القتال والعلم والأدب وغير ذلك من صفات الإمارة والفروسية فيه، واستطاع أن يقوم بما تفرضه عليه واجبات الإمارة خير قيام فكان دائماً على أهبة الاستعداد لتلبية ما يطلبه منه سيف الدولة من مهمات، وخلال فترة أسره لم يبتعد عن الموت وإنما كان يشعر به ويتغنى بذكره، ويركض إليه ركضاً لاهثاً سريعاً متكرراً لا يعرف راحة أو بطئاً حتى ظفر به وعانقه عناق الحبيب لحبيبته بعدما ظل يطلبه طوال عمره طلباً حثيثاً تدفعه إليه قوة كامنة عميقة كاسرة لا تقهر، ظفر بالموت شجاعاً كما يريد بضربة سيف.‏

*وتحدث الأب أغناطيوس ديك عن علاقة سيف الدولة مع المسيحيين مشيراً إلى الحضور المسيحي اللافت في زمن سيف الدولة الذي كان منفتحاً على الآخرين وعلى أديانهم، وخير مثال على ذلك البطريرك "خرستيفوروس الأنطاكي" الذي بقي موالياً لسيف لدولة  واستشهد بسبب ولائه له.‏

*وتحدث الأستاذ محمد كمال عن المتنبي وسياسة الوفاق الداخلي مبيناً موقف الشاعر المتنبي من سيف الدولة إذ كان يراقب الأحداث ويحرص على استكمال المسيرة والوصول إلى استقلال الحكم العربي وتحقيق الآمال المنشودة، وأن المتنبي كان بمواقفه يقوم بدور الوسيط المخلص لكلا الطرفين (القبائل ـ والحكم) ويعيد التوازن إلى السياسة الداخلية بعد أن كانت تعصف بها رياح التمزق والخلاف..

هذا وقد أغنيت جلسات هذه الندوة بمداخلات وتساؤلات عديدة ومهمة أجاب عليها المحاضرون بشفافية ووضوح.‏

6ـ ندوة الإسلام وحقوق الإنسان:

 بالتعاون بين وزارة الأوقاف والأمانة العامة للاحتفالية نفذت ندوة الإسلام وحقوق الإنسان على مدار ثلاثة أيام وذلك على مدرج الطب الكبير في جامعة حلب، وشارك فيها العديد من المفكرين والباحثين السوريين والعرب، د.محمود عكام ، د. فهمي هويدي "مصر" وعبد القادر كتاني، محمد أديب ياسرجي، د. رضوان الحاف "سورية". د. علي جمعة، ابراهيم سلقيني، محمد صالح خرنوب، محمد نهى شيط،  د.أحمد سمير التقي، د. عادل عزيزة، د.محمد سعيد رمضان البوطي تحت عنوان: د.زياد الدين الأيوبي، د. محمد علي العقلا، محمود مرشحة، د. ناصر الصالح، د. محمود حسي، د. علاء الدين الزعتري وهداية الشاش..

وأهم محاور هذه الندوة:

ـ حقوق الإنسان في التاريخ: تم الحديث ضمن هذا المحور عن حقوق الإنسان بالمطلق والتي أكد عليها الإسلام من خلال تعاليمه ونصوصه والتي كرم فيها الإنسان ذكراً وأنثى.

وتحدث المشاركون عمّا آلت إليه المجتمعات من تخلف حضاري وعمّا تعانيه في ظل الظروف الحالية رغم توفر كل الإمكانات البشرية والمادية وما تمتلكه نظرياً من قيم دينية ورأوا أن ذلك لا يعود إلى النقص في أساسيات ديننا الحنيف وإنما التوقف شبه التام عن محاولة التجديد والمعاصرة مما جعل الكثيرين يبتعدون عن التيار الديني إلى تيارات أخرى، ودعا المشاركون إلى الاعتدال الديني والبعد عن التعّصب والتطرف الذي يرفضه الدين الحنيف.

كتب بمناسبة الاحتفالية  

أـ بمناسبة الاحتفال بحلب عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2006م صدر عن الأمانة العامة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين كتاباً مجلداً بشكل أنيق بعنوان " شعراء حلب في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين" في مئة واثنتي عشرة صفحة من القطع الكبير..

