|
||||||
| Updated: Sunday, March 25, 2007 02:27 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
دخول بعض الصفات على بعض من خلال كتاب(الإبانة في اللغة للصحاري) ـــ د.سكينة محمود موعد([1]) مقدمة: يناقش هذا البحث مسألة دخول حروف الخفض بعضها مكان بعض، وذلك من خلال كتاب الإبانة في اللغة العربية لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، العماني، وهو من صُحار، وهي قصبة عُمان، وقد ولد في محلة عَوتب من صحار، وعاش في القرن الرابع الهجري، وامتدت به الحياة إلى أواخر النصف الأول من القرن الخامس، ووفاته وولادته لم تعرف على وجه الدقة([2]) وكتابه الإبانة يضمّ ثروة لغوية وصرفية ونحوية ثمينة، ويضم ألواناً من علوم العربية والتفسير، وهو مما يدل على غزارة علمه([3]). ومهما يكن من أمر فهذا البحث سيعرض لجهود الصحاري في دخول حروف الخفض بعضها مكان بعض، وسيحاول مناقشة هذه ا لظاهرة، ومقارنة ما جاء به الصحاري بجهود علماء آخرين من الذين تحدثوا عن هذه الظاهرة اللغوية، من أمثال ابن قتيبة في (أدب الكاتب)، والزجاجي في (حروف المعاني)، وابن جني في (الخصائص)، والهروي في (الأزهية)، وابن الشجري في (الأمالي)، وابن سيده في (المخصص)، وابن هشام في المغني وغيرهم. ومن الجدير ذكره أن بعض العلماء لا يقرّ بذلك، لأنه يحمل القضيّة على بابٍ آخر من أبواب العربية وهو باب " التضمين" تحدّث الصحاري في الإبانة عن ظاهرة دخول بعض الصفات على بعض، وعنى بالصفات حروف الجر، وهذا المصطلح، أي: الصفة هو من مصطلحات الكوفيين، وقد عنوا به الظرف، أو حرف الجر([4]). وسأعرض لهذا وفق ما يأتي مراعية ترتيبه في كتابه المذكور: 1 ـ (مِنْ): * ـ قال: "و(من) يجيء في موضع الباء، قال تعالى: )يحفظونَهُ مِنْ أمرِ الله([الرعد/ 11]، أي: بأمر الله، )ويلقي الرّوحَ مِنْ أمْرِهِ([غافر/ 15]، أي: بأمره، و)مِنْ كلِّ أمْرٍ* سَلامٌ([القدر/ 4، 5]، أي: بكل"([5]). وما ذكره الصحاري ساقه القرطبي، غير أنه ذكر وجهاً آخر، وهو أن يكون في الآية بمعنى (عن)، قال: و"(من) بمعنى الباء، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: (من) بمعنى (عن)، أي يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول، أي حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهذا قول الحسن، تقول: كسوته عن عري ومن عري، ومنه قوله عز وجل: )أطعمَهُمْ مِنْ جوعِ([قريش/ 4] أي عن جوع"([6]). * ـ ذكر أن (مِنْ) تكون مكان (في)، كقوله تعالى: )ماذا خلفوا مِنَ الأرض([فاطر 40]، أي: في الأرض([7]). * ذكر أن (من) تأتي مكان (على)، كقوله تعالى: )ونَصَرْنَاه مِنَ القومْ( [الأنبياء/ 77]، أي: على القوم([8]). وقد ذكر أبو حيان أنه عدّاه بـ (مِنْ) لتضمنه معنى (نجيناه)([9]). وذكر في قوله تعالى: )والذينَ هُمْ لِفرُوجهم حَافِظونَ* إلاّ على أزواجهمْ([المؤمنون 5 ـ 6] أنّ حفظ لا يتعدى بـ (على). فقيل: على بمعنى من، أي: إلا من أزواجهم، كما استعملت (من) بمعنى (على) في قوله: )ونصرناه من القوم( أي على القوم قاله الفراء، وتبعه ابن مالك وغيره. والأولى أن يكون من باب التضمين ضمّن (حافظون) معنى: ممسكون أو قاصرون وكلاهما يتعدى بـ على([10]). 2 ـ (عن): * ـ ذكر أن (عن) تقع مكان الباء، يقال: رميتُ عن القوس، يعني: بالقوس، قال امرئ القيس:([11])
أي: تصدّ بأسيل. وقوله تعالى: )وَما ينطِقُ عَن الهَوَى( [النجم 3]، أي: بالهوى([12]). وقد ذكر القرطبي قول قتادة: وما ينطق بالقرآن عن هواه (إن هو إلا وحي يوحى( إليه. وقيل: (عن الهوى) أي بالهوى، قال أبو عبيدة: كقوله تعالى: )فاسأل به خبيرا( أي: فاسأل عنه. وقال النحاس: قول قتادة أولى، وتكون (عن) على بابها، أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل ، لأن بعده: (إن هو إلا وحي يوحى)([13]). * ذكر الصحاري أن (عن) تأتي مكان (على)، من ذلك قول ذي الإصبع العدواني:([14])
أي: لم تفضل في حسب عليّ. ومنه قول قيس بن الخطيم:([15])
أي: على ذي سامه([16]). وقد ساق ابن الشجري ما ذكره الصحاري، وقد جعل منه أيضاً قوله تعالى: )وَمَنْ يَبْخَلْ فإنّما يَبْخَلُ عَنْ نفْسِهِ([محمد/ 38].([17]). وأما الزجاج فقد جعل مجيء (عن) بمعنى (على) محمولاً على المعنى، فالفعل (أحببت) في قوله: )فَقالَ إنّي أحببتُ حُبّ الخَيْرِ عَنْ ذِكرِ ربِّي([ص/ 32] حمله على معنى (آثرت)([18]). * ـ ذكر الصحاري أن (عن) تأتي مكان (بعد)، منه قول الحارث بن عبّاد:([19]).
أي: بعد حيال. ومنه قول امرئ القيس:([20])
ومنه أيضاً:([21]) ومنهلٍ وردتهُ عن منهل أي: بعد منهل. وقال النابغة الجعدي:([22])
أي: بعد عقم([23]). وقد ساق ابن الشجري ما ذكره الصحاري، وزاد عليه قوله: "ومثله في التنزيل: )لترْكَبُنَّ طبَقا عَنْ طبَقِ([الانشقاق/ 19] أي: حالاً بعد حال، ومنه قولهم: سادوك كابراً عن كابر، أي: كبيراً بعد كبير"([24]). وما ساقه ابن الشجري فيه نظر، فقد ذكر ابن هشام أنها تأتي مرادفة (بعد)، نحو: )عمَّا قليلٍ ليُصبحُنَّ نادمينَ([المؤمنون/ 40]، )يُحرِّفونَ الكَلِمَ عَنْ موَاضعِهِ([النساء/ 46]، بدليل أن في مكان آخر: )مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه( [المائدة/ 41]، ونحو: )لترْكَبُنَّ طبقا عَنْ طبَقٍ( [الانشقاق/ 19]، أي حالة بعد حالة([25]). وذكر العكبري أنّ (طبقاً)ن مفعول، و(عن) بمعنى بعد، ثم قال: "والصحيح أنها على بابها وهي صفة: أي طبقاً حاصلاً عن طبق: أي حالاً عن حال، وقيل: جيلاً عن جيل"([26]). * ذكر أن (عن) تكون مكان (من أجل)، من ذلك قول لبيد: ([27])
أي: من أجله. ومنه قول النّمر:([28])
أي: من أجل ذات ألوية([29]). ومجيء (عن) بمعنى (من أجل) أشارت إليه بعض كتب التفسير، فقد ذكر البغوي في قوله تعالى: )يؤفّكُ عَنْهُ مَنْ أفِكَ( [الذاريات/ 9] إنه قيل "عن" وبمعنى: من أجل، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه عن الإيمان من صرف. وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول مجاهد([30]). * ـ ذكر الصحاري أن (عن) تأتي مكان (من)، من ذلك قول ساعدة بن جؤية:([31])
يريد: أمنك البرق؟.([32]). وما ذكره الصحارى صحيح، فقد قال الأزهري في التهذيب: "وقال أبو عبيدة في قول الله جلّ: )وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبَة عَنْ عِبادِهِ( [الشورى/ 25]، أي: من عباده. أبو عبيد عن الأصمعي: حدّثني فلان من فلان، يريد: عنه، ولهيتُ من فلان وعنه. وقال الكسائي: لهيتُ عنه لا غير. وقال الأصمعي: لهيتُ منه وعنه، وقال: عنك جاء هذا، يريد: منك"([33]). 3 ـ (في): * ـ ذكر الصحاري أن (في) تدخل مكان (على)، قال: "تقول: لا يدخل الخاتم في إصبعي، أي: على إصبعي، قال الله تعالى: )ولأصلّبنّكم في جدوعِ النّخل([طه/ 71]، أي: على جذوع النخل، وقال الشاعر:([34])
وقال عنترة:([35])
أي: على سرحة من طوله"([36]). وما ذكره الصحاري ساقه ابن الشجري، وزاد عليه قوله تعالى: )أم لهُمْ سلّم يستَمِعُونَ فيهِ( [الطور/ 38]، أي: عليه([37]). * ذكر أنّ (في قد تأتي مكان (إلى)، منه قوله عزّ وجلّ: )فردّوا أيديِهُمْ في أفواهِهِمْ([إبراهيم/ 9]، أي: إلى أفواههم، ومثله: )فتهاجروا فيها([النساء/ 97]، أي: إليها([38]). وما قاله الصحاري ذكره ابن الشجري، وزاد عليه محتجاً بقول علقمة بن عبدة:([39])
أي: إلى الحسان([40]). * ذكر أنّ (في) تأتي مكان الباء، ومنه قول زيد الخيل: ([41]).
أي: بصيرون بطعن. وقال آخر:([42])
أي: خضخضْنَ بنا. وقال الأعشى:([43])
أي: إذا سئل بكتب الأنبياء أجاب.([44]). وقد أعاد الصحارى كلامه على مجيء (في) مكان الباء بعد صفحة واحدة، واحتج بشاهد واحد، وهو قول رجل في ابنته([45]):
فقال: أرغب فيها، يعني بنتاً له، أي: بها، فأقام صفة مقام صفة([46]). وأما ابن جني فله آراء سديدة في هذه المسألة، إذ يخرج العديد من الشواهد على حذف مضاف، ففي قول أبي ذؤيب([47]):
يقول: "أراد: يعثر بالأرض في حد الظبات؛ أي وهن في حد الظبات؛ كقولك: خرج بثيابه؛ أي وثيابه عليه، وصلى في خفيه؛ أي وخفاه عليه. وقال تعالى: )فخَرَج على قومِهِ في زينَتِهِ( [القصص/ 79] الظرف إذا متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من الضمير؛ أي يعثرن كائنات في حد الظبات"([48]). وفي قول بعض الأعراب:
يقول: "فإنه يريد بأم: سلمى، أحد جبلي طيئ. وسماها أمّا لاعتصامهم بها وأويهم إليها. واستعمل (في) موضع الباء أي نلوذ بها؛ لأنهم إذا لاذوا بها فهم فيها لا محالة؛ إذ لا يلوذون ويعصمون بها إلا وهم فيها؛ لأنهم إن كانوا بُعداء عنها فليسوا لائذين بها، فكأنه قال: نسمُك([49]) فيها ونتوقل فيها. فلأجل ذلك ما استعمل (في) مكان الباء. فقس على هذا؛ فإنك لن تعدم إصابة بإذن الله ورشدا"([50]). * ـ تحدّث عن (في) فقال إنها تأتي بمعنى (مع)، كقوله عزّ وجلّ: )وأدخلني برحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالحينَ( [النمل/ 19]، أي: مع عبادك، ومثله: )لندخلَنّهم في الصّالحينَ( [العنكبوت/ 9]، ومثله: )فادْخُليِ في عِبادِي( [الفجر/ 29]، ومثله: )وما كانَ الله لِيُعَذبهُمْ وأنتَ فيهمْ( [الأنفال/ 33]، كل هذا بمعنى (مع). *وقال امرؤ القيس([51]):
ويقال: فلان عاقل في حلم، أي: مع حلم. وقال آخر:([52])
أي: مع الغرانيق، وهي طير الماء([53]). ومن الجدير ذكره أن بيت امرئ القيس الذي ساقه الصحاري احتج به بعض العلماء على أنّ (في) بمعنى (من)، قال البغدادي في الخزانة: "قال العسكري ـ نقلاً عن الأصمعي وابن السكيت ـ يقول: كيف ينعم من كان أ قرب عهده بالرفاهية ثلاثين شهراً من ثلاثة أحوال، على أن (في) بمعنى (من). ثم قالا: وقد تكون بمعنى (مع)، قال ابن السيد: وكونها بمعنى "مع" أشبه من كونها بمعنى من([54]). ورواه الطوسي: أو ثلاثة أحوال. وكل من فسره ذهب إلى أن الأحوال هنا السنون جمع حول. والقول فيه عندي أن الأحوال هنا جمع حال، وإنما أراد كيف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهراً وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح عليه، وملازمة الأمطار له، والقدم المغير لرسومه. فتكون (في) هنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرت عليه ثلاثة أشهر في نعيمة. أي: وهذه حاله"([55]). وأما ابن جني فقد قال في بيت امرئ القيس: "قالوا: أراد مع ثلاثة أحوال. وطريقه عندي أنه على حذف المضاف؛ يريد: ثلاثين شهراً في عقب ثلاثة أحوال قبلها. وتفسيره: بعد ثلاثة أحوال. فالحرف إذاً على بابه؛ وإنما هنا حذف المضاف الذي قد شاع عند الخاص والعام"([56]). وما ذكره الصحاري نراه عند الهروي في الأزهية، غير أن الهروي، لم يحتج بقول امرئ القيس، وقد زاد شواهد أخرى، كقوله تعالى: )أولئِكَ الذينَ حقَّ عليهم القولُ في أمَمٍ قدْ خلتْ مِنْ قبلِهمْ([الأحقاف/ 18]، يعني: مع أمم وقوله: )وأَدْخِلْ يَدَكَ في حَبيكَ تَخْرُجْ بَيْضاَءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ في تسعِ آياتٍ([النمل/ 12]، أي: مع تسع آيات، وقول النابغة الجعدي([57]):
أي: مع بركه.([58]). وقول درّاج بن زُرعة([59]):
أراد: مع ظغائن([60]). * ـ ذكر أن (في) تكون مكان (عن)، كقوله تعالى: )ومَنْ كَانَ في هذه أعمى فهو في الآخرَةِ أعمى([الإسراء/ 72]، قال: "تقول في هذه الأيام"([61]). وقال الزركشي: "أي: عن النعيم الذي قلناه ووصفناه في الدنيا فهو في نعيم الآخرة أعمى إذ لم يصدق"([62]). * ـ ذكر أنّ (في) تكون مكان (من)، كقوله تعالى:)ويَومَ نَبْعَثُ في كلِّ أمةٍ شَهيدًا( [النحل/ 89]، أي: من كلّ أمة([63]). * ـ ذكر أنّ (في) تكون بمعنى (عند)، كقوله تعالى: )قد كنْتَ فينَا مَرْجواً([هود/ 62]، أي: عندنا، ومثله: )وإنّا لنَراكَ فينَا ضَعيفاً([هود/ 91]([64]). وقد ذكر أبو حيان في البحر أنّ بعض البغداديين زعم في قوله تعالى: )حتّى إذا بلغَ مَغْربَ الشمسْ وجَدَها تَغْربُ في عيْنٍ حمئةٍ( [الكهف/ 86] أن (في) بمعنى (عند) أي: تغرب عند عين([65]). ومجيء (في) بمعنى (عند) ذكره البغدادي في قول طرفة([66]):
قال: "وقوله: في قومهم في بمعنى عند، والظرف متعلق بزادوا، والتقدير: ثم زادوا عند قومهم بأنهم غفر ذنبهم غير فخر"([67]). 4 ـ إلى * ـ ذكر أنّ (إلى) تأتي مكان (في)، تقول: جلستُ إلى القوم، أي: فيهم، قال النابغة([68]):
يريد: في الناس. وقال طرفه([69]):
أي: في ذروة البيت الذي يصمدُ إليه ويُقصد([70]). * ـ ذكر الصحاري أنّ (إلى) تأتي مكان (من)، قال ابن أحمر([71]):
أي: مني([72]). * ـ ذكر الصحاري أنّ (إلى) تكون مكان (عند)، يقال: هو أشهى من كذا، أي: عندي، قال أبو كبير([73]):
أي: عندي وقال الراعي([74]):
أي: عندي. وقال النابغة الجعدي([75])
أي: عندها. وقال حميد بن ثور([76]):
أي: عندي([77]). * ـ ذكر الصحاري أنّ (إلى) تأتي بمعنى (مع)، كقوله عزّ وجلّ: )ولا تأكلوا أمْوَالهُمْ إلى أمْوَالِكُمْ([النساء/ 2]، أي: مع أموالكم، وقوله تعالى:)منْ أنْصَاري إلى الله( [آل عمران/ 52، والصف 14]، أي: مع الله، وقوله تعالى: )وإذا خََلوا إلى شيَاطينِهِمْ( [البقرة/ 14]، أي: مع شياطينهم. وقول الأعشى([78]):
أي: مع تاجر. ويقال: فلان عاقل إلى حسبٍ ثاقبٍ، أي: مع حسَبٍ. وقول ابن مُفرّغ([79]):
أي: مع اللّمام. وقول ذي الرّمة([80]):
أي: مع كلّ صعلة. وقولهم: الذودُ إلى الذّود إبل، أي: مع الذود([81]). وقد ذكر الهروي ما ساقه صاحب الإبانة من آيات، إضافة إلى بيت مفرّغ، وزاد عليه قول امرئ القيس([82]):
وأما ابن الشجري فقد ساق الآيات ذاتها التي احتج بها صاحب الإبانة([84]). وأما ابن جني فله كلام جيّد في توجيه قوله تعالى: )مَنْ أنصاري إلى الله(، فقد ذكر أن قول المفسرين إنّ (إلى) بمعنى: (مع الله) ليس أنّ (إلى) في اللغة بمعنى (مع)، ألا تراك لا تقول: سرتُ إلى زيدٍ، وأنت تريد: سرتُ مع زيدٍ، هذا لا يعرف في كلامهم، وإنما جاز هذا التفسير في هذا الموضع؛ لأن النبي إذا كان له أنصار فقد انضمّوا في نصرته إلى الله، فكأنه قال: مَنْ أنصاري منضمين إلى الله، كما تقول: زيد إلى خيرٍ وإلى دعةٍ وستر، أي: آوٍ إلى هذه الأشياء ومنضم إليها، فإذا انضمّ إلى الله فهو معه لا محالة، فعلى هذا فسّر المفسرون هذا الموضع([85]). 6 ـ الباء: * ـ ذكر الصحاري أن الباء تقع مكان (عن)، وذلك بعد السؤال، قال الله عزّ وجلّ: )الرّحمنُ فاسألْ به خبيراً([الفرقان/ 59]، أي: عنه، ويقال: أتينا فلاناً نسألُ به، أي: عنه، وقال علقمة بن عبده([86]):
وقال ابن أحمر([87]):
وقال الأخطل([88]):
وقال مالك بن حريم([89]):
وقد ذكر الهروي وابن الشجري شواهد أخرى، من ذلك قول النابغة([91]):
أراد: زال النهار عنّا([92]). وقد ساق البغدادي بيت النابغة، غير أنه جعل الباء فيه مكان (على)([93]). * ـ ذكر الصحاري أنّ الباء تكون مكان (مِنْ)، منه قول العرب: شربتُ بماء كذا، أي: من ماء كذا، وقال تعالى: )عَيْنّا يشْرَبُ بها عِبَادُ الله([الإنسان/ 6]، أي: منها، وقال أبو ذؤيب ـ وذكر السحاب ـ([94]):
أي: شربنَ من ماء البحر، وقال عنترة([95]):
وقد ساق ابن جني بيت أبي ذؤيب، وذكر أنّ بعضهم يجعل الباء واقعة موقع (من)، وهو لا يرى هذا، قال: "الباء فيه زائدة، ومعناه: شربنَ ماءَ البحر، هذا هو الظاهر من الحال، والعدول عنه تعسف"([97]). وأما الفراء فقد قال عند قوله تعالى: )وعَيْنا يَشْرَبُ بِهَا([الإنسان: 6]،: "يشرب بها" و"يَشرَبُهَا" سواء في المعنى، وكأن يشرب بها: يَروىَ بها، وينفَع. وأما يشربونها فبيّن، وقد أنشدني بعضهم:
|