|
||||||
| Updated: Wednesday, August 29, 2007 03:49 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ثنائية الموت والحياة في شعر أبي فراس الحمداني 320 ـ 375هـ ـ 932 ـ 968م ـــ د.أحمد فوزي الهيب الموت نهاية كل حي مهما طال به البقاء، ولعله الحقيقة الوحيدة التي اتفق عليها الناس جميعاً رغم اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، ورغم اختلافهم على ما بعد الحياة الدنيا من حياة أخروية أو عدم. لذلك نجد الناس جميعاً يفكرون بالموت بشكل ما، وإن اختلفت نظراتهم إليه، واختلفت حيواتهم بناء على ذلك، لأنه ـ كما يقول الدكتور بيتر شتاينكرون ـ غريزة كامنة في أعماق النفس الإنسانية، كغريزة الحياة سواء بسواء، فكل واحد منا لدي في فطرته الغريزتان، وإن كانت غريزة الحياة واضحة ظاهرة الأثر في حركاتنا وسكناتنا، بينما الغريزة الأخرى، غريزة الموت، لا تظهر واضحة جلية إلا لمن أمعن النظر، ولم تخدعه ظواهر الأمور([1]). وكأن الغريزتين المتضادتين جوادان، أحدهما أبيض ناصع البياض، والآخر أسود حالك السواد، يتنازعان المرء شداً وجذباً، ولكن الجواد الأبيض يظل في الغالب فياض الحيوية، له الكلمة العليا إلى أن يُغلب على أمره، فينطفئ سراج الحياة، وتكون الكلمة للجواد الأسود، ولكن يحدث أحياناً أن تنعكس تلك الآية تحت ضغط بعض الظروف، فإذا الجواد الأسود هو الغالب منذ البداية، فينتشر على وجه الحياة ظل الموت ويندفع المرء في تياره([2]). وعلماء النفس اليوم يعترفون بهذا الازدواج، وإن كان الإنسان العادي يجهل ذلك الوجود المزدوج لغريزتي الموت والحياة، فهذا فرويد يقول بصراحة ووضوح: غاية الحياة هي الموت. ثم نراه يقرر أيضاً: أن كل إنسان لديه دافع إلى إعدام نفسه، ولكن هذا الدافع يختلف في مقداره وقوته باختلاف الأشخاص([3]). وهذا أيضاً تلميذه وصديقه (هانز ساخس) يقول أيضاً: إن جميع مظاهر الحياة هي نتيجة ذلك التجاذب الذي لا نهاية له بين غريزة الحياة بانتصاراتها الظاهرة وغريزة الموت بقوتها الساكنة الخفية التي لا تقهر([4]). وقوة البقاء التي تلازمنا منذ ولادتنا، غالباً ما تكون من السطوة، بحيث تشل حركة الغريزة المضادة لها، فتبقيها نائمة معطلة. ولكن يحدث في بعض الأحيان أن تكون قوة الهلاك أشد في الشخص من قوة البقاء، فينجم عن ذلك ما يمكن أن نسميه مغامرة أو تهوراً أو مخاطرة أو غير ذلك، ونصف صاحبها بأنه مغامر أو متهور أو مخاطر، بينما يسمي ذلك فرويد غريزة الفناء([5]). ولعلنا نستطيع اعتماداً على هذه النظريّة أن نفهم بصورة أوضح تحريم الله تعالى للانتحار تحريماً شديداً على الرغم من إباحته للشهادة بل تشجيعه عليها، لأنها في سبيل مثل أعلى كالدفاع عن الوطن والأهل وغير ذلك. ولعل هذه النظرية تنطبق بشكل ما على أبي فراس الحمداني([6])، أو لعله يمثلها خير تمثيل، إذ نجده والموت رفيقين صديقين حميمين، تصاحبا قبل الولادة، وبُعيدها، وبعدها، وظلاّ معاً إلى أن تمكن الحصان الأسود في داخله أن يسبق الحصان الأبيض، وأن يسدل الستار على مأساة حياته. عرف أبو فراس الموت قبل ولادته، إذ ورثه في صبغياته (كروموزوناته) من قبيلة تغلب ذات الأمجاد الخالدة التي تمتد جذورها إلى الجاهلية، حتى قيل: لو أبطأ الإسلام لأكلت بنو تغلب الناس([7]). ومن منا لم يسمع بحرب البسوس بينها وبين بكر، التي استمرت أربعين