جاءت مقدمة الكتاب بقلم عبد العزيز سعود البابطين تحت عنوان: حلب قصدنا، وهو مأخوذ من البيت:       كلما رحبت بنا الروض قلنا:    حلب قصدنا وأنت السبيل

والبيت مأخوذ من لامية المتنبي المشهورة التي يمدح من خلالها سيف الدولة:

ما لنا كلنا جوٍ يا رسولُ

 

أنا أهوى وقلبك المتبول

ومما جاء في المقدمة: لم تكن عبارة شاعر العرب الأكبر المتنبي التي أطلقها منذ أكثر من عشرة قرون تحمل شوقه وحده إلى هذه المدينة التي سامرت التاريخ منذ طفولته، بل تحمل أشواق العرب جميعاً إلى حاضرة تتربع على تخوم وطنهم الكبير وكأنها نذرت نفسها أن تكون درعاً وسياجاً لهذا الوطن، يكفي أنها قارعت الروم تسعة قرون كاملة، لم تخفض هامها أمام جبروتهم وصلفهم وظلت تناوئهم حتى طواهم التاريخ.. 

وفي موضع آخر يقول: مدينة وجدت في العلم جوادها الأصيل الذي يعدو بها إلى بساتين القدرة والمعرفة، فاحتضنت المبدعين من كل الأرجاء، حسبها أن ضمت في مجلس المجاهد سيف الدولة والمتنبي شاعراً والفارابي فيلسوفاً وابن جني لغوياً، وأن في محيطها نبغ شاعران أنجدا ديوان الشعر العربي بأعذب قصائده: المعري والبحتري، ويكفيها أن أحد أبنائها (الكواكبي) هو أول من عرّى الاستبداد عربياً ودفع حياته ثمناً لهذه الجرأة. 

أما عدد الشعراء المذكورين في الكتاب فبلغ واحداً وأربعين شاعراً، وهم الشعراء الذين وردت أسماؤهم في معجم البابطين.. ولا يخفى على أيّ منا أن عدد شعراء حلب أكثر من هذا بكثير.. ومن الملاحظ أن عدد شعراء التفعيلة الواردة أسماؤهم في الكتاب قليل بالنسبة إلى العدد الكلّي.. حتى أن بعضهم قدّم نماذجه العمودية قبل الحديثة، واستغنى آخرون عن أيّ نموذج حديث.. وقد وردت أسماء الشعراء في الكتاب مرتبة حسب الأحرف الأبجدية، وثمة صفحة  خاصة أو أكثر لكل شاعر تبدأ بنبذة قصيرة عن حياته ومؤلفاته، مع القصيدة أو القصائد التي نشرت له في المعجم.. أما من لم تنشر أسماؤهم فيبدو أنهم قصّروا أو قصّر بحقهم مندوبو المؤسسة في حلب فلم يرسلوا بعض إنتاجهم للمؤسسة..

ومن الأسماء الواردة في الكتاب أسماء عدد من أعضاء اتحاد الكتاب العرب، ومنهم: محمد جلال قضيماتي، عبود كنجو، أحمد دوغان، سعيد رجو، زكريا مصاص، نهاد رضا، لؤي فؤاد الأسعد الذي يقول الكتاب إنه عضو مؤسس لاتحاد الكتاب العرب، وعبدالله يوركي حلاق صاحب مجلة الضاد في حلب والتي لا تزال مستمرة في الصدور حيث تولى أمرها ابنه رياض بعد وفاته..

ب ـ وبالمناسبة عينها قام اتحاد الكتاب العرب في سورية بإعادة طباعة كتاب " سعد الله الجابري" وحوارمع التاريخ ( أوراق مضيئة). والكتاب من تأليف "رياض الجابري" أحد أقرباء سعد الله، وقد أهدى اتحاد الكتاب العرب الكتاب إلى أمانة احتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية.. ويقع الكتاب في مئة وأربع وتسعين صفحة من القطع الكبير تقريباً.. أما مضمون الكتاب فيتناول بالإضافة إلى حياة الجابري حقبة مهمة من تاريخ سورية كتب الجابري أوراقها بنفسه وتركها لتكون أوراقاً مضيئة لكل عشاق الضوء والحقيقة.

