|
||||||
| Updated: Thursday, October 04, 2007 07:56 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الشعر والمتلقي ـــ د.وليد إبراهيم قصاب(1) العلاقة بين النّص والمتلقي ـ فرداً أو جمهوراً ـ علاقة شائكة معقدة، وهي ـ في الوقت نفسه ـ علاقة متعدّدة الجوانب، متشعبّة الأطراف، ويمكن للدارس أن يتناولها من وجهات مختلفة. إن الدرس النقدي الحديث ـ على أيدي الاتجاه التفكيكي مثلاً ـ يعطي المتلقي (القارئ) ـ سلطة غير متناهية في عملية التواصل الأدبي؛ إذ يجعله وحده سيد الموقف، ويُنيط به وحده مهمة فهم النص وتوجيهِه الوجهةَ التي يريد، مسقطاً عليه ما يشاء من فكره وأحاسيسه منقطعاً به عن مؤلفه، وظروف كتابته، وعن أية ملابسات اجتماعية، أو تاريخية، أو نفسية أحاطت به. وإن النّص لمفتوح ـ في هذه البدعة الفكرية الغربية ـ على تفسيرات غير نهائية، وتأويلات مفتوحة غير يقينية لا يدركها الحصر إن التفكيكية (2) هي سلطة القارئ ـ المتلقي ـ وحده، بدلاً من سلطة المؤلف، أو سلطة النص، كما نادت بذلك اتجاهات أخرى.. ولا شك أن هذا غلو في تقدير دور المتلقي؛ لأنّ أركان العملية الأدبية ـ في الحقيقة ـ هي ثلاثة: المُرْسِل (الشاعر) والمستقبل (المتلقي) والرسالة (القصيدة) ولكلِّ طرف مكانه الهام، ولا يمكن الغضّ من شأنه لحساب الآخر. إن الشاعر يسعى أن يكون متميّزاً مبتكراً باهراً، وأن يكون صادقاً، ولكنه لا يمكن أن يغفل عن أنه يخاطب متلقياً معيناً، وهو يحاول أن يقيم علاقة بينه وبينه، يؤثر فيه، ويحظى عنده، من غير أن تشحب ذاته، أو يُقدّم تنازلاً على حساب فنّياتٍ أو قيم فكرية وشعورية يؤمن بها، إنه ـ باختصار ـ يأرب أن يلج عالم المتلقي من خلال ذاته هو، فيلتقي معه ويحاوره وينال إعجابه من غير أن يتملّقه، أو يهبط عن مستوى عالٍ يحب أن يكون فيه. والمتلقي يَنْشُد أن يكون الشعر معبِّراً عن أشواقه وأمانيه أن يجد فيه ذاته وهمومه، أن يجني من روضه متعة وفائدة، أن يشوقه ويفيده، ويقدِّم إليه غذاء روحياً وفكرياً. ولكنه غير مُعْفَى من المسؤولية، إنه مطالب أن يكون على مستوى النص، وأن يتسلّح بمعطيات الفهم والتذوق، وأن يكون أهلاً للتمييز والإدراك، لأنه إن افتقد آلة ذلك كان على صورة ما رسم المتنبي في قوله: ومنْ يك ذا فـم مـرّ مريض * * * يجدْ مراً به الماء الزلالا وقوله: وكم من عـائبٍ قولاً صحيحاً * * * وآفته من الفهم السقيم والقصيدة هي "الجسر" الكتابي الذي يصل بين الطرفين: المرسل والمستقبل، ولاّ بدّ أن تتمتع بالتوهج والألق، والقدرة على الوصول والتأثير، وألا تكون عالماً مغلقاً، أو طلسماً من الطلاسم. هذه أركان ثلاثة في معادلة العمل الأدبي. وإذا كان المتلقي ركناً ركيناً فيها كما رأيت، فإنه ليس كل شيء كما تقول التفكيكية. إن تاريخ الأدب يُري شعراء صفَّقت لهم الجماهير المتلقية. ولكنّ قصائدهم كانت مثل فقاعات الصابون، تقرأ مرّة واحدة ثم تتلاشى. ويُري شعراء ذوي مواهب عالية، ولكنهم تعالوا على المتلقي، أو لم يراعوا حقه، فلم يصلوا إليه، ولم يكتب لشعرهم الذيوع والسّيرورة، وهنالك شعراء قبضوا على ناصية الإبداع الفني من أطرافه الثلاثة، فقدَّموا شعراً باهراً شائقاً، عبّر عن ذواتهم ومواجدهم، ووجد الجمهور فيه ذاته، فحظي عنده. إن الشاعر والمتلقي