مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 105 السنة السابعة والعشرون - كانون الثاني 2007 - المحرم 1428
Updated: Wednesday, August 29, 2007 03:47 AM
فهرس العدد
 

التنظير الجمالي عند الأب جبرائيل رباط 1889 ـ 1935 ـــ د.سعد الدين كليب(*)

لم يشكل المبحث الجمالي الفلسفيّ ملمحاً لافتاً للنظر، عند المنوّرين العرب، على الرغم من التنوّع والتعدّد في المجالات التي اهتمّوا بها، أو انصرفوا إليها بالتفكير والتنظير اجتماعياً وسياسياً وثقافياً؛ كذلك على الرغم من عنايتهم الكبرى بالأدب إبداعاً ونقداً.‏

سواء أكان ذلك بإحياء الشعر أم بإنشاء أجناس أدبية جديدة لم يألفها الأدب العربيّ من قبل، كالمسرحية والرواية؛ وعلى الرغم أيضاً من الاتساق العام في النظرة الجمالية التي انطلق منها المنوّرون في تناولهم للجمال في الحياة والفنّ أو الأدب، وللعلاقة بين المتعة والفائدة، والأدب والأخلاق والمجتمع، ومسألة الصدق في الأدب.. ممّا يدخل في التفكير الجمالي الأدبيّ أكثر مما يدخل في علم الجمال، ولا سيمّا أن تلك المسائل ذات صلة وثيقة بالأدب وعلاقته بالمجتمع.هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ تلك المسائل غالباً ما كانت تطرح بشكل عرضيّ أو جزئي أو دعوي أو ذوقي، بحيث لا يستدعي تنظيراً أدبياً أو جمالياً معمّقاً إلا باستثناءات محدودة، من مثل ما فعله البستانيّ في مقدّمته للإلياذه. ولعلّ ذلك يعود إلى أن النقد الأدبيّ لم يكن قد وصل إلى مستوى التخصّص الذي يمكن أن ينهض به هذا أو ذاك من النقّاد. فقد كان النشاط النقديّ موزّعاً، في الأعمّ الأغلب، بين الشعراء والأدباء والكتّاب(1). وقد يكون قسطاكي الحمصي، في كتابه منهل الورّاد في علم الانتقاد الصادر سنة 1907، أول الداعين إلى اعتبار النقد علماً قائماً بذاته، وإن بقيت دعوته صرخة في وادٍ فترة من الزمن.‏

ولكن إذا كان النقد الأدبيّ، بصرف النظر عن طبيعته ومنهجيته قد وجد العناية والاهتمام لدى المنوّرين، فإنّ المبحث الجمالي الفلسفي لم يجد من الاهتمام ما يجعله ملمحاً من ملامح فكر التنوير العربيّ، بخلاف عصر التنوير الأوروبي الذي قدّم الكثير الكثير من الأبحاث الفلسفية الجماليّة التي أدّت إلى تبلور علم الجمال مفهوماً ومصطلحاً وموضوعاً.‏

أما على المستوى العربي فقد يكون الأب جبرائيل ربّاط، من أوائل الذين اشتغلوا في هذا المجال، وذلك في دراسته المعنونة بـ : "بحث فلسفيّ في الجمال والصناعة" المنشورة في مجلّة العاديات السورية، سنة 1932.‏

وعلى الرغم من أننا لا نجازف في القول إن هذا البحث هو الأول من نوعه في الدرس الجمالي العربي، في القرن العشرين، فإننا نركن إلى اعتباره واحداً من أوائل الأبحاث الفلسفية الجمالية العربية، في ذلك القرن، أو منذ فجر التنوير العربي. إذ إنّ الإقرار بأنه البحث الأول من نوعه، يحتاج منّا إلى تنقيب مضنٍ في بطون الكتب والمجلات خاصة، على نطاق المنطقة العربيّة، وهو ما يعجز عنه باحث فرد. وعلى أية حال، فإن ما بين أيدينا يؤكد أنه واحد من الأبحاث العربية الرائدة، في علم الجمال. وفي هذا كفاية للعناية به ودراسته وتحليله. ولكن قبل ذلك، لابدّ من التعريف بالأب جبرائيل رباط سيرة ذاتية وثقافيّة(2).‏

ولد جبرائيل رباط في حلب سنة 1889 ودرس في مدرسة القديس نقلاوس ومدرسة اليسوعيين بحلب، ثم دخل في الرهبانيّة اليسوعيّة، وقد أظهر ولعاً بالخطابة حتى لُقّب بأمير منابر حلب. وحين شغر كرسيّ حلب الأسقفيّ نودي به مديراً لأسقفيّة القديس نقلاوس.. غير انّه تنحّى عن ترشيح نفسه خشية الانقسام في الكلمة على التصويت. ثم انصرف إلى النشاط الأهلي فأسهم في عدد من النوادي والجمعيّات. وعلى رأسها جمعيّة العاديات السورية التي ترأس إدارتها سنة 1933. وكان عضواً في المجمع العلمي العربي فرع حلب، كما نال وسام الاستحقاق من الحكومة السورية سنة 1931. غير أنه مات فجأة وهو في شرخ الشباب، وذلك في 20 أيلول من عام 1935. وقد خلّف وراءه عدداً محدوداً من المقالات والأبحاث باللغتين العربية والفرنسية، معظمها منشور في مجلة العاديات السورية. نذكر منها: أسوار حلب وأبوابها، والشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري، وجوامع حلب، ووصف حلب طبقاً للأمثال الدراجة في حلب... إلى آخر ما هنالك من مقالات ذات موضوعات أثريّة وتاريخيّة، أما دراسته المعنونة بـ: بحث فلسفيّ في الجمال والصناعة فهي من أهمّ ما كتب من حيث الحجم والمعالجة والموضوع. وقد نشرت في مجلّة العاديّات السورية، سنة 1932، على مدار خمسة أعداد، وهي: العدد الثالث، والسابع والثامن (مزدوج)، والتاسع والعاشر (مزدوج). وتتألف من اثنتين وثلاثين صفحة من القطع الكبير، توزّعت على مقدمة وثلاثة أقسام، أو كما يقول الأب رباط: "هذا بحث أردنا أن نغمز قناته، فكان لهيكله عطفان ورأس: عطف أول وفيه بحث فلسفي في الجمال، وعطف ثانٍ وفيه تعريف الصناعة أو الفنّ، وأما الرأس فهو أطروحة في مناسبات الجمال والفنّ"(3).‏