ج ـ مئة أوائل من حلب: موسوعة من منشورات دار القلم العربي ـ حلب، تتألف من  ثلاثة أجزاء وتقع في 3000 صفحة من القطع الكبير، للكاتب الباحث عامر رشيد مبيض، الذي عمل على إعداد موسوعته بضع سنوات بجد ومثابرة وموضوعية وبروح من العمل الأكاديمي والتوثيق المنهجي والاختيار الموفق للشخصيات التي تحدث عنها حيث استطاع أن يحيط بجوانب الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والفنية في مدينة حلب من خلال رصده لحيوات الشخصيات التي اختارها، حيث ركز على الأعلام الذين لعبوا دوراً في المضمار الوطني، ومن لعبوا دوراً في النشاط الفكري بكافة مجالاته، من خلال أعلام رجال الدين والأدب والتربية والعلم والقانون والفن، وكذلك من مارسوا نشاطاً اقتصادياً بارزاً ذا اثر في حركة المدينة، كما ركز الباحث عامر مبيض على أعلام الحركة التربوية والحركة الفنية والنشاطات في المجال النسائي فكرياً واجتماعياً وتربوياً، وقد اتخذ المؤلف لنفسه معايير دقيقة في اختيار الشخصيات التي قدمها، وهذه المعايير تدل على دقة ومعرفة وحس توثيقي وحرص على المعرفة الدقيقة.

يضم الكتاب تراجم مسهبة لرجالات المدينة ولكل أثر قديم أو حديث فيها، على امتداد القرن الماضي 1901-2001 مما جعل الكتاب لا يقتصر على المئة الأوائل في حلب، بل تعدّاها إلى المئات ممن وافتهم المنية أو ممن لا يزالون أحياء.

وقد أغنى المؤلف موسوعته هذه بالصور التوضيحية النادرة، أو بتلك التي التقطها بعدسته للمعالم الأثرية الماثلة ولبعض الأحياء القديمة والحديثة، أو بصور للأعلام المترجم لهم وبنماذج من إنتاجهم، وان يستعرض فيها أطرافاً من الوقائع التاريخية الهامة التي جرت في القرن الماضي، كلما مست الحاجة أو اقتضى السياق.

ومن الشخصيات المذكورة في الكتاب:

ـ عمر بهاء الدين الأميري ولد في دار كبيرة ذات صحن مملوءة بالأزهار والأشجار عام 1923 ووسط أسرة محافظة ترعرع أصغر الأولاد عمر بهاء الدين الأميري ونشأ في هذا الجو وفي حلب نال شهادته الدراسية الأولى ثم درس الحقوق في دمشق، أما الآداب فقد درسها في جامعة السوربون وعين مديراً للمعهد العربي الإسلامي بدمشق إلى جانب تدريسه مواد علم النفس والاجتماع ثم عين وزيراً ثم سفيراً لسورية في الباكستان وبعدها في السعودية وفي المغرب شغل منصب /أستاذ كرسي/ لمادة الإسلام والتيارات المعاصرة، ويمتاز هذا الأديب والمفكر بغزارة الإنتاج فما طبع من آثاره يبلغ العشرين فقط ولديه ثلاثون ديواناً وما يقرب التسعين من الآثار الفكرية والأدبية والحضارية والمذكرات وجميعها لم تطبع مع أنها معدة للنشر ولكن ما بين عامي 1987-1992 كانت حصيلة المخطوطات الشعرية زادت عن اثنين وثلاثين في الشعر.. والجدير بالذكر أن الشاعر ترك إرثاً حاضراً وتراثاً فكرياً ما يزال مرجعاً للدارسين وقد قدمت من شعره رسائل جامعية عدة، وتوفي عام 1992م بعد ما قدمه من آثار ونتاجات غزيرة .

