مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 104 السنة السادسة والعشرون - كانون الأول 2006 - ذو الحجة 1427
Updated: Sunday, March 25, 2007 02:26 AM
فهرس العدد
 

قال الأصمعي([1]): "لثدت القصعة بالثريد وقد رثدت. ويقال هدم ملدّم ومردّم أي مرقع، وقد ردم ثوبه أي رقعه، قال عنترة:

هل غادر الشعراء من متردم

 

أم هل عرفت الدار بعد توهم

وهدل الحمام يهدل هديلاً، وهدر الحمام يهدر هديراً. وطلمساء وطرمساء للظلمة. ويقال للدرع نثلة ونثرة إذا كانت واسعة...".

وذكر أبو حاتم السجستاني([2]) أنه "قيل لعيسى بن مريم عليه السلام: ابن العذراء البتول. والبتيل أيضاً المنقطعة إلى ربها. ويقول ابن المناذر: ويقال البتور أيضاً، ويقال انبتلت وانبترت إلى ربها".

وبسبب هذا التشابه اللفظي، ومن منطلق التقارب النطقي، أطلق الرسول محمد (r) على الشاعر الجاهلي زيد الخيل اسم (زيد الخير) حين أتاه معتنقاً الدين الجديد بين يديه، فقد سرّ به الرسول وقال له: "إنما أنت زيد الخير". على عادته في مثل هذه الأحوال([3])، حين كان يقلب بعض أسماء صحابته من مثل عبد شمس وعبد العزى ونحوهما إلى عبد الله أو عبد الرحمن... وإنه لتحوير جميل من الخيل إلى الخير.

ومثل هذا التداخل أو التبادل بين صوتي الراء واللام كان يحدث في الشعر كحدوثه في الكلام، ومن أمثلته البارزة ما أورده الخليل الفراهيدي في معجمه من قول الراجز([4]):

أعددت من ميمونة الرمح الذكر

 

بحربة في كف شيخ قد بزل

فاختلاف روي إحدى القوافي عن سائرها في القصيدة الواحدة يسميه العروضيون (الإكفاء)، ويعدونه من عيوب النظم. على أن ذلك لا يعد في نظرنا خطيراً على الصعيد الصوتي لتقارب مخرجي الحرفين في النطق، وهو يتيح لنا أن نقول أن العرب في كلامهم وسائر منثورهم ومنظومهم قد لا يشعرون بمثل هذا الفارق الصوتي الضئيل، أو لا يعونه كل الوعي، أو ربما كانوا أحياناً يعونه ويرتضونه من قبيل الترخص دون أن يجدوا فيه حرجاً، وكأن الراء واللام سيّان لديهم.

على أن العامة ـ بالإضافة إلى الأسباب المذكورة ـ كثيراً ما تقلب الراء لاماً لأن نطق اللام أيسر على اللسان، على حين يصبح نطق الراء صعباً، وقد يكون من هذا القبيل قولهم "صلخد" بدلاً من "صرخد" وهو اسم بلدة جنوبي دمشق.

وهذا المنحى يكثر في كلام العرب بصدد نطق الألفاظ الأجنبية أو الدخيلة، فقالوا (لذريق) لعظيم الروم بدلاً من (رودريك). وللسبب نفسه وهو الاستسهال ما كان يتردد على ألسنة بعض العامة في مدينة حلب حين يقولون (خليف) بدلاً من خريف، وقولهم أيضاً تحول اسم طبيب أجنبي كانوا يسمونه (الملكاني) أي الأمريكاني... وقد يعمد الناس، على قلة، إلى العكس أي إلى قلب اللام فيقولون (يا ريت) بدلاً من يا ليت، أو (بركون) بدلاً من بلكون أو (بنطرون) بدلاً من بنطلون...

هذا وأمثاله كثير الوقوع في ألفاظ العربية فصيحها وعاميها. ويبقى التساؤل قائماً تجاه الكثير من الألفاظ المتوارثة المذكورة، وهو: إلى أي مدى نستطيع أن نعد الكلمات المتضمنة حرف الراء، ومرادفاتها المماثلة التي تتضمن حرف اللام أصيلتين. وإذا جنحنا إلى القول بوجود أحدهما فحسب، إما الراء وإما اللام، فأيهما الأصيل، وأيهما الطارئ؟ هذه مسألة تكاد تكون مستعصية، وقد يصعب حسمها.

ومهما يكن من أمر فالحقيقة الباقية من الوجهة الصوتية تتجلى في تآخي حرفي الراء واللام على الألسنة حتى ليبدوان كأنهما أخوان توءمان:

هـ ـ مخرج الراء وقضية التلاؤم والتنافر:

وإذا تتبعنا هذه الظاهرة الصوتية من منطلق المقارنة بين نمطين من أنماط القول، وهما الأدب التراثي الفصيح والأدب الشعبي المحكي، وعمدنا إلى رصد الأمثال والأزجال ونحوها في لهجات العرب المعاصرة، بدت لنا ظاهرة التواشج بين الراء واللام حية مستمرة في كلام الناس، دائمة التردد على ألسنتهم. فمن مأثور أمثال العامة أن "الولد إذا بار فثلثاه للخال"، وفي هذا القول إعلاء لشأن الأم ومنزلة الأخوال في حياة الأسرة والمجتمع. ومثل ذلك أيضاً مقولتهم الشائعة بصدد اختيار الزوجة الصالحة: "خود الأصيل ولو عالحصير". ومن أمثلة تآخي اللام والراء، فيما يعد من قبيل السجع في الكلام، تسمية أهل حلب لصنف من الحلو، معروف لديهم، هو "كول وشكور" أي كل واشكر. ومن هذا القبيل عبارات مشابهة على هذا الصعيد أورد خير الدين الأسدي نماذج طريفة منها خلال موسوعته الفريدة عن حلب، يقول([5]): "من تهكماتهم: لو كان في الشعر خير، ما طلع على دناب الخيل" وهذا لسان حال الأقرع يقلل من أهمية الشعر في الرأس.... ومن أشعار الترقيص الذائعة عند العرب قديماً قول أعرابية تتباهى بكون ابنها ذكراً لا أنثى:

الحمد لله الحميد الغالي

 

أنقذني العام من الجواري

كذلك صدرت عن الأمهات العربيات نماذج ما زالت متداولة في بعض الأوساط الشعبية ولا سيما في الأرياف العربية، كقول الأم لولدها وهي ترقصه بجذل([6]):

حج الله يا حجيج الله

 

دبس وسمنة بالجرة

ويضيف الأسدي إلى ذلك أمثلة مما تنشده الأم العربية لوليدها، بنبرات موقعة بقصد هدهدته وإلهائه وهي منهمكة في إعداد الكبة، داعية له بطول العمر. يقول([7]): "ومن مناغاة أماتهم:

كبيبة كبه حرير

 

كبيبه عمرك طويل

ومن الملاعبات في حياة الناس الاجتماعية خلال أسمارهم رغبة في التسلي والمضاحكة قول الأسدي في موسوعته([8]): "ومن معاظلاتهم، قولهم: خيط حرير على حيط خليل". ومن أبرز الأمثلة المتوارثة التي تتردد على ألسنة الناشئة أيضاً بقصد الملاعبة هذا البيت المكتظ بالراءات الذي أورده قديماً اللغويون العرب([9]):

وقبر حرب بمكان قفر

 

وليس قرب قبر حرب قبر

وقد قال الجاحظ في صدده "ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض لاستكراه". وقائل هذا البيت السائر مجهول. وذكر الأقدمون أن العرب جعلوه من أشعار الجن، لأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات ولا يتتعتع". وقد عزا ابن جني([10]) ذلك إلى ظاهرة التلاؤم والتنافر بين أصوات الحروف، وأن سبب التنافر ما ذكره الخليل من البعد الشديد والقرب الشديد. وذلك كما يرى الرمّاني([11]): "أنه إذا كان بَعُدَ البعد الشديد، كان بمنزلة الطفر. وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد". فقد جعل المعيار في ذلك جمالياً يقوم على الحس السليم والذوق المرهف.