واضح من هذا التقسيم أن الأب رباط يحاول أن يحيط بموضوع علم الجمال وجوانبه المتعدّدة، فيتوقّف عند تحديد مفهوم الجمال وشواهده الطبيعيّة والفنيّة، وعلائقه بكلّ من اللّذة والحواس، والحقّ والخير والمنفعة، إضافة إلى عناصره المقترحة كالنظام والكمال والوحدة.. وصولاً إلى تعريف محدّد للجمال. ويتوقّف كذلك عند مفهوم الفنّ، فيميّز بين ثلاثة معانٍ للفنّ، ليصل إلى تحديده من خلال العلاقة بين الفنّي والنفعيّ أو من خلال غائيّة الفنّ، ثمّ يتكلّم على المثال الذهنيّ (أو المثل الأعلى الجمالي) والقالب الفنّي المحسوس، وطبيعة العلاقة بينهما؛ ومنها ينتقل إلى الحديث عن العلاقة بين الطبيعة والفن وموضوعه المحاكاة وأبعادها الجمالية ومدى استقلال الفن عن الطبيعة. ثمّ يتوقّف عند الأدب وشرائطه الإبداعيّة والفنيّة.. وما إلى ذلك من مسائل تدخل في صلب علم الجمال واهتماماته ولا سيما في القرن التاسع عشر. ويعالج الأب رباط في غضون ذلك جملة من القضايا والمسائل الجماليّة الأخرى، كأنواع الفنون وعلاقتها بالحواس، والفرق بين الفن والعلم، والفن والأخلاق والفرق بين لذة الجمال ولذة المعرفة.. أي أنّ الرجل لا يكاد يترك، في بحثه الموجز، مسألة من مسائل علم الجمال، كما عرفه، إلا وقد أشبعها بحثاً أو توقّف عندها أو أشار إليها. وكأنّه موكّل في بحثه هذا، بتعريف أبناء جيله، بعلم جديد نسبياً، وبمجالاته الدرسيّة وفوائده المعرفية. ومع أن الأب رباط لا يعلن عن ذلك صراحة أو لا يدّعيه أصلاً، فإن الكثرة الكاثرة من المسائل التي تعرّض لها، في بحث مختصر جداً، توحي بأنّه يهدف إلى ذلك التعريف، وأنه ينبه على علم لم ينتبه معاصروه إليه، أو لم يعطوه ما يليق به من الاهتمام والعناية على أقّل تقدير. ولعلّ ما يدعم ذلك أن الرجل لا يشير إلى أي دراسة عربية سابقة ـ إن وجدت ـ في مجال بحثه. صحيح أنه لم يشر أيضاً إلى أي مصدر غربيّ استقى منه هذا العلم أو استفاد منه في هذا الرأي أو ذاك، غير أن مصادره الغربية يمكن تحديدها بشيء من التدقيق أو المراجعة مما سوف نشير إليه لاحقاً.‏

ولكن إذا كان الأب رباط لم يجد بين مجايليه ومعاصريه من سبقه إلى البحث في هذا العلم، حتى يستفيد منه، فاندفع إلى المصادر الغربية، مستفيداً دونما توثيق، فإن من حقّ الباحث أن يتساءل عن مدى إفادة الأب رباط من الفكر الجمالي العربي ـ الإسلامي. والحق أننا لا نجد إلا أصداء باهتة، من ذلك الفكر في هذا البحث، ولعلها تعود إلى التأثر العرضيّ أو العفوي اكثر مما تعود إلى التأثر الواعي الممنهج. وقد لا يكون ثمة غرابة في ضآلة تلك الإفادة. إذ إنّ الأب رباط تعرّف إلى علم الجمال بوصفه علماً غربيّ النشأة والتبلور. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الفكر الجماليّ العربي ـ الإسلامي كان مندرجاً، شأنه شأن سواه من أشكال الفكر الجمالي الإنساني عامة، في ثنايا المراجع المعنيّة بالفكر والفلسفة والتصوّف والنقد الأدبي، بطرائق لا تلفت إلا نظر الباحث المعنيّ بعلم الجمال. أي أن الأب رباط قد دخل إلى علم الجمال من الباب الغربيّ. هذا الباب الذي طوّر الدرس الجماليّ، وجعله علماً قائماً بذاته، من دون أن يعني ذلك إطلاقاً أنه علم غربيّ. ولا شكّ في أن الأب رباط كان معنياً، كغيره من المنوّرين، بالمثاقفة مع الغرب الأوروبي، في سعي من المنوّرين عموماً إلى النهوض بالمجتمع على مختلف الأصعدة، والخروج من ربقة التخلّف والانحطاط الحضاري. وما بحثه الذي بين أيدينا إلا شكل من أشكال تلك المثاقفة وذلك السعي.‏

لقد احتوى هذا البحث، كما أسلفنا، على جملة من القضايا والمسائل الجمالية التي تشكل موضوع علم الجمال بجوانبه المختلفة. وقد حاول الأب رباط أن يطرح، من خلالها، رأيه في الجمال والفن والمثل الأعلى الجمالي و علاقة الفن بكل من الطبيعة والنفس الإنسانية، مستفيداً ما أمكنته الاستفادة، مما وقع عليه، في المصادر والمراجع الغربيّة، الفرنسيّة خاصة، مراعياً في الوقت نفسه، الثقافة التي ينتمي إليها، والمرحلة الاجتماعية التي يعيشها، وطبيعة الذوق الجمالي السائد حينئذ. وهو ما نلحظه في ربطه بين الجمال والخير، وبين الفن والفضيلة، وبين المثل الأعلى والمجتمع... الخ. فماذا عن تلك المسائل والقضايا؟‏

في الطريقة والأدوات‏

يقرّر الأب رباط، في مطلع بحثه، الخطوات التي سوف يتبعها من أجل الوصول إلى تحديد الجمال الميتافيسيقي ـ بحسب تعبيره ـ مبتعداً عن سوق المعاني أو الآراء من الدارسين المتقدمين، وهي: الاستقراء والتحليل والذوق الشخصيّ. أو كما يقول: "بيد أننا لا نسلك إليه [إلى تحديد الجمال] السبيل مباشرة خيفة أن يظنّ المطالع أننا نشرع في سياق المعاني من المتقدم. ولهذا فإننا نؤثر طريقة الاستقراء بالملاحظة ونصرف في الطبيعة أعنّة الفكر سائلين النفس متى نقول عن الشيء بداهة إنه جميل وعن غيره إنه ليس بجميل، متى نقرّ لهذا بالقدم الفارعة في الجمال على ذاك"(4).‏

وتوكيداً للسير على تلك الخطوات، راح يعرض لبعض الشواهد والأمثلة الجماليّة المتنوعة من الطبيعة والفنّ، من مثل البناية الشائقة الجليلة (من فن العمارة)، والروضة التي صفا نسيمها (من الطبيعة)، والرواية الأنيقة (من الأدب)، والأغنية العذبة (من فن الغناء)، والزهرة اللطيفة والشراب اللذيذ (من الطبيعة)، ثم راح يستقرئ تلك الشواهد ويحلّلها بشكل موضوعيّ ممزوج بذوق شخصيّ، مستنتجاً أن "تلك أشياء حسنة تحدث البهجة واللذة"(5). مقابلاً إياها بما تنفر النفس منه كالكائن المنكر الطلعة والطعام الذي ينبو عنه الذوق، والرائحة الكريهة وما شابه ذلك من الشنيع المستقبح.‏

لقد ساق الأب رباط أمثلته الجمالية من فنون العمارة والأدب والغناء ومن الطبيعة بمستوياتها كالروضة والزهرة والشراب إضافة إلى فنون أخرى كالنحت والموسيقا والتصوير وتنسيق البساتين وسواها، على مدار بحثه. وذلك في سعي منه إلى استنتاج الأحكام وطرح الآراء وتعميق البحث عموماً. وهو ما أبعد بحثه في معظمه، عن التجريد الذي توسم به عادة الأبحاث الفلسفية في الجمال أو سواه.‏

ومع أن كثيراً من الآراء والاستنتاجات التي يتوصّل إليها الأب في بحثه، متداولة في مصادر علم الجمال، فإن الطريقة التي انتهجها جعلت تلك الآراء والاستنتاجات تبدو وكأنها متولّدة من استقراء الشواهد والأمثلة وحسب. وما هي كذلك في الكثير من الأحيان، كما سوف نلاحظ فيما يأتي.‏

غير أن إعلان الأب رباط عن تلك الطريقة في البحث، يدلل على انصرافه عن النزعة التأملية في وعي الجمال، وهي النزعة السائدة في مجمل الفكر الجماليّ القديم، وميله إلى النزعة التجريبية ـ العلميّة التي سادت في علم جمال القرن التاسع عشر. أي أنّ ابتعاده عن ((سياق المعاني من المتقدّم)) هو في واقع الحال نوع من الابتعاد عن التأمل الصرف، والميل إلى الوعي العلمي للظواهر المدروسة، وإن يكن على نحو أولي. حيث انطلق من الظاهرة إلى مفهوم، في مجمل بحثه، ومن الخاص إلى العام ومن الجزئيّ إلى الكلي. نلحظ ذلك في تحديد الفنّ وتحديد الجمال وتحديد العلاقة بينهما، والعلاقة بين المثل الأعلى والقالب المحسوس (الشكل)...الخ.‏