ـ كميل بن ميخائيل شمبير:

 ولد المرحوم الفنان كميل بن ميخائيل شمبير في مدينة حلب في 8 آذار 1892 ميلادي وقد أهلته مواهبه الفطرية للنبوغ فأصبح ذا ثقافة موسيقية عالية وملحناً موهوباً وأستاذاً بارعاً في تدريس البيانو في المدرسة الشيبانية بحلب ويعتبر الفقيد من أبرز مؤسسي النهضة الموسيقية العربية ومن أقدر الموسيقيين براعة في علم النغمة ومعرفة الأوضاع الموسيقية وكتابتها .‏

وقد كان الفقيد ينتقل بين الأقطار العربية كالبلبل الغريد من دوح إلى دوح وكان رئيساً لفرقة المرحوم نجيب الريحاني التمثيلية ثم رئيساً أيضاً لفرقة المرحوم أمين عطا الله التمثيلية في أزمنة متفاوتة وقد لحن لهما أكثر مقاطع رواياتهما التي كان لها ابلغ الأثر في الحياة الاجتماعية وكان يعزف القطع الغربية بدرجة الإبداع وله الفضل في رفع شأن الفن العربي أمام الموسيقيين الأجانب الذين يقدرون مواهبه حق قدرها ...‏

لقد كان شمبير نديما أنيساً خفيف الروح حلو المعشر سريع النكتة كريماً, أبي النفس, وقد سجل الفنان بعض الأسطوانات من تقاسيم وسماعيات وبشارف ضاع معظمها ولم يبق منها إلا القليل ..‏

وفي 9 تشرين الثاني سنة 1934 هوى هذا النجم الساطع من برجه الفني ملبيا نداء ربه حيث توفي بدمشق ونقل جثمانه إلى حلب فدفن فيها وهو في عنفوان رجولته وقد رثاه الشاعر المرحوم عمر أبو ريشه الذي كانت تشجيه فنون الفقيد وتؤثر فتنتها على مشاعره بقصيدة تعتبر من غرر الشعر نقتطف منها هذه الأبيات :‏

نام عن كأسه وعن أحبابه

 

قبل أن ينقضي نهار شبابه

يابنات الغروب قد نفض الليل      

 

على الكون حالكات نقابه

احملي الراحل الغريب وسيري       

 

بالزغاريد سلوة لاغترابه

ـ وقامت مديرية إحياء ونشر التراث العربي في وزارة الثقافة بالتعاون مع أمانة الاحتفالية بنشر كتاب "شرح الصدور لشرح زوائد الشذور" الذي حققه الباحث محمد عدنان قيطاز، وهو من تصنيف الإمام العلامة "شمس الدين محمد بن عبد الدايم البرماوي "الذي عاش بين 762ـ 831هـ . يقع الكتاب في مئة وثماني وخمسين صفحة من القطع المتوسط.

يضم الكتاب ترجمة لحياة المؤلف البرماوي وأهميته العلمية في عصره، فهو إمام علامة في الفقه وأصوله، والعربية وغيرها، مع حسن الخط والنظم، والتودد ولطف الأخلاق، وكثرة المحفوظ والتلاوة، والوقاروالتواضع وقلة الكلام.

عرف عنه ترحله بين المدن العربية والإسلامية: القاهرةن مكة، دمشق، حماة والقدس التي توفي ودفن فيها.. أهم آثاره العلمية:

في الحديث الشريف: اللامع الصبيح على الجامع الصحيح. ثلاثيات البخاري. شرح ثلاثيات البخاري.

في الفقه: النبذة الزكية في القواعد الأصلية. ألفية في أصول الفقه. النبذة الألفية في الأصول الفقهية. وغير ذلك كثير...

في النحو: شرح اللمحة البدرية في علم العربية. شرح لامية الأفعال. شرح الصدور في فوائد الشذور. بالإضافة إلى كتب أخرى في التاريخ وعلم العروض، عدد مؤلفاته أربعة وعشرون مؤلفاً..

ثمة ندوات أخرى يمكن للمهتمين الاطلاع عليها، منها على سبيل المثال:

ـ الحياة الاقتصادية في حلب عبر التاريخ.

ـ النتاج العلمي والفكري لمدينة حلب في العصور الإسلامية.

ـ حلب وحوار الحضارات.

ـ التراث الثقافي غير المادي لمدينة حلب في العصور الإسلامية.

ـ دور حلب في حركة النهضة القرنين التاسع العشر والعشرين..

ولا بد من الإشارة إلى تنوع فعاليات احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية فثمة محاضرات مهمة وأمسيات شعرية وعروض مسرحية ومعارض فنية وتراثية .. إلى غير ذلك من الفعاليات..

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244