سنة تأكل الأخضر واليابس وتحصد الرجال([8])، ومن لم يسمع بأبطالها وشعرائها مثل المهلهل وكليب وعمرو بن كلثوم وأبيه([9]). وعلى الرغم من خفوت صوت تغلب في بداية الإسلام، فقد استرجعته زمن الأمويين، إذ نجده مدوياً لدى كعب بن جعيل والأخطل وأشعارهما([10]). كما نجده أيضاً في صليل سيوف الحروب الضارية بين تغلب وقيس([11]). وفي زمن الدولة العباسية ازداد صوت تغلب علواً، لأنه صار يمثل التيار العربي الصافي بين أمواج السيول الأعجمية الهادرة في القرن الرابع الهجري، وقد استطاع بنو حمدان التغلبيون أن يبلوا بلاء حسناً في مساندتهم للخلافة العباسية حتى تدافع عن نفسها وعن العرب والإسلام ضد الثورات والمؤامرات الداخلية، وضد الروم وغيرهم من الخارج، وكان في مقدمتهم سيف الدولة وأخوه ناصر الدولة وأبو فراس([12]). رأى الحمدانيون أنهم يمثلون العنصر العربي، وأن السبيل لبقائهم هو المجد والبأس والجود وغيرها من المثل العربية العليا، ولقد عبر عن ذلك أبو فراس بقوله([13]):
هذا ما يخص قبيلة أبي فراس تغلب وبني حمدان، أما هو نفسه والموت، فقد كانا صديقين حميمين منذ البداية حتى النهاية، لم يفترقا أبداً. فقد شاء القدر أن يسميه أبوه (الحارثَ)، وأن يُكَنِّيه (بأبي فراس)([14])، والاسم اسم الأسد([15])، والكنية كنيته([16])، ولكل من اسمه نصيب عامة، لذلك أثر كل من الاسم والكنية في حياته، ولو بصورة غير مباشرة، تأثيراً كبيراً شجاعة وبسالة وإباء. كما شاء القدر أيضاً أن يُقتل أبوه، وهو صغير في الثالثة من عمره. ومقتل أبيه مأساة مركبة معقدة،لأن قاتله هو ابن أخيه ناصر الدولة، والذي هو في الوقت نفسه ابن عم أبي فراس، وأخ لوليه ومربيه وولي نعمته وزوج أخته سيف الدولة([17]). إن مقتل أبيه شوكة في خاصرته ظلت تؤلمه حتى نهاية عمره، إنه لم يستطع نزعها بأن يأخذ بثأره، ولم يستطع أن يشكو أو يتأوه، بل لم يكن يملك إلا أن يقدم آيات الطاعة والتبجيل لقاتل أبيه عندما كانا يجتمعان في بلاط سيف الدولة بحلب، يدفعه إلى ذلك ولاؤه لولي نعمته سيف الدولة، وولاؤه لأهله الحمدانيين. وهذه المعاناة تركت في نفسه جراحاً لا يستطيع لها برءاً، وتمزقاً لا يمكن رتقه، وداء لا شفاء منه حتى الموت. نشأ أبو فراس على الفروسية في بلاط سيف الدولة بحلب، بعدما انتقل إليه من الموصل إثر مقتل أبيه، وتعلم فنون القتال والعلم والأدب وغير ذلك من صفات الإمارة والفروسية فيه، ثم ولاه سيف الدولة إمارة منبج عام 336هـ([18])، وكانت آنذاك ثغراً عربياً يقف سداً منيعاً في وجه غارات الروم وأطماعهم من جهة، وثورات الأعراب مثل بني كليب وكلاب وقشير وكعب من جهة ثانية، واستمر على هذه الحال إلى أن أُسر عام 351هـ أو غيره، وقد اختلف المؤرخون في ذلك، ولتحقيقه مجال آخر([19]). استطاع أبو فراس أن يقوم بما تفرضه عليه واجبات الإمارة خير قيام، فكان دائماً على أهبة الاستعداد لتلبية ما يطلبه منه سيف الدولة من مهمات لقتال الروم أو الإعراب، ولم يكتف في حروبه هذه بأن يبلي البلاء الحسن، وإنما نجد غريزة الموت أو غلّوه في الشجاعة يدفعه إلى أن يتجاوز مرات كثيرة حدود ما تطلبه منه واجبات الإمارة من مواقف، فيخاطر بنفسه، ويعرضَها للهلاك المرة تلو المرة، الأمر الذي أدى إلى وقوعه أسيراً بيد الروم، ويؤكد هذا كلام سيف الدولة لأم أبي فراس عندما طلبت منه افتداءه من الأسر، وهو: ولدك ابن عم، وخال أولادي، ولكني عجزت وأنا أنصحه ألا يترك بنفسه إلى الميدان عند وقوع الحرب، لأنه أمير سردار (قائد)، وليس للسردار شجاعة إلا بثباته تحت علمه، وقد فديته قبل هذا مرتين([20]). استمر أبو فراس في الأسر، حتى افتداه سيف الدولة عام 355هـ، وفي فترة أسره لم يبتعد عن الموت، إنما كان يشعر به، ويتغنى بذكره كل يوم تغني الحبيب بحبيبه من أول أيام أسره حتى آخرها، فقال في بداية أسره([21]):
وقال أيضاً مخاطباً سيف الدولة بصورة غير مباشرة([22]):
إن اللافت للنظر مما تقدم أنه لم يخل بيت من ذكره للموت مرةً أو أكثر، وكأنه فرس جموح كامن في اللاشعور لديه، فهل يؤكد ذلك صحة الفرضية التي ذهبنا إليها، لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، وهذه حقيقة لا جدال فيها في علم النفس. كما قال أيضاً في رثائه لأمه عندما أتاه خبر موتها وهو في الأسر([23]):
ولم يجعله الأسر يغير من منهج حياته بعدما افتداه سيف الدولة، وعيّنه أميراً على حمص وأعمالها، وأنّى له ذلك!!.. لقد استمر في اندفاعه نحو الموت كأن شيئاً لم يكن، تدفعه إليه تلك القوة الغاشمة الخفية الكامنة في لا شعوره، والتي كانت تدفعه إليه قبل أسره، لذلك نجده بعد موت سيف الدولة عام 356هـ([24])، واستلام ابنه اليافع أبي المعالي سعد الدولة لإمارة حلب([25])، نجده يتابع سيره في طريقه الآنفة الذكر بخطى حثيثة، وقد ساعده في ذلك أن سعد الدولة لم يستطع أن يملأ الفراغ الذي خلّفه والد سيف الدولة بموته([26])، والذي كان من الممكن أن يملأه أبو فراس، فتوجه سعد الدولة إليه في حمص بعد خلاف بينهما، أشعل ناره (قرغويه) غلام سيف الدولة خوفاً من أبي فراس ورغبة منه في أن يكون الرجل الأول في حلب، فانحاز أبو فراس إلى بلدة (صدد)([27])، ونزل سعد الدولة بسلمية([28])، وأرسل إليه قائده قرغويه مع غلمان أبيه وجمعٍ من بن كلاب، فخرج إليهم أبو فراس، وكان قتال انتهى بمقتله يوم الأربعاء الثامن من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمئة، فنزل قرغويه فاحتز رأسه، وحمله إلى سعد الدولة، فشُقَّ عليه لأنه لم يرد ذلك، وبقيت جثة أبي فراس مطروحة بالبرية، حتى كفنه أعرابي ودفنه([29]). إن هذه النهاية المأساوية المفجعة، تبدو وكأنه كان يتوقعها، ويراها نصب عينيه، ويندفع إليها اندفاعاً غريزياً قاهراً لا يملك له رداً، لذلك نجده من قبلُ قد نعى نفسه إلى ابنته، وأوصاها بالصبر، وأن تلتزم بسترها وحجابها عندما تنوح عليه، وان تندبه بأنه لم يُمتّع بالشباب مع أنه زين الشباب، وذلك في قوله([30]):
وإذا كان الموت واحداً مهما تعددت أسبابه، فإن أبا فراس قد نظر إليه من زوايا متعددة، وتحدث عنه أحاديث اتفقت مع هذه الزوايا، ولا غرو في ذلك، فهو من بني حمدان الذين رآهم لم يُخلقوا كغيرهم، وإنما خُلقوا للمجد والبأس والجود كما مرّ آنفاً، وهذه الغايات التي خلقوا لها، ليس لها سوى الموت طريقاً، الموت لأعدائهم مكللاً بالذل والعار، والموت لهم مكللاً في الأول والآخر بالمكرمات والعز، قال([31]):
وهم لا يرضون إلا بواحد من اثنين، لا ثالث لهما، الصدر أو القبر، قال([32]):
وأن نفوسهم قد هانت في طلب المعالي، كما قال([33]):
إنهم لا يهابون الموت، بل يرحبون به، ويستضيفونه ضيفاً عزيزاً لديهم، قال([34]):
ودأبهم أيضاً أمران أو دمان اثنان، لا ثالث لهما، دم الرجال للأعداء، ودم الجمال للضيفان، قال([35])
وقال أيضاً مفتخراً بوالده وأعمامه([36]):
وافتخر أيضاً بعمه الحسين بن حمدان الذي قتل الوزير العباس بن المعتضدي وفاتكاً([37])، قال:
وافتخر أيضاً بعم آخر له هو سليمان بن حمدان الملقب بالحرون لعظمته بالحرب، فقال([38]):
واللافت للنظر في فخره خاصة، وفي شعره عامة، ذلك الإلحاح الشديد على الموت، وما يؤدي إليه. ولعل هذا يدل ـ فيما يدل ـ على قوة غريزة الموت الكامنة في لا شعوره وأعماقه وطغيانها. وربَّ معترض يقول: إن كثيراً من الشعراء ذكروا الموت. فنقول: المقصود هو كثرة ذكر الموت، لا ذكره فقط، تلك الكثرة التي زادت عن الخمسين مرة في ديوانه الذي لا يعد كبيراً إذا ما قيس بغيره من دواوين أمثاله، هي التي مازت الشاعر عن سواه. وإذا وجدنا ـ ولا بد أننا واجدون ـ شعراء آخرين أكثروا من ذكر الموت، فما الذي يمنع من أن يكونوا كأبي فراس في طغيان غريزة الموت لديهم وعنفوانها، وأن يسبق حصانها الأسود حصان الحياة الأبيض عندهم، كما سبقها لدى أبي فراس. كل ذلك دفعه إلى أن يموت ميتة الرجال الكاملي الرجولة الأبطال، فقال([39]):
ولا بد من أن نتوقف عند هذا البيت ملياً، وبخاصة عند شطره الأول الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من أن غايته قد كانت الموت، وليست النجاة التي لا تعدو أن تكون ذخراً ووسيلة توصله إلى موت قادم قريب وسريع. ولم يناقض فعلُ أبي فراس قولَه، فقد خاض الحروب بشجاعة نادرة، بلا ترس ولا درع، ليس معه سوى سيفه ويده وقلبه، قال([40]):
كما وجد أيضاً في بذل النفس جوداً يفوق الجود بالمال، وشتان ما بينهما، قال([41]):
لذلك اتخذ الحرب طعاماً له وشراباً باع في سبيلها صباه، قال([42]):
ولم يجد في الموت شراباً فقط، وإنما وجده شراباً عذباً سائغاً لذة للشاربين([43]):
كما كان يرى الموت يملأ ما بين المشرقين أمامه، ويرى المعايب خلفه، وهي أصعب عنده من الموت، لذلك خاضه غير هيّاب ولا وجل، قال([44]):
ولم يكتف أبو فراس بذلك، بل نجده قد حل في السيف، أو حل السيف فيه، وأصبحا معاً كياناً واحداً، يذكرنا، لولا صرامته وشدته، بنظرية الحلول عند المتصوفة، ولا شك في أن لهذا دلالاته فيما ذهبنا إليه، قال([45]):
كما نجده قد توحد أيضاً مع الترس فضلاً عن توحده مع السيف ومع قومه، قال([46]):
وإنه لم يكن يرضى بهزيمة أعدائه، وإنما أوجب على نفسه أن يجعلهم بين قتيل أو أسير، قال([47]):
هذه الشجاعة الباسلة والاندفاع الشديد نحو الموت المرةَ تلو المرة جعلت قومه يلومونه على ذلك، ولكنه لم يسمع كلامهم، قال([48]):
ولعل الذي شجع أبا فراس على ذلك أنه أدرك أن الموت ذو سطوة لا تُرد، وميعاد لا يُخلف، لا ينفع معه حرص ولا حيلة، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، كما قال الله تعالى، قال([49])::
وأنه نهاية كل حي، يتساوى لديه الأحياء جميعاً، قال([51]):
كما أنه (أي الموت) أيضاً لا يفارق الإنسان أبداً، قال([52]):
إن أبا فراس كان يرى الموت قتلاً النهاية الحتمية الوحيدة التي لا مفر منها له ولجميع الكرام الصيد أمثاله، قال([53]):
وأنّ له أجلاً مسمى لا يتقدم ولا يتأخر، قال([54]):
ويعتقد أن الإنسان إذا لم يستطع الخلود جسداً، فإنه يستطيعه ذكراً خالداً يخلده بعد موته إلى أبد الآبدين بطولة وكرماً ومروءة ونبلاً ومثلاً، قال([55]):
ولا بد في قوله هذا أن يستوقفنا أسلوب القصر في أوله (هو الموت) وما فيه من إيحاءات، منها أنه لا يوجد أمام الإنسان مهما طال به العمر أو تعددت به السبل أو طاب له العيش أو غير ذلك، نقول: لا يوجد أمامه سوى الموت يرقبه وينتظره، كما قال طرفة بن العبد من قبل([56]):
إن أبا فراس في بطولاته وتحديه للموت أراد أن يضع نفسه الموضع اللائق بها، فالإنسان حيث يجعل نفسه عزاً أو ذلاً، قال([57]):
ولقد أكد ذلك مرة أخرى لسيف الدولة حيث قال([58]):
هكذا كان موقف الشاعر من الموت موقف شجاع راكض إلى حتفه ركضاً لاهثاً سريعاً متكرراً لا يعرف راحة أو بطئاً. ورب قائل يقول: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا كان في أسره يطل بالفداء ويلح فيه؟. إنه طلب فداءه وألح في ذلك لا خوفاً ولا جبناً، وإنما كان يأنف أن يموت أسيراً كما يموت الجبناء، ولأنه أراد أن يهرب من موت لا عَناء ولا عزة فيه إلى موت عزيز في ظلال السيوف كما يموت الأبطال الميامين، ونجد ذلك في قوله لسيف الدولة([59]):
ويريد بالنصارى هنا الروم. ولأنه أيضاً كان يريد العود إلى أمه العجوز ليبرها ويدفع عنها الضيم، قال([60]):
ورب قائل أيضاً يقول: لماذا اختار أبو فراس الأسر على الموت؟. فنجده قد أجابه أبو فراس على تساؤله هذا من قبل، وهو أنه القدر الذي لا يُرد، في قوله([61]):
ولا شك في أنه كان يرى الفرار أمام الأعداء أشد من الموت وعاراً كبيراً لا يمكن قبوله، ونجد ذلك في قوله([62]):
وهكذا ظفر أبو فراس بالموت، عانقه عناق الحبيب لحبيبه، بعدما ظل يطلبه طوال عمره، ومنذ يفاعته، طلباً حثيثاً، تدفعه إليه قوة كامنة عميقة كاسرة لا تقهر، ولا تعرف كللاً ولا مللاً، حتى ظفر بالموت ظفراً مشرفاً شجاعاً ـ كما كان يريد ـ بضربة سيف أعجمي جبان غادر، بيد أن هذه القوة الهادرة القاهرة التي كانت تكمن في صبغياته، وتندفع من قلبه الشجاع وروحه الأبية كالحصان الأدهم الجموح في صبغياته، قد لقيت التشجيع كله من قناعته التي لم تعرف التردد، وإرادته التي لم تعرف إلا القوة، فاجتمع ذلك كله، ودفعه بشجاعة نادرة إلى حياض الموت وعشق المثل الأعلى وخلود الذكر وسيرورة الاسم والأخبار والأشعار عبر القرون، تتناقلها الأجيال العربية سيرة خالدة ومثالاً يُحتذى جيلاً إثر جيل. المصادر والمراجع ـ إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، محمد راغب الطباخ، تصحيح محمد كمال، دار القلم، حلب 1988. ـ ديوان أبي فارس الحمداني، دار صادر، بيروت 1990. ـ ديوان الهذليين، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1965. ـ زبدة الحلب، ابن العديم، ت: سهيل زكار، دار الكتاب العربي، دمشق 1997. ـ شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، ابن الأنباري، ت عبد السلام هارون، القاهرة 1963. ـ العصر الإسلامي، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة 1963. ـ العصر الجاهلي، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة 1965. ـ عصر الدول والإمارات (مصر والشام)، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة 1984. ـ لا تقتل نفسك، بيتر شتاينكرون، ت: نظمي راشد، دار الهلال، القاهرة، بلا تاريخ. ـ وفيات الأعيان، ابن خلكان، ت: إحسان عباس، دار صادر، بيروت 1969. |