مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 105 السنة السابعة والعشرون - كانون الثاني 2007 - المحرم 1428
Updated: Wednesday, August 29, 2007 03:48 AM
فهرس العدد
 

حرية الوجود أم عبودية الاتباع ـــ أ.د.حسين الصديق(1)

مدخل الإنسان كائن زماني، ارتبط وجوده بالزمان، من حيث العرض/ الجسد، ومن حيث الجوهر/ الذات، على السواء، وهو زمان قصير جداً إذا عددنا عمره الخاص به بين لحظتي الولادة والموت، وعليه أن يعيش حياته يوماً بيوم، بل لحظة بلحظة، وأن يعيش يومه على أنه آخر يوم في حياته، فهو لا يعرف إن كان سيكون في هذا الوجود غداً، إلا أنه يعرف أن يوماً ما آت سيكون من غير غد، بالنسبة إليه.‏

ولما كان الوجود على مستويين: العرضِ والجوهرِ، فقد اقتضى أن يكون الزمان زمانين: مطلقٍ يقابل الجوهر ومقيدٍ يقابل العرض. والإنسان بين هذين الزمانين، وذينك الوجودين، يعيش بين الحرية والعبودية، حريةِ الوجود المطلق، وعبودية الوجود المقيد، فالإنسان وجد أولاً جوهراً، ثم خُلق عرضاً، وهو حرٌ من جهة الجوهر، عبدٌ من جهة الجسد لما لهذا الجسد من ضرورات مادية من علائق الترابية، ولارتباط وجوده بالزمان والمكان، بكل ما يعنيه هذان من وجودات أخرى متصارعة فيما بينها على المصالح، لا تختلف فيما بينها إلاّ في نسبة امتلاكها القوة الضرورية، على اختلاف أشكالها وأنواعها، لتحقيق تلك المصالح. ولما كان العرض حاملاً الجوهر الذي لم يصبح مكلفاً إلاّ عندما أصبح في الجسد، فقد اقتضى أن يحمل الجسد المقيدُ، العبدُ، حريتَه في داخله، وعلى ذلك فالإنسان حرٌ بالقوة، عبدٌ بالفعل. ولما كان الإنسان إنساناً بالجوهر ولم يكنه بالعرض، فإن حريته مرتبطةٌ بإنسانيته، وعبوديتَه مؤسسةٌ على بشريته. مكانة الإنسان مصدرها وجود الجوهر فيه، فالملائكة ليست جوهراً، وهي ليست مكلفة ولم تحمّل أمانة، وهي لا تستطيع أن تعصى الله، والإنسان وحده مختلف عنها لوجود التجلي الظاهر والباطن فيه، وهنا مكمن التكليف والاختبار، ومن هنا بدأت العبودية والمكانة السامية للإنسان وجعلته مختلفاً عن باقي المخلوقات، فسجدت الملائكة له، وسخرت له باقي المخلوقات. فالذات مكان التكليف، والعرض أداة التنفيذ، ولذلك قادر على الخروج على القانون الإلهي، وليس كباقي المخلوقات التي تخضع لقوانين لا تحيد عنها. والإنسان من جهة العرض مشدود إلى التراب الذي يقاوم الذات في أداء وظيفتها، مما يفقدها قدرتها على استيعاب التكليف والاستفادة من قدراتها الآتية من تسخير المخلوقات لها. وعندما لا يخضع الجسد للذات فإنه يستفيد من هذا التسخير لمصلحته، على حين أن هذا التسخير إنما هو للذات في الأصل، وليس للجسد، وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى وقوع الإنسان كذات أسيراً للجسد، ولكنه لا يشعر بأسره لأنه في الأساس ما كان حرّاً، فالحر هو العارف، والجاهل هو عبد الوهم والهوى والخوف وليس هذا بجاهل إن عرف أنه كذلك، والجاهل هو من كان يظن نفسه على علم، وقال الله عز وجل فيه: (أَفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيِهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ( (الجاثية/23).‏

الحرية إذن ثمرة المعرفة، والجاهل بذاته ليس حراً بل عبداً لجسده، وهو من الذين وصفهم الله بقوله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً( (الفرقان/44)، والجسد عبد للنزوات، فمن المستحيل أن يتحرر، وهذا الأمر مرتبط بالزمان لأن الإنسان كائن حيوي موجود فيه الزمان، وهو خاضع للزمان الطبيعي، فوجوده محكوم ببداية ونهاية محددتين، ولذلك فإن أمر تحرره مرتبط بالزمان، وإنه من المفترض أن تزيد معرفته بذاته مع الزمن فيمتلك الحرية، ويصبح جسده ملكاً له، وتصبح علاقته مع الآخرين أفضل وأرقى.‏

يقوم الوجود الإنساني، كباقي أنواع المخلوقات على ثنائية، هي منشأ التكليف، في أصل خلقه وفي الوظيفة التي خلق من أجلها. وبحسب ما قدمناه من زمانية الوجود الإنساني، فإن عليه أن يحقق تلك الوظيفة في الزمان المحدد له، ولا يضيع هذا الزمان فيما لا نفع فيه أو في ما يضره ويبعده عن هذه الوظيفة، وهو ما يقتضي نفي العبثية في وجود الإنسان وفي فعله على السواء.من هنا كان تحقق الحرية في الوجود الشرط الأول لتحقيق الوظيفة على الحقيقة، وتحقيق هذه الحرية يعني بالضرورة نفيَ عبودية الاتّباع، والوقوع في العبثية.‏

ما حرية الوجود، وما عبودية الاتّباع؟ وما علاقتهما بالإنسان والمجتمع، وما أثرهما فيهما؟ ما مصدر العبودية، وكيف يمكن للإنسان أن يصبح حراً؟ تلك هي الإشكاليات التي تريد هذه الدراسة أن تجيب عليها، هادفة إلى طرح إشكالية الواقع العربي الإسلامي، بكل ما فيه من تخلف وضعف وجمود، في كل جوانب الحياة الفردية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والفكرية، والعلمية والثقافية، وساعية إلى الكشف عن الأسباب الجوهرية الكامنة خلف ذلك. وهي تشكل واحدة من العناصر التي تسعى، بعد جمع بعضها إلى بعض، إلى تأسيس مشروع نهضوي يقوم على مبدأ العودة إلى الذات.‏

وقد اقتضت ضرورة المنهج أن توزع الدراسة على أربع فقرات: مسبوقة بتمهيد يحدد مصطلحاتها، ويبين مجالاتها، وستبحث الفقرة الأولى في جوهر حرية الوجود، على حين أن الثانية تدرس أصل عبودية الاتباع، وتتكلم الفقرة الثالثة على أثر الحرية والاتّباع في الفرد والمجتمع، أما الرابعة فستعرض سبيل التحرر.‏

تمهيد‏

ثمة التباس خطير في أذهان المثقفين العرب المسلمين المعاصرين، كما في أذهان السياسيين، في مفهوم الحرية والعبودية، وكل ما هو موجود في أبحاثهم وخطبهم إنما هو مأخوذ عن الفكر والثقافة الغربيَين، اللذين ارتكزا، في مفهوم الحرية لديهم، على نفي البعد "الميتافيزيقي" في الوجود الإنساني، وبشّراً بضرورة التحرر من المجرد من أجل العودة إلى الواقع، ونفي وجود الإله لصالح وجود الإنسان السوبرمان، كما يقول نيتشه في كتابه: هكذا تكلم زرادشت، فالإرادة الإنسانية تتعارض مع الإرادة الإلهية، ولا يمكن لإنسان أن يكون حر الإرادة إلاّ إذا نفينا وجود الإرادة الإلهية، التي ليست يقينية الوجود بمقابل الوجود الإنساني. ولعل فلسفة الوجودية التي قال بها سارتر تمثل أجلى صورة لمفهوم الحرية في الغرب العلماني. وهو مفهوم يتعارض مع مصلحة الوجود الإنساني، الفردي والاجتماعي.‏

أما عند العرب المسلمين فتوضع كلمة حرية مقابل الرق، وتتكلم على تحرير رقبة، وتضع الحر في مقابل العبد، والحرة في مقابل الأَمَة، وتضيف أن الحرةَ من النساء الكريمة، وأن الحرّ ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص. والحُرُّ أيضاً هو خيار كل شيء، ويقالُ حرِّيةُ القوم أشرافُهم.‏

ذلك هو مفهوم كلمة حرية في المعاجم وكتب الأدب العربي القديم كما في الشعر، وهو معنى مأخوذ من القرآن والحديث ولغة العرب، وشائع في كتب الفقه، فكل مسلم حر في الشريعة الإسلامية، وكل إنسان كذلك. والإسلام يقبل وجود العبودية، ولكن وجود العبد في المجتمع غير طبيعي للمسلم، ولذلك فإن تحرير الرقبة كان دائماً من أفضل الأعمال التي يقوم بها المسلم، وبخاصة إذا كان العبد مسلماً. إلا أن هذه المسألةَ مسألةٌ تاريخيةٌ، خاصة بظروف معينة، بدليل أن الفقه الخاص بها معطل اليوم، لانتفاء الحاجة إليه. على أن ثمة استخداماً آخر للكلمة ظهر عند المتكلمين في مسألة الجبر والاختيار وحرية الفعل الإنساني.‏

وبالطبع فإنه لن يكون ممكناً، في هذه الدراسة، تتبع التطور الدلالي لكلمة الحرية وبخاصة في غياب معجم دلالي عربي، ولذلك فإن المفهوم الذي سنستخدمه لكلمتي: حرية وعبودية، سوف يتوضح مع تقدم الدرس، ولعل مفهوم كلمة حرية في كتب الأدب العرفاني يقترب جداً من استخدامنا(2)، وإن كنا لم نعتمد على هذا الأدب في هذه الدراسة التي جاءت نتيجة لقراءات كثيرة أحاطت فهم آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ولعل ما يورده الجرجاني في التعريفات هو التعريف الأقرب إلى فهمنا لكلمة الحرية، يقول: "الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروجُ من رق الكائنات، وَقطعُ جميع العلائق والأغيار"، وعلى ذلك فإن هذه الدراسة ليست بحثاً أدبياً أو فقهياً أو صوفياً أو فلسفياً، وإنما هي تستفيد من هذه المجالات جميعها لأنها تنطلق من العقيدة الإسلامية في كلياتها الإنسانية والاجتماعية، ولذلك فهي تخاطب المسلمين أولاً، والناس كافة ثانياً.‏

أولاً: حرية الوجود/ التوحيد أصل الحرية‏

هل الإنسان حر في الأصل ثم صار عبداً؟ أم العكس؟‏

الإنسان حر في أصل وجوده وقبل أن يكون جسداً، بدليل أن الله كرم آدم بأن نفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، فكان مجلى للصفات الإلهية التي ما سجدت الملائكة إلا لها. (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي أَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفَسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ( الأعراف/172، وقد كان الجواب في قولهم: "بلى، شهدنا"، دليلاً على وعي الإنسان وقدرته على فهم السؤال، وامتلاك حرية الجواب. ولم يكن كذلك إلا لأن الله علم آدم الأسماء كلها، فكان عالماً بالفضل الإلهي، حراً بفضل العلم مصدر الإرادة، قادراً على أن يشهد على نفسه بأن الله ربه.‏

وإذا كانت الشهادةُ صادرةً عن الذات، النفسِ، فهذا يعني أن الذات هي مركز الإيمان، فهي التي أُشهدت، وهي التي أجابت. وإذا كان الإيمانُ مصدرَ عدم الخضوع لغير الله، فإنه بالتالي مصدر الحرية التي تتأسس على العبودية لله عز وجل، وعلى ذلك فإن الإيمانَ بالله، أو التوحيد، هو مصدر الحرية في الذات الإنسانية، والإنسانُ الحرُ هو عبدُ الله الذي لا يجد في وجوده حاكماً غير الله.‏

يردد المسلم لفظ الشهادة عدة مرات في اليوم، وهو بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله"، يقرر بإرادة واعية وحرية مطلقة أنه لا إله إلا الله، وأن لا حاكمية عليه لغير الله، وهو بذلك يملك حريته من عبوديته المطلقة لله، وهي ليست عبودية بالمعنى اللغوي، وإنما هي عودة إلى الأصل الذي يمثل معرفة ضرورية لامتلاك الحرية التي تأتي من إدراك الإنسان من أنه ذات عارفةٌ، حرةٌ وقادرةٌ على الاختيار، وهو ما تذهب إليه الشهادة التي تعني في هذا السياق إدراكَ الإنسان لوجوده المستقل على الوجود الإلهي. فعندما يشهد المسلم بوحدانية الله فإنه يدلل (3)بشهادته على قوة المعرفة وقوة الحكم الناتجين لديه عن معرفة الذات ووعي قدرتها على المقارنة بين الذات الإنسانية والله، فكان المسلم يقول لله: "أنا أشهد بأنك إله فرد، واعترافي بك إلهاً دليلٌ أكيدٌ على وجودي،‏

إذ لو لم أكن موجوداً وقادراً على المعرفة والحكم، لما شهدت بذلك، فوجودي دليل على وجودك، كما أن وجودَك دليلٌ على وجودي". فالشهادة ذات قطبين، عندما يرددها المسلم فإنه يؤكد على وجود الله، وهي نفسها تقود إلى تأكيد الوجود الإنساني، فهي علاقة تصاعدية جدلية لا متناهية، بين المتسامي والمهيمن، والمحدث والقديم، والمقيد والمطلق، والإنساني والإلهي. الإنسان الفرد يعي ذاته في أول الشهادة وفي آخرها، إذ إن قيمةَ وجوده، وحريتَه يكمنان فيها. فهي تبدأ بوعي الذات قبل وعي الوجود الإلهي بفعل "أشهد"، الذي يدل على وجود الشاهد وقدرته على الوعي والإدراك، والحرية، والحكم المؤكد بلفظ "أن لا إله إلا الله"، يضع الوجود الإلهي بعد الوجود الإنساني ليكون دليلاً عليه.‏

إن حرية الإنسان المسلم كامنة في ذاته، وتتجلى في شهادته. ولما كان وجود الذات والعلم الكامن فيها، وقدرتها على الشهادة إنما هي فيض من النور الإلهي، فقد تبين أن حرية الإنسان لا تتحقق لديه إلا بشكل يتناسب طرداً مع عبوديته لله. وقد جاء خطاب الله للرسول بلفظ العبودية دليلاً على ذلك في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بَعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيرُ( الإسراء/1، وفي قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ( الفرقان/1، فالرسول عليه الصلاة والسلام نموذج الإنسان الكامل، وما كان كذلك إلا لمطلق عبوديته لله، وما الخطاب الإلهي إلاّ خطاب تكريمي، يعلي من شأن المخلوق الممكن بجعله عبداً لله، وهي عبودية في جوهرها تحرر من كل تبعية أو حاكمية لغير الله. ولما كان على المسلمين أن يتبعوا الرسول، فإن أول ما عليهم أن يتبعوه فيه هو الإيمان، أصل العبودية، مطلق الحرية عند الفرد يقوم على مطلق العبودية لله عز وجل.‏

لقد ارتبطت حرية الإنسان بالإيمان، وارتبط الاثنان معاً بوظيفته في الأرض التي حددها القرآن بالعبودية والاستخلاف، والعلاقة بين الوظيفة والحرية علاقة جدلية، فالثانية أصل الأولى، ولا تتحقق الوظيفة إلا بقدر نسبة تحقق الحرية عند المسلم.‏

ثانياً: عبودية الاتّباع‏

يقلد المسلمون أصحاب مذاهبهم الفقهية، بل هم يقلدون أتباع أتباع هؤلاء. وإذا سلمنا بهذا التقليد جدلاً، لأن المسألة تتعلق بالعبادات وأشكالها وآلياتها، فإن ما لا يمكن قبوله هم أنهم مقلدون أيضاً في إيمانهم، لأن الإيمان قضية داخلية ذاتية قائمة على العلاقة المباشرة بين الله والإنسان. فإذا كان كذلك فهل هم أحرار بالقياس إلى ما تقدم؟ الحقيقة أن التقليد في العبادات ينفي الحرية في الوجود لنفيه الحرية في الاختيار. فلا يمكن لإنسان غير حر في وجوده أن يكون حراً في اختياره. وعلى هذا التقليد اتّباع أو تبعية للمقلَد، وخضوع له بشكل أو بآخر، وهو خضوع غالباً منا يخرج صاحبه عن الطريق القويم بخروج المقلَد عن هذا الطريق، إلاّ أن الأمر يصبح أخطر إذا ما تعلق التقليد بالإيمان.‏

ويعود الأمر برمته إلى النسيان الذي حصل للإنسان بعد أن أصبح في العالم الأرضي، إذ إن الأنبياء والرسول ما أرسلوا إلاّ ليذكروا الناس بما كان بينهم وبين الله من شهادة، وليس عليهم أن يستجيب هؤلاء لهم أم لا، لأن المسألة تتعلق بإرادة الله وحكمته. فقد نسي الإنسان تلك الشهادة التي أخذها على نفسه، بل إنه أُنسيها في إطار تبعيته لغير الله الناتجة عن انصراف الإنسان إلى ما تفرضه عليه طبيعة وجوده المادي، على الرغم من أن الله كفل للإنسان هذا الوجود بحسب قوانين يعرفها الإنسان. فالجسد، كما قلنا، حاملُ الجوهر مركزِ الإيمان، وهو يولد في خضم الوجود المادي، والذات كامنة فيه بالقوة، لا تخرج إلى الوجود بالفعل إلا بالعلم والتعلم، والتفكر والتدبر. ومصدر هذه، إنما هو الواقع المعيش الذي يوجد فيه الجسد أولاً، وينشأ في وسط اجتماعي يتألف من الأبوين والأسرة ومن ثم المجتمع بكل ما فيه من تعدد في القيم والأعراف والمبادئ، والعادات والتقاليد، ونظم العيش وأنواع السلوك، وهو يعيش معظم وجوده في جوانب حياته المختلفة مكتسباً من المجتمع، ما لم يفكر فيه، مقلداً إياه في كيف يأكل ويشرب، وكيف ينام ومتى يستيقظ، وكيف يلبس وكيف يتزوج، وكيف يفرح وكيف يحزن، وأخيراً كيف يعبد الله، فإن كان في أسرة مسلمة كان مسلماً، وإن كان في أسرة غير ذلك كان على شاكلة أسرته في اعتقادها ودينها اللذين هي عليهما.‏

ويخضع الجسد المتعدد المركب من عناصر مختلفة لضرورات حاجاته في البقاء وحفظ النوع، وهو ما يدفعه، في سبيل تحقيق ذلك، إلى الامتلاك. ولكنه ليس وحده في المجتمع، وهذا يعني وجود صراع بين الأفراد في داخل المجتمع على تحقيق المصلحة الفردية. فإذا كان ما يحكم الفردَ أو المجتمعَ، ليس الذات، وإنما الجسد وقع الاثنان معاً في عبودية لا متناهية يمكن إحالتها كلها إلى حاجات الجسد ونزواته وأطماعه وجشعه، وحبه لجمع المال والاستزادة من اللذات، والإسراف في ذلك، وإن كان هذا يعني حرمان غيره، من حقوقه، وانتشار الظلم، وما يترتب عليه من الحسد والحقد والكراهية، في المجتمع.‏

لقد نسي الإنسان ذاته وما فيها من إشهاد، وبذلك ابتعد عن الإيمان بالتوحيد، وسقط في الشرك لاعتقاده، نتيجة غياب التوحيد، أن الوصول إلى ما يريده يقتضي الكذب والنفاق والرياء، وإرضاء من بيده مقاليد الأمور التي يطمع بها، فأشرك بالله ما لا يضره وما لا ينفعه، وأصبح عبداً لغير الله، وهي عبودية لآلهة متعددة يأتي في طليعتها الهوى وحب الدنيا، والمال.‏

لقد اتبع الإنسان هواه وما ألفى عليه آباءه، كما اتبع أمرَ الشيطان والباطلَ، وما أسخطَ الله، وأمرَ كل جبار عنيد، واتخذ من هؤلاء أولياء له من دون الله، فأصبح الظالمون بعضهم أولياء بعض، على حين أن (أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون( يونس/62.‏

يقلد الإنسان في وجوده المجتمع، فإذا كان معظم أفراد المجتمع على هذه الصورة، كان الإنسان في ضلال، بدليل قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْرَرَ مَنْ فِي الأَرْض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ( الأنعام/116، وهو بهذا عبد للمجتمع، وعاداته وتقاليده، وطواغيته، وكل ما يوقعه في الشرك، وينسيه حريته المتمثلة في التوحيد، ويبتغي العزة بغير ذلك، ومن كان على هذه الشاكلة فإن الله لا يهدي من فسق عن أمره، يقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ أَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ ا للهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( التوبة/24.‏

ثالثاً: أثر الحرية والاتّباع في الفرد والمجتمع‏

يولد الإنسان وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده ويحاسب وحده. ويخبر الله عن يوم القيامة فيقول: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حِمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَديدٌ( الحج/2، ويقول جل وعلا: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ( البقرة/166.‏

ويمتلك الإنسان حرية يجب أن يصوغ حياته على أساسها، فلا يخضع إلا للقوانين الإلهية، لأن قوانين البشر تفقده حريته، فإذا ما حوسب، حوسب بشدة، وسيكون عذابُه أليماً في الدنيا والآخرة، لأنه قبل الاستسلام لمجتمع لا يطبق قوانين الله، ونسي أنه فرد مفرد وكائن كوني لا شبيه له، ولا بديل، بدليل أن الله أشهد كل فرد على ذاته. ولم يَنُبْ أحدٌ عنه في ذلك، وهو بذلك حر في أصل وجوده، لا يجبره أحد على أن يتبع ما لم ينزله الله، يقول الله عز وجل في سورة "الكافرون": (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2) وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3) وَلاَ أَنَا عَابِدٌ ما عَبَدْتُمْ(4) وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دَينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)(، وما دام الإنسان يعيش وسط المجتمع، ويولد ويموت وحيداً فيه فإن عليه أن يحيا في إطار المحبة الإلهية عن طريق العلم وتحقيق وظيفة العبودية والاستخلاف. فإذا كان وجوده في مجتمع لا يطبق قوانين الله، ولا يمكنه من تحقيق الوظيفة، سواء أكان ذلك عن طريق الشريعة أم عن طريق الفيض الإلهي، فإنه سيكون عبداً للجماعة الضالة المضلة، لذا عليه أن يتمرد عليها، وأن ينأى بنفسه عن الضلالة بفضل النور الإلهي، فينظر في كل القوانين الوضعية، فإذا انسجمت مع قوانين الله قبل بها، وإلا فعليه أن يرفضها ويردها، وإن لم يفعل فسيقع في فتنة عظيمة، ويكون هو الجاني على نفسه، وعندما سيموت لن يقبل الله منه عذراً، لأنه قبل بالعيش في مجتمع لا يساعده على تحقيق الوظيفة: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً( النساء/97، وكذلك حال المجتمع الذي استبدل قوانين الله بأنظمة لا علاقة لها بالشريعة الإلهية. فالإنسان الذي لا يستطيع اكتشاف النور الإلهي/ الشهادة، الذي في قلبه فهو في ضلال، وهو بذلك ينفي حريته المستمدة من عبوديته لله. وإذا انتفت حرية الفرد فإن حرية المجتمع ستنتفي بالضرورة، ولن يولّد هذا المجتمع إلا أفراداً عبيداً ضالين، لأنهم سيسلبهم حريتهم، ويفرض عليهم الحرية التي يؤمن بها، وهي العبودية للمادة وللقوانين التي جاء بها من خارج الأطر المعرفية التي ينتمي إليها المجتمع.‏

الفرد هو المحور الأول في الجماعة، والمقصود بذلك، الفرد المؤمن الذي يعرف حريته الضرورية لتحقيق وظيفته. ولكن أغلب الناس على ضلال، ودليل ذلك الأكثرية التي وصفها الله بالضلال في كل موضع تكلم عليها في القرآن، وهذا يدل على وجود أفراد قلائل هم على الهداية، فعلى هؤلاء الذين نجوا بأنفسهم أن يكونوا رسلاً، وأن يشكلوا مجموعة صغيرة داخل مجتمعهم، أي أن يهاجروا وسط مجتمعهم الضال، لبناء أنفسهم أولاً كشرط أساسي لامتلاك القدرة على الفعل في وسط المجتمع والتأثير فيه. (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلاَّ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ َتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)( العصر.‏

علينا أن نقبل كل ما كان لصالح وجودنا، والوظيفة المحددة لنا في القرآن، وإلا فلا، لأن الفرد لا يستطيع أن يعيش مرتين، وهو لا يستطيع أن يختار الزمان والمكان اللذين يعيش فيهما، فلم يبق لديه من خيار إلا اختيار الطريقة التي يعيش بها بحرية، و لكنها الحرية المشروطة بالوعي المحدد بالعقيدة.‏

إن تحقيق الإيمان هو في حقيقته تحقيق للحرية الإنسانية. وأن يكون الإنسان مسلماً يعني أولاً وعي التميّز الفردي والشعور بالمسؤولية الناجمين عن تحقيق الإيمان مصدر الحرية، وهذا الوعي هو الشرط الأول لتحقيق معنى الاستخلاف في إعمار الأرض، يقول الله تعالى: (هو أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها( هود/61، فكل إنسان شخصية مستقلة تشكل عالماً كونياً قائماً بذاته. والفرق بين الناس ليس بسبب النوع كما عند أرسطو (عبيد وأحرار) وإنما هو بسبب القيمة (مؤمن أو غير مؤمن). وقد جاءت الرسالة الإسلامية للناس كافة، فهي خطاب للناس عامة، وهي بهذا لا تفرق بين الناس إلا بحسب الإيمان أو نقيضه، والعمل هو الذي يبرهن على الإيمان أو الكفر أو الشرك. كما حررت الرسالة الإسلامية الإنسان من التبعية إلى العرق أو القبيلة أو الحزب، كما حررته من نزواته وأهوائه الدنيوية، فحررت بذلك انتماءه الداخلي والخارجي من التبعية لغير الله.‏

إن حرية المجتمع شرط لحرية الفرد، فإذا كان المجتمع غيرَ حر، انعكس هذا على الفرد. ولا تتم حرية المجتمع إلا إذا امسك الناس بزمام تطور القوى المنتجة من خلال مؤسسات اقتصادية وسياسية مبنية على أساس ثقافية يؤمن بها المجتمع. إن حرية الفرد والمجتمع الناشئة عن التوحيد عامل جوهري في تطوير هذا المجتمع وتربية الفرد فيه، وإقامة التوازن بين الإنسان والمجتمع من جهة، وبينهما وبين الطبيعة من جهة أخرى. ولذلك فإن مفهوم الحرية إنما هو مسألة سياسية اجتماعية، يقوم على أن مبدأ المساواة والأخوة بين المؤمنين هو أصل مفهوم الحكم الإلهي في الإسلام، وهو الذي يحكم كل القواعد الأخرى التي تنظم المدينة الإسلامية.‏

من خلال ما تقدم نرى أن العدالة الاجتماعية لا تتم إلا بامتلاك الناس حريتهم المبنية على التوحيد في الإيمان، فالإيمان بالتوحيد مقدمة للعدالة الاجتماعية، لأن الحياة الإنسانية لا تستقر إلا في ظل المجتمع، والمجتمع لا يقوم إلا باستقرار العدالة، وتحقيق هذه العدالة يساعد الإنسان على عبادة الله وتذكر الشهادة، ومن ثم وعي الحرية الذاتية، وتمكين الإنسان من تحقيق الوظيفة التي خلق من أجلها. وما يؤكد هذا هو أن القرآن كتاب توحيدي يرفض كل أنواع الشرك والتبعية لغير الله، كما يرفض أي مؤثر في مقابل الفعل الإلهي، ويرفض أن تكون للموجودات غاية مستقلة عن الله، أو متجهة إلى غيره.‏

إن حرية الفرد القائمة على التوحيد ليست عبثاً فلسفياً، وإنما هي قدرة إبداعية تولد في صاحبها قوة تمكنه من أن يكون فاعلاً في الأرض من غير خوف ولا وجل، مدركاً حريته ومسؤوليته في إطار وظيفته، فيصبح بذلك منتمياً إلى خير أمة أخرجت للناس تأمر المعروف وتنهى عن المنكر.‏

إن الشهادة التي تحدثنا عنها، لا تبني علاقة معزولة بين الفرد والله فقط، وإنما هي تؤسس علاقة اجتماعية بين الـ (أنا) والـ (هو)، وبين الـ (أنا) والـ (نحن)، لأن الـ (أنا) والآخرين يشاركون جميعاً في الشهادة ذاتها، فهم يتمحورون، في شهادتهم، حول الكلية ذاتها، محققين بذلك حريةً اجتماعيةً، تؤسس وحدة المجتمع المسلم، وتتجسد في انسجام وجود الفرد وسلوكه مع الآخرين، حتى في أشد الظروف التي عاشتها المجتمعات الإسلامية صعوبة في التاريخ.‏

إن حرية الذات عند الفرد المسلم تتجسد في قدرته على التنسيق بين فعله وفعل الآخر، من خلال الذات المشتركة بينهما واتصالها عند الطرفين بالواحد الأحد في أصل الخلق. ولكن العلاقة بين الفرد والآخر يجب أن تقوم على المعرفة التي تلح عليها العقيدة الإسلامية، محضرة أداتها العقل على التفكير في كل مفردات الوجود وعناصر الكون. ولعل ابتعاد المسلم عن المعرفة ووقوعه في التقليد في الإيمان، سلبه حريته التي اكتسبها بعبوديته الحقّة لله، وبتحقيق معنى استخلافه في الأرض، فأصبح اليوم ليس حراً مستقلاً تماماً عن الوجود الإلهي كالماديين، وليس عبداً لله حراً، كما أرادته العقيدة، فأصبح متردداً بين الحالين لا يبرح مكانه، كعربة يشدها حصانان في اتجاهين متعاكسين.‏

يرى إقبال الفيلسوف المسلم أن تحقيق الإيمان القوي بالإرادة الإلهية "هو في حقيقته تحقيق للحرية الإنسانية وللاختيار المسؤول، ذلك أن الإنسان الحر هو الذي يسخر العالم لفائدته شريطة أن يقيد نفسه بالشريعة"(4).‏

وقد ربطت العقيدة الإسلامية في الواقع العملي حرية الفرد بحرية الجماعة، وجعلت كلاً منهما رقيباً على الآخر، ومسؤولاً عنه، فلا حرية للفرد خارج إطار مصلحة الجماعة، وليس للجماعة أن تحد من حرية الفرد، وكل ذلك داخل في إطار الشريعة الإسلامية، فلا يجوز الخروج عليها، إذ لا حرية في تجاوزها. والنصوص التي توضح ذلك أكثر من أن تذكر، فهي تبدأ من مسؤولية كل فرد في موقعه، لتمتد إلى علاقة الجار بالجار، والفرد بالجماعة كما جاء في حديث السفينة، والفرد بالفرد كما في الحديث القدسي: (يا عبدي مرضت فلم تعدني....(، انتهاء بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، مروراً بعلاقة المسلم بأبناء الشرائع الأخرى. وقد تمثل كل هذا في جميع الشعائر وأنواع العبادات التي يعيشها المسلم يومياً.‏

إلا أن تلك العقيدة نفسَها حرصت على الذات/ الفرد أولاً، فنصت في كثير من الآيات، في حال فقدان الفرد المؤمن حريته في إيصال الدعوة إلى الناس، أو في حال فساد المجتمع، أنْ يقي نفسه أولاً، فبينت في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ومَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ( الرعد/11، أن الذات عنصر أولي في مسألة التغيير. فالإرادة في الآية إرادتان، والتغيير تغييران، ولكن الله قدم إرادة الإنسان الحرة على إرادته هو، كما ربط تدخله لتغيير الواقع بتغيير يبدؤه الإنسان نفسه. ولعل قوله تعالى: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خُوَضِهِمْ يَلْعَبُونَ( الأنعام/91، يوضح مسؤولية الفرد الحر في إطار المجتمع الضال، إذ عليه أن يوصل الرسالة إلى الآخرين، وبذلك تنتهي مَهمَته أو حريته، أما الباقي فهو على الله عزّ وجل، يقول الله في كتابه العزيز: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ( البقرة/272.‏

ثمة دعوة إلى التوازن بين حرية الفرد وحرية الجماعة، فلا يطغى واحد على الآخر، لأن نتيجة الطغيان تعني دمار الاثنين معاً، ولعل هذا ما يفسر واقع المجتمعات العربية والإسلامية في مختلف الاتجاهات والمجالات. فكم من علماني أراد تغيير مجتمعه بسلطة القوة التي يملكها، أو الثقافة أو التعليم، وكم من متطرف قام برد فعل على هذا العلماني بتكفير المجتمع وتشريع حربه، وقتل أهله، والبادئ أظلم.‏

لا يمكن للإنسان إلا أن يكون اجتماعياً، يعيش وسط مجتمع، ومن هنا فإن ثمة علاقة جدلية بين حريته وحرية المجتمع الذي يعيش فيه، وكلاهما مسؤول عن حرية الآخر من خلال المعرفة التي هي شرط أساسي في وعي الحرية وإدراكها وعيشها. إلا أن الأمة العربية والإسلامية تعيش في أطر معرفية غير مفكّر فيها، أُخذت بالتقليد، وهي من جهة أخرى محكومة بمعارف غريبة عليها جاء بها أبناؤها من الغرب، الذي يناصبها العداء في الظاهر والباطن. ولذلك فهي بين سَنَدان التقليد، ومطرقة التغريب ضائعةٌ، فقدت حريتها، بل هي اليوم مرشّحةٌ لفقدان وجودها.‏

رابعاً: سبيل التحرر‏

إذا كنت عبداً للدنيا فأنت عبد لمالكها من الناس، وفوق كل مالك مالكٌ أقوى، ولا يملك الدنيا ويكون عبداً لها إلا من نسي الشهادة، فنسي الله، فأنساه الله نفسه، ألا إن هؤلاء هم الطاغوت، فإن كنت عبداً للطواغيت فأنت وإياهم سواء. إما أن تكون عبداً أو تكون سيداً، ولا يمكن الجمع بين النقيضين. أنت سيد إذا ملكت حريتك في إقامة التوحيد في ذاتك. كن عبداً لله تكن حراً وتصبح سيداً في الدنيا والآخرة، وتكن من الصالحين الذين قال اللهم في حقهم: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالحُونَ( الأنبياء/105، وقال عز وجل: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً( مريم/63.‏

عبوديتك في تبعيتك لغير الله والرسول، ممن ضلوا عن سبيل الله، واتبعوا أهواءهم، وقالوا قلوبنا غلف، وحريتك في اتباعك لله، وما جاء به الرسول (، واتباعك هذا يعني أن تكون مؤمناً على الحقيقة، فترى الله في قلبك، وتتذكر الشهادة، وتتدبر القرآن، وتقرأه وكأنه يتنزل عليك، بحسب وصية والد إقبال له. وإيمانك كائن في ذاتك مركزِ الشهادة، وما عليك إلا أن تتذكر ذلك اليوم الذي أشهدت فيه على نفسك، وتتيقن من أنه حق. ولكن كيف تتذكر إن كنت لا تعرف أن لك ذاتاً/ نفساً، أُشهدْتُ عليها؟ لا بد أولاً من اكتشاف هذه الذات لاكتشاف الشهادة التي هي فيها، كامنة بالقوة. ولتفعل ذلك، عليك أن تبدأ بالانسحاب الإيجابي من الواقع الذي تعيش فيه، وهو، في الأغلب والأعم، وسط غير صالح، ولا يساعدك على التذكر، بل هو يساهم في نسيانك. وهو انسحاب إيجابي لأنه دعوة إلى التأمل في ملكوت الله وخلقه بوساطة العقل وأدواته من الحواس، تمهيداً للانتقال إلى تأمل المجرد، إذ لا يمكن لمن لم يتمرن على التأمل أن يدرك المجرد وهو لا يعرف تأمل المحسوس. يقول الله عز وجل: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا في الآَفَاقِ وَفِي أَنْفِسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ( فصلت/53. ولا تظنّنَّ أن هذا الأمر سهل على من تعود النسيان، وابتعد عن الإيمان، واستسلم لشهوات الجسد، في وسط غير فاضل، فأصبح عبداً للدنيا بما فيها، بل عبداً لمالكيها المتحكمين بها من الطواغيت.‏

كيف يمكن للإنسان أن يعرف ذاته؟ يمكن ذلك بطريقين: الطريق الأول: التفكير في خلق الله، ويكون على مستويين: ظاهر وباطن، والتأمل الباطن لا يكون إلا بعد الظاهر، لأن الذات تكون في بداية الوجود المادي غير واضحة، ولذلك يجب أن ينصرف التأمل أولاً إلى خارج الإنسان فيتأمل عناصر الكون ومفرداته، وهو يقوم على تأمل جانبين في الموضوع المتأمَّل: ظاهره وباطنه، فكل مفردات الكون ما هي إلا تجلِّ ظاهرٍ للذات الإلهية، لأنها من خلقه، وجمالها مستمد من جماله، وتأملها في ظاهرها مدعاة إلى الوصول إلى تأمل باطنها، وهي ليس لها باطن، إلا أننا نقصد بذلك أنها تقود إلى معرفة حقيقة وجودها الذي يوصل إلى معرفة الله، فالتأمل أولاً ينصب على مظاهر الموجودات التي يوضع تحتها الطول، والعرض، واللون، والشكل، كما يوضع تحتها طبيعة هذه الأشياء ووظائفها في الوجود، وعلاقة بعضها ببعض، وهو تأمل يقود بالضرورة إلى اكتشاف حقيقة وجودها واكتشاف قانون الانسجام والتناغم الحاصل في علاقة بعضها ببعض، وعلاقتها بالوجود عامة، فكل مفردات الكون موضوعة في قانون ينظم العلاقة بينها، وأي خلل يصيب هذا القانون يؤدي إلى اضطراب في الوجود وفي وظائف الموجودات، ويخرجها من التسخير الذي خلقت من أجله.‏

إن اكتشاف هذا القانون ضروري جداً لمعرفة حقيقة هذه العناصر، وهو اكتشاف يقود المتأمّل إلى رؤية القدرة الإلهية فيها، وهو ما نقصده بالتأمل الباطن، وعلى ذلك فإننا نكتشف، نتيجة التأمل، أن هذه المفردات ما هي إلا مجلى لله تعالى في اسمين من أسمائه الحسنى: الظاهر والباطن، إلا أن هذا التأمل في مجمله لا يفيد في شيء إذا توقف عند هذا الحد، إذ لا بد من أن يرقى إلى تأمل أرفع موجود وأرقى عنصر من عناصر الكون ألا وهو الإنسان الذي ميزناه من كلامنا السابق لنخصه بالكلام هنا.‏

الطريق الثاني: التفكر في خلق الإنسان، الذي هو جزء من الوجود الكوني، وهو خاضع في انتمائه هذا إلى القانون الذي يخضع له الكون، وبشكل خاص في عرضه أو في جسده، وهذا الجسد هو أرقى الموجودات على الإطلاق، لأن الله مازه منها بأن خلقه بيديه، ولكن هذا الإنسان، كما نعرف، ليس جسداً فقط وإنما هو جوهر أيضاً، وبذلك يتفوق على باقي العناصر مرتين: الأولى في جسده، والثانية في جوهره الذي هو صورة التجلي الإلهي الباطن، كما أن جسده صورة عن التجلي الإلهي الظاهر.‏

إذا مر التأمل بكل مفردات الكون ليصل إلى الإنسان فإن المتأمل سيستفيد من مراقبة مفردات الكون وتأملها في معرفة الإنسان، نقصد بذلك أنه سيملك مقياساً يحتكم إليه في تأمله للجسد الإنساني، وسوف يصل هذا التأمل إلى حقيقة مفادها أن الإنسان خرج على القانون الناظم للانسجام بين مفردات الكون، وهو خروج كان بالإرادة الإلهية، فالإنسان خلق من التراب وفيه كل عناصر الطبيعة، وهو خاضع لقوانينها مثل كل العناصر، إلا أنه بامتلاكه الجوهر أصبح يملك الإرادة، وبها تمكن من أن لا يخضع لهذا القانون بشكل غريزي، كما هي الحال مع باقي المخلوقات، وإنما بشكل طوعي ناتج عن العقل، ومصدر هذا من الاستخلاف الإلهي، ومن العقل الوعي اللذين سُلّح بهما، بالإرادة الإلهية، ليتمكن بهما من تحقيق الاستخلاف.‏

إذا لم تعرف ذاتك، ولم تعد إليها لمعرفتها، فلن تجد فيها ذلك الإشهاد، ولن تكون مؤمناً على الحقيقة، وإنما ستكون مؤمناً بالتقليد، ولن تكون إذن حراً أبداً، وستظل ما حييت كذلك.‏

الزمان سيّال، لا يتوقف، والحقيقة المطلقة هي أنت، أجعل نفسك محور الوجود، ولا تجعل وجودك يتبع لغيرك. كل شيء لا قيمة له إن لم يخدم وجودك. إذا جعلت وجود الناس محور وجودك، وكنت تابعاً لهم، فعليك أن تتسول منهم كل شيء. وتذكر أن الوردة في الغابة لا تطلب الماء إلا من الله، أما وردة الأصيص فيمنّ به عليها الإنسان، كن وردة في غابة لا وردة في أصيص، فقد أنبأك الذي خلقك: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبينٍ( هود/6.‏

الحاضر هو كل وجودنا، ولحظات الحاضر هي التي نملكها، فإذا كنا أحراراً في صناعة هذه اللحظات فإننا سنحقق إنسانيتنا، وسنصنع دهرنا الذي هو حاضرنا وماضينا، أما إذا ضعفنا في هذه اللحظات التي هي دهرنا فسنصبح عبيداً لغير الرحمن. أفلا يستطيع هذا الإنسان الذي سجدت له الملائكة أن يكون حراً وإن للحظات؟ هذه اللحظات هي دهره، ومن الجبن ألا يكون الإنسان حراً في لحظات قليلة من وجوده. عندما تتحرر بالإيمان من غير تقليد، تصبح موحداً وتنفي الشرك من وجودك، عندها لا تخاف من أحد لأنك تعلم أن رزقك سيصلك، فتؤمن بالقضاء الإلهي: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ( آل عمران/154، وبعد نفي الشرك تتمكن من ممارسة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، وهو ما يطلب التمييز بينهما، وإلا فكيف يأمر الإنسان غيره بشيء لا يعرفه، أو يعرفه ولا يعمل به؟ وقال قال الله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون( الصف/3، فإذا ما تحققت كل تلك الثمار، حقق الإنسان العبودية والاستخلاف، وعندما يكون كل ما يصدر عنه من قول أو فعل صادراً عن الذات، فيكون خليفة الله في الأرض على الحقيقة يملك كل صفاته، وتصبح علاقة الذات بالجسد سامية، فيكون الجسد آلة طيّعة بيدها، عندها لا يمرض الجسد، وإذا مرض فإنه بقوة الذات يستطيع أن يشفي نفسه بقدرة الله، وإذا قويت الذات أكثر امتد أثرها من جسدها إلى أجساد الآخرين، وإلى الكون. ونتساءل هنا: هل يكفي الزمان الإنساني لتحقيق كل هذه الأمور؟ والجواب هو أن الله خلق الإنسان، وكلفه بمهمة، وسخر له الكون من أجل ذلك، فلو كان الزمن الإنساني لا يكفي الإنسان من أجل أداء المهمة لكان الله ظالماً وحاشاه سبحانه، (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ( البقرة/286، ولكن المشكلة هي أننا لا نلمك تنظيم الزمان، ونحن بحاجة إلى تنظيم زماننا بين الجوهر والعرض، لنصل إلى مرحلة نوحد فيها بين الطرفين، وهذا التنظيم يقتضي استبعاد كل ما يضر بالوجود، ويضر بأداء الوظيفة مما يعرض للإنسان من معارف وعلاقات وأعمال وأقوال، وأفعال، يمكن تصنيفها بحسب أهميتها للوجود الإنساني في ثلاثة أقسام: إيجابية وسلبية وحيادية.‏

ولعل أهم سبل التحرر من العبودية لغير الله أن يكون الإنسان عاشقاً، فالإنسان الذي نسي الشهادة عبد للدنيا، وعاجز عن معرف ذاته، ولا بد له من أجل هذه المعرفة من أن يكون عاشقاً للجمال الذي وضعه الله في مخلوقاته، ووضع في الإنسان انجذاباً إليه هو العشق، ولكن التشتت أفقده القدرة على العشق، وعندما يتخلص الإنسان من هذا التشتت يمتلك القدرة على العشق، ولا خلاص له إلاّ بالعشق، فيضمحل التشتت، ويصبح التركيز على الذات وعلى المعشوق الجميل، ويتمكن الإنسان العاشق من معرفة ذاته العَشِق لأنه يرى أنها مركز العشق ومأواه، ويصبح حينها رسولاً. العشق وحده يجعلنا قادرين على معرفة ذواتنا بشكل جوهري، لأنه يكشف لنا عنها ويعمل على جوهرتها. وجد الانفصال بين العشق والجمال فوجد الشوق الدائم إليه، ومع الشوق الدائم هناك سعي إلى اللقاء وسعي إلى الاستزادة منه، ولا بد لذلك من العمل، والبحث عن المعرفة، والسعي إلى إعمار الأرض، لأن هذا الإعمار مرتبط بإعمار الذات، وإعمار الذات مرتبط بالعشق. إن نظرية العشق هذه قائمة على تفرد الذات الإنسانية، لأنه لو ذابت هذه الذات في غيرها لانمحت، والله يعرف أسرار هذه الذات، فجعل العشق كائناً فيها بالقوة، وربط العشق بالبحث عن الجمال، وربط البحث بالمعرفة، وربط المعرفة بالعمل، وربط العمل بالعشق، ومن هنا تكون النظرية حلقة مفرغة، إذا ما فقد منها عنصر انقطع التسلسل، ووقع الإنسان في الفراغ. ومن هنا نكتشف أهمية الشوق، لأن الشوق تجدد، وبحث عن المعشوق، يقتضي عرفة، والمعرف هي أولى سبل معرفة الذات.‏

العشق قوة إلهية في الإنسان تثبت أنه موجود، لأنها القوة التي تدفعه إلى الخير والمعرفة. فإذا غاب العشق لا قيمة للوجود، إذ لا وجود أصلاً. العشق قوة لاكتشاف الكون أولاً ثم اكتشاف الذات ثانياً، تمهيداً لاكتشاف التجلي الباطن في الذوات الأخرى. والإنسان الذي يصل إلى هذه المرحلة من معرفة الذات هو إنسان حر، كوني، كامل، ومطلق، ولكنه لا يستطيع الوصول إلى هذه الرتبة لارتباطه بالعرض، وإن كان بإمكانه أن يقترب منها كثيراً، ويكفي الإنسان أنه يملك طاقة العشق، وإن كانت كامنة فيه بالقوة، لأن وجودها يعني أنه يملك القدرة على معرفة ذاته، والتي من غير معرفتها لا فائدة من الوجود البشري؟‏

خلق الإنسان لأداء رسالة، فإذا لم يستطع أن يعرفها ويقوم بأدائها، لا قيمة له، وأهم ما يساعده في تحقيق الرسالة هو العشق، لأنه يجوهر الذات، فإن لم يكن العشق حقيقة فليكن عشقاً في الفكر، وعشقاً لمفردات الكون. والناس يتيهون في حياتهم لفقدانهم معنى العشق، فيبحثون عنه بالتعلق بالجمال، وذلك لأن العشق كامن فيهم، فهم يشعرون به في ولا وعيهم، ولو وجد الوعي لكان الأمر أجمل وأعمق، حينها تكون كل لحظة ذات قيمة، فلا يقول الإنسان في يوم من الأيام: يا أسفاً للعمر كيف ضاع، لأن العمر يضيع عند من لا يدرك قيمة الوجود.‏

الذي يملك القدرة على العشق يملك القدرة على الإبداع، والأصل في هذا أن يكون الإنسان قوياً عظيماً في ذاته التي هي مركز الإبداع ومصدره، وحين يعشق فإنه سيعشق بعظمة، وكذلك الشأن حين يعمل، وحين يتكلم، وحين يتألم أو يفرح، أما الحقير فكل ما يصدر عنه حقير بالضرورة. فما العشق إلاّ تجلٍّ للذات، وعندما تكون الذات كبيرة يكون تجليها كبيراً في كل المجالات وأعظمها في الحب. وعلى ذلك فإنه من المشروع أن نقول: لولا العشق ما هي الحياة؟ وإذا خلا الوجود منه فلا قيمة لهذا الوجود ولا معنى، وإذا لم توجد الذات فلا عشق، وكل من يدعي العشق من غير معرفة بذاته فهو كاذب. وحين يكتشف الإنسان العشق فإنه يصبح حراً، موحداً، خليفة لله على الحقيقة.‏

العبد لا يستطيع أن يحرر العبيد، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا بد لذلك من أن تكون أنت حراً أولاً. وستبقى عبداً بتبعيتك لهم، ولن يكون عندها الفارق بينك وبينهم إلا في اختلاف نسبة الذل، والتعاسة، والهوان، أو اللذة التي تنتج عن عبودية الدنيا، وذلك بحسب السلطة، أو القوة، أو الجاه، أو المال، الذي يتفاوت الناس في امتلاكها.‏

كن عبداً لله، فحريتك في عبوديتك، عندها لن يكون لأحد عليك سلطان، وسوف تهابك السلاطين، وستكون ملكاً وإن كنت حافياً، وستسدد الضربات وتجيدها، وتجتمع فيك عظمة الملك، وتواضع الصوفي وأخلاقه، وغزارة علم الفقيه. كن عبداً لله حراً تكن مسلماً صادقاً و قوياً، فالكذب والضعف من صفات المنافقين، يقول إقبال: "المسلم الضعيف يعتذر دوماً بالقضاء والقدر، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب، وقدرة الذي لا يرد"(5)، ويضيف إقبال قائلاً: "يا رجل الله، كن حاداً كالسيف، كن أنت نفسُك الرجلَ الذي يحدد مصير العالم الذي تعيش فيه"(6)، إنّ مَنْ لا يملك قدرة خارقة، لا يعد، في نظري، إلاّ ملحداً وزنديقاً، وليس له نصيب في حبي، إنه لم يتذوق شجرة الحياة"(7)، عندها فقط تكون قادراً على أداء الرسالة التي حُمِّلتَها عندما أشهدت على نفسك، وجُعلت خليفة في الأرض وعبداً، وإلا فإن عبد الدنيا، كما يقول عنترة، يحسن الحلب والصر ولا يحسن الكر والفر.‏

المصادر:‏

1 ـ التعريفات، الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت 1988.‏

2 ـ الرسالة القشيرية، القشيري، دار الكتب العلمية، بيروت 1998.‏

3 ـ محمد إقبال، تأليف محمد العربي بوعزيزي، دار الفكر، دمشق 1999.‏

(1) باحث سوري في جامعة حلب.دراسة شارك فيها الباحث في أعمال (الندوة الدولية للإسلام وحقوق الإنسان).‏

(2) ورد في الرسالة القشيرية كلام على الحرية، يمكن تلخيصه في العبارة التالية: (واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية، فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رقّ الأغبياء حريته) الرسالة القشيرية: القشيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1998، ص 293.‏

(3) الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت 1988، ص/86.‏

(4) بو عزيزي محمد العربي، محمد إقبال، دار الفكر، دمشق 1999 ص/400.‏

(5) المصدر السابق، ص/405.‏

(6) المصدر السابق.‏

(7) المصدر السابق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244