ولا بأس من الإشارة، في هذا المجال، إلى أن الأب رباط يعي جيداً موضوع علم الجمال وطرائق المعالجة الجماليّة للظواهر والأشياء في الطبيعة والفنّ. حيث ينهج علم الجمال ـ كما هو معلوم ـ منهجاً كليّاً عاماً يعنى بما هو جوهريّ أو مشترك بين الظواهر المندرجة تحت مفهوم محدّد، أو بين الفنون في خصائصها الكبرى... تاركاً ما هو فني خاص أو أسلوبي أو أجناسي لنظرية الأنواع والأجناس الفنيّة والأدبيّة والنقد الأدبيّ. وهو ما فعله الأب، في بحثه، حين ابتعد عن النقد الفنيّ أو النقد الأدبي، كما ابتعد عن التجريد الذهنيّ. وفي هذا ما يدلّل على وعيه لحدود علم الجمال وطرائقه في المعالجة. فهو، مثلاً، حين خصّص كلامه، في نهاية البحث، بالأدب، لم يتناول الجوانب اللغوية أو الإيقاعية أو البلاغية أو الموضوعاتية أو الأسلوبية... وإنما راح يعالج الإبداع أو الإنجاز الأدبي وشرائطه الذاتية والموضوعية ودواعيه الجمالية... مما يتقاطع مع الإبداع الفنيّ عامة.‏

غير أن وعيه موضوع علم الجمال وحدوده، لم يدفع به إلى تعريف هذا العلم تعريفاً نظرياً، وإن أشار إلى الفوائد المتحصلة منه كقوله: "فمن كان فنّه علم الجمال أو من كان له بعض الإلمام به كان صحيح الشعور فيه، بصيراً بجيده وفاسده، عليماً بمحاسنه ومساوئه... أما من كان خليّ القلب من الصناعة [أي من علم الجمال، بحسب ما يوحي به السياق] فلا إبداع له البتّة وإن قام للعمل فكثيراً ما يكون فاسد الفكر، شاذّ الشعور، علمه أوهن من خيط باطل"(6).‏

إن هذا المقبوس يحيل على أن الأب يرى في علم الجمال ضرورة قصوى بالنسبة إلى الأدباء والفنانين، في المقام الأول فهو الذي يمدّهم بالمعرفة والثقافة، ويبصرّهم بالصحيح والفاسد من الأعمال الفنية والأذواق الجمالية. غير أن هذا لا يعني ضآلة أهمية ذلك العلم بالنسبة إلى الناقد والمتلقّي عامة. إن ما يسري على المبدع يسري على المتلقي أيضاً. ولكن الأب يتحدث عن الفنان بوصفه أنموذجاً أرقى للإبداع وللتلقي معاً.‏

ومما يلفت نظر الباحث هو ذلك الاتساق في اللغة الاصطلاحية الدالة على المفهومات الجمالية الكليّة والجزئية، وتلك الدقّة العلمية في عدد من التحديات والتعريفات المطروح، بالرغم من ارتفاع وتيرة التعبيرات المجازية والكنائية والإنشائية خاصة. وإذا ما أشرنا إلى أن بعضاً من هذه التعبيرات يأتي في سياق تلك التحديدات، فإنه يصحّ القول إن ثمة نوعاً من الاضطراب في التحديد النظريّ، كما أن ثمة نوعاً من التهويم في وعي المفهوم أو الظاهرة، في بعض المواقع. من مثل كلامه على قوة الابتداه؟ هذا ما لا يتمّ وايم الحقّ إلا بخيال متوقد كالنار، يضاهي تصوّره البرق، وتباري أقلامه خواطره، فيكون سريع الإيجاد غزير المادة حاضر البيان تضارع تخيلاته النسيم"(7). أو كقوله في مفهوم النظام الذي يتوخاه رجل الفن: "أما الذي يتوخاه الكتبة فبحسب ما يفجره الله من ينابيع الحكمة في الأذهان، وبحسب ما يوافق لفيضان سيول البلاغة على اللسان، وما يفيد لإشراك الغير في لذة الحسان"(8).‏

ولا شك في أن ذلك لا ينفي ما ذهبنا إليه من أن ثمّة اتساقاً ودقة في الاصطلاح والتحديد، بشكل عام، لكنّه يدلّل على النزعة الأدبية التعبيريّة للمرحلة التي ينتمي إليها الأب رباط، وإن يكن قد بالغ كثيراً، بالمقارنة مع سواه، في نزعته تلك، ولاسيما على المستوى اللغوي.‏

في مفهوم الجمال:‏

إن مفهوم الجمال هو الأبرز من بين المفاهيم الجمالية المتعددّة التي تعبّر عن التنوّع في الظواهر الطبيعية والاجتماعية والفنية، من جهة، وتعبر أيضاً عن التنوع في أشكال التلقي الجمالي ـ الإنساني لتلك الظواهر من جهة أخرى. وبسبب من الأهمية القصوى لمفهوم الجمال فقد صرف الفكر الجمالي القديم انتباهه في الدرجة الأولى إلى هذا المفهوم، مغضياً عن بقية المفاهيم بدرجات متفاوتة. وتلك هي الحال في علم الجمال الحديث، في بعض مدارسه، حيث اعتبر الجمال هو المفهوم الأمّ، أما المفاهيم الأخرى فليست سوى تنويع على ذلك المفهوم، تختلف عنه في الدرجة لا في النوع.‏

أي أن إيلاء الجمال تلك الأهمية العليا أمر شائعٌ في تاريخ الفكر الجمالي وعلم الجمال. وهو ما سار عليه الأب جبرائيل رباط في بحثه هذا. حيث صرف جهده كله في تحديد الجمال بمختلف علائقه وعناصره وتبدياته، في حين أنه لم يشر، ولو إشارات عجلى، إلى بقية المفاهيم، ما خلا المفهوم المقابل للجمال، أي مفهوم القبح. وهو أمر طبيعي في مجمل الدراسات التي تتناول الجمال. إذ يبدو الكلام على القبح فيها، من قبيل ((والضدّ يظهر حسنه الضدّ)). أما الجلال فلم يحظ لديه إلا بتلميح عارض غائم.‏

إن أول ما يتحصل عليه الأب رباط، من شواهده وأمثلته الجمالية المتنوّعة هو أن الجمال ملذّ أو لذيذ، وأن القبح منفّر أو مكروه أو كما يقول: "يتحصل مما سبق أن الجمال يوقع اللذة وأما ما لا طلاوة فيه فلا يعقد عليه قلب وكل ما هو قبيح فمكروه، لا نصيب له سوى النَّبْوة والجفاء"(9).‏

أما مصادر تلك اللذة فنراها، بحسب تلك الأمثلة في المرئي والمسموع والمشموم والمذوق. ولكن اللذة وحدها لا تدلّل على وجود الجمال. إذ "قد تنالنا اللذة مما لا علاقة له بالخير ولا بالجمال"(10). ولهذا، فلا بد من الاحتراز في مسألة اللذة وعلاقتها بالجمال. فالجميل لذيذ غير أن اللذيذ ليس جميلاً بالضرورة. فمن المفترض أن تكون لذة الجمال لذة خيرية لا عكس ذلك. ولكن الأب رباط يحترز من الربط التامّ بين الجمال والخير وبين لذتيهما أيضاً. فإذا أمكن القول إن الجميل خيّر فلا يصحّ قول العكس، بالرغم من "أن كل موجود هو خير في العرف الفلسفيّ ولكن كلّ خير ليس بجميل. فالوالدة كلفة بصغيرها تتعشقّه وتهيم به لأنه عميد قلبها وإن كان جافي الخلْق تقذى به النواظر ولا يقف عليه الطرف قبحاً وسماجة فهو خير لها وإن كان ليس بجميل"(11).‏

وإذا لم يكن بالإمكان التوحيد بين لذة الجمال ولذة الخير (وبين الجمال والخير أيضاً)، فليس بالإمكان كذلك أن نوحّد بين لذة الجمال ولذة المعرفة التي موضوعها الحقّ. مع العلم أن الأب رباط يرى أن أصل لذة الجمال يكمن في المعرفة. يقول: "أما أصل لذة الحس فهو في المعرفة. لأن اللذة لا تدخل في طور المشاعر إلا بعد ولوجها باب الحواس والعقل بحيث إن ما غاب عن مرمى المدارك لا تتولاه لذّة الحس"(12). فاللذة الجمالية هي، إذاً لذة عارفة ترتقي فوق ما هو بيولوجيّ، من دون أن تفارقه مفارقة تامة. إنها جماع البيولوجيّ والنفسيّ والمعرفيّ. وبما أنها كذلك فلا يجوز التوحيد بينها وبين لذة المعرفة. إذ إنّ بعض أنواع المعرفة قد "لا تثير في الفؤاد إلا ما قلّ من البهجة والرَّوْح(13). أما المعرفة التي تؤدي إلى لذة الجمال فهي "تلك المعرفة التي تكون قد أسهرت لها القلب وتعهدّتها بالرويّة والنظر ولم تزل ترْبَع حِجْرها وتنقّب بصبر عن خافيها حتى تحسر عنها اللثام فتبدو لك شواكلها واضحة بيّنة... فلذّة الجمال إذاً تصدر عن أمر معرفة الروابط التي تقع في الأمر معرفة لا مساغ إليها إلا بالإغراق في البحث والتنقيب"(14).‏

يبدو واضحاً أن الأب لا يتحدث، في هذا المقبوس، عن اللّذة الجماليّة العارضة فحسب. بل يتحدث أيضاً عن التجربة الجماليّة التي تفترض الاستغراق النفسيّ والذهنيّ في الموضوع.وإن لم يكن قد استخدم مصطلح التجربة، غير أن كلامه على تلك اللذة المعمّقة هو كلام على اللذة الناجمة من التجربة الجماليّة النموذجية. وليس على تلك اللذة التي نتحصّل عليها من مشاهداتنا العرضيّة أو العجلى للجمالات المحيطة بنا.‏

وعلى أية حال، فإنّه يميّز بين كل من الجمال والخير والحق، وبين لذّة كل منها، إضافة إلى التمييز بين لذّة الجمال واللّذة عامّة. وهو ما كان سائداً في الفكر الجماليّ القديم من سقراط وأفلاطون إلى هيغل وكانت وديدرو مروراً بالفارابي وابن سينا وأبي حيّان التوحيدي. وقد يبدو من المفيد، في هذا المجال، أن نشير إلى التقاطع الملموس بين ما يذهب إليه الأب رباط، وبين ما ذهب إليه الفكر الجماليّ العربي ـ الإسلامي، في موضوعه اللذة الناجمة من الجمال(15). ليس على مستوى الطرح النظريّ فحسب. بل على مستوى التعبير أيضاً. كما تقتضي الإشارة كذلك إلى إفادة الأب رباط من الفيلسوف التنويري الفرنسيّ ديدرو، ولا سيما على صعيد الفكرة القائلة إنّ لذة الجمال تصدر عن أمر معرفة الروابط. فمن المعلوم أن ديدرو قد أقام نظريته في الجمال على فكرة العلاقات. حيث يقول: "سأدعو جميلاً، خارج ذاتي، كل شيء يتضمّن في ذاكرته ما يوقظ في إدراكي فكرة العلاقات، وجميلاً بالنسبة لذاتي، كل ما يوقظ تلك الفكرة"(16).‏

ولكن إذا كانت اللذة وحدها لا تكفي لتحديد الجمال، فما هي العناصر أو الصفات التي يتوجّب حضورها في الشيء حتى يغدو جميلاً أو حتى نتمكّن من وصفه بالجمال؟‏

لا يسهب الأب رباط في الإجابة عن هذا السؤال، وإنما يكتفي بالتقرير "إنّ تجلّى النظام والكمال هو الجمال"(17) إضافة إلى بعض الصفات المتناثرة في بحثه من مثل الاتساق والتناسب. وهو ما يذكّر بالفكر الجماليّ القديم وفكر النهضة الأوربيّة. غير أن الإسهاب سوف يكون من نصيب الجمال في الفن بوصفه أعلى أشكال الجمال أو بحسب تعبيره: "وأظهر مظهر للجمال هو الصناعة والفن"(18) وكذا فإن "الصناعة أو الفنّ هي متجلّى الحسن والجمال وثوبه القشيب الظريف"(19).‏

أما الجمال الفنّي فيمكن تحديده بالإضافة إلى النظام والكمال، بعدّة عناصر أو شرائط وهي الوحدة والوضوح والصدق وتمثيل الطبيعة والتعبير عن القلب (أي النفس) والتعبير عن المثل الأعلى الجمالي أو باصطلاحه المثال الذهنيّ الكماليّ. وإذا ما أردنا الإفادة من هذه العناصر في تحديد الجمال نظرياً لديه فيمكن الافتراض أن الجمال هو صفات الكمال والنظام والوحدة المتجاوبة مع النفس والمعبّرة عن المثل الأعلى، والمتبدية للعقل لذّة ومعرفة معاً.‏

وبما أن التجاوب مع النفس والتعبير عن المثل الأعلى، من شرائط الجمال، فمن البدهيّ أن يذهب الأب رباط إلى إقرار النسبيّة في الجمال وفي الموقف منه أيضاً. فبما "أن المثال الذهنيّ يختلف باختلاف الأشخاص فطبقات الجمال تتفاوت أيضاً بذات النسبة حسب أخلاق المتأمل وميوله"‏

(20). لكن الإقرار بالنسبية لا يذهب به إلى ربط الجمال بالأذواق الفردية ربطاً محكماً، إذ "إن شرائط الجمال لا تربط بالذوق الفردي بل إنها من المقتضيات المفروضة"(21). أي أن تلك النسبية تقع في إطار التفاوت في التجاوب مع الجمال والميل إلى هذا المستوى أو ذاك من مستوياته، ولا تقع في إطار الخلاف الجذريّ النوعيّ في توصيف الشيء وهل هو جميل أو قبيح مثلاً. وإلا فلا معنى للكلام على الفساد في الذوق والشذوذ في الشعور. أما بالنسبة إلى تلك المقتضيات المفروضة فإن المقصود بها العناصر الموضوعية في الجمال من مثل الكمال والنظام والوحدة. وهي فوق الأذواق الفرديّة. ولعلّها فوق الأذواق الاجتماعيّة أيضاً. وهو ما لا يقوله الأب رباط حرفياً. ولكن حديثه المطوّل عن سعي الإنسانيّة نحو الكمال دون إدراكه إدراكاً تاماً، هو الذي يؤكد أنه يرى في تلك العناصر موضوعيّة مطلقة، وما على الإنسان إلى أن يستنطقها أو يتناغم ويتجاوب معها. مما يعني أن المنطلق الفلسفيّ العام الذي ينظم فكر الأب جبرائيل رباط هو المنطلق المثاليّ الموضوعيّ الذي يقرّ بموضوعية الجمال المطلقة، وبنسبية التلقي أو الأذواق.‏

وقبل أن نغادر هذه الفقرة، من المفيد الإشارة إلى أمرين اثنين: أما الأول فهو ضآلة التمييز، أو عدمه أحياناً، بين بعض المصطلحات الجمالية كالحسن والجمال والوسامة واللطافة والجلالة والفخامة... الخ. وهو ما يربك البحث في الجمال ـ وفي سواه طبعاً ـ ويوقعه في التوهم والاضطراب. مع العلم أن المعاجم ا لعربية وكتب الفروق في اللغة تميّز تمييزاً دقيقاً بين تلك المعاني. هذا بالإضافة إلى تمييز علم الجمال عموماً بين معاني تلك المصطلحات. إن هذه الإشارة لا علاقة لها بما كنّا قد قلناه في بداية هذه الفقرة، حول المفهوم الأم وبقية المفاهيم.‏

إذ أن وصف الجليل بالجمال شيء، ووصفه بالوسامة والحسن مثلاً شيء آخر تماماً. وهو ما نجده في قوله: "بناية شائقة ترفعت عن الأشكال وانفردت عن مواقف الأشباه. وسمت بميسم الحسن والبهاء وأفرغت في قالب الجهارة والرواء... وهي مع ذلك باهرة الأبهة ظاهرة الجلالة. لا تفتح العين على أتمّ منها حسناً وأوفر جمالاً. فلا توشك تكتحل بها عينك حتى تصرخ قبل أن يتحرّك فيك خاطر: الله ما أبدع الصناعة والفن. وسيم هذا الأثر رائع وسيم!"(22) وكذا فإنه يصف الشراب اللذيذ الطعم بالحسن والوسامة والجمال(23)!! ويخيّل إلينا أن ميل الأب إلى النزعة ا لتعبيرية الأدبيّة هو الذي أوقعه في هذا الخلل، إذ جعله يستحضر عدداً من المفردات التي رأى فيها ترادفاً دالاً على ما يريد وما هي كذلك.‏

أما الأمر الآخر فهو إدخاله اللذة الناجمة عن المشروبات والمشمومات في إطار لذة الجمال، وهو ما لا يتسق ونظرته إلى الجمال، تلك النظرة القائمة على الكمال والنظام والوحدة من جهة، والقائمة من جهة أخرى، على اللذة ذات الأصل المعرفيّ. ونعتقد أن هذا الإدخال قد جاءه من جان ماري جويو الذي ذهب إلى أن لذة الإحساسات كافة هي لذة جماليّة يستوي في ذلك المسموع والمبصر والمشموم والمذوق والملموس وإن كان يؤكد أن اللذة الجمالية العليا هي لذة الإحساسات البصرية(24). لقد ذهب جويو إلى ذلك من منطلق تعريفه للجمال بأنه الحياة. في حين أن منطلق الأب رباط مختلف تماماً. ونحن لا نعترض ـ في هذا المجال ـ على اعتبار لذائذ الحواس كافة ذات طبيعة جماليّة ـ مع الأخذ في الحسبان التفاوت فيما بينهما ـ ولكننا نشير إلى التناقض الذي وقع فيه الأب رباط بين تحديده للجمال ولذته وبين اعتبار لذة المشموم والمشروب أو المذوق لذة يمكن وصفها بالحسن والوسامة والجمال!‏

في الفن:‏

لقد مرّ بنا آنفاً أن الأب رباط يرى أن الفن هو متجلى الجمال وثوبه القشيب الظريف، وهو أظهر مظهر للجمال. وبما أن الأمر على هذا النحو من الأهمية، فإنه يخصص له الفصل أو العطف الثاني وشطراً كبيراً من الأطروحة.‏

أما تعريفه للفن أو الصناعة (وهما بمعنى واحد لديه) فيقع في ثلاثة معانٍ: عام وخاص وأخصّ(25). أما ا لمعنى العام فيقصد به "معرفة القواعد التي بها يتمّ العمل المقصود"(26) ويذهب هذا المعنى إلى التصوّر العام للعمل من خلال التخطيط له وتحديد متطلّباته العملية اللازمة كالهندسة مثلاً.‏

"والصناعة في هذا المعنى العام تختلف عن العلم والطبيعة، فالعلم نظري والفنّ عمليّ، والطبيعة غريزية والصناعة كسبية"(27).‏

أما الفنّ، في المعنى الخاص، فلا يختلف عنه في المعنى العام، إلا بارتباطه بالعمل اليدوي ارتباطاً مباشراً، كالحرفة (الخياطة) وفنّ الحيل (الحياكة). "فالخياطة مثلاً صناعة ومثلها الحياكة، ولكن الخياطة حرفة لأنها عمل اليد، والحياكة فن من فنون الحيل لأنها وليدة الآلات العصريّة"(28) أما القصد من الفن بهذا المعنى فهو "استدرار الجداء واجتلاب النفع والغناء"(29). فالغاية النفعيّة إذاً في صلب الفنّ بالمعنى الخاص، على خلاف الفن بالمعنى الأخصّ، وهو تعريفاً "مرافقة الجمال والإحاطة خبراً به وبجميع أحواله، وإخراجه من ظلال الفكر والخيال إلى نور الإنجاز والبيان"(30). أو بقول آخر: إنه "العلم بكيفية تحقيق الجمال والحسن، أو الوسيلة التي تجسّم في الخارج المثال الكماليّ الحاصل في العقل"(31). وبما أن الجمال في الأساس هي هذا المعنى، فمن الطبيعيّ أن يدعى هذا النوع من الفن "بالصناعة الناضرة" أي الفنون الجميلة. فهي تفضل ما سواها باتصالها بالجمال. إذ "إن الفنون والحرف تتلمس النفع وتستجرّ الفائدة أما الصناعة، في المعنى الأخص فلا رادة فيها وليس وراءها طائل فإن أمرها هو الكشف عن الجمال، وإماطة حجابه، دون نظر إلى المنفعة البتّة ولو خلسة من طرف خفي"(32).‏

وبهذا ليس للفن من غاية سوى الكشف عن الجمال. إنه في حرز حريز، فلا يستبيح ذماره غاية من الغايات، بحسب تعبيره(33).‏

غير أن الأب رباط الذي نفى أي غاية للفن فيما سلف، يستدرك متبصرّاً في القريب والبعيد من غاية الصناعة الناضرة أو الفنون الجميلة فيقرّر أن الغاية القريبة هي إزاحة الستار عن الجمال، وهو ما كان ذكره من قبل. أما الغاية البعيدة فهي "الحضّ على الفضيلة والتحريك إليها بواسطة تزيينها للحواس، وإيلاع القلب بها"(34). يقول ذلك بالرغم من توكيده أن الفن لا يتوخّى الحقّ كالعلم النظري (أي المنطق)، ولا يتوخى أيضاً الخير كالعلم الأدبيّ (أي علم الأخلاق). إن الفن معنيِّ بالجمال، لكن الجمال لا يتناقض مع الخير أو مع الحق. بل إنه يتقاطع معهما. فغايته القريبة توصله بالضرورة إلى الغاية البعيدة، وإن يكن بوسائل تختلف عن كل من الفلسفة والأخلاق. فهل يمكن القول هنا إن الأب رباط يعيد إنتاج ما طرحه كانط في مسألة الغائية دون غاية، في الفن والجمال؟ أو أنه يعيد إنتاج ما قيل حول الثلاثية الكلاسيكيّة (الحق والخير والجمال)؟‏

يخيل إلينا أن الأب رباط يفيد من كانط في مقولته تلك، لكنه ينتجها بطريقة لا تتعارض مع الوظيفة الأخلاقية للفن. إن الفن هو في نهاية المطاف تعبير عن الخير أو الفضيلة سواء هدف إلى ذلك بشكل جليّ أم بشكل خفيّ. "فكل مؤلف أو مصنوع فنيّ قارف العيوب وأبرز صفحته للدنايا، لا يعلقه للفن والجمال نسب... ومن وسمه بالجمال، أحرِ به أن يقول إن القريحة الفنّانة قد ولدته بعرق ذي أشب... والشرّ بئس العشير"(35).‏

غير أن السؤال المطروح، هنا هو ما معنى الكلام على نفي الغاية عن الفن، إذا كان المؤدى النهائي للخير يكمن في الخير أو الفضيلة؟!‏

وللإجابة عن ذلك تنبغي الإشارة إلى أن الأب حين نفى الغاية إنما كان يقصد نفي النفع الماديّ، ولا سيما من حيث التوجّه. أي أن الفنان حين يبدع لا يهدف إلى الربح، وإن أمكنه بعد لحظة الإبداع أن يربح أو يستفيد من عمله الفني. إنه يوطّن النفس ويمضي النيّة على الجمال. في حين أن صاحب الحرفة مرتزق، يطوي الفؤاد ويضرب الأطناب قبل كل شيء على الكسب والربح(36).‏

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن التوكيد على نفي الغاية، سوى كشف الجمال، يترتب عليه أن لا يحوّل صاحب الفنّ عمله إلى مادة أخلاقية أو فلسفية. فإذا كان ثمة تقاطع بين الجمال والحق والخير، فليس ثمة تطابق بينها، سواء كان ذلك على صعيد الظاهرة أم المفهوم أم الوسيلة.‏

فالإجابة إذاً، تقع في نفي النفع المادي عن الفن، وفي نفي الطرح الأخلاقيّ أو المعرفيّ ـ الفلسفيّ المباشر. وهو ما أشار إليه الأب رباط حين ذهب إلى أن الحض على الفضيلة يكمن في تزيينها للحواس وإيلاع القلب بها. فالمسألة إذاً شعورية وجدانية لا علميّة معرفية. وهذا ما سوف يتوضّح في الفقرة التالية.‏

أما بالنسبة إلى أقسام الفن وأنواعه، فهي الأخرى تختلف باختلاف تلك المعاني الثلاثة. غير أننا نكتفي بالتلميح إلى أنواع المعنى الأخصّ، وهو الفنّ أو الصناعة الناضرة. حيث تنقسم بحسب الحواس الجماليّة إلى صناعة النظر وصناعة السمع وصناعة النظر والسمع معاً. أما صناعة السمع فيمثّلها نوع واحد وهو "الموسيقا وموضوعها الصوت وهو أحد الأجرام المدركة في الجمال، وصنائع النظر: فن التصوير وفنّ النحت وعلم الهندسة وعلم البناء وعلم تقطيع البساتين، وأما الصناعة المشتركة فهي الأدب من فن شعر وروايات، فالأول يقال ويسمع، والثاني يلفّ شمل الإيماء والإلقاء والألحان، فيصوّر الجمال فيه السمع والنظر"(37).‏

إن تصنيف الفنون تبعاً للحواس الجماليّة أمر شائع على نحو كبير في علم جمال القرن ا لتاسع عشر خاصة. وهو ما تابعه الأب رباط، وجعل منه أساساً لتصنيفه. مغفلاً تصنيف الفنون بحسب المادة من جهة وبحسب المكان والزمان من جهة أخرى. لكن ما يلفت النظر في ذلك التصنيف هو اعتبار فن الشعر تابعاً لحاستيّ السمع والبصر، بخلاف ما كان سائداً من أنه فن سمعيّ صرف. ولعل الأب انتبه إلى أن الشعر في عصور الكتابة، فن مقروء (بصريّ) وفنّ مسموع أيضاً. كما يلفت النظر أيضاً اعتباره علم تقطيع البساتين (أي تنسيقها) أحد الفنون شأنه شأن الموسيقا والتصوير والنحت... الخ. والمعروف أن هذا الفنّ هو من الفنون التطبيقيّة لا الفنون الجميلة أو الصناعة الناضرة بتعبيره. وإلا فقد كان عليه أن يذكر فنوناً أخرى كفنّ المائدة وفن التجميل... وكذا فإن الكلام على علم الهندسة وعلم البناء (فن العمارة) وكأنهما علمان متمايزان، يدعو إلى التساؤل. إلا إذا كان يقصد بعلم الهندسة علم صناعة الآلات العصريّة أو علم الديكور، وإذا ما كان الأمر كذلك فإن هذا العلم أو الفنّ يدخل في إطار الفنون التطبيقيّة أيضاً.‏

العلاقة بين الفن والطبيعة:‏

يخصّص الأب رباط ما ينوف على نصف دراسته لأطروحة البحث التي يعنونها بعلائق الجمال والصناعة. حيث يتحدث فيها عن طبيعة العلاقة بين الطبيعة والفنّ، والكيفية التي يعيد فيها الفن إنتاج الطبيعة. وذلك من خلال المثل الأعلى الجماليّ والشكل الفني الحسيّ أو بتعبيره: المثال الذهنيّ الكماليّ والقالب المحسوس. فهو يقرّر "أنّ علائق الجمال والصناعة منوطة بالمثال وبالقالب: فأما المثال فركنه الطبيعة، فما ناقضها كانت فيه الدمامة والشتامة... فما لم يكن طبيعياً كان كاذباً غير صحيح، والكاذب حاشاه أن يتذرّى سنام الجمال، لا بل إنه يخلد إلى الجهومة والسماجة"(38). أي أن أساس العلاقة بين الفن والطبيعة هو المحاكاة، وأي خروج على ذلك الأساس يعني وقوعاً في الكذب، ومن ثمّ، في القبح أو الجهومة والسماجة.‏

غير أن المحاكاة يجب أن لا تؤدي إلى النسخ والنقل، بحيث يبدو صاحب الفن محصياً على الطبيعة الأنفاس، راصداً كلّ شاردة وواردة فيها، لا يطأ إلا مواقع أقدامها. وهو لو فعل ذلك لقطع "بالفنّ السبب، وجرّ عليه ذيل الفوت، لأن الصانع يصبح في تلك الحال قاعد الهمة، ضعيف النفس لا يدفعه طبعه إلى إحداث وإيجاد شعور أو عاطفة... ويكون عمله مبتذلاً لم يُعنه ذوق، يدلّ على تخلّف الملكة وخفّة البضاعة"(39).‏

فالمخاطر من التعامل مع المحاكاة بوصفها نسيجاً نسخاً ونقلاً، لا تقل أهمية عن تلك المخاطر الناجمة من الكذب أو عدم المحاكاة. فهذه تؤدي إلى الجهومة والسماجة، وتلك إلى الابتذال والركاكة، وكلاهما قبح في قبح. أما إذا تساءلنا عن أسباب الخطورة في المحاكاة الحرفيّة، فنجد أنها تكمن في انتقاء الموقف الذاتيّ الوجدانيّ أو ضآلته، وفي تحجيم الذكاء أو النباهة، وفي انتقاء السعي إلى الكمال. وهذه كلّها من شرائط الإبداع الفنّي الحقيقي.‏

إن الفنّ "لا يقوم، إلا بعاملين متمازجين، وهما الطبيعة والقلب، يسند الواحد حاجته إلى الآخر، فتصبح الحاجة على حبل الذراع لا بل في اليدين"(40). فتدبّر الطبيعة بعين النفس هو الشكل الجماليّ للمحاكاة في الفنّ. وما دون هذا هو خروج عن وظيفة الفن من جهة وعن طرائقه الفنيّة من جهة أخرى. ولعل السبب في ذلك، مما لم يشر إليه الأب، هو تحوّل الفنّ إلى علم، وتحوّل الجمال إلى الحق. وهذا يتناقض مع مفهوم الجمال عنده.‏

إن الجمال في الفن يستند، إذاً إلى الجمال في الطبيعة، وهذه هي الركن الأول في المثال الذهنيّ الكماليّ. أما الركن الآخر فهو النفس الإنسانية النازعة إلى الكمال. غير أنّ هذا الكمال أمر لا يمكن إدراكه إطلاقاً، مهما سعى إليه الإنسان. بل لو اجتمع فحول الشعر وأمراؤه "وأضربوا الجأش لتمثيل الكمال الذهنيّ بجملته وتفاريقه، لطلبوا وايم الحقّ من هذا الأمر مطلباً محالاً"(41). ولكن إذا ما كان تمثيله أمراً مستحيلاً فإن هذا لا ينبغي أن يؤدي إلى القعود دونه، فإن "النفس طامحة أبداً إلى ذروة الكمال"(42)، ولهذا فإن "الفن يكون أبداً دائماً قابلاً للكمال"(43). فاستحالة الوصول إلى الكمال، إذاً يجعل الفنّ في شوق دائم إلى الكمال، أو في حالة مستمرّة من التجدّد والتطوّر، في محاولة منه في تمثيل الكمال الذهنيّ.‏

ولا بأس من القول، في هذا المجال، إنّ ثمة نوعاً من الاضطراب في الكلام على الكمال الذهنيّ المثاليّ. حيث يبدو هذا المفهوم متداخلاً في الذات الإلهية، متعالياً على كل ما هو أرضيّ، حيناً، ويبدو حيناً آخر متداخلاً في الفكرة المطلقة، عند هيغل، ويبدو حيناً ثالثاً، حاملاً معنى المثل الجماليّ الأعلى الذي يمكن إنجازه والوصول إليه. ولعلّ السبب في هذا الاضطراب هو اعتبار الطبيعة ركناً من أركان ذلك المثال، لا تمثيلاً له، أو لقدرته، كما نجد في الفكر الجماليّ الدينيّ عموماً. وكذا هي الحال في اعتبار النفس ركناً آخر، حيث يؤدي ذلك إلى اعتباره أرضاً روحياً لا سماوياً روحانياً مجرّداً.‏

يقول الأب في ذلك: "كلّنا نسمو إلى الكمال، والكمال في الذهن لا قبل به للكمال في العمل... أبت الطبيعة إلا أن يكون الكمال خطيراً سنياً، دونه الأهوال والمنايا.."(44).‏

إن الجزء الأول من هذا القول يحيل على المثل الأعلى الجماليّ، في حين أن الجزء الثاني يحيل على الفكرة المطلقة من جهة ويحيل على الذات الإلهية من جهة أخرى. وفي كل الأحوال، فلا مناص من السعي إلى الكمال، في الفنّ، بصرف النظر عن طبيعته، وصولاً إلى التمثيل الأعلى لما في الطبيعة وما في النفس معاً. غير أن الكمال الذهنيّ المثالي لا قيمة له، في الفنّ، من دون الشكل الفنّي أو القالب المحسوس الذي يقوم على حسن التعبير والإنجاز. أما حسن التعبير فيراد به "مجموع الوسائل الفنية التي بها يستسلم الجمال للصانع بكلّ أعنّته، ويلقي إليه سائر مقاليده، فيتسنى له أن يشرك غيره في ما يتناول من لذّته، وأن يذيقه جهد الطوق من نشوته"(45). فالشكل الفني هو وسيلة الفنّان إلى إمتاع المتلقي أو هو القناة التي يعبرها كل من المبدع والمتلقي إلى المتعة أو اللذة الجمالية المتحصّلة من العمل الفنّي. "فحسن التعبير إذن له شأن عظيم في عالم الفنّ والصناعة، وهو أشدّ وقعاً في النفس وأجزل تأثيراً في الفؤاد. ولكن حسن التعبير مسنده الطبيعة والنظام"(46). أي أن الوسائل الفنيّة ينبغي أن تفصح عن الجمال في الطبيعة، وأن تنتظم وفق نظام معيّن ينبئ عن ذلك الجمال. أما النظام فهو "التئام النسبة والوحدة بتنظيم جميع الأجزاء والتوسع فيها، وفقاً لشأنها وشأوها"(47). سعياً إلى إبراز وحدة المثال الذهنيّ. مما يعني أن الوسائل الفنية تقع عليها مهمة تمثيل ذلك المثال. ولا ينبغي أن تتجرّد من ذلك التمثيل، إذا ما أراد الفنّان أن يقدّم فنّاً جميلاً.‏

وبالنسبة إلى الإنجاز فهو إخراج المثال "على ما تجلّى به من قوة الابتداه وحسن التعبير، إلى ميدان العمل. ويحصل هذا الإخراج بالألوان والخطوط والصور والأصوات والتقاطيع، وغير ذلك مما يختاره الصانع بحسب فطنته ودربته لإنجاز ما في الذهن من الجمال والكمال"(48). أما مسند الإنجاز فيكمن في الجلاء والوضوح وحرمة الأخلاق الحسنة(49).‏

وبهذا فإن الشكل الفنّي ينبغي أن يسعى إلى تجسيد المثل الأعلى الجماليّ، ولا يكون له ذلك إلا بحسن التعبير وحسن الإنجاز، أو إلا بالطبيعة والنظام والوحدة والوضوح ومراعاة الأخلاق الحسنة، ولهذا يكون الشكل مؤثراً تأثيراً جمالياً خاصاً أو مثيراً للذة الجماليّة العالية. وأساس هذا كلّه يكمن في المحاكاة شكلاً ومضموناً.‏

وقبل أن نطوي هذه الصفحات، نرى لزاماً علينا أن نتوقّف عند جانبين اثنين، تعرّض لهما الأب رباط، في بحثه هذا، وهما: العمليّة الإبداعية، والفنّ والمتلقي. ففي أثناء الكلام على الإنجاز يقف الأب عند المواد الفنيّة كالأصوات والألوان والخطوط..، بحسب كلّ فنّ على حدة، مؤكداً ضرورة الاختيار منها بما يتناسب والمثال الذهنيّ أو كما يقول: "يختار [أي الفنّان] منها ما كان أشدّ مطابقة لما في ذهنه، وأعظم تأثيراً في نفسه، وأجلّ عملاً في قلبه"(50) أي أن الأسلوب الفنّي ينبغي أن يقوم على الاختيار بما يتناسب وكلاً من المثال والانفعال معاً. غير أن هذا الأسلوب الذي هو نتيجة الإنجاز يتشكّل في لحظة الإبداع ولا يحتاج إلى وقت للتفكير أو المراجعة إذ "إن الإنجاز يجري والابتداه في وقت واحد، فلا يكاد المثال الذهنيّ يرتسم في العقل حتى يتعمّد الفكر استنباط الوسائل لإبرازه إلى الخارج... فكثيراً ما لا يوشك الفكر أن يتبادر إلى الذهن حتى تدور الألفاظ في الخلد"(51). وكذا هي الحال في النحت، حيث يتحرّك المنقاش (الإزميل) على الرخام حالما يقع المثال في العقل والنفس والخيال... الخ. وكأن لحظة الإبداع هي من أشدّ اللحظات الجمالية كثافة وتناغماً بين عناصر الذات الإنسانيّة من ذوق وذكاء وفطنة ودهاء وصدق وعمق في الذهن والنفس، إضافة إلى المهارة في التعامل مع المواد الفنيّة.‏

ولعل ما سلف هو الذي يشدّ انتباه المتلقي وإعجابه بالعمل الفنّي الذي لا قيمة له من دون ذلك الإعجاب، بحسب الأب رباط، "فبمقدار إعجاب المتأمل يقاس مقدار حسن التعبير، وقياس حسن التعبير هو قياس عبقريّة الصانع، أما الإعجاب فهو أولاً وقبل كلّ شيء نتيجة السرور بالنظام والوحدة"(52). فثمة إذاً علاقة جدليّة بين الفنّان والعمل الفنّي والمتلقي أو بين المرسِل والرسالة والمرسَل إليه. إن المتلقي يدخل في صلب الإبداع، من منظور أن المبدع يتوجّه إليه آخذاً بالاعتبار طبيعته الذوقيّة. وهو ما ينعكس في العمل الفنّي، ولكن المبدع هو الآخر يؤثّر في المتلقي ويرتقي به ذوقاً ونفساً وذهناً، من خلال عمله الفنّي الذي يرتقي أيضاً في مراتب الكمال.‏

وهو ما يستتبع أن العمل الفني ذو طبيعة ذوقيّة اجتماعيّة، بالرغم من تعبيره عن ذوق مبدعه الفرد. فإذا ما كان مقدار حسن التعبير قائماً على مقدار إعجاب المتلقي، وكان قياس العبقرية هو قياس حسن التعبير، فمن البدهيّ أن يكون المتلقّي مشاركاً في الإبداع، لا من خلال تقويم العمل الفنّي فحسب بل من خلال التأثير في المبدع لحظة الإبداع؛ وكما أن المتلقي يشارك المبدع في إبداعه ذوقياً، فإن المبدع هو الآخر يسهم إسهاماً فعالاً في صياغة الذوق الجماليّ الاجتماعيّ، من خلال سعيه إلى تجسيد المثل الجماليّ الأعلى، وتقديمه فناً خيالياً من النواقص، أو كما يقول الأب رباط مخاطباً الفنان "فالكمال الكمال، يا راغب الفنّ ورائد الجمال، فاجمع له كلّ ما فيك من حولٍ وحال... وليكن المثال أمامك إله الحسن والجلال"(53).‏

كلمة أخيرة..‏

نلحظ مما سلف أن الأب جبرائيل رباط قد تناول، في بحثه الموجز هذا، مجمل قضايا علم الجمال في القرن التاسع عشر. فلم يكد يترك قضيّة أو مسألة جمالية، إلاّ وتوقّف عندها أو ألمح إليها، أو مرّ على ذكرها بوعي معرفيّ فلسفيّ، لافت للنظر، في مرحلة، كان فيها المبحث الجماليّ، في خطوته الأولى. لقد كان يعي أهميّة ما يفعل، على صعيد الفن والعلم والثقافة. بالنسبة إلى مجتمعه الناهض. فأراد أن يؤكد النهضة بتعميق قيم الجمال والكمال والوحدة، وبنفي الزائف والفاسد، من القيم والعلاقات الاجتماعيّة السائدة، من دون أن يخرج عن سياق العلم الذي يشتغل فيه.‏

وهو ما جعل بحثه رائداً بحق لا من حيث الريادة الزمنية فحسب، بل من حيث الريادة العلميّة أيضاً. يظهر ذلك في المنهجية المتبعة، وفي التسلسل المنطقيّ للمسائل والقضايا المطروحة، وفي طريقة المعالجة والمحاكمة علاوة على غناه المعرفيّ بعلم الجمال ونظريّة الفنّ.‏

المصادر والمراجع:‏

ـ بحث في الجميل، ديدرو، ترجمة د. علي نجيب إبراهيم. دار أرواد، طرطوس ط1، 1997.‏

ـ البنية الجمالية في الفكر العربي الإسلامي، د. سعد الدين كليب، وزارة الثقافة. دمشق. 1997.‏

ـ حلب في مئة عام 1850 ـ 1950، محمد فؤاد غنتابي ونجوى عثمان، معهد التراث العلمي بحلب 1993.‏

ـ مجلة العاديات السوريّة، حلب.‏

ـ مسائل فلسفة الفن المعاصر. جان ماري غويو. ترجمة د. سامي الدروبي، دار اليقظة العربية، بيروت ط2. 1965.‏

ـ النقد الأدبي الحديث، د. فؤاد المرعي، جامعة حلب 1981.‏

ـ النقد الأدبي الحديث مناهجه وقضاياه. د. سعد الدين كليب. جامعة حلب 1998.‏

(* ) أستاذ جامعي من سورية.‏

(1) راجع في ذلك: د. فؤاد المرعي: النقد الأدبي الحديث، جامعة حلب، 1981، ص 13. وراجع أيضاً كتابنا: النقد الأدبي الحديث: مناهجه وقضاياه، جامعة حلب، 1998. ص: 14‏

(2) راجع في سيرته: محمد فؤاد عنتابي ونجوى عثمان: حلب في مئة عام 1850 ـ 1950. معهد التراث العلمي العربي بحلب ـ 1993. جـ 3. ص: 173 ـ 174. ورشيد رباط: الأب جبرائيل رباط. مجلة الضاد. ع: 12 عام 2004: 15 ـ 16 مع الإشارة إلى أن ثمة اختلافاً بين ما ذهب إليه رشيد رباط وما ذهب إليه كل من العنتابي وعثمان في مسألة تحديد سنة ولادته ففي حين يذهب الأول إلى تحديد عام ولادته بـ 1889 يذهب الآخران إلى تحديده بـ عام 1900 وقد اعتمدنا التاريخ الأول بعد التدقيق في الوثائق الخاصة بذلك مع العلم أن دراسة الرجل وسيرته تؤكدان التاريخ الأول.‏

(3) مجلة العاديات السورية: العدد 3. آذار ـ 1932. مطبعة أراكس ـ حلب. ص 40.‏

(4) نفسه: ص: 41.‏

(5) نفسه: ص: 43.‏

(6) نفسه: ص: 46.‏

(7) مجلة العاديات السوريّة. عدد مزدوج 9 ـ 10. تشرين الثاني وكانون الأول: 1932. ص: 124.‏

(8) نفسه ص: 125.‏

(9) مجلة العاديات: عدد: 3. ص: 43.‏

(10) نفسه: ص: 44.‏

(11) نفسه.‏

(12) نفسه.‏

(13) نفسه: ص: 54.‏

(14) نفسه.‏

(15 راجع في ذلك كتابنا: البنية الجمالية في الفكر العربي ـ الإسلامي وزارة الثقافة، دمشق ـ 1997. الفصل الرابع المعنون بـ: اللذة الجمالية في الفكر العربي الإسلامي.‏

(16) ديدرو: بحث في الجميل. تر: د. علي نجيب إبراهيم. دار أرواد، طرطوس، ط: 1 ـ 1997. ص: 62.‏

(17) مجلة العاديات: عدد: 3. ص: 40.‏

(18) نفسه.‏

(19) مجلة العاديات السوريّة. عدد مزدوج: 7 ـ 8. أيلول وتشرين الأول: 1932. ص: 109.‏

(20) مجلة العاديات: عدد: 3. ص: 46.‏

(21) نفسه: ص: 47.‏

(22) نفسه: ص: 42.‏

(23) نفسه: را. ص: 43.‏

(24) جان ماري غويو: مسائل فلسفة الفن المعاصر. تر. د. سامي الدروبي، دار اليقظة العربية، بيروت، ط: 2 ـ 1965. را: الفصل السادي (في جمال الإحساسات)، من الباب الأول‏

(25) مجلة العاديات. عدد 7 ـ 8. را. ص: 109.‏

(26) نفسه، ص: 110.‏

(27) نفسه.‏

(28) نفسه، ص: 111.‏

(29) نفسه.‏

(30) نفسه.‏

(31) نفسه: ص: 112.‏

(32) نفسه: ص: 112 ـ 113.‏

(33) نفسه: ص: 113.‏

(34) نفسه، ص: 114.‏

(35) مجلة العاديات: عدد: 9 ـ 10. ص: 141 ـ 142.‏

(36) مجلة العاديات: عدد 7 ـ 8. را. ص: 113.‏

(37) نفسه: ص: 115.‏

(38) نفسه ص: 116.‏

(39) نفسه: ص: 116 ـ 117.‏

(40) مجلة العاديات: عدد: 9 ـ 10. ص: 119.‏

(41) نفسه.‏

(42) نفسه: ص: 120.‏

(43) نفسه.‏

(44) نفسه: ص: 122.‏

(45) نفسه: ص: 137.‏

(46) نفسه: ص: 138.‏

(47) نفسه.‏

(48) نفسه: ص: 138 ـ 139.‏

(49) نفسه: را. ص: 138.‏

(50) نفسه: ص: 139.‏

(51) نفسه: ص: 140.‏

(52) نفسه: 141.‏

(53) نفسه: 142.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244