ولابن سنان الخفاجي، وهو التلميذ الحقيقي لابن جني قول طريف في هذا الموضوع، إذ يقول بصدد صفات اللفظة الفصيحة([12]): "أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج. وعلة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات، تجري من السمع مجرى الألوان من البصر. ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت، كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة. ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة لقرب ما بينه وبين الأصفر، وبعد ما بينه وبين الأسود".

و ـ اللثغ في الراء بين عيوب النطق:

وقد عرف العرب قديماً، دون سائر الأمم، بأنهم أمة فصاحة وبلاغة. وكانوا في أغلبهم أمة أمية تتجلى قدراتهم ومواهبهم في الخطابة والشعر، وهما أبرز فنون القول عندهم.

ومعلوم أن إلقاء الخطب وإنشاد الأشعار يرتكزان إلى ظاهرة صوتية واحدة تتبدى في الأداء والنطق. وكان العرب يولون سلامة النطق وحسن الأداء عناية فائقة، باعتبارهما أساس الفصاحة وعماد البلاغة. فقد كرهوا اللثغة والفأفأة والتأتأة والحبسة والحصر وغير ذلك مما يشين الكلام ويسيء إلى المقام. حتى إن بعضهم قد يعمد إلى تطليق امرأته حين يتبين له أنها لثغاء، مخافة أن تجيئه بولد ألثغ([13]). ولهذا كانوا يعيّرون الخطيب إذا لحن، والمتكلم إذا لم يكن سليم الأداء. وتبعاً لذلك غدا للإبانة والإفصاح ولمسائل اللحن وعيوب النطق حيز واسع في أمهات كتب اللغة والأدب، من مثل ما تناوله الجاحظ وابن قتيبة وابن السكيت والقالي والسيوطي...

واللثغة بالضم، تحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين أو اللام أو الياء، أو من حرف إلى حرف، أو أن لا يتم رفع لسانه وفيه ثقل"([14]).

واللثغة بالإجمال عجز الإنسان عن نطق حرف من الحروف، أو عدم إخراجه من مخرجه الخاص به، بل مما يجاوره أو يغايره، بحيث ينطق بحرف آخر عوضاً عنه. واللثغ بفتحتين هو مصدر للفعل لثغ، وهو مرض يعتري جهاز النطق، على غرار العمى والصمم والبكم... ونستنتج من ذلك أنّ اللثغ يعرض للحروف الأصعب نطقاً مثل السين والراء والضاد والقاف... على حين لا يصيب الحروف اليسيرة النطق كالحروف الشفوية الميم والباء والفاء والنون...

ويعقوب الكندي في رسالته عن اللثغ يفصل القول في هذه الظاهرة اللسانية ويعزوها إلى أسباب فيزيولوجية لدى الإنسان فيقول([15]): "واعلم يا أخي أن اللثغة إنما تعرض من سببين: إما لنقصان من آلة النطق، وإما لزيادتها. فلا تقدر على تسريح الأماكن الواجبة للنطق، مثل مقاديم الأسنان وجميع الأماكن الواجبة للنطق. فأما الحروف التي تعرض فيها اللثغة من قبل زيادة العضو فهي السين والصاد والجيم والزاي والشين...". وقد اختلفت عدد الحروف التي يقع فيها اللثغ عند اللغويين العرب السالفين. فعلى حين اقتصرت عند الجاحظ على أربعة أحرف هي القاف والسين واللام والراء([16])، جعلها الكندي خمسة، كما رأينا. ثم بلغت عند ابن الأنباري ستة أحرف، هي([17]): "السين، والقاف والكاف واللام والراء وقد تكون في الشين".

لقد حظيت اللثغة باهتمام بالغ في أوساط البحث والتأليف إبان القرنين الثاني والثالث للهجرة. وتجاوز هذا الاهتمام فئة اللغويين إلى الشعراء والكتاب وسائر المؤلفين. ومن هذا القبيل قول أبي حاتم السجستاني([18]): "وأما اللثغ فمعيب: وصاحبه معذور، لأنه ممنوع من الراء... وأما أنا فلا أحب الصلاة خلف القبيح اللثغ لأنه يقول (إياه) وهو يريد الله عز وجل... وإن صليت رجوت أن تكون صلاة جائزة إن شاء الله، لأن اللثغ في ألسنة الفصحاء ومولدي البادية. وليس جعل الخاء هاء والحاء هاء في ألسنتهم، إنما هي في ألسنة الأعاجم". فأبو حاتم يستدرك على حكمه العام، فيأبى لثغة الأعاجم في الصلاة، ويتقبل على مضض لثغة العرب".

وإذا كان العرب قديماً قد استهجنوا اللحن واللثغ بوجه عام في هذا الصدد، إلا أنهم اغتفروا ذلك في بعض الأحوال لدواع تتصل بالطرافة أو التظرف، وإلى مثل ذلك أشار الشاعر إلى إحدى القيان([19]):

منطق صائب، وتلحن أحيا

 

ناً، وأحلى الحديث ما كان لحنا

أما اللثغة، فكانت أيضاً متقبلة بل مستملحة من أفواه الجواري، والغلمان، ولا سيما الأعاجم منهم. ومن قبيل التماجن يقول أبو نواس في غلام ألثغ([20]):

وابأبي ألثغ لاججته

 

فقال في غنج وإخناث

لما رأى مني خلافي لـه

 

كم لقي (الناث) من (الناث)

نازعته صهباء كرخية

 

قد حلبت مِن كرم حرّاث

إبريقنا منتصب تارة

 

وتارة مبترك جاثي

وعلى هذا الغرار من خفائف الأشعار استملح أبو نواس اللثغة أيضاً من فم ساق مليح يميس ويتثنى في مشيته، وقد انقلبت السين في كلامه ثاء([21]):

وشادن مر بنا ضحوة

 

سكران من خمرة حرّاث

يميل في المشي لدى سكره

 

كأنه نرجس جثجاث

فقلت: جد لي، إنني هائم

 

يا ساحراً قلبي كنفّاث

فقال لي: أنت فتى مائق

 

ويحك، ما أنت من الناث

إلى مثل هذه الأبيات عمد الشاعر الماجن، وهو في حالة من السكر، محاولاً تقليد ساقيه الألثغ فراح ينادي، "أين الكاث والطاث....([22])".

وشادن قلت لـه ما اسمكا

 

فقال لي بالغنج: (عباث)

فصرت من لثغته ألثغا

 

فقلت: أين "الكاث والطاث"

ومثل هذه الظواهر الأدبية والاجتماعية شاعت في حياة الناس وأسمارهم في إبان العهود العباسية، ولا سيما في معرض التفكه والتماجن، ورويت في هذا الصدد أخبار وأشعار حول التغزل بالغلمان ومنادمة الخصيان. وكان من ذوق ذلك العصر أن يكون الغلام الذي يستهتر به أغنّ الصوت، غناجاً، ألثغ السين..([23]).

ومن هذا القبيل أبيات ابن الوردي في فتاة لثغاء([24])، وتصح قراءتها على وجهين:

لثغة من أهواه من حسنها

 

عندي على الوجهين محمولـه

قلت: سهام الطرف منسولة

 

لرمي قلبي قال منثولة

قلت سيوف الصبر مسلولة

 

عليك مني، قال مثلولة

ز ـ أوجه اللثغة بالراء:

أما اللثغة بالراء، فكانت موضع اهتمام الجاحظ في "البيان والتبيين". وقد استهل كتابه الكبير بالكلام على عيوب النطق، وذكر أنواعاً من اللثغ في بعض الحروف، وانتهى إلى أن اللثغة بالراء أشهرها وأشيعها على الألسن. وفي ذلك يقول([25]): "وأما اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام". ثم يفصّل القول على صعيد الراء نفسها، فيرى فيها أنواعاً تعرض لبعض من ينطقونها، "لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف". ثم يبين أن منهم من يجعل الراء "ياء"، ومنهم من يجعل الراء (ذالاً) أو (ظاء). وأتي بمثال من شعر عمر بن أبي ربيعة في قوله([26]):

ليت هنداً أنجزتنا ما تعد

 

وشفت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة

 

إنما العاجز من لا يستبد

فيذكر أبو عثمان أن بعضهم يلفظ كلمة مرة (مية)، أو (مغة)، أو (مذة)، أو (مظة). أي أن انحراف مخرج الراء من اللسان يجعل نطقها ياء أو غيناً أو ذالاً أو ظاء...

ولكن الجاحظ ـ فيما نرى ـ فاته أن يذكر حالة أخرى من اللثغ، وهي نطق الراء (لاماً). وعلى ذلك من المفيد أن نضيف إلى حالات اللثغ الأربع عند الجاحظ حالة خامسة، وهي نطق الراء لاماً، حين يلفظ الألثغ كلمة مرة في بيت عمر (ملة)([27]). وقد ذهب أبو حاتم السجستاني إلى مثل ذلك ـ وهو معاصر لأبي عثمان الجاحظ إذ قال([28]): "... فمن اللثغ من يجعل الراء غيناً فيقول في سرير (سغيغ)، ومنهم من يجعلها لاماً فيقول (سليل)، ومنهم من يجعلها ياء ويجعل اللام أيضاً ياء...". على أن أبا حاتم يضف إلى ما ذكره حالة أخرى من اللثغ بقوله: "وقد رأيت من يهمز كل راء، ولا يقدر على ذلك"، إلا أنه لا يمثل لهذه الحالة بلفظ ما ولا يورد الحرف البديل المنطوق.

وما تقدم في هذا الصدد يعني أن ثمة أوجهاً ستة وربما أكثر من ذلك لنطق الألثغ في حرف الراء. وعندئذ يمكننا تلاوة بيت عمر ذاك وأمثاله أيضاً على هذا الغرار, ولا سيما البيت الذائع على ألسنة الناشئة والمتأدبين، وهو جدير بأن يزيدهم إطرافاً ومتعة:

أمر أمير الأمراء

 

بحفر بئر في الصحراء

أما اللثغة في الراء حين تلفظ (ظاء)، أي (مظة) بدلاً من مرة فهي اللثغة الأندر، في حدود علمنا. ولم نقع في هذا الصدد على شيء من كلام العرب، منظومه ومنثوره تتبدى فيه هذه الظاهرة اللفظية. على أن هذا لا يحول دون وجودها في كلام بعض الناس، مهما يقلوا. وأغلب الظن أنها لثغة قبيحة تعيب صاحبها. أما نطق الألثغ للراء ذالاً فقريب من نطقها (ظاء)، وهي لثغة مخففة من سابقتها، وتعد أيضاً قبيحة.

واللثغة الأخرى هي نطق الراء (ياء) كما ذكر الجاحظ، بحيث تلفظ (مية) بدلاً من مرة. وهي أشيع من السابقة، وتكثر عند الأطفال. وفيها يقول سيبويه([29]): "وهي من موضع اللام، وقريبة من الياء. ألا ترى أن الألثغ يجعلها ياء...". وهي أقل قبحاً، في رأينا، من سابقتها الظاء والذال، ويعاب أيضاً من يلثغ بها...

وأما نطق الراء غيناً، أي في مثل قول الجاحظ (مغة) بدلاً من مرة في بيت عمر بن أبي ربيعة أيضاً، فهي لثغة شائعة، وتكثر بطبيعة الحال عند الأطفال، لصعوبة نطق الراء لديهم أيضاً". والراء عند الطفل يغلب أن تكون لهوية، وهذا سبب قربها من الغين لتقارب مخرجيهما([30]). وعندئذ يحدث اللثغ. وعلى الصعيد الذوقي، ومن المنظور الجمالي يتراءى لنا أن هذه اللثغة الماثلة بصوت الغين أقل قبحاً من سائر اللثغات في الراء. والجاحظ يقرر ذلك بقوله([31]): "واللثغة في الراء تكون بالغين، والذال والياء. والغين أقلها قبحاً، وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم". ويبدو أن هذه اللثغة أقل تمكناً من لسان الألثغ، بحيث يستطيع تفاديها أحياناً بقدر من الرياضة والمران. وإلى ذلك يشير الجاحظ أيضاً فيضرب مثلاً محمد بن شبيب المتكلم الذي كانت لثغته بالغين، "فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه، أخرج الراء"([32]).

وقد تكون لثغة الراء الغين أكثر دوراً على ألسنة البنات مما هي على ألسنة البنين. وهي في أية حال تنطوي على قدر من الملاحة، ولا سيما إذا صدرت عن المرأة الشابة أو الحسناء، وعندئذ تغدو سائغة محببة. وقد ذكر الجاحظ أن العرب([33]): "كانوا يستملحون اللثغاء إذا كانت حديثة السن، ومقدودة مجدولة". وبوسعنا أن نستشهد على ذلك بأبيات لأبي نواس أيضاً بصدد اللثغة المحببة بالراء، حيث قال في فتاة موصلية لثغاء([34]):

لقد فتنتني لثغة موصلية

 

رمتني في تيار بحر هوى اللثغ

تقول وقد قبلت واضح ثغرها

 

وكان الذي أهوى ونلت الذي أبغي

(تغفق، فشغب الخمغ من كغم غيقتي

 

يزيدك عند الشغب سكغاً على سكغ)

وحقيقة البيت الأخير الذي لفظت الفتاة راءاته ملثوغة:

ترفق، فشرب الخمر من كرم ريقتي

 

يزيدك عند الشرب سكراً على سكر

وخير الدين الأسدي في كلامه على حرف الراء ضمن اللهجات العربية المعاصرة، فطن إلى هذه الظاهرة الصوتية التي استملحها أبو نواس في كلام فتاته الموصلية، ثم ذهب إلى "أن لهجة الموصل تلفظ الراء غيناً، فتقول في صورة (صوغة)، تشبه في هذا لهجة باريس"([35]). غير أن هذا الحكم في رأينا يقوم على التعميم، وربما ينطبق على بعض كلام الموصليين السالفين. ولا نعتقد أن هذه اللثغة تشكل ظاهرة شاملة لسكان الموصل([36]). يضاف إلى ذلك أنه لم يسمع عن العرب قديماً من خلال لهجاتهم، أن قرية أو قبيلة كانت لديها لثغة تعم أفرادها، إذ اللثغ ظاهر فردية يصاب بها المرء بسبب علة فيزيولوجية عارضة تعتري جهاز النطق لديه.

ومهما يكن من أمر فإن اللثغة بأنواعها لم تكن محببة عند العرب، وآية ذلك كما بينا أنها معدودة من عيوب النطق. وهذا أيضاً هو الشأن لديهم بصدد تحول الراء إلى غين. لقد عمد ابن الوردي إلى ذم بعض القضاة، معرّضاً بجهلهم أو فسادهم، وأحياناً بلثغتهم التي تشين فصاحتهم، فقال([37]): "راؤه غين، ومنطقه شين. إذا سبّح الرب، ما تدري أسبّح أو سب". ثم أنشد هذه الأبيات:

الألثغ الطاغي تولى القضا

 

عدمت هذا الألثغ الطاغي

إن سبّح الرب حكى سبه

 

فقال سبحانك يا (باغي)

يريد: يا باري

ولابن الوردي أبيات أخرى عديدة تجعله من الشعراء المكثرين إلى حد ما في هذا الصدد([38])، ومنها أيضاً وصفه فتى ألثغ أو فتاة لثغاء، على سبيل التفكه، وهو يمهد لأبياته بقوله([39]): قلت في ألثغ يجعل الراء غيناً، ويصح بالوجهين:

ألثغ بالراء زار بيتي

 

فجاءنا حاسد وأصغى

قلت أفق فالحسود برّا

 

قال أفق فالحسود بغّا([40])

وهو يروي يا باري.

ويفضي بنا ما تقدم من الكلام على أنواع اللثغة في الراء إلى نوع مشهور وشائع على الألسنة، وهو نطقها لاماً.

لقد طلع الخليل وسيبويه بمعلومة صوتية مهمة تناولها من بعدهما كثير من فقهاء العربية بالتعليق، ولم يقبلها بعضهم على إطلاقها([41])، وهي أنه "كلما تباعدت مخارج الحروف ازدادت حسناً". فمع أن الراء واللام من زمرة صوتية واحدة، إلا أنهما متمايزتان في سماتهما الفونولوجية. "فالراء صوت غير جانبي، على حين أن اللام جانبية. كما أن الراء تقابل اللام على الصعيد الفونولوجي([42]). وهنا تكمن صعوبة نطقها كيلا تنطق لاماً، وينطبق الأمر نفسه على أحرف أخرى، من مثل ما يكون في صوت القاف المجاور للكاف، وصوت الحاء المجاور للهاء، وصوت الصاد المجاور للسين، والطاء المجاور للتاء...، بحيث يصعب على الكثيرين أيضاً، ولا سيما غير الناطقين بالعربية أن ينطقوها، فيجنحون بها إلى الأسهل، وإذ ذاك تخرج القاف من أفواههم معدولة إلى الكاف، والحاء إلى الهاء والصاد إلى السين والطاء إلى التاء... ومرد هذه الصعوبة في تمييز نطق الراء من اللام إلى عجز المتكلم عن التحكم الدقيق في هذا الحيز الضيق من الفم. وعندئذ لا يصدر الصوت المطلوب من مخرجه بل من جواره فيخرج لاماً، شأن الماء يسيل نحو الصعيد الأخفض.

كل هذا يعيدنا إلى وجود هذه الظاهرة لدى الطفل بوجه عام، وفي أي أمة من الأمم، حين لا يستطيع نطق الراء فتخرج من فمه لاماً... "واللام لا تحتاج إلى جهد عضلي كبير"([43])، مثل قوله (نْهل، ولدة، لاديو، صولة، دفتل، عصفول). ويقصد: نهر، وردة، راديو، صورة، دفتر، عصفور...

وما تقدم ذكره ينقلنا إلى أهل الصين صغاراً وكباراً، حيث لا وجود في لغتهم لحرف الراء أصلاً. ولما كان الإنسان يكتسب لغته، بحروفها وأدائها، من محيطه الخارجي بطريق السماع، بدءاً من الأم والأسرة ثم سائر الناس، فإنه من الطبيعي أن لا يستطيع الصيني نطق الراء في سائر اللغات الأخرى. وقد أتيح لي وأنا أدرس العربية في بكين وشنغهاي([44])، أن ألمس هذه الظاهرة الطريفة والفريدة من كثب، حين كان الطلاب والطالبات يقرؤون النصوص العربية. ويقلبون كل راءات الكلمات فيها لامات. وكانوا يلفظون الأسماء عمر، رشيد، مريم... هكذا: (عمل، لشيد، مليم...)، كما لفظوا "الجمهورية العربية السورية: "الجمهولية العلبية السولية". وقد دأبت على محاولة تمكين أولئك الدارسين من نطق الراء من خلال كلمات عديدة اخترتها، ولكن معظمهم أخفق في ذلك، على حين استطاع بعضهم النطق المنشود بعد لأي.

فهل بوسعنا، في ضوء ما تقدم أن نقول إن ما يقارب خمس سكان العالم، أي أكثر من ألف مليون من المتكلمين باللغة الصينية هم لثغان([45])؟.

ح ـ لثغة واصل بن عطاء:

وعلى صعيد التراث العربي الحافل يواجهنا في هذا الصدد نموذج إنساني فريد عرف بلثغة أخرى، ولكنها مجهولة لا تعرف ماهيتها ولا يعرف نوعها، وهي تبعاً لذلك مغايرة للمعهود من حيث خفاؤها على الناس. إنها لثغة واصل بن عطاء المعتزلي. والجاحظ يقف وقفة متأنية عند ظاهرة اللثغة في الراء، ولا سيما عند واصل، وذلك في مواضع متعددة من كتابه "البيان والتبيين". إنه لا يبين طبيعة هذه اللثغة ولكنه يصفها في كل مرة بصفات سلبية حادة كأن يقول([46]): "وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها. وكان طويل العنق جداً([47])....".

وبوسعنا القول إنه كان لواصل أثر واضح في تسليط الضوء لغوياً واجتماعياً على هذه الظاهرة الصوتية في الكلام. وابن عطاء هو من هو بين رجال عصره منزلة وفضلاً([48]). كان فطناً ذكياً راجح العقل حاضر البديهة، واسع الحيلة، كما كان خطيباً بليغاً. لكنه كان مصاباً بلثغة قبيحة تقع له في حرف الراء. فهاله الأمر، وعزم على أن يروض نفسه على مجانبة الراء والتغلب على هذا العيب واجتثاث الداء من أصله. وقد أوضح لنا الجاحظ حالته تجاه هذه العلة ببيانه المشرق فقال([49]):

"ولما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى إتمام الآلة، وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق، وتكميل الحروف، وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الفخامة والجزالة، وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى إليه الأعناق، وتزين به المعاني...، ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة، رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله، ويساجله، ويتأتى لستره، والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمّل...".

