|
||||||
| Updated: Wednesday, August 29, 2007 03:47 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
حوار الحضارات لدى أبي حيان التوحيدي ـــ د.عبد الكريم محمد حسين(1) لا شك في أن موضوع حوار الحضارات قديم قدم الحضارة نفسها، والحضارة قديمة قدم الإنسان، واختيار أبي حيان التوحيدي دون سواه اختيار يقوم على تشابه في الشروط الحضارية بيننا وبينه من غير مطابقة، لكن باتفاق في صور الأحوال، واتفاق في الضعف والتراجع، واتفاق في الهزائم أمام الفرنجة. يضاف إلى ذلك تراجع في مناهج الاستفادة من الحضارات الناهضة بعد الحضارة العربية الإسلامية التي قضي على صورتها المنظمة نهائياً بالقضاء على الدولة العثمانية ـ مهما يكن رأينا فيها مختلفاً ـ ذلك أن الحضارة منجز من منجزات المدن، والمدن أنجزت الدول، لكن مقومات الحضارة هي قوم ومدنية، وثقافة، والثقافة جزء من المدنية، ومنها تنبعث مناهج التربية، ومن شروط المدنية التحضر في العلم والتقدم في المعرفة الحسية، والمعنوية، وفق نظرية الأطوار المتوازنة. فإذا اختل التوازن بين هذه الأطوار تعرض أهل الحضارة إلى اختلال التوازن، مما يقود إلى الصراع بين التقدم والتخلف في بنيانها الداخلي، فتصبح كالشجرة جزء منها يابس وآخر حي، وهذا مرض من أمراض الحضارة يجعلها قابلة للسقوط أو الانهيار على يد الغزاة والطامعين ممن تقدموا على أهلها مادياً، ولو كانوا دونهم في حقل المعنويات، فإن كان الاختلال في التوازن شاملاً كان الانهيار فاضحاً، وتظهر المقاومة للإقناع بانعدام السقوط التام. الحضارة تقدم في حياة الإنسان يشمل علاقته بالكون وعلاقته بأخيه الإنسان، وقوى الطبيعة،ووسائل المعرفة، وتقنيات العلم، ومنجزاته. ولعل العلم أهم مقومات الحضارة بعد القوم أو الإنسان لذلك جعلت الرسالة العربية العلم شرطاً للانتماء الحضاري إليها؛ لقول الرسول العربي ( ـ: (ليس مني إلا عالم أو متعلم( (2) ولقول علي ـ كرم الله وجهه ـ لكميل بن زياد النخعي ـ رضي الله عنه ـ (الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق((3). واختيار القرن الرابع الهجري دون سواه من أيام الحضارة العربية الإسلامية؛ لأنه قرن الحوار الحضاري الذي كانت ثمرته سقوط الدولة العباسية، وتمزقها إلى دويلات، بعد تمزق عرى الفكر الحضاري العربي، مما قاد إلى سقوط الحضارة العربية الإسلامية بعد بلوغها ذروة الترف والتمدن ودوام السلطان في أسرة الحكم قروناً طويلة، وغلبة العجم عليها، وبقيت حيوية الرسالة تناهض أعداءها دفاعاً عن الكيان الحضاري للأمة، فكانت حطين، وكانت عين جالوت على أيدي أقوام من غير العرب، ولو كان العرب جزءاً من وقود المعركة، وهم المغيبون عن الفعل الحضاري في الدولة بعد رحيل بني أمية، فكانت دولة بني العباس في عصرها الثاني خادمة شهوات الترف، والأفكار الوافدة التي انتهت بإنهاء حكمهم بعد انتهاء خدمتهم، كعادة الغزاة دائماً، يأكلون خدمهم قبل خصومهم الظاهرين؛ لأنهم عرفوا ضعفهم بآياته المشهورة، وهي كثرة الضرائب والبطش والفتن التي جعلت الناس يرون الخلاص بزوال تلك الدولة. فقد كان للحضارات أقوامِها وثقافاتِها ومناهجها التربوية يد كبرى في سقوط دولة بني العباس، كما كان لشيخوخة الحضارة وتعب حملة مشاعلها والقائمين على ثغورها ما يدعو إلى غلبة عوامل السقوط، ولا أقول الفناء. وفي هذه المقالة تناوش للرؤية الحضارية عند أبي حيان، وهي إجابة عن سؤال: كيف تنتقل الحضارة من أمة إلى أمة؟ وما موقف الحضارة الناهضة من الحضارات التي ذهبت ريح قوتها تحت ضغط هدر الطاقات في الشهوات، وهدر الأموال في المتع الزائلة، وتأجير الولاة على المقاطعات لمن يدفع جباية أكثر، من غير النظر إلى القانون، أو جوهر الوعي الحضاري الكامن في مدنية الأمة وثقافتها وتربيتها وأعرافها، أو عقودها الاجتماعية؟!!!. وفي البحث إجابة عن تساؤل: كيف كانت نظرة أبي حيان إلى حضارة العرب في الجاهلية؟! وهذا جزء من حوار الأزمنة، والأحوال، وجزء من علمانية أبي حيان وموضوعيته، وسبقه على أبناء عصره، وتقدمه في وعي مبكر أدرك به سقوط الحضارة العربية الإسلامية، بيد أنه لم يصرح بذلك، وإن أومأ؛ لانشغاله بمحاولة رتق الخرق، وجمع الكلمة، فقد كان الحوار الحضاري الداخلي موضوعه الأكبر في الإمتاع والمؤانسة، وهمه الأول، وكان هم الوزير البويهي ابن سعدان أو ابن العارض حماية نظام الحكم والتجسس على الناس(4). فكان أبو حيان يعرض عليه صور السقوط وكان الوزير يبكي لحال الأمة التي عصفت بها الفرقة والتفرق والفرق على اختلاف ألوانها وأسمائها(5). يقدم المقال محاولة لفهم رؤية أبي حيان الحضارية من جهة نظرية وتطبيقية، وقد تجلى الحوار الحضاري في الإمتاع والمؤانسة بالموازنة بين الأمم بالنظر إلى أنها حاملة الحضارة وصانعتها، وذلك واضح في الليلة السادسة من ليالي الإمتاع والمؤانسة. وكذلك الحوار بين الحضارة اليونانية والحضارة العربية الإسلامية من جهة المناظرة بين الحكمة اليونانية والشريعة الإسلامية، والمناظرة بين النحو العربي والمنطق اليوناني كما في الليلة الثامنة من ليالي الإمتاع، وموقف أبي حيان المستوحى من جوهر الرسالة العربية الإسلامية، ومن موقف شيخه العظيم أبي سليمان المنطقي. في هذا الموقع تتعانق الرؤية والمواقف والمنافع، فتتفق حيناً وتختلف أحياناً، وتأخذ ريحها وروحها ورائحتها من حركة الحياة الدائرة، وطبيعة منطقها القائم على نظام التداول: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)(6) ويستقيم المرء حيناً على جوهر رؤيته، ويميل أحياناً، بيد أنه يظل يشعر أنه إنما يخرج عليها خروج المضطر على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وهو يريد الانبعاث من جوهر الرؤية وأصلها الذي يجعل الأصل في الأشياء الإباحة؛ فإذا ما بدا لك خروجه على حدود الرؤية فعليك أن تبحث عن ضوابط الخروج ودوافعه في إطار نظرية من التفسير الصوفي للرؤية الكلية التي تجعل نية المؤمن خيراً من عمله، وكلمته خيراً من موقفه، وقلبه خيراً من ظاهره، وتجعل مجاهدة النفس خيراً من جهاد الخصوم، والاطمئنان إلى الخيال والأوهام خيراً من مواجهة الواقع والسعي إلى تغييره، والاكتفاء بالنظر إليه لتشخيصه وتفسيره بطرق مباشرة، أو مواربة، والسير في ذلك كله مع قدر الله المقدر على الناس خيراً من دفع القدر بالقدر، والفرار من المواجهة على جبهة الخصوم إلى الله بالمسكنة والدعاء والخضوع للأعداء زهداً وتصوفاً على طريقة إذا أحد شد ثوبك فأعطه الثوب كله، وعلى منهج أن الله يعاقب العصاة بالطغاة، والخضوع لهم من باب تنفيذ قدر الله في الناس. وذلك وفق طاقات الفرد والجماعة.. في ضوء هذه الحقائق لا بد من تناول أهل التاريخ بعموم يشير إلى نظرة أبي حيان للدورة الحضارية بين الأمم وأثرها في عقول أبنائها عند بدايتها ونهوضها، وعند سقوطها وذبولها، وظهور البشر والقوة عند إقبالها، والحزن والضعف في إضمارها. وفي ضوء هذه الحقيقة لابد من الإشارة إلى أن مواقف أبي حيان من الفرق الإسلامية نابعة أصلاً من شعوره بخطورة التحول الحضاري من الوحدة إلى الفرقة، ومن الدين الجامع إلى المذهب، ومن الدولة الواحدة إلى دول الأسر المتصارعة. وهذا يعد قاعدة تسوغ مواقف أبي حيان من أهل التاريخ الذين لم يموتوا بغير أجسامهم، وظل الناس دهراً طويلاً يصلحون لهم أفكارهم ومواقفهم، أو يزينونها للحياة ظناً منهم أن التاريخ يعيد نفسه، وما تتغير لديهم سوى صور الأشخاص، وأسماؤهم أحياناً، وتبقى الروح واحدة. وليس أبو حيان إلا واحداً من أبناء زمانه، فقد أسهم معهم في كل ما فعلوه في إعادة بناء صورة الماضي لشدة علاقتها بما يجري بأيامه، فأبدى موقفه من الدورة الحضارية وموقع العرب بين الأمم، وأماط اللثام عن رؤيته للدولة الأموية والعباسية في عهود قوتها، وأبدى صوراً شتى للفرق الإسلامية المتعددة، فماذا قال...؟ * العرب والحضارة: تناول أبو حيان مسألة الدورة الحضارية في سياق إجابته عن سؤال الوزير، أتفضل العرب على العجم أم تفضل العجم على العرب؟ وكانت خلاصة الليلة أن أبا حيان فضل العرب على سائر الأمم باضطرار الفطرة واختيار الفكرة(7)، أو العقل والدين(8)، وبين أن تفضيل أمة من الأمم في صفة أو أكثر لا يعني أن هذه الصفة لكل واحد من أفرادها، بل هي الشائعة في عموم أبنائها(9). ولبيان سبب اختلاف العرب الحاضرين في عصره بوعيهم وشيمهم عن الذين وصل إلينا من التاريخ خبرهم، جاءنا أبو حيان بقوله: ((وهاهنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه، والإيماء إليه. وهو أن كل أمة، لها زمان على ضدها. وهذا بين مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر... ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع، فقال: كل أناس في إقبال دولتهم شجعان. وقد صدق؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع، وأمجد وأسخى وأجود وأخطب، وأنطق وأرأى وأصدق؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة، إلى شيء حاو لطائفة طائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، إلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص، وإنسان إنسان؛ وهذا التحول من أمة إلى أمة، يشير إلى فيض جود الله ـ تعالى ـ على جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله"(10). فالحضارة تتحول من أمة إلى أمة ـ وأراد بالأمة القوم كالفرس، والعرب والروم ـ وذلك بحسب استعداد الأمة، وقدرتها على الاستجابة لنداء الحضارة، وهي عرضة لكل أمة، فإذا جاء زمانها، وتمت الاستجابة قامت الغلبة على ضعفها القديم، وعلى ضدها من الأمم، وفقاً لقوله ـ تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)(11) فتنهار الحضارة عند أمة، وتنهض بها أمة أخرى، فإذا بدأ انحسارها يكون أطواراً، فينحسر الوعي الحضاري من الأمة إلى الطائفة ـ وأراد بالطائفة المجموعة من الناس الذين يجمعهم اجتهاد فكري واحد ـ وينكمش بعد ذلك من الطائفة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى البيت الواحد، ومن البيت إلى الشخص الواحد، ثم يكون التحول إلى أمة أخرى. ومما جاد به أبو حيان أن الأمم في أوان غلبتها الحضارية تكون متفوقة في القوة المادية بأنحائها كلها، وبالقوى المعنوية بالغة بها تمام العطاء في جميع جهات البناء، فإذا غادرت زمن نهضتها تلاشت هذه المعالم شيئاً فشيئاً على نحو ما سلف. ومما يلفت النظر أن حركة الاستجابة مرتبطة باستعداد الأمة، وبتوفيق الله لها ببذل المجهود لمعالجة العطاء الحضاري الرباني. وفي قوله استجابة الأمة إشارة ضمنية إلى الرسل والأنبياء، فإذا انقضى زمن النبوة جاء زمن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإذا لم يكونوا ظاهرين جاء زمن المصلحين (طوائف، وقبائل، وأسر، وأفراد) حتى لا يبقى إلا القليل من الأفراد، فتنطبق نقطة النهاية على نقطة البداية، فيتوهم المصلحون أن رتبتهم كرتبة الأنبياء، وأن معاودة النهوض ممكنة لمن أخذ بقيم النهوض الأولى في إطار الحنين إلى الماضي، وذلك بمحاكاة حركة النهوض بالانتقال (من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى الطائفة أو الجماعة أو الحزب، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الأمة الجامعة للقوميات) أو بقيم نهوض أخرى استجابت لها أمم الغالبين في عصرهم، مع جهل الفريقين بحقيقة توفيق الله الأمة لتوجيه الأفراد باستجابة تامة على شيء من العناد والمقاومة لدى بعض أبنائنا ممن مازالوا رهائن السياق الحضاري السابق، مما يعود إلى مقدار استعدادها، أو قدرتها على التقبل. ففي ضوء هذا الفهم للحضارة ذهب أبو حيان إلى تفضيل العرب على جميع الأمم في حال جاهليتهم، وفي حال استجابتهم للجود الإلهي بحضارة الإسلام (نهوضهم). ودليل ذلك مبثوث على وجه ظاهر في الليلة السادسة من كتاب الإمتاع والمؤانسة، مما يجعل هذه الإشارة كافية. مما تقدم يمكن للمرء أن يضع في حسابه أن ما قدمه أبو حيان من نقد للطوائف الإسلامية التي يظن أنه قد آل إليها مشعل الحضارة، يقع في إطار الإقرار بالانتقال (السقوط) من وعي الأمة إلى وعي الطائفة المقنعة بقناع الدين تارة، وبقناع القومية تارة أخرى، وبعباءة القبيلة أو العشيرة تارة ثالثة؛ مما يشير إلى رتبة أدنى في الانهيار الحضاري إلى أن يصل السقوط مداه فلا يبقى في إطار الوعي الحضاري سوى عدد من الأفراد الذين تعجز صيحاتهم عن وقف السقوط عند حد من الحدود الدنيا، فماذا قال أبو حيان في كل طور من أطوار السقوط؟ ماذا قال للساقطين؟ وماذا قال للمقاومين في غير زمن الاستجابة؟! *عرب الجاهلية: الحديث عن عرب الجاهلية حديث عن أمة تستعد لتقبل الجود الإلهي، والتحول الحضاري من الشتات إلى التوحد، ومن القيود إلى الحرية، ومن الفوضى إلى الالتزام والمسؤولية، ومن هدر الطاقات إلى اجتماعها راية وقيادةً، وفكرة ودعوة، وحركة وانقلاباً شاملاً في الحياة ولها. فهي صيحة البداية التي تنام عليها نقطة النهاية، وحديث عن أمة العرب بمعنى الجنس، وحديث عن استعداد الجميع للنهوض من الأمة إلى الفرد، ومن الفرد إلى الأمة، من غير أن ينفي ذلك وجود أنصار للمرحلة السابقة ممن تأخر وعيهم باليقظة فلم يهجروا السبات الطويل إلا متأخرين، أو ممن لم يجدوا في أنفسهم قدرة على الاستجابة لنداء الجود فكانوا من المحرومين نعمة الوعي الحضاري. إن الحديث عن العرب ونصرة أبي حيان لهم في جاهليتهم وإسلامهم يتناول العرب دولاً وأمماً، وشعوباً، وقبائل، وأفراداً، ولغةً، وتاريخاً، وعقيدة وشريعة، مما يحتاج إلى موسوعات تسع هذا الرصيد الضخم في كل جهة من جهات القوة والضعف. ويكفي هنا الإشارة الدالة إلى حديث أبي حيان عنهم موازناً بين العرب والأمم الأخرى في الجاهلية، فساق للوزير البويهي ثناء ابن المقفع الرجل الفارسي على عرب الجاهلية، وقد تساءل في سوق المربد: أي الأمم أعقل؟!! فظنه الحاضرون يريد الفرس، فلم يجد إجابة شافية عندهم، فردوا الأمر إليه، فأجاب: ((قال: العرب... فـ والله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم، ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك؛ لأخرج من مظنة المداراة، وتوهم المصانعة: إن العرب ليس لها أول تؤمه، ولا كتاب يدلها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله. وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه، وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاه والبعير. ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعياً وصيفياً، وقيظياً وشتوياً، ثم علموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء؛ وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة؛ واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد؛ وجعلوا بينهم شيئاً ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل، ويتجنون به على الدناءة، ويحضهم على المكارم؛ حتى إن الرجل منهم ـ وهو في فج من الأرض ـ يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئاً، ويسرف في ذم المساوئ فلا يقصر؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون على اصطناع المعروف، ثم حفظ الجار، وبذل المال، وابتناء المحامد. كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون، بل نحائز مؤدبة، وعقول عارفة؛ لذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحة الفطرة، و اعتدال البنية، وصواب الفكرة، وذكاء الفهم))(12) فأبو حيان يقر القاعدة الكلية التي ينبغي أن تكون أصلاً للتفاضل بين الأم، ألا وهي العقل، وجاء بالأدلة التي تؤكد تعقل العرب، وتبين الجود الإلهي الذي جعل العرب في ظروف مكانية ومناخية وإنسانية تعينهم على استعداد لتلقي مكارم الأخلاق، التي نادت الحضارة العربية الإسلامية بها، فقد اهتدى العرب قبل الوحي إلى أولياتها، وتطلعت أنفسهم وأشواقهم إليها، فلما نادتهم الرسالة أسرع أهل اليقظة منهم إليها. أعان العرب على الاستعداد للانتقال من طورهم الحضاري القديم إلى الطور الجديد الشرط الحضاري الذي كانوا يعيشون فيه، فهم أمة ليس لها تاريخ حضاري شامخ فوق الأرض كآثار الفراعنة أو اليونان أو الرومان ليقتدوا بها، وليس لهم كتاب سماوي ليهتدوا به كاليهود والنصارى، وكانت استجابتهم للرسالات السماوية قبل الإسلام نادرة، ولم تكن عامة، وليس لهم كتاب بمعنى العلم المقيد في القرطاس، ليعودوا إليه كلما اعتاص عليم شأن من شؤون حياتهم كاليونان، وهم فوق ذلك أهل بلد قفر يمتنع فيها قيام العمران. والمدنية تتبع العمران، لانتفاء شروط قيام الحضارة الأساسية، وأولها الماء والنبات والتربة الخصبة التي تكون مثابة للناس، وبها تقوم الحضارة، وليس من هذه الشروط ما يكفي للنهوض الحضاري. فمن هذه الرؤية تعلو قيمة العلوم عند عرب الجاهلية. فهم عرفوا أن معاشهم من نبات الأرض فقاموا بتسمية النباتات، وتصنيفها، وعرفوا ما يكون غذاء وما يكون دواء لهم أو لأنعامهم ما كان رطباً منه أو يابساً. ومن علومهم ما يدعى علوم الفلك في تقسيم السنة إلى فصول، ومعرفة الكواكب والنجوم، واستخدامها علامات هادية لهم على الأرض، وهي في السماء، يضاف إلى ذلك إدراكهم للشيم الحميدة والمكارم على انقطاع الحياة بهم في ذلك المكان القفر. فسرد أبو حيان على لسان ابن المقفع هذه الظواهر، وهي التي أحوجت كل واحد منهم إلى إعمال فكره وعقله للخلاص بنفسه وبمن حوله ممن يعول، مما هم فيه من ضيق، وهذا من باب جود الله لتهيئتهم لتقبل النهوض الحضاري القادم، فقال مبيناً ذلك ومسوغاً لتعقلهم بقوله في كل واحد منهم: (يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته، فلا يتعلمون ولا يتأدبون بل نحائز مؤدبة وعقول عارفة.. لصحة الفطرة واعتدال البنية وذكاء الفهم). فهما جانبان جانب ذاتي اختياري وآخر فطري يتعلق بالجبلة (نحائز مؤدبة) وليست مكتسبة بالتعلم كما في يونان مثلاً، وعقول عارفة بغير كتاب يهديها كأمم أهل الكتاب، لكنها صحة الفطرة واعتدال البنية مما يأتي به التوفيق الإلهي بتأثير البيئة، وإلحاح الحاجة، وذكاء الفهم. ودفع أبو حيان شيئاً من حجج الشعوبية التي جاء بها الجيهاني فقال أبو حيان فيه: ((وهو يسب العرب، ويتناول أعراضها، ويحط من أقدارها، ويقول: يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان والحيات.. قال: ولهذا كان كسرى يسمي ملك العرب: (سكان شاه) أي ملك الكلاب، قال: وهذا لشدة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائها، وكلاماً من هذا الصوب))(13) هذا قول منسوب لكسرى يذم أكل العرب، وأوطانهم، ويشبههم بالكلاب والذئاب، وهو كلام يتناوله أبو حيان بالمعالجة العلمية، إذ يقول: ((أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي، وتلك الفيافي، والموامي كل كسرى في الفرس، وكل قيصر في الروم، وكل بلهور كان بالهند.. ما كانوا يعدون هذه الأحوال؛ لأن من جاع أكل ما وجد.. حباً للحياة وطلباً للبقاء))(14). فالضرورة التي تهدد حياتهم وبقاءهم دفعتهم لأكل أكلوا، ولو أن ملوك العالم وضعوا في بيئات العرب ما فعلوا أكثر مما فعله العرب. وإذا تغير شرط الضرورة فللعرب شأن آخر، يكشف عنه أبو حيان بقوله: ((على أن العرب ـ رحمك الله ـ أحسن الناس حالاً وعيشاً إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء؛ وازدانت الأرض فهدلت الثمار، وطردت الأودية، وكثر اللبن والإقط... وفكوا الأسرى... وتنافسوا المعروف... على جاهليتهم الأولى والثانية)(15) هنا يكون موضع التفاضل عند القدرة على الاختيار، وليس في مواضع الاضطرار التي أشار إليها الشعوبيون، وهنا أيضاً تبرز مدنية العرب في الجاهلية، وهي المدنية التي كانت وعاء لاحتواء حضارة الرسالة الخاتمة. ويرصد أبو حيان حال العرب عندما جاء وقت نهوضهم الحضاري، بقوله: ((وقد رأيت حين هبت ريحهم، وأشرقت دولتهم بالدعوة، وانتشرت دعوتهم بالملة، وعزت ملتهم بالنبوة، وغلبت نبوتهم بالشريعة، ورسخت شريعتهم بالخلافة، ونضرت خلافتهم بالسياسة الدينية والدنيوية، كيف تحولت محاسن جميع محاسن الأمم إليهم؟ وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها، أو تعبوا في نيلها، بل جاءتهم هذه النوادر من المآثر عفواً، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهواً رهواً، وهكذا يكون كل شيء تولاه الله بتوفيقه، وساقه إلى أهله بتأييده، وحلى مستحقيه باختياره، ولا غالب لأمر الله، ولا مبدل لحكم الله...))(16) وهذا يؤكد حقيقتين: الأولى أن الله ـ عز وجل ـ يعرض الحضارة على الأمم، فمن تخيرها وكان قادراً (قدرة الاستعداد والطاقة والاجتهاد) على حمل مشعلها، ومستجيباً لمقتضياتها جاءته الحضارة فبدت للآخرين شراً أريد بالعرب، وكان مقدمات لخير كثير جاد به العرب، وجاءهم بهذا الاستحقاق وهذا الاختيار منهم ولهم، وبهذا الفضل وقعت محاسن الأمم عليهم التمسها المؤرخون برحم الفاتحين العرب، والتمستها الأمم بالفضائل التي كانت ـ من فضائلها ـ محمولة في قلوب الفاتحين وسلوكهم. وهذا يدل على حسن اختيار العرب حملة الرسالة، فقد أخذوا فضائل الأمم أي حضاراتها (المدنية) ولم يأخذوا كل ما وقع تحت أنظارهم؛ ذلك أن الحضارات القديمة فيها فضائل تحمي بقاءها خالدة، وفيها أمراض وعيوب تحمل عوامل فنائها، فاجتنب العرب بداية عوامل الفناء، وتعلقوا بعوامل البقاء فدام سلطانهم زمناً طويلاً، وزال عنهم عندما أخذوا بعوامل الفناء، ولا معنى لقول الجيهاني: ((مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكاننا، أن الله أفاض علينا النعم، ووسع لدينا القسم، وبوأنا الجنان والأرياف، ونعمنا وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذبهم، وضيق عليهم وحرمهم، وجمعهم في جزيرة حرجة... وبهذا يعلم أن المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة))(17) فقد غاب عنه أن هذا الأمر كان باباً لتحريك العقول وزيادة الفطنة، ولم يكن ـ كما يقول أبو حيان ـ مقياساً للتفاضل بين الأمم من جهة أنه لا اختيار فيه، و((أن المدار على العقل الذي من حرمه فهو أنقص من كل فقير، وعلى الدين الذين من عري منه فهو أسوأ حالاً من كل موسر...))(18) فأبو حيان يرى أن التفاضل إنما يقوم في الأمور الاختيارية، وليس فيما لا خيار للإنسان فيه، فليس في انتماء الإنسان إلى عرق من عروق البشر فضيلة في نفسه؛ لأنه لم يتخير عرقه بنفسه بل أكره عليه، وليس الإنسان متخيراً وطنه قبل أن يولد، بل كان ذلك من الاضطرار، وليس من جهة الاختيار، فأبطل التفاضل فيما لا اختيار فيه، وأرسى مفهوم التكيف مع البيئة التي يوجد فيها الإنسان، وجعل الفضل يعود إلى حسن التدبير في سبيل الحفاظ على تيار الحياة، بالتماس قوانين البقاء. بهذا القول يتبين أن العرب في الجاهلية كانوا يصنعون بقدر الله لتلقي مشعل الحضارة، وأنهم هبوا في كل جهات القيم المادية والمعنوية، جمعوا فضائل الأمم من الحضارات التي عرفوها قبل الرسالة، أو التي غلبوا على قيادها بالفتح، فروح الخير واحدة من أي جهة أتت، وأبو حيان لا يفرق بين الأمم وحضاراتها على طريقة الشعوبية. واصل نظرته مبني على المساواة بين الأمم(19). وقوله في الأمة الناهضة يقع على دولة الرسول ودول الخلفاء الراشدين. مما يقتضي الحديث عن دولة بني أمية على أنها دولة هبة لاحقة لكنها تعد من أواخر هبات الحضارة العربية التي فجرتها دعوة الرسول، فكيف نظر أبو حيان إليها؟ وهل هي طور من أطوار الانتقال من وعي الأمة على وعي الطوائف والقبائل؟ هل كانت ذروة اكتمال البناء، أو أنها كانت خطوة في الانتكاس إلى الوراء، وبذرة داعية إلى الفناء؟ هل كانت طوراً ممهداً للانهيار والسقوط؟ وهل تسقط الحضارة بانهيار الدولة؟ أين تقع الدولة الأموية في المقياس الحضاري لأبي حيان؟ متى ترتفع قيمتها الحضارية؟ ومتى تسقط قيمتها التاريخية؟ *دولة بني أمية: مهما يقل الناس في شرعية تحول الحكم من نظام الشورى إلى نظام الوراثة فإن الأمويين استطاعوا أن يسيروا بالصحوة الحضارية العربية الإسلامية حيناً من الدهر، فكانت تواصلاً بحركة النهضة الأولى، وكانت استجابة الأمة الإسلامية للقيادة العربية الأموية مؤشراً إلى أن الهبة ما زالت مستمرة، على شيء من غلبة حزب على غيره من الأحزاب، ذلك أن اعتبار مصلحة الأمة عند جميع الطوائف ما زالت مقدمة على مصالح الطائفة الواحدة، واعتبارات الصحوة الحضارية ما زالت مقدمة على اعتبارات الطائفة، وما كان للذين قدموا مصالح الطوائف ـ وهم قلة ـ على مصالح الأمة، واعتباراتها على اعتبارات الأمة سوى الهزيمة على صعيد الحرب، وعلى صعيد التأييد والنصرة لقيم الأمة الأصيلة التي يتم النهوض بها، من غير اعتبار لقدسية اجتهاد هذه الطائفة أو تلك، أو زاوية نظرها العقدية، فما زال صوت الهبة قوياً عند عموم أبناء الأمة، لا يزعزعه شيء من صيحات الصائحين أو بكائهم، وما زالت قوة الدفع إلى الأمام أشد من نداء التوقف أو المحاسبة، فقد رأى الأمويون في أنفسهم وفي الجماعة من حولهم رغبة في تخطي النص ومقتضياته إلى مقتضيات الواقع فانتقلوا إلى فقه الواقع ومقتضاه، رغبة في محاكاة الأمم المجاورة، وهي عند أصحاب النص نقطة ضعف قادت إلى تدمير مدنية الحضارة وعقلها، وانتقالها تدريجياً من الجهة السماوية إلى الجهة الأرضية. ففي وهمي أن أبا حيان يرى الدولة الأموية امتداداً لنظام الصيحة الحضارية التي أرساها الرسول ( لذلك دفع عنهم تهمة خصومهم القائلين بأنهم اغتصبوا حق آل البيت ـ رضي الله عنهم ـ في الخلافة والحكم، بعد أن ذكر موقف عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي ـ رحمه الله ـ من رسالة فاطمة بنت الحسين ـ رضي الله عنه ـ وتعجب الوزير من علم بني أمية بالدين وعلمهم بمنزلة آل البيت من النبي ـ ص ـ فقال: ((ثم قال(20): كيف تطاول هؤلاء القوم إلى هذا الأمر مع بعدهم من رحم رسول الله ( وقرب بني هاشم منه؟ وكيف حدثتهم أنفسهم بذلك؟ إنّ عجبي من هذا لا ينقضي، أين بنو أمية وبنو مروان من هذا الحديث مع أحوالهم المشهورة في الدين والدنيا!! فقلت: أيها الوزير إذا حقق النظر واستشف الأصل لم يكن هذا عجيباً، فإن أعجاز الأمور تالية لصدورها، والأسافل تالية لأعاليها، ولا يزال الأمر خافياً حتى ينكمش سببه فيزول التعجب منه، وإنما بعد هذا على كثير من الناس، لأنهم لم يعنوا به، وبتعرف أوائله والبحث عن غوامضه، ووضعه في مواضعه، وذهبوا مذهب التعصب. قال: فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التعجب ولزم التسليم؟ فكان من الجواب: لا خلاف بين الرواة وأصحاب التاريخ أن النبي ( توفي وعتاب بن أسيد على مكة، وخالد بن سعيد على صنعاء، وأبو سفيان بن حرب على نجران، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وسعيد بن القشب الأزدي ـ حليف بني أمية ـ على جرش ونحوها، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي على كندة والصدق؛ وعمر بن العاص على عمان، وعثمان بن أبي العاص على الطائف. فإذا كان النبي ( أسس هذا الأساس، وأظهر أمرهم لجميع الناس؛ كيف لا يقوي ظنهم وينبسط رجاؤهم، ولا يمتد في الولاية أملهم؟ وفي مقابلة هذا، كيف لا يضعف طمع بني هاشم، ولا ينقبض رجاؤهم، ولا يقصر أملهم؟ وهي الدنيا والدين عارض فيها، والعاجلة محبوبة، وهذا وما أشبهه حدد أنيابهم، وفتح أبوابهم، وأترع كأسهم، وفتل أمراسهم، ودلائل الأمور تسبق وتباشير الخير تعرف))(21). فأبو حيان يحتج لبني أمية بالسنة العملية للرسول ( ذلك أنه جعل سبعة ولاة من بني أمية، وثامنهم مولاهم، مما يجعل هذا العمل تأسيساً لرضاه بحكمهم، وباباً لانفتاح مطامعهم بالحكم على خلاف الهاشميين الذين لم يعطهم الرسول مثلما أعطى بني أمية، وذهب أبعد من ذلك عندما ربط الحكم الأموي بنبوءات الرسول، فذكر عن ابن الكلبي أن الرسول ( قال في الحكم بن أبي العاص: (إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلاً كان الأمر فيهم((22) وعلق أبو حيان على هذا بما يثبت صحة الخبر، ويزيده عقلانية عند المتلقي، بقوله: ((وكان مروان إذا جرى بينه وبين معاوية كلام قال لمعاوية: والله إني لأبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، وما بقي إلا عشرة، حتى يكون الأمر في، فيقول معاوية: أخذها ـ والله ـ من عين صافية))(23). واضح أن أبا حيان يقصد أنصار آل البيت بقوله، وهم الذين يعترضون على شرعية الحكم الأموي، فأراد أن يكسر الحجة النصية بالواقع التاريخي للأمويين الذين كانوا ولاة للرسول، وبالنبوءات فجاء برواية ابن الكلبي الذي يعده علماء الحديث متروك الحديث(24) غير أنه ثقة عند مخالفيهم، والاحتجاج بقوله ليس من باب تصديقه؛ بل من باب إقامة الحجة على طريقة شهادة الخصوم في الرأي أو الاجتهاد، وهي أبلغ من شهادة الأنصار مراعاة لأحوال المخاطب، وزمن الخطاب. ولا أظن أبا حيان يحتج بهذا النص، أو بهذا الإسناد لو كان يخاطب من كان على رؤيته في اجتهاد الفقه. ولا حجة بالنبوءة التي ذكرها لأنها غير ثابتة، وفي كتب السير من الموضوعات والأحاديث الضعيفة ما يجعل الاحتجاج بها من باب معاضدة الروايات الأخرى. لا شك في أن أبا حيان يدرك أيضاً أن ولاية هؤلاء ليس لها دخل بانتقال الخلافة إليهم، لأنها انتقلت إلى الخلفاء الراشدين قبلهم، ولم يحتج الأمويون بمثل هذه الحجة على خصومهم، وكانوا أولى من أبي حيان بها، وكانوا أهلها. لكن أبا حيان كان مشغولاً بالدفاع عن رؤيته للدولة الأموية التي حملت الرسالة إلى الدنيا، فأراد أن يصلح لها شأنها في وجه السقوط الحضاري المشهود أمام عينيه في أيامه، فبدت له أيام بني أمية أيام العرب وهبتهم على نزولها رتبة صغيرة عن عصر الرسول والراشدين، قمة سامية قياساً بحكم العجم من بني بويه وسواهم بحضانة بني العباس، وتحت راياتهم. فدولة بني أمية ـ إذا قيست بدولة الراشدين ـ منخفضة السوية قليلاً، ضعيفة البنيان، تجمع عصبية الجاهلية في بعض النفوس وقوة الرسالة السماوية على ميسم الحضارة. وتعد قوية إذا ما قيست بدولة بني العباس في زمنه وغلبة العجم على سلطانها، وقد رشحوها للقسمة والسقوط والانهيار. هذه الرؤية الحضارية التي عرضنا لها هنا تعد إبرازاً لفكرة دورة الحضارة العربية في ثلاثة أطوار متلاحقة تعكس عقلية أبي حيان، ونظرته التي تغلفت بالإصلاح والتصوف والفقه على ما بين هذه النزعات من صراع في متون الغايات وتوجهاتها، وتوحد في ساحات الإصلاح. وتجلى حوار الحضارة العربية (الجاهلية والإسلامية) بالالتقاء على جوانب الاختيار والعقل والاستعداد والتلقي في شروط مادية ومعنوية تجعل حركة القوم أساس النشاط الحضاري، فكأنه يقول: إن غياب العرب عن قيادة التحرك الحضاري في دولة بني العباس قاد الموكب إلى غلبة العجم وسقوط الدولة وهزيمتها، ومن ثم تمزقها، واعتزالها القيام يحمل مشعل الحضارة عالمياً. *الحوار الخارجي: نظرة أبي حيان إلى حضارات الأمم السابقة واضحة لكل ذي عينين؛ لأنها مستمدة من تصويره الدورة الحضارية التي سلف القول فيها، فقد كان أبو حيان يأخذ من ثقافات الحضارات، وهي مظهر علمي ومدني، من جهة علاقة الثقافة بالتربية والعمران، وأخذه لا يحتاج إلى أدلة كثيرة، والدليل ينصرف إلى جهتين: الأولى تتصل بروايات أبي حيان لرؤى غيره ممن عاشوا في زمنه، ووجدوا في ثقافات الأمم الأخرى ضرباً من الغزو الفكري فوقفوا منها مواقف متشددة، فضرب لذلك أمثلة منها: الصراع القومي بين العرب والشعوبية، ومنها الصراع العلمي بين علمي النحو العربي والمنطق اليوناني، والصراع العسكري بين الجيش العربي الإسلامي، وجيش الدولة الرومية. والجهة الثانية نظرته المتجلية في موقفه العملي والنظري الصريح من حكم الأمم، وعلومها الصحيحة عنده، وحكاياتها الأسطورية على ما تغلفه روايتها من مقومات الواقعية وفلسفته في ذلك. *تدافع الحضارات: من أمانة العلم الإشارة إلى أن أبا حيان روى صدى أصوات بعض العلماء الذين دوت صيحاتهم في أيامهم، وأخذت حيزاً من تفكير أبي حيان، وسكت عنها في مواضع سردها، سكوتاً يوحي بشيء من الرضوان عنها، لكنه ليس موافقاً عليها موافقة تامة، وربما ساقها سياق الوفاق؛ لأنه يراها محجوزة بسياقها التاريخي لا تتعداه إلى سواه، وسنكشف عن بعض هذه المواقف، ونذكر رأي أبي حيان باختلافه واتفاقه، بطريقة مباشرة عند ذكر الموقف، وأخرى غير مباشرة عندما نتناول موقفه المعرفي. *تفضيل العرب على العجم: ربما بدا عنوان الفقرة مدهشاً في ضوء أحوال السقوط الحضاري للعرب في أيامنا، لكنه لم يكن في زمنه كذلك؛ لأن أبا حيان ساق كلامه على جهة إنصاف العرب من العجم (الفرس) وكان التعميم بغية التعمية على الوزير، وكان موقف أبي حيان قائماً على جهة التسليم بصحة رأي الخصم، والأخذ بمنطقه ـ مؤقتاً ـ لتدمير فكرته بالسلاح نفسه، وإلا فأبو حيان رجل يقدم لنا الأمم بواقعية شديدة، وحسبك ما يحكيه على لسان شيخه أبي سليمان المنطقي، ولا يتعقبه بإنكار، حيث يقول: (اشتركت الأمم في جميع الخيرات والشرور، وفي جميع المعاني والأمور، اشتراكاً أتى على أول التفاوت ووسطه وآخره، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست لأختها، واشتراكهم فيها كالأصول، واستبدادهم كالفروع، وفيما اشتركوا المحمود والمذموم... إلا أنهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة والتنبيه، وبين الاختيار والتقدمة، فصار: الاستنباط والغوص والتنقير والبحث والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان، والوهم والحدس والظن والحيلة والتخيل والشعبذة للهند، والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع و السحر باللسان للعرب، والروية والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبودية والربوبية للفرس، فأما الترك فلها الشجاعة، والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة، وليس بعد هذا للترك حظ ولا دراية إلا بقسط من الظل من الشخص. والعرب مع منطقها البارع لها المزية المعروفة على الترك في السياسة...))(25) وأردف ذلك بقوله: ((ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها في كل مجال، وتميزها باللسان فقد كابر، ومن أنكر تقدم يونان في إثارة المعاني من أماكنها، وإقامة الصناعات بأسرها، وبحثها عن العالم الأوسط والأسفل فقد بهت. ومن دفع مزية الفرس في سياستها وتدبيراتها، وترتيب الخاصة والعامة فقد عاند، وهكذا من دفع ما للهند...)(26) كلام أبي سليمان المنطقي صريح في الإشارة إلى فضل الأمم السابقة والمعاصرة في حضارتها للحضارة العربية الإسلامية، وأن الحضارة الناهضة على تواصل بالحضارات السابقة أخذت وأعطت، وأن الشعوب ليست خالية الوفاض، وأن مدنياتها محمولة بحضارتنا العربية الإسلامية، على أن لكل أمة جهة ثابتة لها، على تفاوت بين أبنائها فيها، وعلى تفاوت بين الأمم نفسها، ولولا ضيق المكان والزمان لكتبت كتاباً في جدل الحوار الحضاري عند أبي حيان، وحسبك مثالاً واحداً هنا يدلك على ترحيبه بثقافات الأمم الأخرى التي قاسمت العرب مسؤولية حمل الرسالة، وهم الفرس، ذلك أن نظرته إليهم تأخذ مسارين الأول يتناول التيار الشعوبي الحاقد على العرب، وهنا بث أبو حيان رأيه فيهم مقنعاً بالرواية ـ على طريقة ناقل الكفر ليس بكافر ـ قاصداً هدم آراء الشعوبيين بما تخيره من روايات تدفع مذاهبهم في العرب حتى استوى عند عرب الجاهلية وعرب الإسلام، فكان عالماً متجرداً من تبعات الهوى من هذه الجهة. والمسار الثاني توجه إلى حكم الفرس لأنها وليدة حضارة قوية، ولأنها من أعمدة البنيان الحضاري الحية الخالدة التي تعبر عن قوانين الخلود في بناء الإنسان والعمران معاً، وذلك في قوله: ((كانت الفرس تقول: مَن قدر على أن يتحرز من أربع خصال لم يكن في تدبيره خلل: الحِرص، والعُجب، واتباع الهوى، والتواني. لقد صدقت الفرسُ في هذا، والأمم كلها شركاء في العقول، وإن اختلفوا في اللغات، ولا أحد قد نطح إلى الكمال، وتطاول إلى الفضل إلا وهو يعلمُ: أن الحرص يسلُبُ الحياءَ، والعُجبَ يجلُبُ المقتَ، واتباعَ الهوى يورثُ الفضيحة، والتواني يكسب الندامة، ولا أحد أيضاً إلا وهو متسمٌ بهذه الأشياء على التفاضل الواقع، نسأل الله الهداية والعصمة))(27) أبو حيان يقسم دفعاً لإنكار المنكرين أن الفرس صادقة في قولها؛ ذلك أن حركة الشعوبية حاولت الانتقام من العرب الذين أجهزوا على تخلف الدولة الفارسية، وانتقلوا بها من الظلمات إلى النور الجديد، من غير أن ينسوا القيم الإيجابية الخالدة في حضارة الفرس ومدنيتهم مما يتصل بثوابت الإنسان المدني مهما يكن عرقه أو موطنه، ولم يجعل العرب بيضاً متفوقين بل قال: والأمم كلها شركاء في العقول، وإن اختلفوا في اللغات. وهذه مساواة مبكرة في وعي العلماء الذين حملوا حضارات الأمم من جهة ثقافاتها ومدنياتها، وهو يعرف ما يختار وما يدع، ولن تجد أبا حيان يذم أمة من الأمم، أو طائفة من الطوائف، دع عنك وصفه للأشياء كما هي، فإذا كانت تحمل ذماً عندك فهي عند أصحابها كبرى اليقينيات لا يضر أصحابها ما تعيبه عليهم من رؤيتهم أو واقعهم. وأبو حيان يقر بإنسانية ما قدمه الفرس في الجاهلية من مثل هذه القيم، فلا يكتفي بنقلها. والقسم على صحتها بل يتعدى ذلك إلى شرحها وتأصيلها ليتم قبولها وشيوعها في ضوء حاجة الناس إليها في أوقات التفسخ والتفكك والاستغناء بالكلام. سقت هذا الرأي ليعلم أن أبا حيان يفضل العرب إن كان الأمر دفعاً لآراء الشعوبية جرياً على منطقها، فإذا عاد إلى نفسه عاد إلى المساواة بين الأمم أصلاً وتفوق بعضها على بعض من بعض الجهات فرعاً كالذي حكاه عن شيخه أبي سليمان المنطقي، فاجتمع في هذه الفقرة موقفان لأبي حيان هما توكيد لحقيقة التفاعل الحضاري بين العرب وشركائهم الفرس في ظل الرسالة ووحدة الأمة، واحترم فرس الجاهلية كما احترم عرب الجاهلية من غير تفرقة، ولا تمييز، ذلك أنه يرى أن للحضارة روحاً واحدة لا تزول بانتقال مشعل الحضارة المادية من أمة إلى أخرى، فتعلق أبو حيان بحبال القوة في كل حضارة، وحاول اجتناب حبال الضعف، ولم يعرض لها إلا على أنها دالة على الوهن. *الحوار بين النحو العربي والمنطق اليوناني: تناول أبو حيان التوحيدي قضية النحو العربي والمنطق اليوناني، فعرض لها مرتين: الأولى حكاية عن مجلس يصور حرارة الجدل بين العلماء، وحمية العرب في الدفاع عن نحوهم العربي، وذلك بما حكاه من مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات سنة 326هـ(28)، بين أبي سعد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي (280 ـ 368هـ) وأبي بشر متى ابن يونس القنائي(29) (328هـ) وحضر المجلس عدد من أهل الفضل والعلم ذكرهم أبو حيان، وكان الحوار ساخناً انتصر فيه أبو سعيد السيرافي على أبي بشر متى؛ ذلك ن المجلس عقد قبل وفاة أبي بشر بسنتين، فأعانه عليه أنه أدركه في أواخر سني عمره،وكان السيرافي في سنة المجلس قد بلغ السادسة والأربعين من عمره، أي كان في ذروة تعقله وتمكنه فطنة وذكاء، وكان متى قد بلغ من عمره أواخره، وأعانه عليه أن الوزير ابن الفرات كان راغباً في هزيمة الثقافة الوافدة، ومتحمساً للنحو العربي؛ لأن النحو منطق العرب كما يقول. ولست محتاجاً إلى بسط المجلس وشرح ما جاء فيه، ذلك أن المراد منه مقاصده، فقد سكت أبو حيان على ما دار في المجلس، تنبيهاً للوزير البويهي على حجج العلماء العرب للنحو العربي، وحرصهم عليه، بيد أنه جعل ذلك موقفاً مروياً، مقبولاً في سياقه الحضاري والاجتماعي، لكنه من الجهة الثانية غير مقبول عنده في صفاء عقله، وحضور فطنته، وخلوته بشيخ أبي سليمان المنطقي الذي جعل للنحو العربي حيزاً مختصاً بلغة العرب، وأعطى المنطق اليوناني حيزاً يتعدى لغته اليونانية إلى كل ذي عقل مهما تختلف لغات الناس(30) فكأنه بهذا الرأي يرى أن ما كان بين المتناظرين ليس سوى سوء فهم لوظيفة كل من النحو العربي، والمنطق اليوناني، وأن أبا بشر لم يحسن عرض موقفه، فليس بين العلوم تدافع إذا اختلفت جهات الدلالة: وظائفها، وطرائقها، ومادتها المدروسة على ما بين المنطق واللغة من تداخل في المادة المدروسة نحوياً ومنطقياً. فالصراع حاضر في مجالس الساسة وأصحاب الاجتهاد الحي، لكنه غائب عن عقل أبي حيان إذا تعلق بحقيقة ثابتة، أو حكمة تائهة، وكامن في عقله وتوجيه رواياته توجيهاً يخضع لرؤاه العميقة في الاختيار المتبصر ليدخر لأبناء أمته خير الحضارات، وليجتنبوا شرور الجراثيم الفاتكة في بناء الحضارة الساعية بها إلى حتفها. *الفلسفة اليونانية والشريعة العربية: سعى اليهودي وهب بن يعيش الرقي بنشر الفلسفة اليونانية، وأراد الفصل بينها وبين الهندسة والمنطق لصعوبتهما على العامة، بغية الحفاظ على التخلف العلمي والعملي من جهة، وشيوع الفلسفة التي صحبتها حركة الزندقة، وألف رسالة بهذا الشأن، وصل خبرها إلى الوزير ابن سعدان الذي سأل أبا حيان عنها فقال أبو حيان: ((فكان من الجواب: قد عرفت مذهب ابن عيش في هذا الباب ـ وهو جاري ـ وكتب هذه الرسالة، على هذا الطراز، إلى الملك السعيد، سنة سبعين، وتقرب بها، ونفعته بالمسألة و التفقد له))(31) فابن يعيش كان جاراً لأبي حيان، يرى هوى الدولة البويهية، ويسعى للتخلص من هواها المذهبي بإبعاد الدين عن السياسة، والإشارة إلى الفلسفة علها تؤلف منهجاً بديلاً للقرآن في تحصيل السعادة والهداية، وإبعاد الناس من شغب أهل المذاهب، وسياسة تقريب الناس من الدولة وفق انتماءات مذهبية، ذلك أن الإسلام في أصالته الأولى لا يفرق بين رعايا الدولة على أسس مذهبية. ونلحظ سماحة أبي حيان في شفاعته لجاره اليهودي بفقره، وسماحة الحاكم البويهي بتفقد أحواله بعد أن رآه يحط في هواه، لكن أبا حيان لم يترك دعواه من غير رد في كتاب الإمتاع نفسه، وفي كتبه الأخرى بما أورده على لسان عدد من العلماء يبطلون هذه الدعوات، فكان رفيقاً بالوزير، بعيد النظر في شأن التدرج بأفكاره المفضلة، فيعرض لها على لسان غير الوزير، فإذا وجد لها استحساناً عنده عرض لها عرض الشارح الموحي بضعف المذهب لضعف الدافع أو مكره، ورد شيوع الفكرة لاستحسان الحاكم لها، وليس لقوة في طبعها، وكان يعرض لها في موقع آخر دافعاً ومفنداً، بلسانه أو لسان غيره. ومن زاوية أخرى للإصلاح نهض إخوان الصفاء وخلان الوفاء بدعوتهم القائمة على طور المعايشة بين الفلسفة والشريعة بغية تخليص الدين من الشوائب التي لحقت به، في مسيرته الطويلة، فعرض أبو حيان لهم بقوله: ((وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في أجزاء الفلسفة، علميها وعمليها، وأفردوا لها فهرستاً، وسموها رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، وكتموا أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ولقنوها للناس، وادعوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه الله ـ عز وجل ـ وطلب رضوانه؛ ليخلصوا الناس من الآراء الفاسدة التي تضر النفوس، والعقائد الخبيثة التي تضر أصحابها، والأفعال المذمومة التي يشقى بها أهلها، وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدينية، والأمثال الشرعية والحروف المحتملة، والطرق الموهمة))(32) فأبو حيان يوحي بموقفه من إخوان الصفاء في أثناء عرض رأيهم، فهو رافض له، إما لعلمه أن الوزير لا يطمئن إلى هذه الحركة الناهضة، وإما لأنه يدرك خطرها، وليس في اعتراضه الظاهر عليها محض رأي شخصي، فآراؤه تخضع لسياق الحياة، وسياق الحديث في مجلس الوزير، أو سياق التصنيف للكتاب، وقد فند رأي إخوان الصفاء بلسان الحريري غلام ابن طرارة، بحجج تحتاج إلى فضل وقت لعرضها ومناقشتها، وقد بثها في الليلة السابعة عشرة، وحسبك من أدلته قوله على لسان الحريري بعد أن هزم المقدسي؛ وكان نصيراً لأفكار إخوان الصفاء: ((فقال: يا أبا سليمان!! من هذا الذي يقر منكم أن عصا موسى انقلبت حية، وأن البحر انفلق، وأن يداً خرجت بيضاء من غير سوء، وأن بشراً خلق من تراب، وأن آخر ولدته أنثى من غير ذكر، وأن ناراً مؤججة طرح فيها إنسان فصارت له برداً وسلاماً.. وعلى هذا، إن كنتم تدعون إلى شريعة من الشرائع التي فيها هذه الخوارق والبدائع فاعترفوا بأن هذه كلها صحيحة، ثابتة، كائنة، لا ريب فيها، من غير تأويل ولا تدليس، ولا تعليل ولا تلبيس، وأعطونا خطكم بأن الطبائع تفل هذا كله... ودعوا التورية والحيلة والغيلة، والظاهر والباطن، فإن الفلسفة ليست من جنس الشريعة، ولا الشريعة من فن الفلسفة، وبينهما يرمي الرامي))(33). لا ريب في أن أبا حيان لم يرو هذا الرد الطويل لمتعته فقط، بل رواه ليهدم بنيان حركة أرادت أن تؤصل للفلسفة اليونانية، ولبست ثياب الدين ـ برأيه ـ لتكون مجهزة عليه من داخله، فهما دعوتان الأولى لابن يعيش اليهودي تريد تبسيط الفلسفة للناس، وعزلها عن الدين، والزعم بأنها تحقق مقاصده الروحية في الهد بغض النظر عن صورته النصية، من غير صراعات مذهبية. ودعوة إخوان الصفاء القاصدة إلى مزج الدين بالفلسفة مغلبة روح الفلسفة على روح الدين، بعكس أبي سليمان وأبي حيان اللذين مزجا الدين بالفلسفة على نية غلبة روح الدين على قشور الفلسفة. ولا ريب في أن جوهر الحوار الحضاري كان بين مرتكزات العقل اليوناني، وروائز العقل العربي في اللغة: النحو والمنطق، وفي الفكر: الفلسفة والشريعة، وفي الحركة الاجتماعية الأمم والفضائل. وهو حوار في بؤر التأثير الإنساني. ولا شك في أن محاولات إخوان الصفاء ومحاولات دفع فكرة ابن يعيش قائمة أصلاً على سلامة النية، والرغبة الحق في نشوء مشروع حضاري ينهض بالأمة من جديد، ونحسب أنه اجتهاد لا يعاب فاعله، وإنما يقدر عمله بمقياس نية أصحابه، ويناقشه من يشاء، ويقبله من يشاء، ويرده من يشاء، كل بقناعته واختياره. *المواجهة العسكرية: عندما تعجز الحضارة القديمة عن محاورة الحضارة الناهضة تلجأ إلى القوة لدفع سلطانها عن نفوس أبنائها، خوفاً من الاستيلاء السلمي عليها، مما يتبعه زوال سلطانها، وحلول حضارة أخرى، تعطي الناس بعداً آخر مختلفاً عن سابقه، حتى يقال: إن الحضارة الجديدة تفرق بين الولد وأبيه، والأخ وأخيه، والرجل وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، فلكل منهم شأن حضاري يغنيه. فالتراجع الحضاري حقيقة واقعة، لكن تراجع سلطان الحضارة لا يتم طوعاً، فلا بد من السيف، ليس للإقناع بل لزوال الحواجز المانعة من حرية الاختيار عند الحضارة العربية القائمة على قوله: (لا إكراه في الدين)(34) لكن الحضارات الأخرى تريد أن تفرض ميسمها وثقافتها على الأمم الأخرى بالسيف، أو بالقهر من غير حرية اختيار للناس، وهنا يقع الصدام المسلح بين الأمم والحضارات، ولابد من الدفاع عن الذات، ولذلك ساق أبو حيان حديث الغزو الفرنجي الرومي على دولة العرب العباسية، وكانت في طور من أطوار ضعفها وتفككها، وكان باختيار البويهي القائد الفعلي للدولة، ووصل الروم إلى نصيبين سنة 362هـ، فهب مجموعة من علماء الأمة، وهم كما يذكرهم أبو حيان: ((أبو تمام الزينبي، ومحمد بن صالح بن شيبان، وابن معروف القاضي، وابن غسان القاضي، وابن مكرم ـ وكان من كبار الشهود في سوق يحيى ـ وابن أيوب القطان العدل، وأبو بكر الرازي الفقيه، وعلي بن عيسى، والعوامي صاحب الزبيري، وابن رباط شيخ الكرخ ونائب الشيعة ولسان الجماعة، وابن آدم التاجر، والشالوسي أبو محمد، وغيرهم مما يطول ذكرهم.. والتأم من ذلك أن تخرج طائفة وراء الأمير باختيار إلى الكوفة))(35) وذهب وفد من العلماء بعد أن استعفى جُعل وأبو سعيد السيرافي، فوقفوا على الأمير البويهي، وألقى كلمة في مجلسه كل من العلماء التالية أسماؤهم: أبو بكر الرازي، وعلي بن عيسى، وأبو كعب الأنصاري والعوامي، وسجل أبو حيان كلماتهم بنصها وحرفها، وسجل إجابة الوزير البويهي، وكانت إجابة تقوم على تقريعهم، وقد وصل به الأمر إلى القول: ((... وإنكم لتظنون أنكم مظلومون بسلطاني عليكم، وولايتي لأموركم؛ كلا!! ولكن كما تكونون يولى عليكم؛ هكذا قول صاحب الشريعة فينا وفيكم، ولولا أني كواحد منكم، لما جعلت قيماً عليكم، ولو خلا كل واحد منكم بعيب نفسه لعلم أنه لا يسعه وعظ غيره وتهجين سلطانه، أيظن هذا الشيخ أبو بكر الرازي أنني غير عالم بنفاقه...))(36) مما تقدم ينهض الحوار المسلح بين العرب والروم إلى خصومة بين دولة الهزيمة المسلحة وعلماء الأمة، من غير فرق بين علماء السلاطين وعلماء الشعب، داعين الحاكم إلى مواجهة التفوق العسكري الفرنجي على القوة العربية الإسلامية، ظناً منهم أن الحكام يصنعون الانتصارات والمعجزات، متجاهلين حقيقة التخلف الحضاري في الثقافة والعمران والمعلومات، وطرائق الخصم في الإعداد، والخطوات اللازمة في تفريق الأمة قبل الوصول إلى غاياته البعيدة. فالصراع العسكري صورة من صور الحوار هدفه الإقناع عند الروم ومن كان على سمتهم في الدهاء السياسي، لكنه إقناع مؤقت بالإكراه، لا يحقق هدفاً بعيداً، ولا يبقي له في الأرض سوى الكراهية رصيداً. ومنطق الأشياء يدعو إلى توكيد فكرة أرنولد توينبي المؤرخ الإنكليزي التي يتحدث فيها عن الإنقاذ بالسيف، قائلاً: ((إن هذا الفشل النهائي لكل محاولات الوصول إلى الخلاص بالسيف، ليس موضوع قصائد فحسب، ولا رواية خرافة، أو أساطير، فلقد أثبته التاريخ؛ لأن جرم الآباء الذين لجأوا إلى السلاح يقع على الأبناء فيصل إلى الجيل الثالث أو الرابع منهم))(37) فالحرب صورة من صور الصراع الحضاري من وجهة نظر القوى الناهضة، لكنها لا تؤلف قاعدة في تفكير أبي حيان ونظرته إلى الحضارات وحوارها، وإنما يدخل ذلك من جهة الوصف، والتشخيص، وليس من جهة الرؤية والتفكير، لأنه صوفي الطريقة. *الحوار الحضاري في العلم والأدب: سبقت بعض الإشارات إلى اقتباس أبي حيان بعضاً من حكم الفرس الإنسانية، وهنا لابد من الإشارة إلى الاقتباس العلمي كالاعتماد على كلام علماء من حضارات الأمم الأخرى، والاقتباس الأدبي منها كالأمثال والأساطير المحكية. أما من جهة الاعتماد على الكتب العلمية فحسبنا الإشارة إلى بعض الكتب التي اتكأ عليها أبو حيان محتجاً ببعض ما جاء فيها، أو مستأنساً به، أو واجداً فيه بصيرة للمتبصرين، أو ذخيرة لأبناء أمته اللاحقين من بعده، من ذلك: رسالة أرساطاطاليس إلى الإسكندر(38)، ورسالته في السياسة التي شك في نسبتها إليه(39)، وكتابه الحيوان(40)، وكتاب ما بعد الطبيعة(41)، وكتاب المقالات(42)، ولأفلاطون كتاب: النواميس(43). هذا بعض ما اغترفه من الثقافة اليونانية، ولم يحجزه عنها أنه في أمة تختلف عن أمة الإغريق في الرؤية الكونية، والعراقة القومية، وكان شعاره الحكمة ضالة المؤمن، كما أنه اطلع على كتب الهند(44). واطلع على كتاب ـ صار مشتركاً بين ثلاث حضارات هي الحضارة الهندية والحضارة الفارسية والحضارة العربية الإسلامية ـ هزار أفسان(45)، وهو أصل كتاب ألف ليلة وليلة، وعلى كتاب ألف ليلة وليلة نفسه(46)، وعرض لكتب أثر جيراننا الفرس واضح فيها، من ذلك كتاب آيين خدمة الملوك، لأحمد بن الطيب السرخسي(47)، والأثر الفارسي مكشوف من عنوانه (آيين) وكتاب آيين نامه، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن نصر الساماني(48). ما تقدم يشير إلى أن أبا حيان التوحيدي كان متبصراً بحضارات الأمم علومها وثقافاتها، لكنه لم يحتطب بليل بل كان على بصيرة من أمره في اختياره، ومواقفه مما يتخيره، على منهج فريد في العرض والوقاية، والرد والرعاية. *آداب الأمم في الحوار الحضاري: وأما ما يتصل بآداب تلك الأمم فإن أبا حيان حرص على غنى ثقافته، وثقافة أبناء أمته بأحسن ما عند الأمم، من ذلك أمثالها، وحكاياتها، وسأقتصر على ذكر بعض أمثال الفرس واليونان، للدلالة على ما وصف بها أبناء هاتين الأمتين من صفات تدل على حسن التدبير عند الفرس، والعمق والغنى العقلي عند اليونان. ولا نريد أن نقدم دراسة حول أي مثال من هذه الأمثال، وإنما نقدمها على أنها عينة مختارة من اختيار أبي حيان التوحيدي، نترك للمتلقي فرصة المتعة الحرة والمشاركة العملية بتذوق الميراث الحضاري الحي من أي جهة أتى. تخير أبو حيان من أمثال الفرس التي تعبر عن خلاصة تجارب الناس في كل مكان عدداً من الأمثال الموجزة بالقول، والمعبرة بالحدث أو المناسبة، ولو لم تذكر، مع الأقوال، لكنه استعار مواقف تعد من الأمثال التي تستحق أن تضرب للناس ليتعلموا منها. أما الأمثال فتخبرنا بعضها على طريقة ما قل ودل، من ذلك قول الفرس: ما دخل مع اللبن لا يخرج إلا مع الروح، والعرب تقول: اطبع الطين ما دام رطباً، واغرس العود ما كان لدنا(49). وتقول الفرس: مطرة في نيسان خير من ألف شان(50). وقالت الفرس: وجدنا في مهارقنا القديمة: إذا لم يساعد الجد فالحركة خذلان. وقالت أيضاً: رب لازم لعرصته قد فاز ببغيته(51). ويضرب بعض الفرس تمثيلاً لحياة الناس في مجتمعاتهم بحياة الحيوان الأعجم بالغابة، لقول بعضهم: ((قال بعض الفرس: الناس أربعة: أسد وذئب وثعلب وضأن. فأما الأسد فالملوك يفرسون ويأكلون. وأما الذئب فالتجار، وأما الثعلب فالقوم المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه من رآه))(52) هذه بعض الأمثال الفارسية لتي رواها أبو حيان للدلالة على حسن تدبير الفرس وسياستهم في الحياة، والأمثال عند الأمم برتبة أقوال الأنبياء داعية للتفكير من جهة والعمل من جهة أخرى، لكنها ملزمة من غير شرط للإلزام، ومغرية من غير ثواب ولا عقاب؛ ذلك أن ثوابها في العمل كامن فيها. وفي سوقها دلالة تقدير واحترام من أبي حيان لحضارة أباد العرب سلطانها السياسي، وأفادوا من ميراثها السياسي والثقافي. وأما أمثال اليونان فقد ذكر عدداً منها في موضع واحد وتتبعها بالتعليق على خلاف أمثال الفرس، فذكر من أمثال اليونان: ـ إفراط الأُنس مقدمة الجرأة. ـ قوة العزمِ بِنَيلِ البُغيةِ. ـ جَهلُ العللِ يورثُ الحَصَرِ، أي: الجهل بمعرفة المعاد يؤدي إلى الانقطاع. ـ جهل القَدْرِ يُعقبُ بطراً وخوراً. ـ أمنُكَ عدوك بُغيته. ـ عادةُ الصمتِ تُورثُ عَياً..(53) وتعقب الأمثال بقوله: ((هذه نوادر كلام اليونانيين، وقد مر في هذا الكتاب، ويمر ما إذا جمعته وأفردته، زادك حسنة، وانثالت عليك فائدته، فخذ منها، ومن غيرها، كل حسن بهيج، نفعك الله بالعلم، وبصرك بالهدى))(54) فأمثال اليونان ـ على ندرتها تستحق الجمع والبحث، والإفراد برسالة أو كتاب؛ لأنها تزيد جامعها حسناً على حسنة، وفائدة على ما عنده من فوائد، ثم أردف أبو حيان حديثه عن طبيعة أمثال اليونان وفوائدها بمنهجه العام في الأخذ عن الأمم الأخرى، فجعل منهجه في الاختيار قائماً على حسن ما يتخيره، وعلى مقدار ما يحقق من متعة نفسية وعقلية، وفائدة من تجارب أهلها، من غير تمييز للحسن على أساس قومي أو حضاري، ذلك أن الجمال والحق صنوان، وهما مطلب كل إنسان متحضر بالمدنية والعمران وضالته. هذه أمثال اليونان علم وهدى يتداوى بهما، وتلك أمثال فارس مثلها، وتلكم غيرهما من خالص تجارب الناس أبناء الحضارات التي زال سلطانها عن الأرض وبقيت تجاربهم الحضارية في مختبر التاريخ تعطي نفعها في كل حين، دالة على آفاق أهلها الحضارية، وشاهدة على عبقرية أبي حيان في اختياراته الدالة على تحضره في التناول والعرض والقصد. *حكايات الأمم: تخير أبو حيان حكايات من رحى الحضارة الفارسية، من ذلك حكاية المجوسي وكان من أهل الري واليهودي وكان من جي بأصفهان، وكان المجوسي يركب بغلة، وقد تعارفا في طريق السفر، فظهرت حذلقة اليهودي وقدرته على التأثير، فحمله المجوسي على بغلته وأطعمه من زاده، فلما ملك اليهودي البغلة، وأدرك المجوسي التعب تركه اليهودي ومضى بالدابة والسفرة لا يلوي على شيء من توسل المجوسي، فما رحمه، ولا عطف عليه، فدعا المجوسي ربه، فاستجاب له، بعثرة البغلة ووقوع اليهودي أرضاً، فلما لحق به المجوسي رحمه، وحمله على حوار كان بينهما(55). هذه حكاية بين فيها أبو حيان أن المجوسي الذي ينظر إليه بعض العرب المسلمين على أنه كافر يعبد الله الذي في السماء وليس كما يزعمون، ولما ظلم دعا ربه فاستجاب له، وأن اليهودي الكتابي عند العرب إنسان مدع ومحتال لمنافعه المادية، فأراد بذلك الكشف عن أثر العقيدة والتربية في السلوك الإنساني، وتغيير الصورة، ونقد أفكار أمته عن الأمم الأخرى. والحكاية مثل حي مستمر الدلالة؛ ذلك أن مثل الأمة العربية والإسلامية كمثل المجوسي وبغلته إذ وضع المعروف في غير أهله، فقد حمل العرب اليهود يوم شن الغرب حملته لتطهير العالم من شرورهم فاحتضنهم العرب، فكان جزاؤهم ما ترون من عدوان. إنها حكاية واقعية كما يروي أبو حيان بالسند ويحدد المكان وأحسن صنعاً إذ ترك تعيين الأسماء، لأن هذين الرجلين يؤلفان أنموذجاً إنسانياً لتشويه الأفكار والتربية لإنسانية الإنسان، وتدمير قوى الخير فيه. وتخير أبو حيان من عطاء الحضارة اليونانية الحكاية الآتية: ((قلت: حكى لنا أبو سليمان، في هذه الأيام، أن ثيودسيوس ملك يونان كتب إلى كنتس الشاعر أن يزوده بما عنده من كتب فلسفية، فجمع ماله في عيبة ضخمة، وارتحل قاصداً نحوه، فلقي في تلك البادية قوماً من قطاع الطريق، فطمعوا بماله، وهموا بقتله، فناشدهم الله ألا يقتلوه، وأن يأخذوا ماله ويخلوه، فأبوا، فتحير، ونظر يميناً وشمالاً يلتمس معيناً وناصراً، فلم يجد، فرفع رأسه إلى السماء، ومد طرفه في الهواء، فرأى كراكي تطير في الجو محلقة، فصاح: أيتها الكراكي الطائرة!! قد أعجزني المعين والناصر، فكوني الطالبة بدمي، والآخذة بثأري، فضحك اللصوص، وقال بعضهم لبعض: هذا أنقص الناس عقلاً، ومن لا عقل له لا جناح في قتله، ثم قتلوه واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم؛ فلما اتصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ذلك، وتبعوا اثر قاتله، واجتهدوا فلم يغنوا شيئاً، ولم يقفوا على شيء، وحضر اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذكرة بالحكمة والعظة، وحضر الناس من كل قطر وأوب، وجاء القتلة واختلطوا بالجمع، وجلسوا عند بعض أساطين الهيكل، فهم على ذلك إذ مرت بهم كراكي تتناغى وتصيح، فرفع اللصوص أعينهم ووجوههم إلى الهواء ينظرون ما فيه، فإذا كراكي تصيح وتطير وتسد الجو؛ فتضاحكوا، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء طالبو دم كنتس الجاهل ـ على طريق الاستهزاء ـ فسمع كلامهم بعض من كان قريباً منهم، فأخبر السلطان، فأخذهم وشدد عليهم، وطالبهم، فأقروا بقتله، فقتلهم، فكانت الكراكي المطالبة بدمه،ولو كانوا يعقلون أن الطالب لهم بالمرصاد))(56) كما أن العرب يؤمنون بالأقدار المقدرة، وأن الله للظالم بالمرصاد، فكذلك اليونان بحضارتهم وثقافتهم، لهم مثل هذا الاعتقاد، وضرب لذلك حكاية شدها إلى الزمان والمكان وأسماء الشخصيات ليزيدنا قوة يقين بوقوعها، وربطها بالمشاهير ملك وشاعر، ليدلنا على أن ميسم الحضارة اليونانية ما زال حياً في حضارتنا العربية الإسلامية. مما تقدم يتبين أن أبا حيان كان محاوراً متميزاً باختياره، مبتعداً من مواقع الصدام، مقراً أن روح الخير في الحضارات كلها واحدة تنتقل من أمة إلى أمة، محاولاً التقريب بين الأمم والحضارات، وأنه لا عيب في الأخذ عن الحضارات السابقة إن كان ما يؤخذ حقاً، ذلك أن الحق لا ينتسب إلى شيء، وكل شيء ينتسب إليه، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها تلقفها، وكان أولى الناس بها. المصادر: 1. الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: أحمد أمين، وأحمد الزين، بيروت ـ صيدا ـ المكتبة العصرية، [د.ت] 2. البصائر والذخائر، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: د. وداد القاضي، بيروت ـ دار صادر، ط 1408هـ ـ 1988م. 3. سير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، بتحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمروي، بيروت ـ دار الفكر، ط: 1، 1417هـ ـ 1996م. 4. الفردوس بمأثور الخطاب، لأبي شجاع شيرويه الديلمي الهمذاني (445 ـ 509هـ) تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول، بيروت ـ دار الكتب العلمية، ط1، 1986م. 5ـ المقابسات، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: حسن السندوبي، الكويت ـ دار سعاد الصباح، ط2، 1992م. 6ـ نهج البلاغة، اختيار الشريف الرضي، شرح أ.محمد عبده، بيروت ـ منشورات المكتبة الأهلية، [د.ت]. (1) أستاذ جامعي، وباحث سوري. (2) الفردوس بمأثور الخطاب، لأبي شجاع شيرويه الديلمي الهمذاني (445 ـ 509هـ) تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول، بيروت ـ دار الكتب العلمية، ط1، 1986م: 3/ 419. (3) نهج البلاغة: اختيار الشريف الرضي، شرح أ.محمد عبده، بيروت ـ منشورات المكتبة الأهلية، [د.ت]: 4/ 35. (4) انظر: الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: أحمد أمين، وأحمد الزين، بيروت ـ صيدا ـ المكتبة العصرية، [د.ت]: 1/ 42 ، 52. (5) انظر: الإمتاع والمؤانسة: 2/ 77 ـ 79. (6) سورة آل عمران: 3: 140. (7) انظر: الإمتاع: 1/ 74. (8) انظر: الإمتاع: 1/ 87. (9) انظر الإمتاع: 1/ 74. (10) الإمتاع: 1/ 75. (11) سورة آل عمران: 3/ 140. (12) الإمتاع: 1/ 71 ـ 73. (13) الإمتاع: 1/ 79. (14) الإمتاع: 1/ 80. (15) الإمتاع: 1/ 80/ 81. (16) الإمتاع: 1/ 81. (17) الإمتاع: 1/ 86. (18) الإمتاع: 1/ 87. (19) انظر: البصائر والذخائر، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: د. وداد القاضي، بيروت ـ دار صادر، ط 1408هـ 1988م : 1/ 228 . (20) يعني الوزير. (21) الإمتاع: 2/ 73. (22) لم أجد في الكتب الصحاح التسعة ما يؤكد هذا الكلام، سوى حديث مرفوع، انفرد به أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، بقوله: ((إذا بلغ بنو آل فلان ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولاً، ودين الله دخلاً، وعباد الله خولاً)) مسند الإمام أحمد، كتاب باقي المكثرين، رقم الحديث: 11334. (23) الإمتاع: 2/ 74. (24) انظر: سير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، بتحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمروي، بيروت ـ دار الفكر، ط1، 1417هـ 1996م 6/ 434. (25) الإمتاع والمؤانسة: 1/ 211. (26) الإمتاع والمؤانسة: 1/ 212. (27) البصائر والذخائر: 1/ 228. (28) ذكرى في المقابسات، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: حسن السندوبي، الكويت ـ دار سعاد الصباح، ط2، 1992م: 68، أن المجلس عقد سنة عشرين وثلاثمائة، وهو خطأ مطبعي، أو سهو من المحقق الفاضل وهو نق عن الإمتاع. (29) انظر: الإمتاع والمؤانسة: 1/ 108. (30) انظر: المقابسات: 169، المقابسة: 22. (31) الإمتاع والمؤانسة: 1/ 105. (32) الإمتاع والمؤانسة: 2/ 5. (33) الإمتاع والمؤانسة: 2/ 17. (34) سورة البقرة: 256. (35) الإمتاع والمؤانسة: 3/ 153. (36) الإمتاع والمؤانسة: 3/ 158. (37) حرب وحضارة، أرنولد تويني، ترجمة غيثا حجار، بيروت ـ منشورات دار الاتحاد، 1963م: 160. (38) انظر: البصائر والذخائر: 1/ 2، 219/ 64. (39) انظر: البصائر والذخائر: 9/ 215 ـ 217. (40) انظر: البصائر والذخائر: 9/ 32، 45. (41) انظر: البصائر والذخائر: 9/ 18. (42) انظر: البصائر والذخائر: 7/ 219. (43) انظر: الإمتاع والمؤانسة: 2/ 20. (44) انظر: البصائر: 2/ 151. (45) انظر الإمتاع والمؤانسة: 1/ 23. (46) انظر: البصائر والذخائر: 1/ 70، 5/ 32 ـ 37. (47) انظر: البصائر والذخائر: 4/ 117. (48) انظر: الإمتاع والمؤانسة: 1/ 78. (49) البصائر والذخائر: 2/ 96. (50) البصائر والذخائر: 3 / 115. (51) البصائر والذخائر: 4/ 153. (52) البصائر والذخائر: 4/ 194. (53) البصائر والذخائر: 3/ 179. (54) البصائر والذخائر: 3/ 181. (55) انظر: الإمتاع والمؤانسة: 2/ 157. (56) الإمتاع والمؤانسة: 2/ 154. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |