|
||||||
| Updated: Wednesday, August 29, 2007 03:47 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
جماليات النص المفتوح في قصيدة المتنبي ـــ د.خليل الموسى(1) علينا أولاً أن نتذكّر أنّ النّص الأدبي عالمّ حيٌّ كالكائن الحيّ، وهو ذو ولادة طبيعية وحركة داخلية وإيديولوجية نصيّة واستقلال وهوية وتاريخ، فالأيديولوجيا النصية غير أيدلوجيا الواقع الذي ولد النَّص فيه، وإلاَّ فإنَّ النّص لا يزيد على كونه تصويراً فوتوغرافياً لما هو مرئي ومعروف، والأدب بعامة، والشعر بخاصة غير ذلك تماماً، فالنص عالم مختلف عن عالمنا، وهو ذو شروط لولادته الإبداعية، ولا يصدر إلاَّ عن المخيلة، والمخيلة الأدبية لا تنسخ الواقع وإن استفادت منه في تجميع المواد الأولية التي تقوم على صهرها لإنشاء نصّ مستقل بنظامه وقوانينه وقيمه ولغته، ولننظر مثلاً في شخصيتي "سيف الدولة ـ كافور" في قصيدة المتنبي، فهما متحولتان حسب المعطيات النفسية التي زامنت الإنتاج الأدبي، ولو استطعنا أن نُرغم المتنبي على أن يصِّور هاتين الشخصيتين كما هما في الواقع، أو كما يراهما التاريخ والناس لما زاد على أن كان ناظماً خبيراً باللغة والأوزان والشخصيتين، ولما بقي لشخصيته أيّ أهمية سوى تقديمها للمتلقي بقالب شعري جميل مزخرف، وكانت القصيدة شبيهة بالإطار الذي يحفظ الرسم من الاندثار، ثمّ إن بعضنا يعرف هاتين الشخصيتين من خلال كتب التاريخ والأدب مثلما يعرفهما المتنبي، ولذلك علينا أن نتقبل صورتي هاتين الشخصيتين كما رسمتهما عينا المتنبي الداخليتان، فصورة سيف الدولة في بعض قصائده ولوحاته فوق بشرية، وصورة كافور الزرية في بعض لوحاته مخالفة للتاريخ، وإذا دخلنا إلى مرسم المتنبي كنَّا في حضرة الشعر أو في المناخ الشعري. تنطلق اتجاهات ما بعد البنيوية من أن النصّ، أيّ نصّ، ليس مرتهناً بنظام سابق ولا بنية محدّدة تتطلّب تحليلاً لشِفْرتها، ويصبحُ البحث عن قراءة جديدة تكسر المنطق البنيوي المفروض أمراً ضرورياً، فالنّص الفنيّ يتحررّ فيه الدّال من سيطرة المدلول الواحد (المعجمي)، ويصبح بلا معنى أو في درجة الصفر، ممّا يؤهله لأن يكون بؤرة لإنتاج دلالات لا نهائية، ولذلك على القراءة أن تبحث عن الكائن/الخفي داخل النص الشعري الذي تكمن فيه جدلية الحضور والغياب، ويتمُّ بوساطة ذلك إنتاج المعنى من جهة، وتأجيله من جهة أخرى، ويغدو النص فضاءً مفتوحاً على دلالات هاربة من خلال الإيقاع الدالي الموحي كما ذهب إلى ذلك الرمزيون، ويصبح المعنى في اللغة الشعرية معلّقاً، فهي تقول ولا تقول، وتعني ولا تعني، أو هي تقول لنا شيئاً لتخفي وراء ذلك أشياء أُخر هاربةً من التحديد والاستقرار، وهذا ما ذهب إليه أحد النقاد إذ قال: "إنّ القصيدة تقول لنا شيئاً وتعني شيئاً آخر(2)"، ولذلك أصبحت القراءة فعلاً إنتاجياً لاكتشاف نصوص جديدة داخل النّص الأم، ويُشترط في النص ـ لتتم هذه القراءة ـ انفتاح بنيته على أنماط من القراءات تسمح بتعدّد المعاني والدلالات، فيكون النص شبكة من الدوال تلمع بلون جديد كلّما قلّبته على منهج من المناهج أو جانب من جوانبه، لترى شيئاً جديداً أو مختلفاً، كما تُشترط الرغبة في إعادة إنتاج النص لدى المتلقي لعلوقه في الذاكرة القرائية وتحريضها لما يملكه هذا النص من أسباب الدهشة والتشويق، وهذا محور العلاقة الإيروسية بين القارئ والنص. علينا إذاً أن نحدّد طبيعة النص المفتوح قبل الدخول في هذه المغامرة النقدية، وهذا يتطلّب منا أن نتوقّف قبل ذلك على طبيعة النص المغلق، فالأشياء تُعرف بأضدادها كما يُقال، فهو ذو بنية لا تسمح بسيرورة التأويلات وتطور وجهات النظر وتقليب النص على جوانب مختلفة، وهو يمنع التعدّد والاختلاف حول دلالته، ويجعل القرّاء متفقين حول معناه، بل هم يكررون ما قال الشارح الأول أو المؤلف (الشاعر)، وهو نص نهائي محدد سلفاً في ذاكرة المؤلف والقارئ معاً، وهو ذو ماضٍ مألوف، أو هو نص لا إشكاليٌّ مغلقٌ على ذاته، كما هو مغلق على موضوعاته ودلالته، وهو ذو بُعد واحد وطبقة واحدة، وهذا يعني أنّ ظاهره وباطنه متطابقان، فهما لا ينتجان سوى معنى متفق عليه، والدال فيه مرتبط بالمدلول، وهو لا ينفتح على خارجه، ولا يتأثر بالعوامل الطارئة، ويشبه إلى حدّ ما طبيعة الشخصية الثابتة في الرواية، وهي الشخصية التي حدّد السارد وظيفتها قبل أن يشرع كتابة روايته، والنص الشعري المغلق يقوم على فكرة حدّدها الشاعر قبل أن يشرع في نظم قصيدته، وهو مرتهن بهذه الوظيفة أو الفكرة، ويسمى أيضاً النص المكتمل، لأنّ مؤلفه تربى على ثقافة سائدة، وهو يسعى لإنتاج نص يعيش ضمن هذه الثقافة ويتواصل معها، ولذلك لم يترك فيه لقارئه فراغات أو ثغراً، وهذا يعني أنّه سجن هذا القارئ ضمن مدلول معجمي محدّد وضمن أفق قرائي واحد، فهو لا يصدم أفق انتظار القارئ، وقراءة واحدة تكفيه، فهو فقير بدلالاته، نصّ مدجن شبيه بالنثر، وإن كان موزوناً مقفّى، وهو إخباري وعظي تقريري، وغايته تحقيق معادلة الدال والمدلول وإبلاغ المتلقي رسالة المؤلف التعليمية المحددة، ولذلك تنحصر وظيفة القارئ في الكشف عن معناه الوحيد، وهو يسلّم نفسه للقارئ منذ القراءة الأولى، والنص المغلق يحيا مرة واحدة، ولكنه يشكل في هذه الحياة سلطة إمبريالية استبدادية، فهو لا يترك أي مجال لقارئه أن يكون حر التفكير، فالنص فرد يفرض أحادية المعنى على جماعة القراء، وهو يُقدم لقارئ نموذجي محدد، و"النصوص المنغلقة هي أشد عنتاً للاستخدام من النصوص المنفتحة. فهي، إذ تُعد لقارئ نموذجي محدّد بدقة، وذلك بقصد توجيه تعاضده بصورة قمعية، تخلّف هوامش للمناورة مطّاطة كفاية(3)". أما النص المفتوح فهو نقيض النص المغلق، وهو ذو سمات بنيوية تسمح بسيرورة التأملات وتطور وجهات النظر وتقليب النص على جوانب مختلفة لاكتشاف ما فيه من كنوز دلالية خفية، وهو الذي تحرّر فيه الدال من سيطرة المدلول الواحد، ولذلك هو حمّال أوجه ودلالات، وهو طبقات من المعنى وله سطح ظاهر وأعماق خفية، وهو بؤرة غنية لإنتاج المعنى، وفيه من الاختلاف أكثر مما فيه من الائتلاف، فباطنه يشير إلى دلالات غير التي يشير إليها سطحه، وفيه معانٍ حاضرة، ومعانٍ غائبة، فهو مفتوح على خارجه ومتأثر به، أي أنه شبيه إلى حدّ ما بالشخصية النامية في الرواية، موّار بالدلالات والحركة الداخلية، ومختلف في بنيته بين سطحه وأعماقه كالجمر المتأجج تحت الرماد، ويُسَمى كذلك النص الناقص، لأن مؤلفه لم يصرح بدلالاته كلها، وقد ترك فيه فراغات، وهو نص إشكالي صعب المراس، مغرٍ، ولكنه مشاكس وممانع، يمتلك خصيصة الإدهاش والتشويق، وكلما تعددت قراءاته وقراؤه تعددت دلالاته، فقد قام مؤلفه بتحطيم معادلة الدال والمدلول، أو بتحرير الدال من مدلوله، ليسبح النص في فضاءات دلالية لا نهائية، وهذا هدف اللعبة الأدبية التي لا تقوم على مخاطبة العقل وحده من خلال الحجج والبراهين والأدلة المنطقية، وإنما هي تخاطب المشاعر، وتستخدم اللغة استخداماً لا نفعياً، وتثير في نفس القارئ مكامن جماليات النص من خلال تحولات المعنى مع كل قراءة جديدة، فقد قال الشاعر الفرنسي بول فاليري: "ليس من معنى حقيقي لنص ما"(4)، وهذا يقتضي أن يكون للنص المفتوح قراءتان: الأولى عادية، والثانية تأويلية. وإذا كان النص المغلق يحيا حياة واحدة في عصر محدد هو عصر المنشئ الفرد، وينتهي بانتهاء زمن الإنجاز، فإن النص المفتوح قابل لأن يكون حياً ومتجدداً باستمرار، وهو يخترق زمنه إلى أزمنة أخرى، ويشبه في ذلك المجتمع الذي يتجدد ويتعدد بتجدد أفراده وتعددهم، فالمعنى فيه متواتر متوالد متعدد، هو عمل إنتاجي مستمر، ثم إنه منتج من مرجعيات وأصوات وأصداء، ويسميه رولان بارت النص المكتوب ويصفه بقوله: "ليس شيئاً ما، ولسوف نمضي وقتاً عصبياً في البحث عنه في متجر الكتب. (...) إن النص المكتوب حضور أبدي، إنه الروائية من غير الرواية، والشعر من غير القصيدة (...) ولأن أنموذج النص المكتوب أنموذج إنتاجي، فإنه يفجر أي نقد من شأنه أن يمتزج به، (...) إن إعادة كتابة النص المكتوب تتأسس فقط على تشتيته، وعلى نثره في حقل الاختلاف المطلق(5)". النص المفتوح يصدم قارئه منذ البداية، فهو نص إشكالي مشاكس يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، وهو لا يقدم لقارئه شيئاً محدداً إلاَّ إذا استطاع الأخير أن يكون صنواً لهذا النص في عناده وطموحه وخبرته وقوة شكيمته، فهذا النص كالمهر الحرون يحتاج إلى فارس مدرب، وإذا كان هناك من يكتفي بامتطاء ظهر جواد عجوز فإنّ هناك من يطمح إلى امتطاء صهوة جواد مجنح، ولذلك كانت هناك قراءتان: قراءة تجعل النص مغلقاً على زمن محدد، وقراءة تفتح النص لقراءات وتأويلات لا متناهية، فالنص المفتوح كالأنثى الجملية الساحرة الغامضة الموحية، عشاقها كثيرون، وهي تغريهم بجمالها وأنوثتها الطاغية، ولكنها لا تسلم نفسها لأيٍّ منهم، هي أنثى ممانعة مخاتلة، أو هو كالمنطقة الخطرة الملغمة، وقد زرعها المنشئ بالألغام ليحصنها، ومع ذلك تظلّ هناك أماكن تركها المنشئ بقصد أو بغير قصد يستطيع القارئ الخبير أن يمر من خلالها إلى شاطئ السلامة، كما يستطيع العاشق المدرب (الدون جوان) أن يتقرب أكثر من العشاق الآخرين إلى المرأة الممانعة، فيغتصب قبلةً من هنا وقبلةً من هناك ليس أكثر من ذلك، ومن هنا تكمن أهمية الحوار بين النص المفتوح والقارئ في مجال القراءة الشاعرية(6). يُشبه دور القارئ في النصين المغلق والمفتوح دور المترجم في النصين النثري والشعري، فمترجم النص الشعري لا يغير في طبيعته وأفكاره ودلالاته شيئاً، هو ينقله من لغة إلى أخرى. أما مترجم النص الشعري فهو لا يكتفي بذلك، وإنما يعيد إنتاجه شعرياً في لغة أخرى لها خصوصية شعرية مختلفة، فتجد أسلوب المترجم وثقافته ونفسيته كوامن في النص المترجم، أو هو يكمل النص في لغة أخرى، ففي ترجمة النص المفتوح تتجسد خيانة القراءة وإنتاجها وإعادة كتابة النص، وإذا وقفنا ـ مثلاً ـ عند قصيدة "البحيرة" لألفونس دي لامارتين ووقفنا عند ترجمة نقولا فياض الشعرية لهذه القصيدة أدركنا جماليات القراءة المتكافئة بين النصين في أسلوب عربي ممتدّ من التراث الشعري العربي إلى خصوصية الشاعرية عند نقولا فياض القارئ المترجم، وأدركنا جماليات الاختلاف بين نصيّن شعريين في لغتين مختلفتين. إن الأعمال الفنية التي اختلف حول دلالاتها القراء، وما زالوا، كثيرة، فقد فسر المفسرون وأول المؤولون ابتسامة الموناليزا، واختلفوا حول دلالاتها، وسيظلون كذلك لأنّ هذه اللوحة لا تسلم نفسها للقارئ بسهولة، ومثل ذلك قراءة تردد هملت في مسرحية شكسبير، وكذا شأن شهريار وشهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، من هذا المجال كثير من أبيات المتنبي وقصائده، وبخاصة في موضوع المديح، حيث يتجلى البطل الأسطوري، فهل كان المتنبي يصف شخصية واقعية حقيقية، أو كان يصف شخصية أسطورية؟ وهل كان المتنبي يخلع هذه الصفة على شخصية الآخر الممدوح أو أنه كان يصف نفسه، وبخاصة أنه كان معجباً بشخصيته إلى حد أنه لا يرى سواها!؟ وهل كان المتنبي يستعير من المطلق والمخيلة صفاتٍ لواقع يحلم بتحقيقه..؟ ستظل هذه الأسئلة بلا أجوبة قاطعة ونهائية، وإن كان النقاد والدارسون يميلون إلى هذا الرأي أو ذاك لخلفياتهم الأيديولوجية ضاربين بنية النص عرض الحائط، بل هم يضحون بالمتنبي ونصه لأغراض خارجة عليه، ولذلك ستظل هذه الأسئلة بلا أجوبة قاطعة ونهائية.. ستظل أسئلة مفتوحة، لأننا إزاء نصوص محيرة ومثيرة وإشكالية.. نصوص قابلة للحوار والحياة في كل زمان ومكان.. نصوص لا يتلاعب فيها الشاعر بتقديم المؤخر وتأخير المقدم من المفردات للتلاعب اللفظي والنحوي البليد الذي قد نجد في أبيات المتنبي بعضاً منها، كما نجد ذلك عند سواه، ولكنها نصوص أكثر مما تصرح به.. نصوص تقول بنيتها السطحية شيئاً بقصد أن تخفي ما تقوله بنيتها العميقة، ولذلك اختلف حول دلالات هذه الأبيات المفسرون والمؤولون، وهذه طبيعة النص المفتوح باختصار ووضوح. ومما لاشك فيه أن نص المتنبي لم يُستهلك في القراءات الكثيرة التي تناولته، ولن تكون هذه القراءة سوى محاولة من المحاولات، وهي لا تقول الكلمة الأخيرة، ولن تكون محطة قرائية فاصلة بين نص إشكالي ملغزٍ قادر على الانفتاح والتحول بين يدي أي قارئ طموح مدرب، ولذلك سنتوقف عند شخصية المتنبي الغامضة، ثم نحاول قراءة النص المفتوح في موضوعاته وسواها، لنتوصل ـ إلى جماليات النص المفتوح في شعرية المتنبي ـ 1 ـ شخصية المتنبي وقابليتها للغموض وإنتاج النص المفتوح: شخصية المتنبي مختلفة عن شخصيات شعراء العرب جميعهم، فهي غامضة في حياتها ومواقفها، وغريبة في تصرفاتها، فضلاً عن أنّها جاءت في عصر فسدت فيه السياسة، وسيطر الجند والخدم والنساء على الخلفاء، وقامت فيه الثورات والفتن، ولذلك أسهمت عوامل مختلفة في تكوين هذه الشخصية النادرة. شخصية المتنبي غنية بتناقضاتها وسلوكها وأبعادها السيكولوجية، غنية بطموحاتها، فقد ظلّ طوال عمره ـ مع أنه شاعر ـ ينشد المستحيل، فادّعى النبوة في شبابه، ولما عجز عن تحقيق ذلك الهدف المطلب اتجه إلى أن يكون حاكماً على ولاية يحكمها، وهذه المطالب تعزّ على الشعراء المادحين الذين يتكسبون بالشعر، ولذلك وقفت الأيام إزاء تحقيق ما تصبو إليه هذه النفس، فقال متألماً: أَهُمُّ بِشَيءٍ وَاللَيالي كَأَنَّها تُطارِدُني عَن كَونِهِ وَأُطارَدُ وَحيدٌ مِنَ الخُلاّنِ في كُلِّ بَلدَةٍ إذا عَظُمَ المَطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ(7) وكان لعصر المتنبي دورٌ فعال في تشكيل شخصيته النادرة، فالإنسان ابن بيئته لغةً وسلوكاً ومزاجاً، وللمكان الذي يعيش فيه بصمات في شخصيته وحياته، والإنسان يأخذ من عصره ويعطيه، وقد كان عصر المتنبي فاسداً وضاغطاً، فقد تشرَّب هذا الشارع من خلال الثقافة القيم العربية الأصيلة، وتغنى بها، ولكنه وجد أنّ الحياة تسير من حوله باتجاه مختلف، فحاول أن يعيد دورة الحياة إلى ما كانت عليه في سابق عهدها، ولكنه اصطدم بالواقع، فإذا هو يتمزق بين صورتين متناقضتين: صورة المثال التي يُنشدها وصورة الواقع التي يرفضها، فيتأجّج غضبه على العصر وأناسه المتخاذلين، ولذلك كان يرى مخلصاً في شخصيته أو جوهرة بين الرمال، ومن هنا شبه نفسه بالأنبياء الذين عاشوا غرباء في مجتمعاتهم: ما مُقامي بِأرضِ نَخَلةً إلاَّ كمَقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهودِ أنا تِرْبُ النَّدى، ورَبُّ القَوافِي وسَمَامُ العِدا، وغَيْظُ الحَسُودِ أنا في أُمَّةٍ تدارَكَها اللـ ـهُ غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ(8) وقد ربط المتنبي نتيجة لمعطيات عصره المادية وحالته الفردية المجد بالمال والمال بالمجد، فالناس ـ كما في كل عصر ـ يقدرون الإنسان بمقدار ما يملك، والمواهب الذاتية والفردية في آخر الاعتبارات، وإذا فقد المرء المال فقد بالضرورة المجد، ولذلك رأى المتنبي أن يكافح المرء كفاحاً شديداً للوصول إلى ما تشتهيه النفس العالية وتصبو إليه، فوضع نصب عينيه المجد والمال في معادلة واحدة، ليحافظ عليهما معاً، فقال: وأَتْعبُ خَلقِ اللهِ مَن زادَ هَمُّهُ وقَصَّرَ عمَّا تَشتَهي النَّفسُ وُجدُهُ فَلا ينَحَلِلْ في المجْدِ مالُكَ كُلَّهُ فَيَنحَلَّ مَجدٌ كانَ بِالمالِ عَقْدُهُ ودَبِّرهُ تَدبير الذَّي المَجدُ كَفُّهُ إذا حاربَ الأَعداءَ والمالُ زَندُهُ فَلا مَجدَ في الدُّنيا لِمَن قَلَّ مالُهُ ولا مالَ في الدُّنيا لِمَن قَلَّ مَجدُهُ(9) لم يكن المتنبي يخفي طموحاته وإن كانت غريبة جارحة، وإنّما كان يُجاهر بها، ويلحّ عليها، ومن ذلك مثلاً ما رواه البديعي على لسان أبي عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقيّ، فقال: "قدم أبو الطيب المتنبي اللاذقية في سنة نيّفٍ وعشرين وثلاثمائة ولهُ وفْرَةٌ إلى شحمتْي أذنيه، فأكرمته وعظمته لما رأيت من فصاحته وحسن سمته، فلما تمكن الأنس بيني وبينه خلوتُ معه في المنزل اغتناماً لمشاهدته واقتباساً من أدبه، قلت: والله إنك لشابٌّ خطيرٌ تصلحُ لمنادمة ملك كبير. فقال: ويحك! أتدري ما تقول؟ أنا نبيٌّ مرسلٌ. فظننتُ أنَّهُ يهزِلُ، ثم تذكرت أني لم أسمع منه كلمة هزل منذ عرفته.فقلت له: ما تقول؟ فقال: أنا نبيٌّ مرسلٌ. فقلت لهُ: مرسلٌ إلى من؟ فقال: إلى هذه الأمة الضالة المضلة. قلتُ: تفعل ماذا؟ قال: أملأ الدنيا عدلاً كما مُلئت جوراً. قلت: بماذا؟ قال: بإدرار الأرزاق والثواب العاجل لمن أطاع وأتى، وضرب الرقاب لمن عصى وأبى، فقلتُ له: إن هذا أمرٌ عظيم أخاف منه عليك، وعذلتُه على ذلك(10)". وسواءٌ أكان خبر هذه الدعوة صادقاً أم كان مفتعلاً فإنه يشير إلى هذه الشخصية المختلفة التي تسعى إلى ما لا يسعى إليه الآخرون، وكانت طموحات المتنبي تتجلّى غالباً في قصائد المديح، ففي قصيدة يمدح بها أبا العشائر يصرح بأنه مختلف عن شعراء عصره الذين يكتفون من الممدوح بالمال، في حين أنه مطلوبه أبعد من ذلك: فَسِرتُ إليكَ في طَلَبِ المَعالي وسَارَ سِوايَ في طَلَبِ المعاشِ(11) وهذا ما يصرح به أيضاً، بعد ذلك، لكافور الأخشيدي في مصر: ومَا رَغبَتي في عَسجَدٍ أَستَفيدُهُ ولَكِّنها في مَفخَرٍ أَستَجِدُّهُ(12) والمتنبي ذو شخصية متعالية إلى حدِّ الإفراط والغرابة، ففيه هوسٌ بعبقريته إلى حدود الجنون، ووصل به الأمر إلى أنه يرى نفسه على حق دائماً وسواها على باطل، وهو ينصب نفسه قاضياً، ويضع العالم كله في قفص الاتهام، ولذلك عاش مغترباً عن عصره، وأقام له خصوماً في كل مكان نزل فيه، وكثر هؤلاء، وتعددت مكانتهم، وكان سيئ التصرف لما عُرف عنه من خشونة الطبع، وفظاظة في الكلام، وسوء في المنادمة، ورعونة، وجهلٍ بحياة القصور، واستهانة دائمة بالشعراء، وقد وصل به الأمر إلى أن يشبههم بالحمير في قصيدة يمدح بها أبا العشائر: لَم تَزَل تَسمَعُ المَديحَ وَلَكِـ ـنَّ صَهيلَ الجِيادِ غَيرُ النُّهاقِ(13) ولم يكن المتنبي يرى غير نفسه وهو لا يعترف بشاعر سواه، وإن كثر أدعياء الشعر على حدّ قوله في قصيدة يمدح بها سيف الدولة: خَليلَيَّ إِنّي لا أرى غيرَ شاعرٍ فَلم مِنهُمُ الدّعوى ومَنِّي القَصائِدُ(14) ويصل الجموح والتجبّر به إلى أن يحمد الله على الصمم من أن يكون سليماً ويستمع إلى قصائد هؤلاء المتشاعرين، وهذا يشير إلى أن الشاعر يعيش في حالة تراجيديّة عميقة وصعبة، فرؤاه ترفعه إلى درجة فوق بشرية، فهو مرةً نبيّ، وهو مرة عبقري، ولكنَّ الواقع يقف بالمرصاد دون تحقيق أحلامه ورؤاه، ويضعه في صفوف الآخرين من الشعراء، ويحاصره بقوّة ليُدَجِّنه ويهمشّه ويستفيد من شعره وقدرته على الإبداع، وهذا ما كان يرفضه ويتمرّد عليه، ولذلك كانت نبرة الشاعر عالية وقاسية في نهاية قصيدة مدح بها سيف الدولة، وهي آخر قصيدة نظمها في بلاطه: ولا تُبَالِ بِشِعْرٍ بعدَ شاعرِهِ قد ُفسِدَ القولُ حتّى أُحْمِدَ الصَّمَمُ(15) كانت شخصية المتنبي شخصية صالحة لتكاثر الخصوم، ولاسيما الشعراء الذين أدركوا أن قصائد هذا العبقري تهدد مصالحهم، وتودي بقصائدهم إلى التهلكة والنسيان، وأنهم بحضوره لا حضور لهم، ولذلك استغلوا عنجهيته للإيقاع به، وهذا ما فعلوه ـ مثلاً ـ في ديار الحسين بن إسحاق التنوخي، فنظموا قصيدة في هجاء الحسين، ونسبوها إلى المتنبي، ولم يزد عمره حينذاك على عشرين عاماً، فما كان من المتنبي إلاَّ أن واجههم بقساوة بالغة واحتقار تهكّمي، وخاطب ممدوحه بمثل هذا العتاب القاسي: تُطيعُ الحاسدينَ وَأنتَ مَرءٌ جُعِلتُ فِداءَهُ وَهُمُ فِدائي وَهاجي نَفسِهِ مَن لَم يُميِّز كَلامي مِن كَلامِهِم الهُراءِ وَإِنَّ مِنَ العجائبِ أن تَراني فَتَعدِلَ بي أَقَلَّ مِنَ الهَباءِ وَتنكِرَ مَوتَهُم وأَنا سُهَيلٌ طَلَعتُ بِمَوتِ أولادِ الزّناءِ(16) وأكثر ما كان يؤلم المتنبي أن يصادف أميراً عربياً خالصَ النسب، كسيف الدولة، يستمع إلى شعراء من أصول غير عربية، وهو المؤمن بتفوق العصر العربي على بقية البشر، وتفوق عرب الجنوب شرفاً ونبلاً على سواهم، وكان يعتقد بأن العبقرية في الشعر وقف على اليمنيين(17)، ولذلك استنكر على ممدوحه العربي أن يُنفق وقته في الاستماع إلى سقاط الشعراء، وقد اختلطت ألسنتهم وتبلبلت قصائدهم: بأيِّ لفظٍ تقولُ الشِّعرُ زِعْنِفَةٌ تجوزُ عِنْدَكَ لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ(18) ولا يقتصر هذا التعالي على الشعراء عجماً وعرباً، وإنّما لم يسلم ملوك زمانه من لسانه السليط، سواءٌ أكان ذلك تخصيصاً، كما فعل مع الأخشيدي في هجائه، أم تعميماً، كما فعل في مقدمة قصيدة يمدح بها المغيث بن العجلي: فُؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدَامُ وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ ودَهْرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغَارٌ وَإِنْ كانَتْ لَهُمْ جُثَثٌ ضِخَامُ ومَا أنا مِنْهُمُ بِالعَيْشِ فيهِم وَلَكنْ مَعْدَِنُ الذَّهَبِ الرَّغَامُ أَرانِبُ غَيرَ أَنَّهُمُ مُلوكٌ مُفَتِّحَةٌ عُيُونُهُمْ نِيَامُ بِأَجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها وَما أَقرانُها إلاَّ الطَعامُ(19) والمتنبي ذو شخصية دموية تتلذذ بسفك الدماء وتطرب لأنهاره تجري، ولكنه ليس سادياً من دون هدف سوى القتل، فهو ثورة عارمة على أصحاب السلطة في عصره، ويحملهم تبعات الفساد وتراجع العنصر العربي في الدولة الإسلامية وسيطرة العناصر غير العربية على الحكم وثروات البلاد، ولذلك كانت تفح في قصائده رائحة الدماء، ويشير بعض الدارسين إلى أنه اكتسب هذه الصفة من صلته بحركة القرامطة، وهم يختلفون في ذلك(20)، وعندي ـ وهذه وجهة نظر ـ أن المتنبي تأثر بالقرامطة، كما تأثر بالفلسفة والحكمة والحركات الفكرية والثقافية في عصره، وربما مالت نفسه إلى القرامطة وأعجبه سلوكهم لما فيه من تشابه وتلاقٍ مع نفسيته وسلوكه، ولكنَّه لم يكن قرمطياً، كما لم يكن فيلسوفاً أو حكيماً.. كانت شخصية المتنبي موّارة بالحركة والتغير والتطلعات البعيدة، حتى إننا نستطيع أن نقول إنه لم يثبت عند فكرة واحدة محددة.. كان متقلباً خائفاً ذا مزاج عجيب، ولذلك يمكننا أن نقول باطمئنان: المتنبي كان متنبيَّاً ليس غير، فإعجابه بنفسه قد فاق كلَّ تصور، وهو ليس إعجاباً ناجماً عن مرض محدد، ولكنه ناجم عن نفس تواقة للخلود، وهي لا ترضى بالقليل القليل، وهو يشاهد من دونه في العلم والمعرفة والعبقرية والعزيمة يتبوءون المراكز، ومن هنا كانت شخصيته أقرب إلى الشخصية التراجيدية من الشخصية الملحمية، ففجيعته في أنه يرى بأمّ عينه أن أحلامه تتقدم وتنمو وتتزايد، وأن الواقع يدحرها دُفعةً واحدة، فهو منهزم من الداخل، وإن كان يبدو للعيان من الخارج منتصراً، فليس الانتصار سوى قشرة خارجية رقيقة لتغطية النار المشتعلة في داخله، ومن يطالع ديوانه الضخم يدرك بسهولة طعم المرارة التي عاشها هذا الشاعر الثائر، فشخصيته محكوم عليها سلفاً بالعذاب، وهو شبيه بأبطال التراجيديا اليونانية، ولاسيّما سيزيف، ولنتأمل في حمولة البيت التالي من هذه المرارة: ماذا لَقيتُ مِن الدُنيا وأَعجَبُهُ أَنّي بِما أَنا باكٍ منهُ مَحسودُ(21) ويقول في خطاب سيف الدولة: كُلَّ يَومٍ لَكَ اِحتِمالٌ جَديدٌ ومَسَيرٌ لِلمَجدِ فيهِ مُقامُ وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً تَعبَت في مُرادِهَا الأَجسامُ(22) تتصف شخصية المتنبي بالأنفة والكبرياء وحبّ العظمة والاعتداد بالنفس والطموح إلى المجد، وهو شجاع وعظيم الإقدام، مغرور متغطرس متعالٍ يحتقر الناس لقبولهم الذلّ والسكوت عن المهانة، صريح.. صادق القول.. حافظ للآداب.. مثقف.. مترفّع عن الدنايا، ولكَّنه متهوّر ولا يعرف المجاملة والمداورة.. فظّ ومتشائم، ولكنّه وفيٌّ لأصدقائه ومحبيّه، وهو داعية إلى بلوغ الكمال والمطلق في الأخلاق والأفعال، وفي شعره رسالة في القيم والمبادئ والأمجاد، وفيه أيضاً ملامح الانهزام، لذا اتصفت شخصيته بهذا القلق والتوتر والغموض والعنجهية والشاعرية الفذّة، فكان لابد من أن تنتج النص المفتوح. ـ 2 ـ النص المفتوح على الموضوعات: المتنبي شاعر متعدد الأصوات والطبقات في بعض قصائده، وبخاصة قصائد المديح، فقد ترك لنفسه مساحة كبيرة في بنيتها، فإذا هو يفتخر ويمدح، وهو في قصائد أخرى يمدح ويهجو، وبخاصة في كافورياته، وقد ألَّف حسام زاده الرومي رسالةً في هذا الموضوع، سمّاها "رسالة في قلب كافوريات المتنبي من المديح إلى الهجاء"(23) ويبدو لي أنّ أساس هذه الرسالة قد استقاه من التصريحات الشعرية الكثيرة التي أدلى بها المتنبي في قصائده التي هجا بها الأخشيدي، ومنها قوله: وشِعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنَّ بَينَ القَريضِ وبَينَ الرُّقى فَما كانَ ذَلِكَ مَدحاً لَهُ وَلَكِنَّهُ كانَ هَجوَ الوَرى(24) إذا وقفنا عند هذين البيتين نتأمل ما فيهما من تصريح وتلميح ورمز وصدق في التعبير ومرارة في النفس أدركنا هول المعاناة التراجيدية التي عاشها الشاعر في بلاط كافور، فمفردة "شعر" جاءت نكرة مسبوقة بواو رب، وهي دالّة على التكثير، وهذا يشير إلى أن معظم ما نظمه من أماديح في كافور يدخل تحت الحكم الذي سيسوقه في هذين البيتين، ثم يكتفي بإطلاق صفة الكركدن على كافور من دون أن يذكر اسمه صراحة ترفعاً من جهة، وللنيل منه من جهة أخرى، والكركدن حيوان من ذوات الحافر، عظيم الجثة، قصير القوائم، غليظ الجلد، له على رأسه قرن واحد، ويذكر الشاعر أن شعره الكثير يتوزّع بين النظم المكرور والرُّقى التي يُستعان بها لمداواة مريض أو لطرد الأرواح الشريرة عنه، وهذا يعني أن المتنبي يدرك أنّ هذا الأسود الذي يشبه الكركدن في عظم جثته وقلة الفائدة المرجوة منه يحتاج إلى من يتعامل معه بهذه الأساليب للسخرية منه، ثم يُبين الشاعر في البيت الثاني أن مديحه لكافور هجاء للمجتمع وللناس وللقدر الذين سمحوا لمثل هذا الكركدن أن يتربع على عرش البلاد، ولذلك هم يستحقون منه هذا الهجاء. ويصرح المتنبي في مكان آخر بأن أماديحه في كافور هجاءٌ، وقد كان يتسلى به ويسخر منه وهو يظنه مادحاً معجباً: وَلَولا فُضولُ الناسِ جِئتُكَ مادِحاً بِما كُنتُ في سِرّي بِهِ لَكَ هاجِيا فَأصبحتُ مَسروراً بِما أنا مُنشِدٌ وَإن كانَ بِالإنشادِ هَجوُكَ غالِياً(25) ويقول أيضاً في المجال نفسه: أُخِذتُ بِمَدحِهِ فَرَأَيتُ لَهواً مَقالي لِلأُحيمِقِ يا حَليمُ(26) أما المديح المبطن بالهجاء فهو كثير في أماديح المتنبي لكافور، وهذا يؤكّد مقولةَ كان المتنبي يهجو كافوراً وهو يمدحه، وهذا يعني أنَّ نصوصه هذه ذات طبقات، وقد تنّبه عليها كثير من الدارسين، وصرّح بها المتنبي نفسه بعد هروبه من مصر، وكان على غاية من الذكاء والشاعرية حين استبدل قيماً بقيم، وهو لم يفعل شيئاً عظيماً سوى أنّه عاد بشعره إلى الواقع، وكانت هذه العودة كفيلة بمقصوده، فقد ألحَّ في تلك الأماديح على لون كافور الأسود مدّعياً، بخبث وسوء طويَّة، بأنّ سواد الجلد يقابله بياض النفس، وفي هذا خروج على المقولة المثالية الإغريقية "جمال الجسد يدلّ على جمال النفس" أو "المظهر يدلّ على خار المخبر"، وقد ظلّت هذه المقولة سائدة حتى مجيء الرومانسية في القرن التاسع عشر، فاستبدلت عالم الداخل بعالم الخارج، وعالم النفس بعالم الجسد، لتُعيد للإنسان العادي شيئاً من إنسانيته التي سلبتها الطبقة النبيلة في العصور القديمة، ولكنَّ المتنبي المتمسك بنبالة الأصل العربي وقيمه الموروثة وسيادته يطعن كافور في الصميم، وهو يمدحه بخبث شديد، ويذكّره بخساسته ولؤمه وطبيعته الغادرة، وهو يعبِّر عن ذلك مواربةً لا صراحةً من خلال لونه، ويحاول أن يتلاعب بالقيم المتوارثة ليصل إلى درجة غرضه، فيذكّر ممدوحه والمستمعين بسواد لونه، وهذه صفة كان ينبغي على الشاعر أن يتحاشاها، فيخاطبه في قصيدة مدحية: تَفضَحُ الشَمسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَمْـ ـسُ بِشَمسٍِ مُنيرةٍ سَوداءِ إِنَّ في ثَوبِكَ الذَّي المَجدُ فيهِ لَضياءً يُزري بِكُلِّ ضياءِ إنّما الجلْدُ مَلْبَسٌ وابْيضَاضُ النفسِ خيرٌ من ابيضاضِ القباءِ(27) يتظاهر الشاعر في هذه الأبيات بأنّ بياض الجلد لا قيمة له إزاء بياض النفس، وأن الباطن أهمّ من الظاهر، وهذا القول حقيقة نؤمن بها اليوم بعد عصر الرومانسية الذي ركّز على الطهارة والصفاء والبراءة، ولكنَّ المتنبي لا يؤمن بذلك، وإنّما اتخذ هذا القول دريئة يحتمي وراءها ووسيلة ينفذ من خلالها إلى مآربه في هجاء كافور، ففي ظاهر الأبيات مديح، ولكنّّه مبطّن بالاستهزاء والمرارة، وهذا ما أعلنه، فيما بعد، في داليته الشهيرة، وهو يركز على هذه الصفة، وينفي معها بياض النفس والسريرة، ويعود إلى إيمانه بالمقولة الأفلاطونية السابقة التي لم يتخلَّ عنها في حقيقة الأمر، فمن المتعذَّر عنده من أن يرتقي العبد إلى طبقة السادة: ما كُنتُ أحسَبُني أَحيا إلى زَمَنٍ يُسيءُ بي فيهِ كَلبٌ وهوَ مَحمودُ وَلا تَوَهَّمتُ أنَّ الناسَ قد فُقِدوا وَأَنَ مِثلَ أَبي البَيضاءِ مَوجودُ وَأَنَّ ذا الأسودَ المَثقُوبَ مِشفَرُهُ تُطيعُهُ ذي العَضاريطُ الرَعاديدُ(28) ثم هو ينفي في نهاية القصيدة نفسها أيّ فضيلة أو مكرمة لهؤلاء السود، وفي مقدمتهم من كان يمدحه، فيقول: مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً أَقَومُهُ البيضُ أَم آباؤُهُ الصيدُ أَم أُذُنُهُ في يَدِ النَّخَاسِ دامِيَةً أم قَدرُهُ وَهوَ بالفَلسَينِ مَردودُ وَذَاكَ أنَّ الُفحولَ البيضَ عاجِزَةٌ عِنِ الجَميلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السودُ(29) والمتنبي ـ كما هو معروف ـ متمسّك بالقيم العربية الأصيلة وبالنسب العريق(30)، وقد ولج من مشكلة نسب كافور إلى استبطان الهجاء من خلال المديح، فاستهزأ من هذا الزمان الرديء الذي نصَّب من لا نسب لهم ملوكاً على الشعوب العربية، وهو يغمز من نسب كافور الوضيع مدّعياً بأن هذا الممدوح لا يحتاج إلى النسب العريق، لأنَّ أفعاله أكبر من كلّ نسب، وهذا الإدعاء تغطية رقيقة تفضح ما تحتها، وبخاصة أن المتنبي في شعره لا يتنازل عن أيّ قيمة من قيم العرب، وكأنّه يذكّر كافور ومستمعيه هنا إلى وضاعة نسبه، ثم هو ينظر إليه، وكأنَّه ينظر إلى ملهاة يطرب لها، فيخلط الهزل بالجد والهجاء بالمديح بمرارة قاسية مدعياً بأنّه في مجال المديح، ولكنَّه في حقيقة الأمر ساخرٌ متهكمٌ من ممدوحه ومن زمنه الذي يُنَصِّب أشباه الرجال ملوكاً على ذوي الأنساب الرفيعة، وكانت هذه الأبيات تتحرَّك باتجاهين متناقضين، فالبنية السطحية تدّعي المدح، وهي تخفي تحتها البنية العميقة المفعمة بالمرارة والسخرية من هذا الزمن ومن هذا الممدوح الذي يفضحه نسبه الوضيع، فيقول: ويُغنيكَ عَمّا يَنسُبُ الناسُ أنَّهُ إِلَيكَ تَناهى المَكرُماتُ وَتَنسَبُ وَأَيُّ قَبيلٍ يَستَخفُّكَ قَدرُهُ مَعَدٌّ بنُ عَدنانَ فِداكَ وَيَعرُبُ وَما طَرَبي لَمّا رَأَيتُكَ بِدعَةً لَقَد كُنتُ أَرجو أَن أَراكَ فَأَطربُ(31) قد صرّح المتنبي في إحدى هجائياته لكافور فيما بعد بما يقصده من البيت الأخير، فأعاد تشكيله، ورمى بالقشرة الخارجية أو البنية السطحية بعيداً، فإذا هو يجعل من ممدوحه قرداً يتلهّى بحركاته ومنظره، وهو تفسير واضح لمقصوده الخفي، وليس ذلك فحسب، وإنما التقط له صورة غرائبية عجائبية لا يتقبّلها العقل ولا العادات ولا النفس الإنسانية، ومسخه مسخاً وصل به إلى الدرك الأسفل، فمكانه ليس على عرش الملوك العرب، وإنما يُحمل أمثاله من بلاد بعيدة لتتلّهى به الحرائر الثواكل عن أحبائهن الموتى قبل أن يُصار إلى دفنهم: وَمِثلُكَ يُؤتى مِن بِلادٍ بَعيدةٍ لِيُضحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَواكِيا(32) ويحاول المتنبي في كافورياته المدحية أن يجردّه من أيّ صفة إيجابية تعارف عليها العرب في المديح، فيُعيد وصوله إلى الحكم للأقدار وحدها، وهذا مديح مبطّن بالهجاء القريب، فلا بياض النسب ولا بياض الجلد، لكنّها المصادفة، أو مهزلة الأقدار كما يُقال، فهو يستخفّ به، ويعزو انتصاراته إلى قدر مقدّر وقضاء مدّبر، لا سلطان لأحد على دفعه، وليست هذه الانتصارات ناجمة عن حنكة كافور وكفاءته وقوّة بأسه، أو ضعف عدوّه، وتخاذله وقلّة حيلته، وإنّما هي ناجمة عن قدر مرسوم سلفاً، فلما خرج شبيبُ العقيلي على كافور سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وقُتل في دمشق قال المتنبي بين يدي كافور: عَدُوَّكَ مَذمومٌ بِكُلِّ لِسانِ وَلَو كانَ مِن أَعدائِكَ القَمَرانِ وللهِ سِرٌّ في عُلاَكَ وإنَّما كلامُ العِدَا ضَرْبٌ من الهَذيَانِ(33) وقد تنبه ابن جني على محمول البيت الأول من المديح المبطن بالهجاء، فقال: "هذا المدح ينعكس هجاء. يقول: أنت رذل ساقط، والساقط لا يضاهيه إلا مثله، وإذا كان معاديك مثلك فهو مذموم بكل لسان، كما أنك كذلك ولو عاداك القمران(34)"، وجاء كلام ابن جنيّ في تعليقه على البيتين ما يأتي: "هذا ممّا ينقلب من مديحه إلى الهجاء، وهو مع التأمل له في أكثر شعره، والسّرّ هنا في علاه: "أن يغيظ به الأحرار(35)". ولا يقتصر هذا المديح المبطّن بالهجاء على كافوريات المتنبي، ولكنّ المرء قد يجده أيضاً في مديحه لسيف الدولة وبخاصة في هذه المرحلة الأخيرة من اتصالهما، وليس صحيحاً ما يُشاع عن سيفيات المتنبي من أنّها إعجاب خالص بالممدوح، فوضع هذه القصائد في سلة واحدة أمر لا تتقبّله القراءات النّصيّة، وقد أخذت صورة سيف الدولة تهتزُّ في مخيلة المتنبي، فتداخل التعريض والاستهجان في هذه المرحلة بالمديح، وبخاصة في ميميته الشهيرة التي تجاوز فيها العتاب إلى التقريع، وقد اقتنع المتنبي بأنَّ الأمير قد انتهى إلى صفوف أعدائه وخصومه، فأنزل صورته من علياء الأسطورة إلى الحاكم غير العادل والرجل الذي لا يفرّق بين الصديق والعدوّ وبين الوفيّ والخؤون، كما لا يميّز جيد الشعر من رديئه: يا أَعدَل النَّاسِ إلاَّ في مُعَامَلتِي فِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقةً أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فيمَن شَحْمُهُ وَرَمُ وَما اِنْتِفَاعُ أخي الدُّنْيا بناظِرِهِ إِذا اِسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأَنْوَارُ وَالظُلَمُ أَنا الَّذي نظَرَ الأَعمى إلى أَدَبي وَأَسْمَعَتْ كَلِماتِي مَن بِهِ صَمَمُ كَم تَطلُبونَ لَنا عَيباً فيُعجِزُكُمْ وَيَكرَهُ اللهُ ما تَأْتُونَ وَالكَرَمُ(36) صحيحٌ أنّ المتنبي لم يَهْجُ سيف الدولة تصريحاً لأسباب نجهلها، ربما كان ذلك وفاءً لماضيه مع ممدوحه، أو لحبّه لخولة كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين(37)، أو لأسبابٍ أخرى ظلّت طيّ الكتمان، ولكنَّه هجاه تلميحاً في كافورياته المدحية والهجائية معاً، ففي قصيدته البائية التي مدح بها كافوراً سنة ست وأربعين وثلاثمائة يوازن بين عطاءات سيف الدولة القليلة وعطاءات كافور الكثيرة، ويردُّ على مَنْ لامه بهجر حلب إلى مصر: قالوا هجرتَ إِلَيهِ الغَيثَ قُلتُ لَهُم إلى غُيوثِ يَدَيهِ وَالشَآبيب إلى الذَّي تَهبُ الدُّولاتِ راحتُهُ وَلا يَمُنُّ عَلى آثارِ مَوهوبِ(38) وإذا وقفنا عند عبارته "وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة عن الجميل" في هجاء كافور أدركنا أن سيف الدولة واحد من هؤلاء الفحول، وربما كان هو المقصود من هذا البيت، فقد كان لشخصية المتنبي المتعالية أبداً والطامحة إلى المستحيل دور في ذلك، ودور في جلافته وغلظة طباعه وعبارته، فهو ـ وإنْ فضَّل سيف الدولة على سواه من الممدوحين في قصيدة أرسلها سنة ثلاثة وخمسين وثلاثمائة ـ لا يزيد على أن يجعل ممدوحيه ركائب له: ومَن رَكِبَ الثَورَ بَعدَ الجَوا دِ أَنكَرَ أَظلافَهُ وَالغَبَبُ(39) هذا قام المتنبي بتحويل الموضوع المغلق على نفسه، وهو المديح، إلى موضوع مفتوح على موضوعات أخرى، أو نصٌّ مفتوح على نصوص أخرى، فإذا المديح يستبطن الهجاء أو التقريع الشديد أو العتاب، ولذلك اقتحم نص المتنبي هنا بنية الثقافة الشعرية السّائدة بقصد تغييرها. ـ 3 ـ النص المفتوح على التأويل في قصيدة المتنبي: المتنبي شاعر مثقف بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فالعودة إلى معجمه الشعري تؤكد ثقافته اللغوية والدينية والتاريخية ومعرفته بالحكمة وأقوال الأولين وسوى ذلك، فقد أخذ لغته عن الأعراب في الصحراء، ونهض إلى الحكمة والفلسفة، فاستفاد من حكم أرسطو، وبنى من حجارتها بعض أبياته في الحكمة، وقد أشار شُرَّاحُ ديوانه إلى ذلك، واتّهمه بعض خصومه بأنّه سطا على المعلّم الأول، واستفاد المتنبي من فكر القرامطة، ويُحكى أن لأبي الفضل الكوفيّ ـ هو شخصية غامضة ـ أثراً عميقاً في تكوينه الفكري، وقد كان هذا الرجل فيلسوفاً، وقيل هو الذي أَضلَّ المتنبي وهوّسه وعرّفه بالفلسفة اليونانية، وقد خصَّه المتنبي بقصيدة مدحه فيها بعد عودته من بادية السماوة، وكان معجباً به أشدّ الإعجاب، فرفع مقامه إلى مقام أعلى من مقامات البشر، فقال: نورُ تَظاهرَ فيكَ لاهوتيَّةً فَتكادُ تَعلمُ علم ما لن يعلما ويَهِمُّ فيكَ إذا نَطَقتَ فَصاحةً من كُلِّ عضوٍ منكَ أَنْ يَتَكَلَّما(40) حاول المتنبي أن يستنطق اللغة الشعرية كما لم يفعل ذلك شاعر عربيٌّ من قبل، فكانت اللغة طيّعة بين يديه، وغاص في أعماقها بحثاً عن اللؤلؤ المكنون، وكان سبَّاحاً ماهراً في بحر اللغة عارفاً بأسرارها وخباياها وكنوزها، في حين اكتفى سواه من الشعراء بالقريب القريب من السطح، والمشكلة أنَّه كان يعي ذلك، فانتقل من جغرافية النص إلى جيولوجيا النص، وأخذ يحفر في عمق اللغة بدلاً من أن يتوقف عند سطحها، وأخذت طبقات النص تخفي كثيراً من الدلالات التي تعتلج في نفسية المتنبي، ولكنّ السطح ظل يرشح بها ويستقر عنها، ومن ذلك ـ مثلاً ـ تداخل صورة الذات بصورة الآخر، فقد ألبس المتنبي ممدوحه صورةً خلعها عليه من ذاته، وهي صورة البطل الأسطوري، وقد تقمّص المتنبي شخصية سيف الدولة تعبيراً عن الرغبات المكبوتة في داخله، وهو البطل الذي تخشى غضبه ملوك الأرض، والسيّد الذي تعترف الأيام بسيادته: تَظَلُّ مُلوكُ الأرضِ خاشِعةً لـهُ تُفارِقهُ هَلكى وتَلقاهُ سُجَدا(41) وتتحدّ صورة الممدوح بصورة المادح، ليشكلا معاً صورة الحلم بالبطل الأسطوري الذي كان المتنبي يتوق إلى تحقيقه، أو كأنّه يستخدم تقانة القناع الدرامي، فهو يخاطب نفسه حين يخاطب الممدوح في تشكيل صورة البطل الأسطوري الآتية: وقَفْتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لواقِفٍ كَأَنَّكَ في جَفن الرَّدى وَهوَ نائِمُ تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً ووَجهُكَ وَضاحٌ وثَغرُكَ باسِمُ تَجاوزتَ مقدارَ الشَجاعَةِ والنُّهى إلى قَولِ قَومٍ أَنتَ بالغيبِ عالِمُ(42) كان المتنبي يؤمن إيماناً مطلقاً في تعاليه على الآخر بأنّه يمتلك ما لا يمتلكه سواه، ولكنَّ سواه يمتلك ما لا يمتلكه هو بالمقابل، وهو أحقُّ منه، هو يمتلك الموهبة الخارقة والشاعرية الفريدة، وكان كثير من ممدوحيه ورجالات عصره ـ حسب وصفه ـ جهلةً، ولكنَّهم يمتلكون المال والجاه والسلطة، وهذه إشكالية تجربته الشعرية، وسرٌّ من أسرار طموحه الدائم، وهي تشكّل سؤاله المستمرّ: لماذا لا يمتلك السلطة والمال من يمتلك العبقرية؟ ولماذا يعيش العبقري على هامش الحياة في حين يتنعَّم الآخرون بالثروات والجاه؟ ولماذا لا يقود العبقريُّ الجيوش ويفتتح البلدان ما دام هو لا يستطيع أن يفتتح اللغة. ويكتشف ثراءها الدفين؟ وكأنَّ اللغة الشعرية ما وجدت إلاَّ له، فهو يلعب بها ويشكّلها حسبما يريد، في حين كانت اللغة صعبة على سواه، سواء أكانوا من الشعراء، أم العلماء، ولذلك يخاطب ممدوحه بفظاظة وتعالٍ وادّعاء: أَجِزني إِذا أُنشِدتَ شِعراً فَإِنَّما بِشِعري أَتاكَ المادِحونَ مُرَدِّدا(43) أما قصائده فهي شوارد لا يجد صعوبة في نظمها، وكأنّها تأتيهِ عفواً، وتنتشر في أصقاع الأرض، وينشغل العلماء والشعراء في مراميها البعيدة من دون أن يتوصَّلوا إلى حلٍّ مقنع، فهي صعبة المنال، في حين أنه ينام قريرَ العين مرتاحاً، ساخراً من جهلهم وكثرة ادعاءاتهم: أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها ويَسهَرُ الخَلقُ جَرَّاها وَيَخْتَصِمُ(44) وبناءً على ما سبق فإنّ قصائد المتنبي ـ كما يدّعي ـ تختلف عن سواها، فهي أكثر فاعليَّةً في المتلقيِّن وأوسعُ انتشاراً، وهذا ما صرّح به في قصيدة يمدح بها سيف الدولة: وَعِندي لَك الشرُدُ السائِرا تُ لا يَختَصِصنَ مَنَ الأرضِ دارا قَوافٍ إذا سِرنَ عَن مِقوَلي وَثَبنَ الجِبالَ وخُضنَ البِحارا وَلي فيكَ ما لَم يَقُل قاتِلٌ وَما لَم يَسِر قَمَرٌ حَيثُ سارا(45) كَثُرَ شراح ديوان المتنبي، واختلفوا حول تفسير بعض أبياتها اختلافاً لم يعرفه ديوان شاعر عربي من قبل ومن بعد، فالمتنبي لم يكن يُفصح كلَّ الإفصاح عمّا يختلج في داخله، فقد سكت عن كثير مما يريد أن يصرّح به وأخفاه، وألزم نَفْسَهُ بالصبر، وحَبَسها عن الكلام، ولو أظهر ما كان يريده، بخاصة في ساعات غضبه والشدائد التي تعرّض لها، لوصلنا منه شيء كثير، وغير بعيد عنّا تلك الإشارة اللّماحة السريعة التي دعت باحثاً مثل محمود محمد شاكر أن يذهب إلى أنّ المتنبي كان على صلة حبّ بخولة، وأن يُعيد الخصومة التي نشأت في بلاط سيف الدولة بين الشاعر من جهة، وأفي فراس وأبي العشائر من جهة إلى هذه الصلة، وقد أسعفته في ذلك عبارة "ولا ودّ بلا سبب"، فتساءل عن جوهر هذا الودّ وطبيعته في البيت الشهير: وَلا ذَكَرتُ جَميلاً مِن صَناِئِعها إلاَّ بَكَيتُ ولا وُدٌّ بلا سببِ(46) كان المتنبي يستخدم أساليب جديدة في قصائده، ومنها اللاَّ مباشرة والمداورة وإلباس الفكرة ثوباً شفافاً، فيخلق إشكالية في التلقي، ففي قصيدة يمدح المتنبي بها أبا العشائر ويودّعه يقول: تُنشِدُ أثوابُنا مَدائِحهُ بِأَلسُنٍ مالَهُنَّ أفواهُ إِذا مَرَرنا عَلى الأَصَمِّ بِها أَغنتَهُ عن مِسمَعَيهِ عَيناهُ(47) يصف الشاعر ممدوحه بأنّه كريم، ولكنّه لا يدخل إلى هذه الصفة من الباب القريب، وإنَّما حاول أن يُلبسها ثوباً جديداً، فذهب إلى أنّ الممدوح يخلع علينا أثواباً، فنرتديها، فيراها الناس علينا، ويعلمون أنّها من هداياه، ولذلك تقوم هذه الأثواب مقام الألسنة في التعبير عن كرم الممدوح، وهي دلالة لا مباشرة وبعيدة، وتحتاج من القارئ إلى إعمال الذهن، وتدعى هذه البلاغة بلاغة الصمت، أو البلاغة بالوساطة، فالثياب هي التي تتكلّم وتُفصح وليس اللسان، وهي إشارة سيميولوجية واضحة. ويمتنع المتنبي عن التسمية والتحديد في بعض قصائده المدحية، وهذا ممّا يعزز شاعرية النّص، ويصير سابحاً في فضاء المعنى قابلاً لكلّ حالة مشابهة، وليس هو مختصاً بحالة معينة، أي أن النص ينفتح على حالات مشابهة، في حين يكون التحديد مقتصراً على حالة واحدة أو مناسبة ما، وقد ذهب مالارمه إلى أنَّ "تسمية الشيء حذف لثلاثة أرباع متعة القصيدة التي صُنِعَت من سعادة التحقّق شيئاً فشيئاً، فالإيحاء بالشيء إنّما هو الحلم"(48)، ولذلك كان مطلع ميمية المتنبي في مديح سيف الدولة في وقعة الحدث عائم الدلالة، منفتحاً على الحالات المشابهة: عَلى قَدرِ أهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِم وتَأتِي على قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ وتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها وتَصْغُرُ في عينِ العظيمِ العَظائِم(49) وليس جديداً أن يُقال إنّ بنية اللغة الشعرية وطبيعة علاقاتها غير لغة النثر، فأهدافهما ووظائفهما مختلفة، وهما من طبيعتين متضادتين، فإذا كانت وظيفة لغة النثر في التوصيل والإبلاغ فإن لغة الشعر ذات وظيفة تشويشية، لأنّ غاية هذه غير غاية تلك، وإذا كانت لغة النثر وسيلة إلى غاية في ذاتها، ولذلك هي تقوم على الانزياح والاستعارات والمجازات والتكثيف وبلاغة الاقتصاد والمحو، ولنحاول قراءة بيت المتنبي الآتي في مديح سيف الدولة: بناهَا، فَأعلى، وَالقَنا تَقرَعُ القَنا ومَوجُ المَنَايا حَولَها مُتَلاطِم(50) يتألف البيت من أربع وحدات صغيرة: الأولى (بناها)، الفعل (بنى) مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى سيف الدولة، والضمير (ها) المتصل يعود إلى قلعة الحدث، والثانية (فأعلى)، الفاء عاطفة بعد ترتيب، والفعل مسند إلى ضمير مستتر، والمفعول محذوف لمعرفته (فأعلاها) أي قلعة الحدث، والثالثة (القنا تقرع القنا) جملة اسمية تتضمن جملة فعلية خبرية لبيان زمن البناء وحالته، والرابعة (موج المنايا حولها متلاطم) جملة اسمية لبيان مضمون الجملة السابقة ونتائجها.. الخ. إذا عددنا هذا البيت نصّاً كاملاً فإنّنا نتلمس بسهولة أنَّه يتضّمن بنيتين: سطحية وعميقة، وهذا يعني أنَّه يتضَّمن معنى تقوله الأبيات مباشرة، ومعنى آخر لا تصرّح به، وإنّما هو ملموح ومتروك للقارئ لكي يُعيد إنتاجه وإظهاره إلى الملأ، وإذا كان هذا المعنى موجوداً فهو الذي يمنح هذا البيت صفة الشاعرية والانفتاح على التأويل. تقول البنية السطحية للبيت: إن سيف الدولة قد بنى قلعة الحدث، وأعلى بناءها في وقت كانت فيه رماح المسلمين تقارع رماح الروم، وكأنّ بحر الموت متلاطم الأمواج غاضب لهول هذه المعركة وكثرة قتلاها في تلك اللحظة، وهو معنى قريب، نثر، وكأنّه خبر عاديّ أو نص تاريخي (وثيقة) يصف البناء والقتال معاً. لو حاولنا أن نفكّك هذا البيت بحثاً عن البنية العميقة وبلاغة النص لأدركنا أنّ في خباياه أكثر ممّا في ظاهره، فالنّص لا ينقل خبراً عادياً، وإنّما هو ينقل حالة، فقد قدّم الشاعر فعل البناء على فعل القتال، وهذا مخالف للعادة، والمألوف والمنطق، فلا يكون البناء في مكان يكون فيه القتال إلاَّ بعد انجلاء المواقف والنتائج، وكأن الشاعر يريد من ذلك أن يقول أو يلمح إلى أن ثقة سيف الدولة بالنصر كانت قاطعة قبل أن يبدأ بالقتال وقبل أن يسير بجيشه إلى هذا الحصن، ولذلك كان البناء والقتال في لحظة واحدة، وكأن الأمير يختصر الزمان للاحتفال بالنصر والبناء، وفي هذا التقديم دهشة ومفاجأة، فالروم يحتلّون القلعة ويتحصّنون بأسوارها، فهل هو يبنيها لهم أو يبنيها لجنوده؟ ولذلك كان لهذا التقديم دلالة إيحائية انتشارية لا محدودة، وكان له بلاغة مختلفة، فلو كان قدّم القتال ـ وهو مقدّم عقليَّاً ـ لكان الكلام نثرياً أو متلائماً مع المنطق والواقع، لكنّه قدّم غير المقدّم، فخالفهما. ولنعد إلى الوحدات الصغرى لتفكيكها، ونبدأ من الوحدة الأولى "بناها" فالفاعل ضمير مستتر يعود إلى سيف الدولة، وهذا يعني أنّ الشاعر يسند الفعل إلى غير فاعله، وهو البنَّاءون، ليبيّن ماهية البطل الأسطورية، وهذا الفعل في هذا الوقت غير عادي، ولا يُقدم عليه إنسان إلاَّ إذا كان خارقاً، ثمّ إنّ الشاعر حذف ما هو معروف "القلعة"، واستبدل ضميرها بها، ولذلك هو يبتعد عن التفاصيل التي يضيق بها البيت الشعري، وكذا شأن الوحدة الصغرى الثانية "فأعلى"، فالفاء عاطفة تعني الترتيب وعدم الانقطاع، وقد حذف ضمير المفعولية لمعرفته، وأسند فعل البناء مرّة ثانية إلى غير فاعله، وتفيد الوحدتان الاستمرار في البناء، وصورة القلعة متحوّلة بين لحظة وأخرى، فكأنّها شيء ينمو سريعاً، فحركة البناء شبيهة بحركة الحرب، يرفع البنّاءون المداميك، ويحاول الأعداء تهديمها، ولكنَّ السيوف تحصدهم واحداً فواحداً، وكلما قلّ عدد الأعداء ارتفع البناء شامخاً عالياً، ثمَّ إن في عملية البناء دلالة أخرى لم يتعرّض لها البيت صراحةً، وإنما هو يوحي بها، وهي ثقة البطل الأسطوري بأنّ الثغر مفتوح لا محالة، ولذلك كانت علمية البناء تتضمن المعاني التي لم يصرّح بها البيت، وأهمها محاصرة المسلمين الجنود الروم داخل القلعة والقضاء عليهم، وهكذا يكون لتقديم عملية البناء دلالات ملموحة تجاوزها البيت، ولم يتعرّض لتفصيلاتها، وإنما تُركت للقارئ، وهذا هو المتنبي في لغته الملحمية اللمّاحة، وهي أحد أسرار شاعريته الفذّة، يختصر حين ينبغي الاختصار، ويؤكد حين يحتاج المعنى إلى تأكيد، ونتساءل هنا: أما كانت عبارة "القنا تقرع القنا" عبارة تغني عن عبارة "وموج المنايا حولهم متلاطم" أو أنّ البيت كان بحاجة إليها عروضيَّاً ليتممَّ النصف الثاني النصف الأول منه؟ وهل يُعقل أن يكون النصف الأول بهذه البلاغة الشعرية الملحمية الرفيعة، ليأتي ـ بعد ذلك ـ النصف الثاني حشواً لا طائل منه، وكأنّه نظم أجوف؟؟ ليست الوحدة الأخيرة توكيداً لما سبقها، وليست شرحاً لها أو تفصيلاً، وإنّما هي امتداد لما سبقها لبيان حركة القتال التي تحتاج إلى بيان، وقد اقتضت إيقاعية الحركة الملحمية هذه العبارة لتبين أنّ القتال كان مثمراً وشديداً وقتال الأبطال من الطرفين، لتكون ثقة البطل بالنصر أعظم، وهو نصر بعد معاناة وجهاد مرير، وقد غاد الثغر بهذا القتال المتواصل الشديد من الطرفين بحراً متلاطم الأمواج من القتلى، أو هي ساعة الصفر والحسم والتهديم والبناء، غدا الثغر بحراً من الدماء التي اختلطت من هنا ومن هناك، ففاضت على جانبيه وحوله فيضان السهول.. إنها المعركة الحدث، معركة الملحمة الكبرى، ولذلك لم تكن العبارة الأخيرة مجانية، وإنّما هي ذات وظيفة إيقاعية لاستقرار المعنى في مستقرّه.. هذا غيض من فيض حول هذا البيت الشعري الذي يتضمّن في داخله فوق ما يتضمنّه في سطحه وظاهره من دلالات نثرية عادية، ولذلك اكتست لغة الشعر بانفتاحه على احتمالات دلالية متعددة، وقد تميزت هذه اللغة باقتصاد وتكثيف واختصار وحذف، وهي بعيدة عن التفصيلات والثرثرات، وبعيدة عن التمطيط والتمدد النثريين، وهي لغة القفز من هاوية إلى أخرى ضمن إيقاع حركي نابض، ومن أهم صفاتها اللا تحديد في الأشياء والأسماء واتجاهات الحركة والإيقاع، ولذلك كان في البيت من الدلالات أضعاف مضاعفة مما فيه من كلمات، فهو مكتظٌّ بالمعنى ومعنى المعنى. ـ 4 ـ جماليات النص المفتوح في شعر المتنبي: للنص المفتوح في الشعر جماليات كثيرة ومتنوّعة، وبخاصة ما يتّصل منها بالقارئ الذي كان منفعلاً في النّص المغلق، فغدا فاعلاً في النص المفتوح، وتحوّل النّص ذاته إلى وسيلة اختبار نفسية، فالممانعة تعني الأخذ والردّ والجذب والتنافر من دون انقطاع، وهذا يعني أنّ الطرف الأول (الشاعر) يحصِّن نفسه، وأنّ الطرف الثاني (القارئ) يحتاج إلى أن يبذل جهوداً مضاعفة للوصول إلى غرضه، فإذا كان ماهراً واستطاع بعد لأي أن يفتتح بعض مغاليق النّص ويكتشف أبعاده ودلالاته، تولّدت عن ذلك جمالية الاكتشاف ولذّته التي تبعث في النفس القلقة المتعة والراحة بعد التعب والوصول إلى الغاية بعد الجهد، وارتياح القارئ إلى قدرته على اختبار مجالات الإبداع. ولا ينجم الإحساس بالجمال في الفنون عن معنى نبيل أو حقير، ولو كان الأمر كذلك لما استحقّت لوحة "الحذاء" لفان كوخ ما نالته من استحسان وتقدير، وقد ذهب الجاحظ قديماً إلى أنّ "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفُها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقرويّ والمدنيّ، وإنما الشأنُ في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع، وجودة السَّبك، فإنّما الشعر صناعة، وضرب من النسيج، وجنسٌ من التصوير"(51)، ولكن الإحساس بالجمال ناجم عن فنيّة العمل، وليس لصدقه أو كذبه مع مرجعياته أيُّ قيمة جمالية، ولا يهتمُّ المتلقي في الشعر أن تكون صورة سيف الدولة أو صورة كافور مطابقة لما جاء في الواقع أو التاريخ، وليست هذه وظيفة الشاعر، وإنّما هي وظيفة المؤرّخ، كما بيّن ذلك أرسطو في كتابه "فن الشعر"(52)، في حين أنّ الشاعر يُغَلِّب الوظيفة الشعرية على الوظيفة المرجعية، ولذلك يُسمح بالتلاعب باللغة، فيصنعها وفق هواه حتى إنها تبدو بلا مثال أو أنموذج، وكلّما استطاع أن يُقيم الهوة بين الدال والمدلول استطاع أن يحرّر الدال من هيمنة المدلول الواحد وسلطته، ويُصبح الدال حراً، وهو لا يُحيل إلا على نفسه، وهكذا تخرج اللغة من أفقها النثري أو التداولي إلى آفاق رحبة يسبح فيها الدال بحريّة مطلقة. ويخرج النص المفتوح بغموضه وتعدّد دلالته من المتشابه إلى المختلف، فتخرجُ جماليتهُ من السَّائد إلى المجهول، ويؤسّس لجمالية الاختلاف والتعدّد، وإذا كانت بلاغة الوضوح تُفقد النص كثيراً من جمالياته التي يبثُّها النص المفتوح الموارب، لأنَّ البوح بالأشياء والتفاصيل تعريةٌ لها، فإن بلاغة الغموض إخفاءٌ لما هو جوهري، وإذا كانت بلاغة الوضوح تسعى إلى توحيد الأذواق ضمن جمالية مرسومة سلفاً ممتدة عبر الأزمنة، فإنّ بلاغة الغموض تسعى إلى تعدّد الأذواق واختلاف الفهم في درجاته ومستوياته وآلياته، واستقلال شخصية المتلقي عن شخصية الشاعر وانفصاله عنه، وحرية حركته في البحث عن الدلالات الهاربة والمختلفة وراء الدلالات الظاهرة، ممّا يتيح للمتلقي حرية في الحركة والإبداع والتأويل، وتنجم عن ذلك كلّه جماليات النص المفتوح، وأهمُّها في شعر المتنبي جماليات الغضب والثورة وجماليات التساؤل، وجماليات الصدمة والمفاجأة، وجماليات الاختلاف، وجماليات التأويل. إنّ المتنبي من الشعراء المؤسسين لجماليات الغضب والثورة في الشعرية العربية، فنصّه ملبَّدٌ بالغيوم والقهر والإحساس بالظلم وفساد العصر، وهو ملبّد بالدماء والثورة العارمة، ولذلك ذهب منذ صباه، وهو دون العشرين من عمره، مذهباً غريباً، فهو يسعى إلى تطهير الأرض من الخانعين والخدم والمتسلّطين على الحكم، فيقول: أرى أُناساً ومَحَصولي عَلى غَنَمٍ وَذِكرَ جودٍ ومَحَصولي عَلى الكَلِمِ وَرَبَّ مالٍ فَقيراً مِن مُروَّتِهِ لَم يُثرِ مِنها كَما أثرى مِنَ العَدَمِ سَيَصحَبُ النَصلُ مِنّي مِثلَ مَضرِبِهِ وَيَنجَلي خَبَري عَن صِمَّةِ الصَّمَمِ لَقَد تَصَبَّرتُ حَتّى لاتَ مُصطَبَرٍ فَالآنَ أُقحِمُ حتّى لاتَ مُقتَحَمِ لأَترُكَنَّ وَجوهَ الخَيلِ ساهِمَةً وَالحَربُ أقوَمُ مِن ساقٍ عَلى قَدَمِ أَيَملِكُ المُلكَ وَالأسيافُ ظامِئَةٌ وَالطَيرُ جائِعَةٌ لَحمٌ عَلى وَضَمِ مَن لَو رَآنيَ ماءً ماتَ مِن ظَمَأٍ وَلَو مَثَلتُ لَهُ في النَومِ لَم يَنَمِ مِيعَادُ كلِّ رقيقِ الشَّفْرَتَيْنِ غداً ومن عَصَى من مُلُوكِ الْعُربِ والعَجَم(53ِ) هذه الثورة العارمة ناجمة عن فساد العصر الذي عاش فيه المتنبي، فهو شخصية لا تقبل التدجين، وكأنَّه قادم من بلاد الرفض والتمرّد، وهو لا يقبل بما هو سائد في عصره سياسةً ومعتقداً وثقافة وشعراً، وكأنه جاء يحمل مصيره على كتفيه، ولذلك كان يجاهرُ بما في نفسه حيناً، وكان يُواري ما في نفسه حيناً آخر، فيقول شيئاً ويريد سواه، فواقع العصر مبثوث في كلِّ قصيدة من قصائده، ونادراً ما تقع على قصيدة لا نستشفّ عبرها حالة من أحوال الناس، ولذلك كان في حرب دائمة مع الناس صغاراً وكباراً، وإذا حاولنا أن نتقصَّى العناصر التي شكّلت جانبي الغضب والثورة في شخصيته وشعره وجدناها كثيرة، وأهمّها ثلاثة: الأول فساد العصر كل العصر، وتراجع القيم الأصيلة والكلمة العبقرية، وهذا ما يواجهه الدارس في غير موضع من قصائده، ولذلك ذهب كالطائي إلى أنَّ المجد للسيف وأنّ زمان القلم قد ولّى، وهذا ما كان يؤلمه ويقضّ مضجعه، فقد ذكر ذلك في قصيدة يرثي بها فاتكاً ويبحث عمّن يشبهه دون جدوى، حتى إن إبله أخذت تسخر ممّا يقوم به، لأن البطل الذي يبحث عنه لا وجود له، ولأن القيم العربية الأصيلة قد ذهبت بذهاب رجالها: ما زِلتُ أضحكُ إبلي كُلَّما نَظَرت إلى مَنِ اختَضَبَت أخفافُها بِدَمِ أُسِيرُها بَينَ أصنامٍ أُشاهِدُها وَلا أُشاهِدُ فيها عِفَّةَ الصَّنَمِ حَتّى رَجَعتُ وأقلامي قوائِلُ لي المَجدُ لِلسَيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ اكتُبِ بِها أبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ فَإنَّما نَحنُ لِلأسيافِ كَالخَدَم(54ِ) لذلك ذهب المتنبي إلى تعظيم نفسه والإعجاب بأفعاله وأخلاقه وعبقريته كلّ مذهب، ومال إلى تحقير الآخرين حتى لو كانوا ملوكاً، فوضع نفسه في مرتبة أعلى من مراتبهم، فهم عبيد غاياتهم، وهو سيّدها، وهم ـ من وجهة نظره ـ جبناء، وهو المقدام، ولذلك فإن الناس لا يصلحون إلا أن يكونوا بعراناً يركبهم إلى ممدوحه: لَوِ استَطَعتُ رَكِبتُ الناسَ كُلَّهُمُ إلى سَعيدِ بنِ عَبدِ اللهِ بُعرانا فَالعيسُ أعقَلُ مِن قَومٍ رَأيتُهُمُ عَمّا يَراهُ مِنَ الإحسانِ عُمياناً(55) لم تقتصر عداوة المتنبي على الناس، وإنّما كان يتصور أنّ الدهر والأقدار تحاربه، ولذلك شنّ حملة شعواء على الدهر، وهو يرتفع فوق الناس والملوك في آنٍ معاً، وهو لا يعادي الناس لأنّهم ـ كما يقول ـ بعران أذلاء وحسب، وإنّما هو فوق الملوك والقادة، لأنّ الدهر العظيم لا يتقصّد سوى العظماء، وما الدهر نفسه سوى فارس من الفرسان الذين ينازلهم المتنبي: أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَّهرُ وَحيداً ومَا قَولي كَذا وَمَعي الصَّبرُ وَأشجَعُ مِنّي كُلَّ يَومٍ سَلامَتي وَما ثَبَتَت إلا وَفي نَفسِها أمرُ(56) والعنصر الثاني من العناصر التي شكّلت جانبي الغضب والثورة في شخصية المتنبي وشعره الجانب الذاتي المتمثّل في طموحه الجامع، وإعجابه الشديد بهمّته وعبقريته، وهذا مبثوث في شعره، بل هو داء التسيُّد الذي يجري في شرايينه، ولا يرى المتنبي إنساناً يستحقّ السيادة سواه، فكانت صورة البطل الأسطوري في أماديحه منسوخة عن نفسه، وبخاصة أنَّه كان دائم التذكير لأنّه فوق الجميع: أمطِ عَنكَ تَشبيهي بِما وَكأَنَّهُ فَما أحَدٌ فَوقي ولا أحَدٌ مِثلي(57) والمتنبي ـ وإن كان يستهينُ بدور الشاعر في عصره ـ لا يتنازل عن صفته شاعراً، وربما كانت هذه الصفة هي التي يمتلكها حقيقةً لا وهماً، ولذلك كان دائماً يدّعي بأنَّه ربُّ القوافي وملك الشعراء، وهو مسيحُ الشعر كما يقول حين أرسل إليه أحد ممدوحيه وكيلاً له يتعرّض للشعر، ليناشده ويمدحه، ومع ذلك لم تزد صورة ذلك الشاعر عن طبيب عليل جاء يداوي مسيحاً يحيي الموتى ويصنع المعجزات: تَيَمَّمَني وَكيلُكَ مادِحاَ لي وأنشَدَني مِنَ الشِّعرَ الغَريبا فَآجَرَكَ الإلَهُ عَلى عَليلٍ بَعَثتَ إلى المَسيحِ بِهِ طَبيبا وَلَستُ بِمُنكِرٍ مِنكَ الهَدايا وَلَكن زِدتَني فيها أديبا(58) أما العنصر الثالث فهو حالته الاجتماعية، فقد كان المتنبي يشكو الفقر والعوز مع أنّه الرجل المختلف والشاعر المثقَّف، ولذلك نقم على المجتمع نقمة عارمة، وسعى إلى تغيير أوضاعه سعياً حثيثاً، وسار من مكان إلى آخر يطلب المجد والمال والسؤدد، فقال: أَينَ فَضلي إذا قَنِعتُ مِنَ الدَّهـ ـرِ بِعَيشٍ مُعَجَّلِ التَنكيدِ ضاقَ صَدري وَطالَ في طَلَبِ الرِز قِ قيامي وَقَلَّ عَنهُ قُعودي(59) هكذا كان لموضوعات الغضب والثورة جماليات مختلفة في شعر المتنبي، وكانت هذه الموضوعات عوامل في تفتيق هذه الجماليات من خلال بلاغة الغضب والتنوّع الإيقاعي الدرامي. والمتنبي من المؤسّسين أيضاً لجماليات التساؤل في الشعرية العربية، فالتغييرات التي جاءت قبله في بنية القصيدة قُبِلتْ إلى حدٍّ ما، ووجدت من يُناصرها، كدعوة أبي نواس للعصرنه، وعمل أبي تمام حول بنية القصيدة، ولكنّ التغييرات التي حملتها قصائد المتنبي ومواقفه وسلوكه رُفضت منذ بداياتها، ولم يناصرها سوى قلّة من أنصاره، لأنّها مخالفة لمنطق العصر من جهة، ولخطورتها من جهة ثانية، وأولها ادعاؤه النبوة، وآخرها السعي وراء سلطة القصيدة والسيادة من خلال العبقرية الفنيّة التي يعتدّ بها، ممّا شكّل التساؤلات الأولى حول هذا الشاعر وشعره، ثمّ إنّ نصوصه تُثير أسئلة أكبر مما تحاول الإجابة عن دلالة أو مشكلة محدّدة، فلم يأتِ المتنبي ليبحث عن السلام في فضاء القصيدة العربية، وإنما جاء ليُقيم حرباً ضروساً في فضاءاتها... جاء ليعبّر عن حالة داخلية، فتعالى على شعراء عصره، واستهان بهم وبقصائدهم، ولم يسلم من لسانه النحويون والنقاد وملوك عصره غائبين أو حاضرين، ووصلت به العنجهيّة إلى أن يجعل من القدر عدواً له، وكأنَّه شخصية تراجيدية تشتغل الأقدار بمصيرها قبل ولادتها، ويتساءل المرء بعد كلّ هذا الطواف في شعر المتنبي: لماذا لم يكن الرجل كالشعراء الذين عاصروه أو سبقوه؟ لماذا لم يكن هادئاً عاقلاً كزهير أو النابغة أو أبي تمام، وهو صاحب الحكم الجواري والأمثال السّواري؟ لماذا كان انتحارياً يحمل حتفه على راحتيه ولا يسلم من لسانه صغير أو كبير؟ لماذا لم يكتفِ بالأعطيات والأموال والعبيد كما اكتفى سواه من شعراء عصره أو ممن سبقوه؟ تُثير قصائد المتنبي في ذهنية المتلقّي كلّ هذه الأسئلة، كما تُثير سواها وسواها، وبخاصة إذا كان هذا المتلقي قارئاً جيداً للشعر العربي من العصر الجاهلي إلى عصر المتنبي، صحيحٌ أنّ محاولات جادة قامت لتغيير بنية القصيدة قبل المتنبي، ولكنّها كانت محاولات فنية، فحاول بشّار بن برد أن يؤسّس لشعبيّة الشعر وجذب فئات مختلفة من القراء إليه، وحاول أبو نواس تغيير منهج القصيدة وبنيتها الفنية، في حين حاول أبو تمام الغوص وراء المعاني الشاردة وكسر نمطية المعنى، والخروج على عمود الشعر العربي، ولكنَّ تغييرات المتنبي ذات طابع رؤيوي، فهو قد جاء ليُغيّر بنية العالم ونظامه، جاء ليعلن حرباً حقيقية، ولذلك كانت دعوات الشعراء مقبولة في حين رُفضت دعوة المتنبي، وقد واجه هؤلاء الشعراء سلطة القصيدة، وواجه المتنبي سلطة السيادة والحكم من خلال القصيدة، ولذلك تخضع قصائده لمنطق العتمة وبلاغة القوة والارتجاج، وهي لا تحمل إجابات قريبة، وإنّما تظلّ دلالاتها معلّقة ومؤجّلة ومُرْجَأةً، ويظلّ القارئ في شوق لمعرفة طبيعة هذه الشخصية التراجيدية السيزيفية... ويؤسس المتنبي أيضاً لجماليات الصدمة والمفاجأة وكسر أفق التوقّع، فقد اعتاد قارئ شعر المديح أن يستمع إلى الشاعر وهو يبثُّ إحساساته تجاه الممدوح، ويتحدّث عن فضائله وخصاله وعطاياه، ولكن أن يخصَّ الشاعر نفسه بمساحة كبيرة من بنية القصيدة المدحية، فهذا يؤدي إلى تغيير النمط والبنية في الثقافة السائدة، وهذا ما فعله المتنبي، فإذا هو في أماديحه رجل صراع وسيف وبطش وبطولات وعنفوان وعبقرية، وإذا هو في حرب ضروس مع البشرية، بل هو يتسامى على بني جنسه في جوهره حين يقول: وَمُهجَةٍ مُهجَتي مِن هَمِّ صاحِبِها أَدرَكتُها بِجوَادٍ ظَهرُهُ حَرَمُ وَمُرهَفٍ سِرتُ بَينَ الجَحفَلَينِ بِهِ حَتّى ضَرَبتُ وَمَوجُ المَوتِ يَلتَطمُ فَالخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني وَالسَّيفُ والرُّمحُ وَالقِرطاسُ والقَلَمُ صَحِبتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ مُنفَرَداً حَتّى تَعَجَّبَ مِنّي القورُ وَالأكَمُ(60) وإذا هو في قصيدة مدحية أخرى يصف سيفه وصفاً ملحمياً وأسطورياً، ويخاطبه موازناً بين فعالِهِ وفعال هذا السيف، فإذا هما متشابهان، فيقول: إنَّ بَرقي إذا بَرَقتَ فِعالي وَصَليلي إذا صَلَلتَ ارتِجازي لَم أُحَمِّلكَ مُعلَماً هَكذا إلْـ لا لِضَربِ الرِّقابِ وَالأجوازِ وِلَقَطعي بِكَ الحَديدَ عَلَيها فَكِلانا لِجِنسِهِ اليَومَ غازي(61) ولا تقتصر جماليات الصدمة والمفاجأة وكسر أفق التوقع لدى القارئ على قصيدة المديح عند المتنبي، فإذا كانت الصدمة تتشكّل في قصيدة المديح عنده من موازنة هذه القصيدة ضمن أفق الشعر العربي فإن بعض مقاطعه في الغزل تشكّل صدمة مشابهة، ولكن من خلال موازنة شعر المتنبي بين المتنبي المحارب وسفّاك الدماء والمتنبي العاشق المتيم الضعيف المغلوب على أمره، فالقارئ يدرك سلفاً أنّ المتنبي شاعر القوّة والدماء، وليس شاعر الغزل والنساء، وهو شاعر الملاحم والسيوف، وليس شاعر الخمر والدفوف، فالمتنبي ماضٍ في معظم قصائده في القوة والحروب ودكّ الصفوف وفلسفة القوة، ولكنّ بعض مقاطعه في الغزل تبين عن عاشق متيّم ضعيف، مما يشكّل صدمة لقارئه، فلنتأمّل في صورة هذا العاشق المتيّم الضعيف الذي يختلف عن صورة المغامر المشاكس المتمرّد الذي لا يقيمُ في مكان كيف يعرض علينا أبعاد شخصيته وحالته: فَما أَمُرُّ بِرَسمٍ لا أُسائِلُهُ وَلا بِذاتِ خِمارٍ لا تُريقُ دَمي تَنَفَّسَتْ عَن وَفاءٍ غَيرِ مُنصَدِعٍ يَومَ الرَحيلِ وَشَعبٍ غيرِ مُلتئِمِ قَبَّلتُها وَدُموعي مَزجُ أدمُعِها وَقَبَّلَتني على خَوفٍ فَماً لِفَمِ فَذُقتُ ماءَ حياةٍ من مُقبَّلها لو صابَ تُرباً لأحيا سالِفَ الأمَمِ(62) ويكون هذا العاشق مرة أخرى أقرب إلى العاشق المتصوف الذي يعرف فنون العشق وأدواته ومسالكه ولكنه يخفي ذلك كله حرصاً على مكانة الحبيبة، وهو يدرك أن تمنع الحبيبة يشعل حبات القلوب ويزيد من ولع المتيم العميد، فيقول في مطلع قصيدة يمدح بها سيف الدولة: لِعَينيك ما يَلقى الفُؤادُ وما لقي |