وكان واصل قد دعي لإلقاء خطبته على الملأ في حفل جامع ضم صفوة القوم، أقامه والي العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فقد حضر المجلس سادة المفوهين والبلغاء، وفي طليعتهم ثلاثة من أعلام الخطابة وأرباب الفصاحة، هم خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى([50]). وشرع كل واحد يلقي خطبته، وكان واصل بن عطاء أخرهم، فارتجل خطبته العتيدة وسط دهشة الحاضرين وإعجابهم([51]). قال:

ط ـ خطبة واصل التي جانب فيها الراء:

"الحمد لله، القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلق على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعاً، وعدّ له اصطناعاً، فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته. وذلّ كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا مثيل لـه، إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه، علا عن صفات كل مخلوق، وتنزه عن شبه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يُعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق، وقول صدق، بإخلاص نية، وصدق طوّية، أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته وصفيه، ابتعثه إلى خلقه بالبينات والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم، ماضياً على سنته، موفياً على قصده، حتى أتاه اليقين. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، وأجل وأعلى، صلاة صلاّها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد مجيد.

أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحضكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة في معادٍ. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها، وفواتن لذاتها، وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول. فكم عاينتهم من أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلواً، ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب، وأعدّوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد. قبضتهم بمخلبها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقاً، ومن العز ذلاً، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا تعاين إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم أحداً ولا تسمع لهم نبساً.

فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.إن أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله، الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.

أعوذ بالله القوي، ومن الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، وبالآيات والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. أقول ما به أعظكم، وأستعتب الله لي ولكم.

ي ـ أصداء الخطبة:

كان لخطبة واصل بن عطاء، فيما تروي لنا كتب الأدب والأخبار، دوي في أوساط الشعراء والمتأدبين، وتعدت هؤلاء إلى سائر الناس. وكان ذلك اليوم بمنزلة المباراة بين خطباء العصر، وقد تفوق واصل عليهم جميعاً. وكما قال الجاحظ([52]): "كان واصل مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم".

وما يجدر قوله إن أهمية خطبة واصل التي جانب فيها الراء لا تنبع من مضمونها ومعطياتها المعرفية والدينية وما إلى ذلك. إنها على هذا الصعيد خطبة كسائر الخطب المعهودة في عصر الراشدين والأمويين، وفيها شبه كبير بخطبتي عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك([53])... غير أن أهميتها تتجلى في بنيتها اللفظية وسمتها الأسلوبية، وكونها مرتجلة تدل على اقتدار صاحبها في امتلاك ناصية اللغة، وتمكنه من معطياتها التعبيرية، من قوة بديهة وحسن أداء... وكل ذلك أكسبها قيمة فنية وقيمة تاريخية، بحيث غدت قطعة نثرية بالغة الطرافة والتفرد في الأدب العربي.

وقد نجم عن خطبة واصل كثير من منظوم الكلام ومنثوره، لم يخرج في جملته عن مشاعر الإعجاب والتقدير. من مثل وصف الشاعر صفوان الأنصاري ما حدث في ذلك اليوم المشهود إذ قال من قصيدة([54]):

فسائل بعبد الله([55])في يوم حفله

 

وذاك مقام لا يشاهده وغد

أقام شبيب وابن صفوان قبله

 

بقول خطيب لا يجانبه القصد

وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل

 

فأبدع قولاً، ما له في الورى ند

فما نقصته الراء إذ كان قادراً

 

على تركها، واللفظ مطرد سرد

ففضل عبد الله خطبة واصل

 

وضوعف في قسم الصِّلات له الشكد([56])

ويعد بشار بن برد في طليعة المادحين لواصل والمشيدين بنبوغه، وذلك بطبيعة الحال قبل أن يختلف معه في مسائل من صلب عقيدة الإسلام، فانقلب عليه وهجاه. فقد أفعمت نفس بشار إعجاباً بواصل، ونظم أشعاراً عديدة ينوه فيها بفضله ويعلي من بداهته وقدرته على الارتجال، ومفضلاً إياه على أنداده([57]):

أبا حذيفة، قد أوتيت معجبة

 

من خطبة بدهت من غير تقدير

تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا

 

وحبروا خطباً ناهيك من خطب

فقام مرتجلاً تغلي بداهته

 

كمرجل القين لما حف باللهب

وجانب الراء لم يشعر به أحد

 

قبل التصفح والإغراق في الطلب

وإذا خرجنا من نطاق خطبة واصل إلى دائرة أرحب في حياته، وحرصه المستديم خلالها على مواجهة اللثغة في الراء، بدا لنا مدى اهتمام العديدين بدراسة هذه الظاهرة الصوتية لديه. ومن هذا القبيل قول الجاحظ([58]): "وكان واصل إذا أراد أن يذكر البُر قال القمح أو الحنطة. والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية...". وهذا ما قاله أيضاً ضرار بن عمرو شعراً، وبقدر من الزيادة([59]):

ويجعل البر قمحاً في تصرفه

 

وجانب الراء حتى احتال للشّعر

ولم يطق مطرا والموت يعجله

 

فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر

وحدث أن وقعت القطيعة بين ابن عطاء و ابن برد حين "صوّب بشار رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد وفاة الرسول r([60]). وعندئذ ضاق واصل ذرعاً به وقال غاضباً([61]): "أما لهذا الأعمى الملحد المشنَّف، الملقب بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزلـه، وفي يوم حفله". فلم يقل: بشار وابن برد، وقال المشنف بدلاً من المرعث، والملحد بدلاً من الكافر، وقال الغالية بدلاً من المنصورية والمغيرية، (وهما من غلاة الشيعة).. وقال: لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه ولم يقل لأرسلت إليه من يبقر بطنه على فراشه... وبذلك تجنب الراء في كل كلامه.

ويبدو أن بعض الشباب كان يطيب لهم أحياناً أن يتحرشوا بابن عطاء بدافع الفضول وبقصد امتحانه أو إحراجه والتندر بعاهته، إذ ليست مجانبة الراء في الكلام بالأمر الهين، ولا سيما أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على الألسنة، فكان واصل شديد الحرص على ألا يقع في شركهم. ويروى أن نفراً من هؤلاء دفعوا إليه رقعة ليقرأها عليهم، وفيها([62]): "أمر أمير الأمراء الكرام أن تحفر بئر على قارعة الطريق فيشرب منها الصادر والوارد". فقرأ واصل على الفور: "حكم حاكم الحكام الفخام أن ينبش جب على جادة الممشى، فيستقي منه الصادي والغادي". وكان واصل إذا أراد أن يقول أعوذ بالله القوي من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يقول: "أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي، باسم الله الفاتح المنان".

وكان طبيعياً لدى معاصري واصل بن عطاء أن يجلوه ويكبروا فيه اقتداره ونبوغه، إذ انطوت مشاعرهم تجاهه على مزيج من الإعجاب والاستغراب. وقد عبر أحدهم عن ذلك بتساؤلات تنم على الدهشة والحيرة، إذ قال([63]): "... وكيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف يصنع بعشرة وعشرين وأربعين؟، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر، ويوم الأربعاء، وشهر رمضان. وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب...". وإذ ذاك تمثل أحد السامعين بقول الشاعر صفوان الأنصاري الذي سبق أن أشاد بنبوغ واصل:

ملقن ملهم فيما يحاولـه

 

جم خواطره جواب آفاق

وكأن الرجل اكتفى بهذا الجواب المقتضب تجاه أسئلة السائل المتلاحقة، مشيراً إلى أن ما انطوى عليه واصل بن عطاء من موهبة كان من قبيل الإلهام، إذ ليس إلى تفسير العبقرية من سبيل.

والحق أن الإمساك بزمام اللغة، وامتلاك ناصية التعبير، مع البداهة والقدرة على الارتجال....، كل ذلك لا يستطيعه إلا من كان من أولي العزم. ومن قبل رأى سهل بن هارون([64]): "أن سياسة البلاغة أشد من البلاغة".

ك ـ موقع لثغة واصل بن اللثغات:

والآن إذا تأملنا في ظاهرة اللثغ عند واصل بن عطاء، ورجعنا قليلاً إلى شعاب هذا البحث تبين لنا أن اللاثغين بمجملهم كانت لثغاتهم معروفة لدى الناس، هذا يلثغ بالسين فيلفظها ثاء، وذاك بالراء فيلفظها غيناً إلخ.... أي أن الحرف البديل المنطوق أو المقابل لدى الألثغ، وهو الثاء أو الغين أو اللام أو الياء...، كان معلوماً أيضاً ومسموعاً لدى الآخرين. ولذلك كانت الأحكام متعددة، وأحياناً متفاوتة تجاه اللاثغين واللاثغات، وقد تتراوح بين الاستهجان والاستحسان. وإلى ذلك تشير الأشعار الكثيرة في هذا الصدد على نحو جلي.

وعلى ذلك يواجهنا سؤال ملح تجاه نوع اللثغة التي كانت في فم واصل بن عطاء، هل كانت الراء لديه تنطق لاماً، أو كانت ياء، أو غيناً، أو ظاء....؟ إن ما بين أيدينا من معطيات في هذا الشأن ضئيلة، وقلما تسعفنا في تحديد نوع تلك اللثغة. والسبب في ذلك أن ابن عطاء نفسه أسقط الراء أصلاً من كل كلامه، ومن ثم لم يتح لأحد من معاصريه أن يسمع لثغته تلك قط، لحرصه الشديد فيما نقدر على تغييب هذا العيب لديه. وتبعاً لذلك كان من الطبيعي لدى الذين تناولوا أيضاً لثغة واصل في منثورهم ومنظومهم أن يغفلوا هذا الأمر لافتقادهم أحد طرفي المعادلة، فلم يحاولوا تبين ماهية تلك العلة عنده. وهذه حالة خاصة يكاد ينفرد بها واصل بن عطاء دون سائر اللاثغين. وآية ذلك أن جميع الذين خاضوا في هذه القضية، من شعراء وكتاب ومؤلفين، اكتفوا بأن قالوا إن لثغته كانت قبيحة أو مستهجنة. والجاحظ نفسه وصف ذلك بكلمات واضحة وشديدة عندما قال([65]): "أنه ألثغ فاحش اللثغ ذو هجنة". كما وصف لثغته "بالقبح والشناعة". فهل يعني هذا أن لثغة واصل كانت الأسوأ بين اللثغات المعهودة، وأنه ربما كان ينطق الراء ياء أو ظاء؟.... ولكن لثغته المفترضة هذه لا تسوغ وصف الجاحظ لها مرات عديدة بأشنع النعوت وأقبحها. وواقع الأمر أن ابن عطاء لم يكن يلثغ في الراء بهذه الصورة ولا بتلك ولا سوى ذلك مما عهدناه من أنواع اللثغات وصورها. وهي اللثغات الأربع في الراء التي تناولها الجاحظ، وهي الياء، والذال والظاء والغين. لقد لاحظ أبو عثمان بفطنته المعهودة أنه أمام لثغة لا كسائر اللثغات، وذلك من عدة وجوه، فرأى أن يفردها بالبحث ويخصها بالقول. فقد مهد لحديثه عن هذه اللثغة الغريبة بكلام بالغ الأهمية، مفاده أن ثمة لثغات لدى البشر تغاير ما هو جار على ألسنة الآخرين، وأنها فيما يبدو نادرة الوجود بين الناس. وذكر أن من اللثغات([66]): "شيئاً لا يصوره الخط، لأنه ليس من الحروف المعروفة، وإنما هو مخرج من المخارج، والمخارج لا تحصى، ولا يوقف عليها. وكذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم، وليس ذلك في شيء أكثر منه في لغة الخوز. وفي سواحل البحر من أسياف فارس ناس كثير، كلامهم يشبه الصفير".

ثم يعمد الجاحظ إلى التخصيص بصدد ما نحن فيه، بعد أن يفرغ من الكلام على اللثغات، الأربع التي ذكرها فيقول([67]): "وأما اللثغة الخامسة التي كانت تعرض لواصل بن عطاء ولسليمان ابن عدوي الشاعر، فليس إلى تصويرها سبيل... وليست لها صورة في الخط ترى بالعين. وإنما يصورها اللسان وتتأدى إلى السمع...".

وبذلك يكون الجاحظ، بنفاذ رؤيته، قد جلا هذه المسألة، أو حسمها بصدد واصل بن عطاء بعد أن بدت لنا أول الأمر غائمة... ومصداق هذا الرأي السديد أننا إذا حاولنا اليوم رصد كلام أحد من شعوب الشرق الأقصى من الصين أو كوريا أو فيتنام أو غيرهم، وعمدنا إلى تدوين ما يلفظه من حروف وكلمات وعبارات، فإننا قلما نخرج من ذلك بطائل، لأن رسم أشكال حروفنا مصطلحات تقابل مخارج وطرائق نطقنا، ولا تصلح إلا قليلاً لرسم حروف اللغات الأخرى وتصوير أصواتها.

وفي نهاية المطاف، واعتماداً على كل ما تقدم، بوسعنا القول: إن واصل بن عطاء أشهر اللاثغين بين الناطقين بالضاد...

ل ـ خطبة كرم ملحم كرم:

على أن واصل بن عطاء ليس آخر اللاثغين، وإن كان أشهرهم في أمة العرب. فقد شهد امتداد عصر النهضة العربية الحديثة علماً لبنانياً رائداً، كان كاتباً وخطيباً، وصحفياً وقاصاً وروائياً ومؤلفاً هو كرم ملحم كرم([68]). وكان هذا الأديب يلثغ بحرف الراء، ويلفظه غيناً. كما كان يتأذى من هذه الظاهرة لديه، ولا سيما أن اسمه ينطوي على راءين. وقد حرص على مواراة هذا العيب في أقواله وأحاديثه الإذاعية. ومما روي عنه أن صديقه الشاعر إلياس أبو شبكة([69]) شاء أن يحرجه يوماً بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال شاعر المهجر فوزي معلوف في زحلة وحفل تدشين مستشفى تل شيحا، حين طلب منه أن يلبي رغبة الحاضرين بأن يلقي خطبة في هذه المناسبة الخيرية، فما كان منه إلا أن سعى إلى المنبر بخطا واثقة تنم على قبوله التحدي، وألقى على الملأ كلمة أرتجلها، دون أن ترد خلالها كلمة فيها راء..([70]).

وكان يؤثر أن يعرف نفسه بأبو ملحم وأن يناديه الناس بذلك. كما كان يستبدل بكلمة مصر وادي النيل وبهارون الرشيد أبا الأمين أو أبا المأمون، وبالأمير بشير أبا سعدى...

م ـ وظائف الراء في اللغات الأخرى:

وعلى هذا الصعيد من كثرة دوران الراء على ألسنة الشعوب يشكل مثلاً اقتران الراء واللام (لر) في اللغة التركية، مقطعاً من اللواحق Suffixes يشير إلى علامة الجمع: (أفندي، أفنديلر...).

وفي الألمانية تقترن الراء بالدال في المقطع در DER وهو بمنزلة السوابق Prefixes، فيشكل بذلك أداة التعريف في المذكر، وصيغة التذكير في الألمانية هي الأصل في هذا الصدد وهي أيضاً الأعم في مجمل الأسماء.

أما الفرنسيون ولا سيما أهل باريس، وهم من أشهر اللاثغين في حرف الراء في اللغات الحديثة، فإن لهذا الحرف R في لغتهم شأناً أكبر، إذ يلتصق بطائفة بالغة الكثرة في مفرداتهم أسماء وأفعالاً، ومعاجمهم مثل Larousse وأشباهه حافلة بذلك. وحرف الراء، كسائر حروف الفرنسية، صامت Consonne ولا بد أن يتلوه صائت Voyelle من مثل E, I, O, A. غير أن ما يعنينا الآن هو نوع محدد من السوابق Prefixes، وهو المقطع Re. وهنا يخرج عن نطاق بحثنا كل لفظ أساسي الحروف، أي المجرد الذي يبدأ بهذين الحرفين أصلاً مثل Repondre بمعنى أجاب، Regler بمعنى رتب، Rempir بمعنى ملأ. أما ما نحن بصدده فهو دخول هذا الحرف، أو المقطع Re على كلمة ما لتصبح مزيدة، أي بعد أن يضاف إليها السابق المراد Prefixes.

وهذه السوابق التي تلتصق بأصل الألفاظ في اللغات اللاتينية بوجه عام وأيضاً بالإنكليزية، تكسب اللفظ عدة دلالات، وذلك على قاعدة "زيادة المبنى تقتضي زيادة المعنى". أهمها دلالة تكرار الفعل أو إعادته، مثل Relier أي إعادة الربط، Remarier أي الزواج ثانية. وقد يضيف السابق Re إلى أصل الكلمة معنى جديداً لم يكن فيها، كقولهم Retourner أي عاد ورجع، لأن الأصل المجرد Tourner يعني دار. وكذلك تعني كلمة Renaissance النهضة والانبعاث، إذ معنى المصدر في الأساس، أي Naissance هو الولادة. وفي أحيان أخرى أقل على هذا الصعيد يدل هذا المقطع Re على الضدية في مثل كلمة Reaction التي تعني الارتكاس أو ردة الفعل، مع أن أصل الكلمة المجردة Action يعني الفعل والعمل...

كل ذلك يشير في العديد من اللغات، كالفرنسية والإنكليزية والتركية والألمانية وسواها، إلى الوظائف المتعددة لحرف الراء فيها.

ن ـ الراء في اللغة المحكية:

إن نظرية نشوء اللغة عند البشر الأولين من منطلق محاكاة الأصوات في الطبيعة، والتي استحسنها ابن جني([71]) في كتابه "الخصائص"، قد تبدو صالحة لتعليل دلالات جانب من ألفاظ اللغة، ومن هذا القبيل دلالة صوت الراء.

إن هذه الراء كما وصفها اللغويون العرب قديماً وحديثاً، صوت مكرر مجهور، يحدث حين تتكرر ضربات اللسان على اللثة تكراراً سريعاً. ويبدو لنا أن هذا التكرار الصوتي على صعيد المبنى ينطوي على دلالة مقابلة على صعيد المعنى، إذ يفيد أيضاً التكرير أو الإعادة أو الاستمرار، أو ما كان من نحو ذلك. فكما دل المقطع Re أو السابق Prefixe في عدد من اللغات الأوروبية واللاتينية على تكرير الفعل وإعادته واستمراره، فإننا نجد هذه الظاهرة، على نحو ما، في العديد من الألفاظ العربية. فمادة "شرّ" أو "شرر"، كما تذكر المعاجم، تفيد الحركة والاستمرار والنشاط والشدة...، من ذلك: شرَّ الشيء أي عضه، وأشرَّ الشيء أظهره، وشرشره قطّعه، والشرير جانب البحر، وشرة الشباب نشاطه وعنفوانه، والشرر والشرار ما يتطاير من النار... وبوسعنا أن نجد دلالات مشابهة في ألفاظ أخرى ترتكز أيضاً إلى الراء مثل: ثرّ، جرّ، خرّ، در، ذرّ، فر، كرّ، مرّ.... وكلها دلالات تشير إلى الحركة والنشاط والشدة والتواصل والتكرير والاستمرار...، ونحو ذلك مما يمتاز به حرف الراء من الوجهة الصوتية، سواء في العربية وفي اللغات الأخرى...

وحين ينعطف الباحث إلى التدقيق في اللهجات العامية السائدة اليوم يلاحظ حضور حرف الراء في كثير من الأفعال الثلاثية المجردة، حيث لم يكن له وجود أصلاً في عداد حروفها. ومن هذه الأفعال: "فقع، فشخ، طبش، عرش، شبك، طبق، حكش، وخمش....، فالناس يحولونها إلى "فرقع، فرشخ، طربش، وتطربش، وعربش وتعربش، تشربك، طربق، تحركش، خرمش... إلخ وهذا التحويل أو التحوير لا ينضوي تحت باب المترادف من الألفاظ، لأن الدلالة تختلف من حال إلى حال بحيث تفيد معنى الزيادة أو التكثير أو الشدة، أو نحو ذلك في الفعل المعدول، وذلك وفق المبدأ السائد في فقه اللغة، وهو أيضاً أن "زيادة المبنى تقتضي زيادة المعنى". ففعل فرقع يعني قوة الانفجار، وطربش يعني شدة التحطيم، وتعربش، وهو فيما نقدر من العرش وعلوه أو العريشة ويعني المضي في التسلق، وخرمشه زاد في خمشه وتجريحه. وتحركش به أي تحرش به وأثاره... إلخ. وذلك كله يقابل دلالة صوت الراء على الحركة في مثل بعثر وقرزم ودحرج، وفي هذا الصدد مثلاً يتمحل بعض اللغويين فيرجعون دحرج الرباعي إلى فعين ثلاثيين معاص هما دحر/درج، وكلاهما أيضاً يتضمنان الراء.

وثمة زمرة أخرى من الألفاظ المشابهة، غير أنها في عرف الصرفيين من قبيل المجرد الرباعي، والراء فيها تبدو أصلية كباقي حروف الكلمة، بحيث لا يتبدى لنا بيسر أصل اشتقاقها ودلالاتها، وهي تنطوي أيضاً على دلالات خاصة في العربية المحكية وذلك بفضل وجود الراء ضمن حروفها، كوصف العامة لأحدهم بأنه "حربوق" أي ماهر نبيه كثير الحركة ويعرف من أين تؤكل الكتف. والأفعال في هذا الصدد عديدة كلها يفيد الحركة والكثرة والشدة والاستمرار أيضاً: مثل برطم، أي عبس وتجهمت سحنته، وفشخر أي تبجح وتفاخر، وبربر أي تكلم بألفاظ غير واضحة المعنى ولكنها تنم على التذمر والتوعد. ودربك أي رمى ودحرج. ودركل أي قذف بالآخر من الأعلى ودحرجه إلى الأدنى. وفرتن الطفل إذا اشتد بكاؤه ولم يجنح للسكوت. وطفشر أي بدد ما لديه وأنفق دون حساب، ومثلها بحتر أي أسرف في الصرف، وعكس ذلك قرحط، أي بخل وقتّر. ومن ذلك مرمطه أي زاد في إرهاقه ومضايقته. وفرفش إذا تمتع بماله واغتنى وصار إلى نعمة. وكركب أي بعثر، ومثلها خربط وهما ضدان لرتب ونظم. وبربك بمعنى تصنع اللطف وبالغ في التزلف. وشرشحه أي أساء إليه وجعله مهزأة. وفركش: أبطل الاتفاق ونقض الأمور وخربها وفي هذا المعنى أيضاً فعل خربط. وكذلك يقولون برطش اللعبة أو الحفلة، إذا أخرجها عن نسقها وقطعها عن سياقها. وفركشه تعني عطله عن متابعة مشيه وجعله يتعثر. وتقول العامة بصدد طريقة أخرى في شرب الماء زرنق وزمرق أي شرب على نحو مغاير للعادة بحيث يسيل الماء من وعاء في الأعلى إلى حلقه. وسرسق تسرب. وبربع جسده أي تفقع وعلت مواضع من جلده. وبرجم الحديدة رأبها وثبتها بالمسمار والمطرقة. ونكرزه عمد إلى مضايقته بقدر من المداعبة والممازحة فيما يطلق عليه النكرزات. والبربسة ولا سيما عند النساء تعني الإفراط في النظافة إلى ما يقارب الهوس. وجردمه أي قص لـه شعر رأسه بشكل اعتباطي يشوه منظره. والخربشة أو الخربشات ما تخطه أيدي الأطفال من كتابات ورسوم رديئة... وتفرعط الجمع إذا تشتت أفراده وتفرقوا سريعاً على غير هدى أو نظام. والدردشة الأحاديث العابرة المتبادلة بعيداً عن التركيز والعمق... وطرمخ، ومنها تطرمه أي اشتد به الإعياء وكأنه ضرب على مخه أو قحف رأسه. وعربق ومنها تعربق الأمر، إذا اضطرب وتعقد وانتكث فتله.

وواضح أن هذه زمر لفظية يجمعها قاسم مشترك هو حضور الراء فيها جميعاً. ويلاحظ أنها في معظمها أفعال، أي أنها تفيد معاني الحدوث والفعل والحركة. وحرف الراء فيها، تبعاً لنطقه وكونه صوتاً مجهوراً مكرراً، فإن وجوده في اللفظ يزيده إيحاء بالحركة ودلالة على الحدوث، وذلك من منطلق محاكاة الصوت في الطبيعة، وآية ذلك كما هو معروف ألفاظ مثل خرير وزئير وشخير... فهذا لإيحاء لا يتأتى بغياب الراء عن الأفعال فقع وطبش وخمش بل يتأتى بحضورها في الكلمة حين نقول: فرقع وطربش وخرمش.... وعلى هذا الغرار توحي الألفاظ المشابهة مثل: بربر وشرشح وخربط وطفشر بدلالات خاصة بفضل الراء فيها.

ولما كانت "اللغة ـ في البدء ـ أصواتاً يعبر به كل قوم على أغراضهم" وكانت بذلك تلبية لحاجات تعبيرية في حياتهم، من منطلق أن الحاجة أم الاختراع، فقد عمد الناس إلى إغناء لغتهم بالعديد من الألفاظ المستحدثة، ومن ثم حشوها ببعض الحروف المجهورة وذات النبر والتكرير، قاصدين بذلك ما يرمون إليه من دقة منشودة في التعبير عن غاياتهم والإفصاح عن أفكارهم. وكان أن هداهم حسهم السليم وفطرتهم الخالصة وذائقتهم المرهفة، إلى أن صوت الراء هو القادر على إبلاغهم مقصدهم، فارتضوه دون سائر الحروف، ومن حيث لا يقصدون، تبعاً لطبيعته الصوتية التكريرية ومن التكثيرية، وجعلوه في صلب جملة من الكلمات وجمهرة من الألفاظ.

ومجمل القول إن كل ما سبق وروده إنما هو مصداق لما كان يردده علماء العربية من أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على ألسنة العرب. كما أن ذلك يشير في الوقت نفسه إلى تنوع وظائف هذا الحرف وتعددها، على نحو يشمل العديد من اللغات واللهجات عربيها وأجنبيها، وبذلك تتبدى الراء حرفً متميزاً له خصائصه ودلالاته دون سائر الحروف.

س ـ منزلة الراء في جذور الألفاظ العربية وقوافي الأشعار:

تعاظمت النزعة الإحصائية في الدراسات اللغوية الحديثة بفضل التقدم التكنولوجي الباهر واختراع أجهزة الحاسوب والكمبيوتر، فضلاً عن أجهزة التسجيل الصوتي وقياس الذبذبات وما إلى ذلك. وتمت معرفة أعداد مفردات اللغة وجذورها في آيات القرآن الكريم وفي مجموعة حسنة من معاجم العربية وكتب الأدب ودواوين الشعر العربي([72]).

ويظهر إحصاء الجذور في معجم تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري أنها "بلغت 5639 خمسة آلاف وستمئة وتسعة وثلاثين جذراً، وأن حرف الراء في هذه الجذور بلغ 1003 ألفاً وثلاث مرات، وهي النسبة العليا بين سائر الجذور، أي أن حرف الراء هو الأكثر وروداً في ألفاظ العربية قاطبة. يليه في ذلك حرف الميم 837 مرة، فالنون 818 مرة، فاللام 804 مرات"([73]).

وفي هذا الإحصاء تفصيل لما سبق أن أورده على نحو مجمل علماء العربية، وهو أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على الألسنة.

وانبرى عدد من دراسي العربية لإجراء إحصاءات أخرى مهمة بصدد جذور ألفاظ العربية([74])، وخلصوا إلى أن حرف الراء كان الأكثر عدداً، إذ بلغ 494 جذراً، يليه الميم 489، فاللام 462، فالباء 344، فالنون 344 إلخ...

وفي دراسة إحصائية أخرى([75]) للأشعار التي وردت في كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وقد بلغ عددها 7254 قافية. كان روي الراء في طليعة القوافي كثرة، إذ بلغ 1084 ألفاً وأربعاً وثمانين. ثم اللام 985، فالدال 803، فالباء 775، فالنون 753، فالميم 708.

وإذا مضينا في هذا الصدد، وعلى صعيد آخر، في تتبع مواقع الراء لدى شعراء العربية، واستشهدنا بقوافي الأشعار التي أثروها في نظم قصائدهم تجلت أمامنا معطيات جديرة بالاهتمام.

وقد اخترت أربعة دواوين، لأربعة شعراء، في أربعة عصور تمثل مجمل عصور الأدب العربي، وذلك في سبيل رصد القوافي الأكثر وروداً في قصائدهم، بقصد تبين موقع روي الراء في قوافيهم. وهم زهير بن أبي سلمى([76]) وأبو الطيب المتنبي([77]), وابن الوردي([78])، والشاعر القروي([79])، وذلك وفق الجدول التالي:

زهير

المتنبي

ابن الوردي