يحتاج أحدهما إلى الآخر. قال الأديب الروسي تولستوي مرّة عن الفن: "إنه عملية إنسانية فحواها أن ينقل إنسان للآخرين ـ واعياً مستعملاً إشارات خارجية معينة ـ الأحاسيسَ التي عاشها، فتنتقل عدواها إليهم فيعيشونها ويجرِّبونها.." (3). فهو نوعٌ من البوح. والشّاعر الفنان يجد راحة في هذا البوح؛ فهو محتاج إلى من يشاركه تجربته الشعورية، وإلى من يحمل إليه عدوى ما أحسّ به. ومهما كان أصل الإبداع الفنّي، والمراحلُ التي يمرّ بها غامضاً معقداً فإن للفن ـ في أشكاله كافة ـ رسالة واضحة، وهي التبليغ والتوصيل ومن هنا يحضر المتلقي ـ آلياً، وبشكل شعوري أو غير شعوري ـ في كلّ عمل إبداعي ينشئه الأديب. ومن هنا أيضاً كان من غير المُتَخَيَّل أن ينهض أيّ عمل أدبي من غير ثلاثة الأركان التي ذكرناها، وهي: المرسل، والرسالة والمرسَل إليه. أي المؤلف، والنصّ، والمتلقي. ولا يتخيل شاعر لا يضع في حسبانه متلقياًَ معيناً إلا أن يكون يكتب لنفسه فقط. وإنّ من المشروع أن يكتب الأديب لنفسه ما دام يحتفظ بما كتبه في أدراجه ولا يذيعه على الآخرين، ولكنه ما إنْ يفكر بإخراج ما كتبه حتى يغدو من غير المشروع تجاهل المتلقي، أو نفيه، أو الاستعلاء عليه. يقول الدكتور عمر فروخ: "أعلى الشاعر أن ينظر إلى الناس، أو أن يلغي الناس من حسبانه، فإذا ألغى الشاعر عنصر القراء عند نظمه الشعر، فلماذا ينشر شعره في ديوان، ولماذا ينشد الناسَ شعره؟ يقول أنصار "الفن للفن" ـ مقطوعاً عن الجانب الاجتماعي من دين وخلق وعلم ومنطق، وعن كل صلة بالبشر ـ إن شاعرهم ينظم الشعر لنفسه ولأنداده القليلين. فما حاجة جمهور الناس بذلك الشعر إذن؟" (4) إن الجمهور المتلقي ركن ركين في العملية الإبداعية، كما ذكرنا. وقد أثر من تراثنا النقدي أن يحسب الشاعر حساب المتلقي، وأن يراعي مقام المخاطب، فيلّون كلامه بما يتناسب وحالة من يتوجه إليهم بالرسالة. وقد عُرِّفت البلاغة بأنها "مراعاة الكلام لمتقضى الحال" (5) والحال تفي المخاطب والموقف. وما أكثر ما غيبت معاني الشعراء لأنها لم تراع مقامات المخاطبين وأقدارهم المختلفة (6). إنّ الشعر إذن ليس خطاباً للذات، بل هو خطاب للآخرين، وهو اتصال وتواصل مع الجمهور. إن الشاعر بشر يخاطب بشراً "وليس هناك شاعر يعيش ويكتب في عزلة، فهو شخصية حيّة في فترة زمنية معينة، ومكان معين، وبيئة اجتماعية معينة، إنه فرد، ولكنه في الوقت نفسه ـ عضو في المجتمع، ولا بد للمجتمع من أن يلعب دوره في شعره، وقد يكون الشاعر متعاطفاً مع بيئته الاجتماعية، أو ثائراً ضدها، وقد يذهب إلى حد إنكارها، ولكن تأثيرها سيظل منطبعاً على شعره (7). وإن لكل عمل فني بعدين: أحدهما اجتماعي، وهو ينطلق من الواقع المعيش، والآخر فردي، وهو ينطلق من خيال الفنان، وينبني على ذلك افتراض وجود آخرين، لهم علاقة ما ـ قراءةٌ، أو نظرٌ، أو سماع ـ بالعمل، وهؤلاء هم المتلقون، وهم يتوخون من خلال هذه العلاقة إيجاد رؤية أو أفق، أو حلٍ لمشكلة مشتركة بينهم وبين المؤلف، فالعلاقة بينهما علاقة عضوية حتمية. إن سؤال الشاعر نفسه: لم يكتب؟ هو دليل الحيوية والخصب، وهو سؤال الإحساس بالمسؤولية، واحترام الفن، وهو مع السؤالين الآخرين: ماذا يكتب؟ ولماذا يكتب؟ ثالوث محترم موقّر. وإنّ من حقه أن يكتب لمن يشاء، وأن يختار الجمهور الذي يخاطبه، وإن الشّعراء ليختلفون ـ كما تقول إليزابيث درو "واحدهم عن الآخر في اهتمام الواحد منهم بجمهوره، وتختلف الحال كذلك بين عصر وعصر، ويمكن على وجه الإجمال أن نقسم الشّعر قسمين: شعر خاص، وشعر عام (8) كما يمكن أن نقسم جمهور الشعر إلى جمهور خاص، وإلى جمهور عامّ، أي إلى "نخبة خاصة" وإلى طائفة "عريضة واسعة" فمن الشعراء من يجاهر بالفخر بأن شعره موجه لنخبة، ومنهم من يفتخر بجماهيرية شعره. كان نزار قباني مثلاً يدعو إلى شعر "كالخبز يدخل في كل بيت" ونخبوية الشعر لا تعني تميّزه، أو أنه يتمتع بفنية أرقى، وذلك "أن رسالة كلٍّ منهما تختلف عن الأخرى، وكلاهما يتجه إلى أذواق وملكات مختلفة عند القارئ.." (9). وتحدّث بعضهم عن أنواع أخرى من المتلقين، فقسمهم ـ من حيث طبيعتهمّ التكوينية إلى ثلاث فئات، هي: 1 ـ طبقة الجمهور المحادث: وهو ذاك الذي يستحضره كلّ كاتب في وعيه في أثناء الكتابة، فيقيم الكاتب ـ حقيقة أو خيالاً ـ مع جمهوره المجرد هذا ـ وإن كان هو نفسه ـ حواراً قصدياً، يهدف إلى تحريك شعوره، أو إقناعه، أو مواساته، أو تحريره، أو حتى تبئيسه. 2 ـ طبقة الجمهور الوسط: أي الوسط الاجتماعي الذي ينتسب إليه الكاتب، وهو الذي يفرض على الكاتب مجموعة من التحديدات. 3ـ طبقة الجمهور الواسع: وهو الذي يتخطى جميع الحدود الزمنية والمكانية والجغرافية والاجتماعية، ولا يمكنه أن يفرض على الكاتب أي تحديد (10). إن الكاتب ـ كما ذكرنا ـ لا يكتب إلا ليُقرأ، أي ليتلقاه متلقٍ من نوع ما، وإن الكتاب لا يوجد إلا حين يُقرأ، أي حين يصبح الدّال ـ الكتاب من حيث هو مجموعة أدلة لغوية ـ مدلولاً، أي مضموناً فكرياً لهذه الأدلة، بواسطة حلّ الشفرة، أي قراءة الجمهور (11). وعلى العموم، فمهما اختلفت نوعيّة الجمهور الذي يتلقى الشعر فإنه جزء هامّ من العملية الإبداعية ـ كما ذكرنا ـ وهو حاضر ـ بصورة أو بأخرى ـ في ضمير الشاعر ووجدانه ما دام هدفه التواصل مع الآخرين والبوح بتجربة شعورية معينة، ولا ينطوي الإحساس به، أو يُغَيِّب في أي نص ناجح إلا إذا كان الشاعر يكتب لنفسه، أو يعتزل الجماعة ليعبّر عن أحاسيس ذاتية لا يهمّه أن يفهمها أحدٌ، أو تصل إلى أحد. الحضور المكَثَّف للمتلقي على أن استحضار الشاعر للمتلّقي، وإحساسه الحارّ به يتمثلان بصورة مكثفة، في ظلّ إيمانه بإحدى المقولات التالية: ـ إنسانية الشعر. ـ الدور الاجتماعي للشعر. ـ التواصل مع الآخرين. وإذا كان النقاد ـ كلّ بحسب منهجه ـ قد تلمسوا في الشعر خلال مسيرته الطويلة ملامح وسمات، وافترضوا فيه أغراضاً وغايات، فإن "المتعة" و"الفائدة" ظلتا مَلْمَحين لا يغيبان عن سمائه أبداً فكي يكون الشعر مفيداً ينبغي أن يكون ممتعاً، ولكي يكون جميلاً ينبغي أن يكون مفيداً، ولقد عبر الدكتور جونسون عن غاية إنسانية للشعر بقوله: "الغاية الوحيدة للأدب هي أن يجعل القارئ يحسن الاستمتاع بالحياة، أو يحسنُ تحملها" كما عبر كيتس عن هذا الجانب الإنسانيّ في الشعر بقوله: "إن الشعر يجب أن يلفت القارئ وكأنه تعبير عمّا يجول في خاطره من أفكار سامية، وأن يبدو وكأنه استذكار لشيء عرفه ونسيه" وكان إزرابا وند يقول: "ما من أحد يمكن أن يقرأ قصائد هاردي دون أن يحسّ بأن حياته ولحظات عمره التي نسيها قد عادت إليه: لمحة من هنا، وساعةٌ من هناك.." (12). فالشعر إذن يهبنا الإحساس بالحياة، وقد يجعلنا نعيش الحياة مرّة أخرى، وهو ينبهنا على نقاط منها لم نكن نعرفها. يقول ماثيو أرنولد: "قوة الشعر الكبرى تكمن في قدرته على الترجمة، ولا أعني بذلك قدرته على كشف سرّ الكون، وإنما أعني قدرته على تناول الأشياء بطريقة توقظ فينا إحساساً كاملاً جديداً أليفاً بها... (13) فالشاعر يقترب من الجماهير بما يقدّم إليهم من التجارب الإنسانية التي تمتعهم وتفيدهم. وتعمّق معرفتهم بالحياة، وتفتح لهم آفاقاً جديدة إليها. ولا نزال ـ نحن جمهور العرب ـ نستحصر شعر المتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ويعيش في ضمائرنا، ونستشهد به في كثير من المناسبات لما يحمله من التجارب الإنسانية العظيمة، والحكم البليغة الرائعة. إن الحياة الإنسانية بكل عمقها وثرائها وواقعيتها هي مادة الأدب، والأدب سجل حيّ لما رآه الناس في الحياة، وما عرفوه منها، وما خبروه من أحوالها، وما بلوه من شؤونها، وما كانت مواقفهم منها، ولذلك كان هدسون يقول: "إن الأدب تعبير عن الحياة وسيلته اللغة" وكان كولردج يقول: إن الأدب نقد للحياة. وكلما كانت صلة الشاعر بالحياة عميقة حميمة كانت حظوته عند الجمهور أبلغ، وكان احتفاء الناس بشعره أعمق وأغزر. وإن انهماكه في قضايا عصره، وتفهمَه لمشكلات الناس وهمومهم، وعيشَه في ضمير المجتمع، ينبض بقلبه، ويتنفس برئته، هو الذي يدنيه من الجمهور، ويدني الجمهور منه "ولن يكون الشاعر إنساناً إذا لم يستعمل شعره أحياناً لكي ينتقد ويعارض. يقول لويس ماكنيس: ليس الشاعر مكبر صوت للمجتمع، ولكنه أقرب إلى أن يكون صوته الهادئ الخافت" (14). ومهما ادّعى بعض النقاد أو المتذوقين للشعر أن للتجربة الشعرية قيمتها مستقلة عن الآثار النافعة التي قد تنجم عنها، أي ما يتصل بها من معنى خلقي، أو فلسفي، أو اجتماعي، أو شاكل ذلك، لأنها في جوهرها تجربة خيالية أو تأملية تنشأ عن طريق وضع الكلام في نسق خاص من الوزن؛ فإن ارتباط الشعر بالحياة ـ على نحو ما ذكرنا ـ يجعل من الصعب على الناقد ـ مهما ادعّى الموضوعية والحَيْدة الفكرية ـ أن يحكم على التجربة الشعرية حكماً فنياً خالصاً، وهذا واحد مثل ماثيو أرنولد الذي كان يجب أن تعصمه معرفته بالشعر من الحكم عليه بناء على ما له من منفعة وهدف "كان يصر على أن المعاني الجدية هي أساس الشعر، فاستبعد شوسر من بين الأسماء الكبرى لأن شعره لا يتضمنها" (15). وإذا كان الناقد المحصَّن بمعرفة طبيعة الشعر، وأنه في المقام الأول تجربة فنية جمالية تأملية، لا يستطيع أن ينطوي على إعجاب فني صرف، بل يبحث عن التجارب الإنسانية الحيّة، والمعاني الجادة؛ فهل نتوقع من الجمهور أن يعشق الشعر لا لشيء إلا لما فيه من المهارة اللفظية، وأن يقبل عليه إذا لم يكن يقدِّم له شيئاً ينفعه، أو يمتع، أو يزيده معرفة بالحياة؟ يقول برادلي: "قد يكون للشعر قيمة بعيدة أيضاً باعتباره وسيلة للثقافة والدين، لأنه قد يعلمنا شيئاً، أو قد يرقّق من عواطفنا، أو يدعو إلى قضية خيَّرة.. وليس هذا مما يسيء إلى الشعر في شيء، وإنما الأمر على العكس..." (16) وإن الاتجاه الشكلي، أو الفنَّ من أجل الفن، ليقصُران الشعر على القيم الحسية، مجرّدة عن الحياة والمجتمع، وقد أكّد إليوت أكثر من مرّة أن "تحديد عظمة الأدب لا يمكن أن يكون على أساس المقاييس الأدبية وحدها، وذلك على الرغم من أننا لا بدّ أن نتذكر أن معرفة ما إذا كان الذي أمامنا أدباً أم لا، يمكن أن يحدّد بالمقاييس الأدبية فحسب (17)". وإذا ما أراد الشاعر أن يكون له جمهور فلا بد أن يقدم له ما يمتع ويفيد، ولا يكون إلا إذا اجتمعت في الشعر قيم فنية باهرة، وقيم فكرية إنسانية اجتماعية راقية. وإن فاعليته لا تتحقق إلا بتآزر هذه القيم جميعها، فالأدب تعبير عن (الأنا) الفردية، و(الأنا) الجماعية بطريقة فنية رفيعة، فهو من ثم تعبير عن النفس البشرية، ولذلك لا بد من التساؤل فيه عن القصد والوظيفة، وعن صلته بالمجتمع والجمهور. "إنّ رسالة الشعر هي أن تكشف عن قيمة هذا العالم، عالم تجربة الإنسان الحيّ. ولكن الشعر يعيش في ألفاظه، ولا يمكن فصله عن ألفاظه الأصيلة التي كتبها بها". (18) الجمهور والشعر العربي المعاصر انتقل ـ على رأي فريق من الباحثين ـ أنَّ الشعر العربي المعاصر يمتد من أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، ليبدأ بعد ذلك الشعر الحديث مع انطلاق موجاته الأولى على يدي نازك، والسياب وعبد الصبور وغيرهم. وأنا أستطيع أن أقول بكل اطمئنان إن الشعر العربي المعاصر ـ على اختلاف اتجاهاته ومذاهبه الفكرية والسياسية والفنية ـ كان ذا صوت مسموع، وكان حاضراً حضوراً باهراً في ضمائر الجماهير العربية، وكان تأثيره قوياً فعّالاً. وصدق شوقي إذ قال: كان شعري الغناء في فرح الشر * * * قِ، وكـان الـعـزاء فـي أحـزانه ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر ما كان يُستقبل به شعر البارودي، وشوقي، وحافظ، والرّصافي، وبدوي الجبل، والجواهري، والشابّي، وأبي ريشة وغيرهم وغيرهم من حظوة القوم واحتفائهم، وما كان يشعله من الحماسة، ويلهبه من الأحاسيس، وعلى الرغم من الخصومات الكثيرة التي نشبت بين المحافظين والمجددين؛ كان الجميع ـ على مختلف انتماءاتهم ـ يعرفون طبيعة الشعر، ويحظون باحترام المتلقي وقناعته. واستمر صوت الشعر العربي كذلك مسموعاً عند أصحاب الموجات الأولى من الشعر الحديث، كنازك، والسياب، والبياتي، وعبد الصبور. ومحمود درويش وغيرهم، ولكن ما إن انحسرت هذه الموجات الأولى في الخمسينيات والستينيات من هذه القرن ـ بعد أن خلفت آثاراً سلبية مدّمرة فيمن جاء بعدهم من الشعراء الذين ركبوا موجة الحداثة المتطرفة حتى بدأ عهد سقوط الشعر العربي وترديه. واستمع إلى واحد مثل فاروق شوشة يتحدث عن جيل السبعينيات من الشعراء قائلاً: "إن جيل السبعينيات صراصير يجب أن يداسوا بالأحذية" (19). وإن أسباب هذا التردي كثيرة، فهي أولاً جزء من أزمة الثقافة العربية عامة، متمثلاً ذلك في مجموعة عوامل لا يتسع المقام لتفصيل القول فيها، منها مثلاً طغيان الحياة المادية وانحسار دور الفكر أمامها، ومنها تلك الهزائم، وذلك التحدي والتشكيك، اللذان تتعرض لهما الحضارة العربية الإسلامية في كثير من صورها وأشكالها، ممّا أحدث تصديعاً وتشويشاً في كثير من المفاهيم، ومنها مفهوم الشعر، ودوره، وطبيعته، ومنها ذلك الإعراض الذي نجده بين الجماهير العربية عامة عن كل ما هو ثقافي فكري، معمقاً هذا الانصراف شبه أمية ثقافية تحكم قبضتها عليهم فتحرمهم من متعة الاستمتاع بالشعر وتذوقه إن أحسنوا قراءته أصلاً.. ولكن على رأس الأسباب ـ في رأيي ـ ما حُمل عليه الشعر العربي وما يزال يحمل ـ على أيدي الحداثيين ـ من تغريب وإغماض، وتحديث غير أصيل، يدعو إلى تجريد الشعر من الغاية، وجعله نصاً مغلقاً، وتعتيمه ـ بشكل متعمد ـ حتى لا يصل إلى المتلقي، وفتح باب التجريب على مصراعيه أمام من هبّ ودبّ، وسلخِ الشعر من المعايير التي تضبطه فاقتحم ساحة الشعر ناسٌ لا علاقة لهم بالشعر ولا بالنثر، وطفا هؤلاء ـ بسبب علاقات عامة، وانتماءات معينة ـ على السطح، فصاروا الأصل، ووجدوا من يعملقهم، فانحجب المجيدون، حتى رسخ في أذهان عامة الجمهور ـ ولا سيما من لا غوص لهم، أو يبهرهم طبل الدعاية الرنّان ـ أن الشعر هو هذا الغثاء المستشري، فزهدوا فيه، وانصرفوا عنه، وقام بينهم وبينه حجاب صفيق، زاد من أزمة هذا الشعر وعزلته.. إن الشعر العربي الحديث يتقلص دوره في التعبير عن أزمة الأمة شيئاً فشيئاً، لقد صار ـ في غالبية نماذجه الذائعة المشهورة ـ عالماً مغلقاً، لم يَعُدْ نابضاً بالحياة، كما كان حاله في القرن الماضي، ولم يعد يحمل همّ الجماهير ولا نبضَ حياتها اليومية. إنه يمرّ بأزمة توحي إلى المتابع أن عصر الشعر قد انتهى أو كاد. هناك انصراف عن قراءة الشعر، وزهد في طباعة الدواوين. واسأل أيّ شاعر مشهور عما يطبع من ديوانه فستجد ذلك مخجلاً، فما بالك بالمغمورين والشباب الصاعدين؟ إن أحداً لا يكاد يتحمس لطباعة شعرهم أو اقتنائه.. يقول نزار قباني في تصوير موقف الجمهور من شعراء الحداثة في هذه الأيام: "أزمة الشاعر العربي الحديث أنه أضاع عنوان الجمهور، فهو يقف في قارة والناس يقفون في قارة ثانية، وبينهما بحار من التعالي والصلافة وعقد العظمة، وبدلاً من أن تكون ثقافة الشاعر وسيلة للتفاهم والاقتراب أصبحت قلعة من الغرور لا يدخلها أحد... لماذا يعيد موزع البريد قصائد أكثر شعرائنا إليهم؟ لأنهم نسوا عنوان الشعب أو تناسوه (20). لقد أقام الغموض السّلبي الذي فشت فاشيته في كثير من نماذج الشعر الحديث، جداراً صفيقاً بينه وبين الجمهور العربي، فعّمت الشكوى منه وطمّت. ولكن أصحاب الحداثة مضوا يحمِّلون القارئ العربي مسؤولية العجز عن فهم إنتاجهم؛ فالجماهير العربية عند أدونيس لا تفهم هذا الشعر الحديث لأنها أميّة، وغير ثورية. (21). وهو يفتخر بأن من سمات هذا الحديث ذلك التنافر بين الشاعر والقارئ (22). ولكي تسوِّغ الحداثة عجزها عن الوصول إلى المتلقي العربي، أو لإيمانها الفعليّ بغباء هذا المتلقي وعدم ثوريته؛ مضت تستهين به، وتحتقر ذوقه الفنّي، حتى بلغ الأمر أن قال قائل منهم: "لسنا طالبي الحداثة، وإنما نحن حديثيون. لهذا لا يمكننا التراجع أو التساهل، أو المساومة. الغموض؟ فليكن، وليكن الهذيان والجنون.." (23). وراح الشاعر الحديث ـ بتعبير أحد الدّارسين ـ يتعالى على المتلقي وينفيه "من معادلة العمل الفنيّ ليصير النتاج الشّعريّ نتاجاً في ذاته ولذاته. لا وجود للآخر. الأنا وحدها هي الموجودة. هي العالم (24). وبدا هذا التعالي وهذا النّفي مقصودين، معموداً إليهما عمداً، إذ راح بعض الحداثيين "يتطيّرون من أي تواصل، حدث أو يحدث، بين الشعر والقراء والقضية، ويريدون لهذا التواصل ـ شبه المقطوع ـ أن لا يعود أبداً، حفاظاً على نقاء الشعر ونظافته، أي عدم تلوثه بما يجري على الأرض. فلكي نظلّ في الشعر ـ كما يقول جاك الأسود لا مفرَّ للشاعر، ولشعره تحديداً، أن يظلّ خارج العلاقات الاجتماعية خارج الصراع، وبدون موقف.." (25) وهو كلام يجرّد الشعر من أي وظيفة اجتماعية، ويقطع صلته بالجمهور وعلى أن انعدام التواصل بين الشعر الحديث والمتلقي العربيّ، الذي يحتج أصحاب الحداثة ـ في غمرة الدفاع عن قضية خاسرة ـ بقزامته وجهله، لم تقتصر على المتلقي العادي، بل عمّت المتخصصين والأدباء. وبعض رواة الحداثة أنفسهم ممّن أوتوا شجاعة الاعتراف. واستمع إلى أستاذ جامعيّ وناقد مرموق لا يُغمط علمه وأثره، وهو الدكتور عبد القادر القطّ يقول: "أعتقد أن التيار الجديد الذي يطلقون عليه مصطلح "الحداثة" سينحسر؛ ذلك أن الشعراء سيدركون أن صلتهم بالمتلقي توشك أن تنقطع تماماً.." (26). واستمع كذلك إلى بلند الحيدري ـ وهو من كبار شعراء هذا التيار ـ يقول عن أدونيس، لا عن شاعر من شعراء هذه الأيام،: "أنا لا أفهم أدونيس، وهو أقرب أصدقائي، وأصدق أصدقائي، أعرف كلّ دخائل حياة أدونيس لكنْ ما عدت أفهم قصيدته. يجب أن نجد العلاقة التي تؤكد عدم الانفصام ما بين المتلقي وبين المبدع.." ثم يقول عن أدونيس: "يعتز بأن الآخر لا يفهمها ـ أي قصيدته ـ ويلتذ بأن هذا الآخر ربما جاهل، أو قاصر عن استيعاب تجربته.." (27) كما يقول عنه في موضع آخر: "مهّد أدونيس لهذا الاغتراب، فصار المرء لا يعرف ماذا يريد الشاعر أن يقول.." (28) وهكذا قطع الغموض المقيت ـ الذي دعت إليه الحداثة، وأسرفت فيه ـ الأدب عن أداء رسالته؛ إذ تحول إلى طلاسم، بل آل ـ على حدّ تعبير الحداثيين أنفسهم ـ "إلى هلوسات لا تعرف لها رأساً من ذيل، ولا ذيلاً من رأس؛ لأنها بكلّ بساطة لا ذيل لها ولا رأس.." (29). وانقطع التواصل بينه وبين المتلقي العربي، عاشق الشعر الأوّل، إذ راح الشاعر الحديث يكتب ـ في أغلب الأحيان ـ لنفسه، لا لأداء رسالة، أو التعبير عن قضية، إذ "لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع" (30) كما يقول أدونيس، والقصيدة "ليس لها هاجس سوى وجودها الذاتي" (31) كما يقول جابر عصفور، والأدب "عملية إبداع جمالي من منشئه، وهو عملية تذوق جمالي من المتلقي، وهدفه ليس نفعياً بل جمالياً" (32) كما يقول عبد الله الغذامي. ونفي المتلقي من الحسبان، ونسب إلى العجز والجهل والأمية، مهما كان موقعه الثقافي: ناقداً، أو أستاذاً جامعياً، أو أديباً، أو شاعراً فهؤلاء جميعاً جهلة أقزام ما عجزوا عن الولوج إلى عالم الشاعر الحديث.. وأخيراً... أقول: إن عصر الشعر لم ينته، كما يحاول أن يذيع ذلك قوم، وإن الحياة ـ إذا خلت من الشعر ـ فقد خلت من جانب إنساني هام. سيبقى الشعر ما بقي الإنسان، وما دامت المشاعر تنبض. ولكن الشعر العربيّ اليوم غير مُعَافَى، إنه موجع مأزوم، فقد احترام الجمهور وعشقه. ولكي يستعيد تلك العلاقة الحميمة القديمة به، ينبغي أن يعرف عنوانه، وأن يعبّر عنه، ويصدر عن همومه، ويكفّ عن صلفه واستعلائه عليه. مصادر البحث أولاً: الكتب 1 ـ الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: د. عبد الحميد جيدة، مؤسسة نوفل، بيروت: 1980. 2 ـ الإيضاح: القزويني، تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الفكر اللبناني، بيروت. 3 ـ حاضر النقد الأدبي: د. محمود الربيعي، مصر. 4 ـ دارسات في النقد الأدبي: د. وليد قصّاب، دار العلوم، الرياض: 1983م. 5 ـ الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: إليزابيث درو، ترجمة د. محمد إبراهيم الشوش، مكتبة منيمنة، بيروت 1961. 6 ـ الشعر والتأمل: روستريفور هاملتون، ترجمة د. محمد مصطفى بدوي، وزارة الثقافة، مصر. 7 ـ قضايا وشهادات (الحداثة: 2) دار عيبال، قبرص 1991م. 8 ـ ما هو الشعر: نزار قباني، منشورات نزار قباني، بيروت. 9 ـ المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك: د. عبد العزيز حمودة عالم المعرفة، العدد (232) الكويت: 1998م. 10 ـ الموشح: المرزباني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر: 1965. 11 ـ نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر. ديفيد بُشبندر، ترجمة عبد المقصود عبد الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة: 1966. 12 ـ هذا الشعر الحديث: د. عمر فروخ، دار لبنان، بيروت: 1978م. ثانياً: الصحف والمجلات ـ جريدة الخليج: الإمارات العربية المتحدة. ـ مجلة أدب: بيروت. ـ مجلة الفكر العربي المعاصر: بيروت. ـ مجلة المنتدى: الإمارات العربية المتحدة. ـ مجلة الناقد: تصدر في لندن. (1 ) أستاذ جامعي سوري. (2) انظر نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر: ص 76 وما بعدها، وانظر كذلك المرايا المحدبة: 291 وما بعدها. (3) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 29. (4) هذا الشعر الحديث: 26. (5) انظر مثلاً كتاب الإيضاح: 80. (6) انظر بعض أمثلة على ذلك في كتاب الموشح: 189، 191، 226، 424.. وانظر تفصيل بعض ذلك في كتابنا "دراسات في النقد الأدبي" 124 ـ 128. (7) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 189. (8) السابق: 190. (9) السابق: 191. (10) من مقال قراءة في القراءة لرشيد بنحدو، مجلة الفكر العربي المعاصر العددان (48 ـ 49) شباط 1988، ص 15. (11) السابق نفسه. (12) الشعر كيف نفهمه: 37. (13) السابق. (14) الشعر كيف نفهمه: 191. (15) السابق: 33. (16) الشعر والتأمل: 132، لهاملتون، ترجمة د. محمد مصطفى بدوي. (17) من كتاب حاضر النقد الأدبي للدكتور محمود الربيعي: 58. (18) الشعر كيف نفهمه: 335. (19) مجلة الناقد، عدد تشرين الثاني (نوفمبر: 1992) ص 27. (20) ما هو الشعر: 46 ـ 48. (21) انظر الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، للدكتور عبد الحميد جيدة: ص 23. (22) قضايا وشهادات (الحداثة: 2) دار عيبال، قبرص. بحث محمد دكروب: ص 208. (23) مجلة أدب، العدد الأول، المجلد الثاني: 1964، ص 6. (24) قضايا وشهادات (الحداثة: 2) ص 208 ـ 209. (25) السابق: 209. (26) مجلة الناقد، العدد السادس عشر (تشرين الأول: 1989) ص 82. (27) لقاء له مع مجلة المنتدى الإماراتية (العدد: 111) اكتوبر: 1992، ص 6. (28) لقاء له مع جريدة الخليج الإماراتية (العدد: 5015) الاثنين: 1 /2/ 1993. (29) مجلة الناقد، العدد الرابع عشر (آب: 1989) ص 82. (30) مجلة فصول (4/4/ 1984م) ص 20. (31) السّابق: ص 43. (32) السّابق: ص 97. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |