مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 106 السنة السابعة والعشرون - نيسان 2007 - ربيع الآخر 1428
Updated: Thursday, October 04, 2007 07:59 AM
فهرس العدد
 

الخطابة السياسية في العصر العباسي الأول ـــ د.قحطان صالح الفلاح([1])

"وممّا يُعرف أيضاً من الخطابة والكتابة أنّهما مختصّتان بأمر الدِّين والسّلطان، وعليهما مدارُ الدّار"([2])

أبو هلال العسكري

بلغت الخطابة عامّة، والسّياسيّة منها على وجه الخصوص، عصرها الذّهبي في العصر الأموي؛ إثر الأحداث السّياسية التي عاشتها الدولة الأموية، والتي كانت إرهاصاتها بدأت منذ أواخر العصر الراشدي، واختلاف المسلمين على الإمامة. وقد ظلّت الخطابة السياسية مزدهرة، إبّان العصر العباسيّ الأول، وخاصةً في بدايته، في مرحلة توطيد أركان الدولة، وبيان شرعيّة الخلافة؛ إذ إنّ الخطابة مرتبطة بالخطابين الديني والسياسي، اللازمين لسياسة العباد وتعمير البلاد.

أولاً ـ تمهيد (في الخطابة والخطباء)

تُعَرَّف الخطابة بأنّها: "فنُّ مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته"([3]).فالأصل فيها ـ إذن ـ المخاطبة أو المشافهة؛ ابتغاء التأثير في المتلقي وإستمالته. وإذا كان ثمّة أنواع أخرى من الخطاب الاحتجاجي، تندرج تحت الخطابة بمفهومها العامّ؛ من حيث المشافهة، والأداء الفردي، والتلقّي الجمعي، كالمفاخرات والمحاورات والمناظرات، إلا أنّ لها سماتٍ فنيّة، وخصائص أسلوبية فارقة، تجعل كلاً منها فناً قائماً بذاته.

وتُعَدُّ الخطابة من أقرب الأنواع الأدبية إلى الشعر؛ لاعتمادها على إثارة العاطفة، وإذكاء الشعور، وخِصب الخيال والتصوير، وإن اختلفت عنه في الشكل. والخطيب ـ في الغالب ـ أقرب إلى صوت العقل والفِكر، من الشاعر الذي هو صوت الوجدان في المقام الأوّل. والأصل أن يكون الخطيب مفكّراً، غزير المعاني، قويّ الأدلّة، قادراً على الإقناع والإمتاع، في آنٍ معاً.

وقد عَرَفَ العرب فنّ الخطابة منذ القديم، وتوسّلوا به في أَمْنهم وحربهم، ورخائهم وجَدْبهم، ومُنافراتهم ومُفاخراتهم، وشتّى مواقفهم وقضاياهم، التي تستدعي مخاطبة الآخر واستمالته. وكان لها في جاهليّتهم شأنٌ عظيم، ومقامٌ كريم؛ إذ فاقت منزلة الخطيب عندهم ـ في بعض الأحيان ـ منزلة الشاعر؛ يقول أبو عمرو بن العلاء (ت نحو 154 هـ): "كان الشاعر في الجاهلية يُقَدَّم على الخطيب؛ لفرط حاجتهم إلى الشعر، الذي يُقَيِّدُ مآثرهم، ويُفَخِّم شأنهم، ويُهَوِّل على عَدُوِّهم، ومَنْ غزاهم، ويُهَيِّبُ من فرسانهم، ويُخَوِّف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعرُ غيرهم، فيراقب شاعرهم. فلمّا كَثُرَ الشِّعر والشعراء، واتّخذوا الشعر مَكْسَبة، ورحلوا إلى السُّوقة، وتسرَّعوا إلى أعراض النّاس، صار الخطيبُ عندهم فوق الشاعر"([4]) وذلك لارتباط الخطابة بعِلْية القوم وسادة القبيلة، فأضحت آنذاك من علائم السّؤدد والشرف، ودلائل النَّجابة والحِكمة، وارتبطت بالقضايا الكبرى للقبيلة في السّلم والحرب، فكانت ـ في الأعمّ الأغلب ـ من عمل السّاسة والسّادة، في حين كان الشعر ـ في الغالب ـ من عمل الدّعاة والأتباع.

وقد بلغت الخطابة عموماً، والسّياسيّة منها على وجه الخصوص، ذروة ازدهارها في العصر الأموي؛ العصر الذهبي للخطابة العربية، إثر الأحداث السّياسية التي عاشتها الدولة الأموية، والتي كانت إرهاصاتها بدأت منذ أواخر العصر الراشدي، واختلاف المسلمين على الإمامة، فبرزت الأحزاب السّياسية والدّينية، والحركات الفكرية والمذهبية، كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية والجبرية وسواهم. وكلُّ أولئك اتّخذ الخطاب وسيلة ناجعة لنقد الآخر، وبيان آرائه السّياسية، ونظريّته الحزبية والفكرية، واستمالة النّاس إلى اعتناق مبادئه وأفكاره.

أمّا في العصر العباسيّ الأوّل، فقد أدّت الخطابة دوراً مميزاً في الصّراع السّياسي، وإدارة الحُكْم. ومن المسلّم به أن الخطابة لم تشغل الحيّز الفكري الذي شغلته في عصرها الذّهبي، إبّان حُكم الأمويين، ولكنها أيضاً لم تضعف بالصورة التي خُيّلت إلى بعض الدارسين، وخاصّة في مطالع العصر؛ إذ لا يُعقل أن يُسَاير الأدب العصر السّياسيّ مسايرة تامّة، حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة. وإنْ كانت الخطابة أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر المعيش، وما يسوده من اتجاهات ومذاهب وتيّارات، يتسلهمها الخطباء، وينفعلون بها؛ ولاسيما أنّ جُلَّ الخطباء هم ولاة الأمر، أو مَن يمثّلهم. والعصر العباسيّ الأوّل يُعَدُّ ـ من بعض الوجوه ـ امتداداً للعصر الأموي؛ إذ لم يَخْلُ من الفتن والثورات وعدم الاستقرار السّياسيّ، الذي يُعَدُّ مرتعاً خصيباً لازدهار الخطابة السياسيّة على وجه الخصوص.

وقد سَلِمت لنا خطبٌ عديدة لهذا العصر من غوائل الدّهر، مبثوثة في أطواء كتب الأدب والتاريخ. والكثيرُ منها ذو مضامين سياسيّة، ومنها ما يمسّ السّياسة مسّاً رفيقاً، كبعض الخُطب الدّينية والحَفْلية. وما وصل إلينا من الخُطب السّياسية يمكن أن يُقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أوّلها: الخُطَب الرسمية، التي قالها الخلفاء، ومَن يمثّلهم من الولاة والأتباع، متحدّثين عن سياستهم العامّة في الحُكم، ومنهجهم المتّبع في إدارة الدّولة. وثانيهما: الخُط‍َب الحزبيّة، وهي الخُطَب التي قيلت في ميدان الصّراع السياسي (والإيديولوجي)، بين أرباب الأحزاب السّياسية الدّينية، وتنحصر في هذا العصر بين العباسيين وآل عليّ، إذ ضَعُفَ أمر الخوارج، واقتصر خطابهم الدّيني والسّياسي على بضع رسائل، وكذلك من الخُطَب الحزبيّة خُطَب الفتن والثورات العسكرية؛ كما في فتنة الأمين والمأمون. وثالثها: الخُطَب الحربيّة، التي يستنفر فيها الخطباء الجنود، ويبثون فيهم روح العزيمة والحماسة؛ كما في معارك نشوء الدّولة العباسية. إلا أن التقسيم على هذا النّحو ـ في هذا العصر ـ لا يَسْلم من حَيْف؛ إذ إنّ التداخل بين الموضوعات كبير، فعندما يتحدّث الخليفة عن سياسته يعرّض في الوقت ذاته بخصومه في العقيدة السّياسية، والمذهب الفكري، ذاكراً ـ في بعض الأحيان ـ حججّه وآراءه، بل وحجج الخصم أيضاً، وكأنّه في مَعْرِض حِجَاج وجدل. لذا آثرت الحديث عن الخطابة السّياسية في هذا العصر دون هذا التقسيم، مع مراعاة الترتيب الزمني للخلفاء.

ولعلّ أشهر خطباء السّياسة في هذا العصر كانوا من بني هاشم، الذين كان لهم باعٌ مديد في الخطابة واللّسن والفصاحة، منذ رسول الله e؛ إمام البلغاء وسيّد الخطباء، السَّلَفُ والخَلَفُ في ذلك سواء، "سُئِل سعيد بن المسيّب: من أبلغُ النّاس؟ فقال: رسولُ الله e. فقال السّائل: إنّما أعني مَنْ دونه. فقال: معاوية وابنه، وسعيد وابنه، وإنّ ابن الزبير لحسَنُ الكلام، ولكن ليس على كلامه ملح، فقال له رجلٌ: فأين أنتَ من عليّ وابنه، وعبّاس وابنه؟ فقال: إنّما عنيت من تقاربت أشكالهم، وتدانت أحوالُهم، وكانوا كسِهَامِ الجَعْبةِ، وبنو هاشم أعلامُ الأنامِ، وحُكّامُ الإسلام"([5]).

وقد كشف العباسيون عن مواهب خطابيّة نادرة، ومقدرة بلاغية فائقة، يقول الجاحظ في بيان بلاغتهم: "وجماعةٌ من ولد العبّاس في عصرٍ واحد، لم يكن لهم نظَراء في أصالة الرّأي، وفي الكمال والجلالة، وفي العلم بقريش والدّولة، وبرجال الدّعوة، مع البيان العجيب، والغور البعيد، والنفوس الشّريفة، والأقدار الرّفيعة؛ وكانوا فوق الخُطَباء، وفوق أصحاب الأخبار؛ وكانوا يَجِلُّون عن هذه الأسماء إلا أن يَصِفَ الواصفُ بعضَهم ببعضِ ذلك([6])".

ومن خطباء العبّاسيين أبو العبّاس السّفّاح وأخوه المنصور وأعمامه عبد الله بن علي وداود بن علي؛ الذي أشاد الجاحظ بفصاحته، فقال: "كان أنطقَ النّاس، وأجودَهم ارتجالا ًواقتضابَاً للقول، ويُقال إنّه لم يتقدَّم في تحبير خطبةٍ قَطُّ. وله كلامٌ كثير معروف محفوظ"([7]). وقال أيضاً: "وكان عبد الله بن عليّ، وداود بن عليّ، يُعْدلان بأمّة من الأمم"([8]). ومن خطبائهم صالح بن عليّ، وابنه عبد المَلك، وسليمان بن جعفر والي مكة، وقد قيل: إنّ أهل مكة قالوا: "إنّه لم يَرِد عليهم أميرٌ منذ عَقَلوا الكلام، إلا وسليمان أَبْيَنُ منه قاعداً، وأخطَبُ منه قائماً"([9]).

ومن خطبائهم الخلفاء أيضاً المهديّ والرشيد والمأمون، وثمّة أقوال تشيد بفصاحتهم ولَسَنِهم، ومن خطباء آل عليّ t محمد بن عبد الله بن الحسن الملقّب بـ (النَّفْس الزَّكية)، وأخوه إبراهيم، ومن غير العرب البرامكة وبنو سهل وطاهر بن الحسين، وغيرهم.

ثانياً ـ الخطابة السّياسية وقضايا العصر:

اتّخذت الثّورة العبّاسية الخطابة أداةً لبيان حقّها في الخلافة، وذلك منذ أنّ كانت الدعوة العبّاسية في خراسان؛ إذ كانت وسيلتهم لتأليب أتباعهم على الأمويين، وكَسْب التأييد المعنوي، وحثّهم على الصبر والمجالدة في الحروب، إبّان مرحلة الثورة العلنية. ومن ذلك أنّ نصر بن سيّار والي الأمويين أرسل جيشاً لمحاربة أنصار العبّاسيين، فالتقى بهم قيادة قَحْطَبة بن شَبيب الطّائيّ قرب جُرْجان، ويبدو أن المُسَوِّدَةَ هابوا الأمويين، وكان لقاؤهم سنة 130 هـ، فجمع قَحْطَبة أنصاره، وخَطَبَ فيهم قائلاً([10]): "يا أهل خُرَاسان! هذه البلادُ كانت لآبائكم الأوّلين، وكانوا يُنْصَرون على عدوّهم بعدلهم، وحُسْنِ سيرتهم، حتى بَدَّلوا وظلموا، فسَخِطَ اللهُ عزّ وجلّ عليهم، فانتزع سلطانهم، وسلّط عليهم أذلّ أمّة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم، واستنكحوا نساءهم، واسترقّوا أولادهم". وواضح أن الخطيب هنا يعوّل على إثارة النَّعْرة العصبية عند جُنده الخُراسانيين، واستنفار مشاعر الثأر على مَن وَتَرَهم، ثمّ يُبيّن لهم أنَّ هؤلاء غيّروا وبدّلوا أحكام الله، كما بدّل أجدادهم، "وأخافوا أهلَ البِرَّ من عِتْرَةِ([11]) رسول الله e، فسلّطكم عليهم لينتقمَ منهم بكم، لتكونوا أشدّ عقوبة؛ لأنّكم طلبتموهم بالثأر. وقد عَهِدَ إليّ الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العُدّة فينصركم الله عزَّ وجلّ عليهم، فتهزمونهم وتقتلونهم". وهنا نلحظ أنَّ أنصار الدّعوة أعطوا الإمام قدرة على معرفة الغيب، وكَشْف حوادث المستقبل قبل وقوعها؛ ليضلّوا بذلك أفكار الجُنْد، ويزيدوهم ثقة بالنصر والغَلَبة، ولاسيما أنّ أهل خُرَاسان لديهم استعداد قويّ لتقبل هذه الأفكار؛ إذ وَقَرَ في نفوسهم ـ منذ أَمَدٍ بعيد ـ أنّ في الملوك جزءاً إلهيَّاً، ينتقل إليهم واحداً تلو الآخر، فكانوا "يمجدّون ملوكهم وقوميتهم، فربط العبّاسيون بين هذه النزعة وبين الدّعوة لآل الرسول والرِّضا من آل محمد، وهي دعوة محبّبة إلى الفُرس وأهل خُرَاسان؛ لأنّهم بهذه الدعوة، وبهذه الطريقة يُزيلون الحُكم الأموي الذي يضطهدهم، وينتقمون من العرب، الذين أذلّوهم، ويرفعون إلى منصب الخلافة أسرة تعترف بفضلهم في وصولها إلى الحُكم، ومبادئها في الحُكم والخلافة، ونظرتها إليها نظرة (ثيوقراطية) شبيهة بنظرة الفرس أنفسهم إلى العرش والحاكم"([12]). فالفرس يستنكرون الخروج على طاعة الملوك الشّرعيين؛ لذا فإنّهم يرون أن الأمويين اغتصبوا الحقّ الشرعيّ من أهله، آل البيت، وفق مبدأ وراثة الحُكم، عندهم.

وما إن ظَفِرَ العباسيون بالخلافة حتى مضى خطباؤهم يؤكّدون أنّهم أصحاب الحقّ الشرعيّ فيها، وأنّهم أولى النّاس بها، ويبيّنون سياستهم تجاه الرعيّة، وكيف أدالهم الله من حُكم الأمويين وجَوْرهم وانتقم لهم بأسيافهم، بعدما جاروا وظلموا، وجانبوا سنّة الرسول الكريم e في العدل والإنصاف، وانتهكوا حُرماتِ الدَّين، وقَتَلوا آل عليّ وشيعتهم قتلاً ذريعاً، وتركوهم طُعْمَةً للسّيف والنّار والتشريد. فهذا أبو العبّاس السّفّاح (ت 136 هـ) لمّا بويع بالخلافة (سنة 132 هـ) في الكوفة، صَعِد أعلى المنبر ـ كما يُروى ـ وصَعِدَ عمّه داود بن عليّ (ت 133 هـ) فجلس دونه، فخطب أبو العبّاس([13]) متحدّثاً عن قرابتهم من رسول الله e، وأنّ الله اختارهم للإسلام، واصطفاهم له، وأيّده بهم، وتلا آياتٍ من القرآن الكريم خاصّة بأهل البيت، كقوله تعالى: )إنَّما يُريدُ اللهُ ليّذْهبَ عنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً( [الأحزاب 33/33]، وقوله تعالى: )ما أَفَاءَ اللهُ على رسوله من أَهْلِ القُرى، فللّهِ وللرَسولِ ولذي القُرْبَى واليَتَامى( [الحشر: 59/7]، وقوله سبحانه: )واعلموا أنّما غَنِمْتُم من شيْ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرَسولِ ولذي القُرْبى واليتامى( [الأنفال: 8/41]. والمُراد من الإتيان بهذه الآيات الكريمات إضفاء مزيدٍ من الشرعيّة على خلافتهم، وإعلاء مقامهم، ورَفع شأنهم بين الرعيّة، والإيحاء بنوعٍ من الوصاية على سائر المسلمين، والقيام بأمور حُكمهم من مبدأ الوراثة في الإسلام التي تخصّ العباسيين، في مغالطة واضحة، دون سواهم.

ثمّ عرّض السَّفَّاح في خطبته بالسَّبَئِيَّةِ،من غُلاة الشّيعة قائلاً: "وزعمت السَّبَئِيَّةُ الضُّلالُ، أنّ غيرنَا أحقُّ بالرّياسة والسّياسة والخلافة مِنَّا؛ فَشَاهت وُوهُهُم! بِمَ ولِمَ أيُّها النّاس؟ وبنا هدى الله النّاس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هَلَكتِهم، وأظهر بنا الحقَّ، وأَدْحَضَ بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وتَمَّ بنا النَقِيصة، وجمع الفُرقة، حتى عاد النّاسُ بعد العداوة أهلَ تعاطُفٍ وبرٍّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخواناً على سُرُرٍ متقابلين في آخرتهم". ثم ذَكَرَ الخلفاء الراشدين، وأثنى عليهم، فذكر عَدْلَهم وعطاءهم وأَمْرَهم بالشُّورى، وخروجَهم من الدّنيا خِمَاصاً. "ثمّ وَثَبَ بنو حَرْبٍ ومَرْوان فابتزُّوها، وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى اللهُ لهم حِيْناً، حتى آسَفوه([14])، فلما آسَفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنا، وتدارك بنا أمّتنا، ووَلِيَ نَصْرَنا، والقيامَ بأمرنا؛ ليَمُنَّ بنا على الذين استُضْعِفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا. وإنّي لأرجو ألا يأتيكم الجَوْرُ من حيث أتاكم الخيرُ، ولا الفسادُ من حيث جاءكم الصّلاحُ، وما توفيقنا، أهلَ البيت، إلا بالله".. والمظنون أنّ السّفّاح يشير ههنا، إلى فكرة المهديّ المنتظر الذي سيظهر في آخر الزّمان ويملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً، كما يشي بذلك قوله: )ليمنّ بنا على الذين استضعفوا(، و(اختتم بنا كما افتتح بنا). وهذا ما يبدو أيضاً على نحوٍ أوضح في كلام عمّه داود، حيث يقول إن هذا الأمر سيظلّ فيهم إلى أن يُسِْلموه إلى المسيح u، إذ من المعلوم أنّ كثيراً من الأحاديث النبويّة الواردة في أمر المهديّ تشير إلى أنّه من آل الرّسول e، وأنه يظهر قبل نزول المسيح t. كما أنّ الحديث عن الأمويين وأنهم ملؤوا الأرض جوراً وظلماً يؤكّد أنهم يشيرون إلى هذه الفكرة.

ثمّ يوجّه خطابه إلى أهل الكوفة، فيقول: "يا أهل الكوفة! أنتم محلُّ محبّتنا، ومنزل مودّتنا، أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولم يثْنِكُم عن ذلك تحامُلُ أهل الجَوْرِ عليكم، حتى أدركتُم زمانَنا، وأتاكم الله بدَوْلتنا؛ فأنتم أسعدُ النّاس بنا، وأكرمهم علينا. وقد زِدْتُكم في أعطياتكم مئة درهم فاستعدّوا، فأن السّفّاحُ المُبِيْحُ، والثائر المُبِيْر([15])". وهذا التّوجه إلى أهل الكوفة يحمل في تضاعيفه مغزىً سياسيَّاً؛ إذ إنّ أهلَ الكوفة شيعةُ عليٍّ t وآله، وليس العباسيين، فلابدّ أنّهم استشعروا في أنفسهم خيبة الأمل، ومرارة الأسى، وحرارة المَوْجِدة، بانتقال الخلافة إلى آل العبّاس، فلا غرو إن مالأهم السّفّاح ولاينهم في الكلام؛ لاسترضائهم وضمان سكوتهم في الوقت ذاته، ولاسيّما أنّ أبا العبّاس يخطب وجيوشه تطارد فلول الأمويين، ولم يستقرّ به المقام حتى وصلت إليه رسالة صالح بن عليّ العبّاسي، وفيها: "إنّا اتَّبعنا عدوّ الله الجعديّ، حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتلته بأرضِه"([16]). وقد أردف السّفّاح بلينِ كلامه جزيلَ عطائه، والمال سلاح لا يُثلم في السّياسة. وقد أحسن العبّاسيون استخدامه، كما أحسن بنو أميّة ذلك من قبل.

وقد كان السّفّاح موعوكاً في تلك الخُطْبة، فاشتّدّ به الوَعكُ، فجلس على المنبر، وقام عمّه داود بن عليّ دونه على مراقي المنبر، وخَطَب، ويمكن إجمال خطبته([17]) بالنّقاط الآتية:

1 ـ إنّ العبّاسيين لم يخرجوا في طلب الخلافة لغاية دنيوية: "إنّا، واللهِ، ما خرجنا في طَلَبِ هذا لأمر لِنُكْثِرَ لُجَيْنَا ولا عِقْياناً([18])، ولا نحفِرَ نَهْراً، ولا نبنيَ قصراً، وإنّما أَخْرَجَنا الأَنَفَةُ من ابتزازهم حقّنا، والغَضَبُ لبني عمّنا، وما كَرَثَنَا([19]) من أموركم...". فثمّة، إذن، ثلاثة أسبابٍ لطلب الخلافة، أوّلها هو إحساسهم الممضّ بابتزاز الأمويين حقّهم في الخلافة، وهم أبناء عمّ الرسول e، الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، والذين نصروا رسول الله ودعوته، بخلاف بني أميّة، الذين ناصبوا الدّعوة منذ بدايتها العداء، ولم يؤمنوا حتّى فتح الله على رسوله، وكان كثير منهم من الطُّلقاء، ثمّ بغوا واعتدوا واغتصبوا حقّ آل البيت، وفتكوا بآل عليٍّ وشيعتهم، وهذا هو السبب الثاني لخروج العباسيين عليهم كما يدّعون. والحديث عن محن آل عليٍّ حديث مؤثّر يستميل أهل الكوفة الذين يخطب فيهم السّفّاح وعمّه داود، وكثيراً ما استمال هذا الحديث المشاعر والأحاسيس، منذ استشهاد الحسين t! وحقاً، أخذ العباسيون على أنفسهم الثأر لدماء الحسين وغيره من بني عليّ t، ومضوا يفتكون بالأمويين فتكاً ذريعاً، ولم يتغير خطابهم السّياسي من بني عمّهم حتى نافسوهم على الخلافة ورأوا أنهم أحقّ بها منهم. أمّا السبب الثالث فشغل العباسيين واهتمامهم بأمور الرعيّة، وما لحقها من جور بني أميّة واستئثارهم بالفيء، وتعطيل الحدود، ونحو ذلك من مآخذ.

2 ـ إنّ بني أميّة ظلموا النّاس، واستأثروا بالفيء من دونهم: "تبّاً تبَّاً لبني حَرْبِ بن أميّة وبني مَرْوان! آثَرُوا في مُدّتهم وعصرهم العاجلةَ على الآجِلَةِ، والدّارَ الفانية على الدّار الباقية، فَرَكِبوا الآثامَ، وظَلموا الأَنَامَ، وانتهكوا المَحَارمَ، وغَشُوا الجرائِم، وجاروا في سيرتهم في العِباد، وسُنَّتهم في البلاد، التي بها استلذُّوا تَسَرْبُلَ الأوزار، وتَجَلْبُبُ الآصار، ومَرِحُوا في أَعِنَّةِ المعاصي، ورَكَضُوا في ميادين الغَيّ؛ جَهْلاً باستدراج الله، وأَمْناً لمكر الله؛ فأتاهم بأسُ اللهِ بَيَاتاً وهم نائمون([20])؛ فأصبحوا أحاديثَ، ومُزِّقُوا كلّ مُمَزَّقٍ([21])فَبُعْداً للقومِ الظالمين([22])(". ولا شكّ في أنّ الطّعن في بني أميّة، على هذا النّحو، تأييد لبني العبّاس ودعوتهم، وحجّة لهم في ثورتهم، وفيما فعلوه بهم من تنكيل وتقتيل.

3 ـ إنّهم ما زالوا مظلومين مقهورين، حتى أتاح الله لهم شيعتهم الخُرَاسانيين: "فأحيا بهم حَقَّنَا، وأَفْلَجَ بهم حُجَّتَنَا، وأظهر بهم دولتَنا، وأرادكم الله ما كنتم به تنتظرون، وإليه تَتَشَوَّفون، فأظهر فيكم الخلافة من هاشمٍ، وبَيَّضَ بهِ وجوهَكم".

4 ـ إنّهم سيظّلون ولاة هذا الأمر، إلى أن: "نسلمه إلى عيسى بن مريم u، والحمدُ لله ربّ العالمين على ما أبلانا وأولانا".

وإذا كانت هذه الادعاءات مفهومة ومسوّغة من النّاحية السّياسية، فإنَّ مسألة بقائهم في الحُكم إلى آخر الزمان، حتى يجيء المسيح المخلّص، تغدو ملفتة للنظر، وهي مبنية ـ كما أعتقد ـ على مجموعة من الأحاديث والآثار، التي رُويت عن الرسول e بطرق شتّى([23])، وجلّها يذهب هذا المذهب، نحو: "الخلافة في ولد عمي وصَنو أبي حتى يسلّموها إلى المسيح"([24]). وكثيرٌ من هذه المرويّات، وُضع لأسباب سياسيّة، ولعلماء الحديث فيها آراءٌ ومواقف؛ من حيث الصحّة والضعف والوضع والانتحال وما إليها. إلا أنّ المهم لدى السّاسة هو ترويجها والتوسّل بها؛ لتحقيق مآربهم في الحُكم، وأحياناً تكون لتأييد مذاهب فكرية أو مذهبية. المهمّ أن العباسيين كانوا يتصوّرون ـ وفق هذه الأحاديث والآثار ـ بقاءهم في الحُكم إلى آخر الزمان.

وعلى هذه الجادّة السّياسية، سارت خطب مطالع العصر العباسيّ الأوّل، في عهد السّفّاح؛ إذ تعاورت المعاني والأفكار السيّاسية ذاتها؛ من حيث بيان حقّهم في الخلافة، والتماس الشرعيّة الدّينية لهذا الحقّ، عن طريق قرابتهم من الرسول e، وكونهم أهل بيت النبوّة "أهل الرّأفة والرحمة"، وأحقّ النّاس بوراثة النبيّ e، وكونهم أهل بيت النبوّة "أهل الرّأفة والرحمة"، وأحقّ النّاس بوراثة النّبي e، وما إلى ذلك من دلائل وحجج، يسوقها خطباؤهم وكتّابهم في هذا السّبيل.

وكذلك بيّنت خُطب هذه الفترة مظالم الأمويين ـ من وجهة نظر الغالب ـ وأزرت عليهم. وعلى النقيض أشادت بأهل خُرَاسان، شيعتهم وأنصارهم، الذين ابتعثهم الله؛ ليكونوا سبباً في تحقيق إرادته سبحانه ـ كما يرون ـ في ردّ ميراث الرسول e، في الخلافة عنه، "وذلك كلّه ببيانٍ رائع، وخطب قيّمة، وقول بارع، وبلاغة واصلة إلى أعماق النفوس"([25]). إضافة إلى بيان سياستهم في الرعية، والموازنة بين حُكمهم، وحُكم بني أميّة، كقول السّفّاح: "واللهِ لا أَعِدكم شيئاً ولا أتوعدكم، إلا وفيت بالوعد والوعيد، ولأُعْمِلَنَّ اللّين حتى لا تنفع الشّدّة، ولأُغْمِدَنَّ السّيف إلا في إقامة حَدٍّ، أو بلوغ حقٍّ. ولأُعطينّكم حتى أرى العطيةَ ضَيَاعاً"([26])، وكقول عمّه داود بن علي واليه على مكّة المكرمة: "لكم ذمّةُ الله تبارك وتعالى، وذمّةُ رسول الله صلّى اله عليه وآلهن وذمّةُ العبّاس رحمه الله؛ أن نحكمَ فيكم بما أنزل الله، ونعملَ فيكم بكتاب الله، ونَسِيْرَ في العامّة منكم والخاصّة بسيرة رسول الله e([27]). وتعكس هذه الخطب حرص العبّاسيين على بيان شرعية خلافتهم ونظريّتهم في الحُكم، ريثما تثبت أركانهم في السّلطة. أمّا العمل بالكتاب والسّنّة بوصفهما دستوراً للحُكم، والسّير بسيرة رسول الله e كما كان الأمر في عهد الخلفاء الرّاشدين أو عمر بن عبد العزيز في العصر الأموي، فلم نجده واقعاً حيَّاً في الدّولة العبّاسية؛ إذ لم يكن الخليفة العباسي أقل من بني أميّة إقبالاً على مَتاع المُلك والسّلطة، والإسراف في الإنفاق والعطايا، وحصر ولاية العهد ببني العبّاس، خلافاً لمبدأ الشّورى، والاعتماد على سياسة القوة والبطش في سبيل توطيد الحكم.

وبعد أن اعتلى المنصور سُدَّة الخلافة (136 ـ 158 هـ)، طرأت أحداثٌ جديدة على الواقع السّياسيّ آنذاك؛ إذ اصطرعت تيارات سياسيّة، وثارت فتن وخصومات، واكبتها الخطابة ـ على نحو مميّز ـ وإن قصرت عن مرتبة الترسّل في حَلْبة هذا المضمار. ومن هذه الأحداث؛ الخلاف بين آل عليّ والمنصور على الخلافة، وثورة عمّه عبد الله بن عليّ للسبب ذاته، ومقتل أبي مسلم الخُرَاساني قائد ثورتهم، ومشكلة ولاية العهد. وجُلّ هذه الخطب تضمّنت منهج الخليفة في سياسة الحكم وتدبيره.

ولعلّ أبرز هذه الأحداث، ما كان من ثورة محمد بن عبد الله الملّقب بالنَّفْس الزّكية (سنة 145 هـ)([28])، وكان خطيباً فذّاً. وقد رأى آل عليّ أن العبّاسيين اغتصبوا الأمر منهم، ونالوه بشيعتهم وأعوانهم الخُرَاسانيين، وأنّهم أحقّ النّاس بوراثة الرسول e، فهم بنو ابنته، وأصحاب السّابقة في الإسلام. وكان المنصور سياسيَّاً بارعاً، وخطيباً ألمعيّاً، فقابلهم الحجّة بالحجّة والسّيف بالسيّف. ونمثّل ـ ههنا ـ بخطبة المنصور حينما بلغه خروج محمّد (النَّفْس الزّكية) عليه؛ إذ صَعِدَ المنبر، وأطال السّكوت، ثمّ "افترع الخُطبة، ثمّ قال:

مالي أُكَفْكِفُ عن سَعْدٍ ويشتْمنِي

 

ولو شَتَمْتُ بني سَعْدٍ لقد سَكَنُوا؟

جَهْلاً عليَّ وجُبْناً عن عَدُوِّهمْ

 

لبئستِ الخَلَّتَانِ: الجَهْلُ والجُبنُ([29])

ثمّ جلس، وقال:

فألقيتُ عَنْ رَأسي القِناعَ ولم أَكُنْ

 

لأَكْشِفَهُ إلا لإحدى العظائمِ

واللهِ لقد عَجَزُوا عن أمرٍ قُمنا به، فما شَكَروا الكافي، ولقد مهّدوا فاستوعروا، وغَمَطُوا الحقَّ وغَمَصُوا، فماذا حاولوا؟ أشربُ رَنْقَاً على غَصَصٍ، أم أُقيمُ على ضَيْمٍ ومَضَض؟ والله لا أُكْرِمُ أَحَداً بإهانةِ نفسي؛ والله لئن لم يقبلوا الحقّ ليطلبُنَّه ثمّ لا يجدونه عندي، والسَّعيد مَنْ وُعِظَ بغيره"([30]). والمنصور في هذه الخطبة يلخّص ما فصّله في غيرها من الخطب أو ما جاء في رسالته المعروفة إلى النّفس الزّكيّة؛ إذ يشير من خلال توظيف الأبيات الشعرية إلى حَلْمِه على بني عمّه، ومراعاته حقّ الرّحم التي تجمع بينهم، في الوقت الذي يخرجون عليه ويقدحون في خلافته ويزرون به؛ جهلاً منهم بحقّه عليهم، وجبناً عن عدوهم! فقد اغتصب بنو أميّة حقّهم في الخلافة، ولم يتمكّنوا من استرداده، إلى أن جاء العبّاسيون وانتقموا لهم منهم. إلا أنّ بني عليٍّ كفروا نعمتهم واستصغروا ما قاموا به، وأنكروا حقّهم في ولاية المسلمين. ولذا يلجأ المنصور إلى أسلوب التهديد والوعيد بعد أن كشف الحجّة وأقام البيّنة، و(السعيد من وُعِظَ بغيره)؛ إشارة منه إلى ما جرى لبني أميّة، وعمّه عبد الله بن علي منافسه على الخلافة، وأبي مسلم الخراساني، وغيرهم. وعلى هذه الشاكلة من الأسلوب القويّ الجَزْل المتين، الذي يترسّم أسلوب الحجّاج في خُطبه ويحاكيه، والذي يخاطب الفِكر والوجدان، فيلذّهما معاً، اصطبغت أغلب خطب مطالع هذا العصر.

وبعد المنصور مالت الخطابة عامّة إلى الجانب الوعظي ذي المضامين الدّينية، مع مواكبتها لأحداث العصر؛ ولكنْ على غير ما كان زمن السّفاح والمنصور، إذ قل الخارجون على الخلافة؛ لشدّة بطش العباسيين بهم، وضعفت ـ إلى حدٍّ ما ـ حركات الخوارج، فلم يكن إلا السّيف والنّار، أو الخنوع والإذعان؛ ولذا ضعفت الخطابة السّياسية؛ "لأنها إنّما تزدهر حين تُكْفَلُ للناس حريّاتهم السّياسية، على نحو ما كان الشأن في عصر بني أميّة، أمّا في هذا العصر فقد أخذ العبّاسيون الناس بالشدّة، فضعفت الأحزاب السّياسية وفنيت، أو ذابت حريتهم في سلطانهم الباطش بكلَِّ مَنْ حدّثته نفسّه بخروجٍ عليهم، بل بخلافٍ أو ما يشبه الخلاف"([31]). بيْدَ أنّ ذلك لا يعني عَدَمَ وجود ثورات على العبّاسيين، إذ ثار غير واحد من آل عليّ، منهم الحسين بن عليّ الذي خرج في زمن الهادي (169 ـ 170 هـ) في الحجاز، وقد أُثِرَ عنه خطبة، قال فيها: "أيّها النّاس! أنا ابن رسول الله، في حَرَمِ رسول الله، وفي مسجد رسول الله، وعلى منبر نبيّ الله، أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه e، فإن لم أفِ لكم بذلك، فلا بيعةَ لي في أعناقكم"([32]). إلا أنّ أمر هذه الثورة انتهى إلى الفشل الذّريع؛ إذ نُكب أصحابها في معركة (فخّ) قرب مكّة، وكانت فاجعة كبرى للشّيعة؛ حتى قيل: "لم تكن مصيبة بعد (كربلاء)، أشدّ وأفجع من (فخّ)"([33]).

وفي عصر الرشيد (170 ـ 193 هـ) هاجت العصبية في الشّام؛ فأرسل الرشيد جعفراً البرمكي إليها؛ لإصلاح أحوالها، ففعل، وهدأت حالها وخَطَبَ جعفرٌ أهلَها خطبة مشهورة، دعاهم فيها إلى الطّاعة، وحذَّرهم مَغَبَّةَ العصيان؛ عملاٌ بقوله تعالى: )واعْتَصِمُوا بحبل الله جميعاً ولا تَفَرَّقُوا( [آل عمران: 3/103]؛ "فَأَمَرَ بالجماعة في أوّل الآية، ثم لم ينقص حتى نهى فيها عن الفُرقةِ؛ توكيداً للحُجَّة، وقطعاً للمعذرة (....) ولم يفترق أقوياء قطُّ إلا ضعفوا حتى يَخضعوا؛ واجتماع الضعيفين قوّة، وافتراقُ القويِّيْن مَهانةٌ تُمَكِّن منهما. غافلُ الجماعةِ لا تضرّه غفلتُه؛ لكثرة مَنْ يحفظه، ومُتَيَقَّظُ الفُرْقَةِ لا يَنْفَعُهُ تَيَقّظُه؛ لَكَثْرَةِ مَنْ يطلبُه. وصاحبُ الجماعة يُدْرك أرْشَهُ في الخَدْشِ والشَّجَّة، وصاحبُ الفُرْقَةِ يَذْهَبُ حَقُّهُ في النّفس والحُرْمة"([34]). ثمّ خطب جعفرٌ أيضاً بين يدي الرشيد، لما رجع من الشّام، بعد أن أصلح أحوالها، وتغلّب على العصبية فيها([35]). وَخُطَبُهُ تميل ـ كما هو بيّن ـ إلى الجانب الحِكَمي الوعظي، ولكنّها في الوقت نفسه، تشي بحسن تدبيره السّياسيّ، ومنهجه في التعامل مع المُعضلات والفتن ونوائب السّياسة وأحابيلها.

ولعلّ الفتنة الكُبرى في هذا العصر، كانت بين الأمين والمأمون؛ إذ أفضت إلى دمار وهلاك، بعد أن استحرّ الصّراع بينهما عنيفاً، فوجدت الخطابة في هذه الفتنة مَرْتعاً خصيباً، ومرعى مُمْرِعاً، وهذا حالها أبداً؛ إذ تزدهر في "فترات التحوّل والانتقال الحضاريّة (الدّينية والسّياسيّة والعسكرية)، حيث الأحداث والقضايا الكبرى، التي تتعدّد حولها وجهات النظر، وتتصارع الآراء، وما قد يترتّب عليها من جلائل الأمور (في السّلم أو الحرب على السّواء، حتى قيل: إنّ الخُطبة من الخَطْبِ الجَلل)؛ شريطة أن يتوافر مناخٌ صالح من الحريّة بمعناها العام، لا يُخرِس الألسنة، إنما يُتيح لها حقّ القول، وحريّة الرأي والفكر، ويدفعها إلى التعبير عمّا تؤمن به من أفكار، أو تدعو إليها من آراء"([36]).

وقد أَسْفَرت هذه الفتنة عن عددٍ من الخُطَب، منها ما كان قبل استفحال الخلاف بين الأخوين، حينما أراد الأمين (193 ـ 198 هـ) استقدام المأمون إليه في بغداد، وكان في مَرْو بخُرَاسان آنذاك، فبعث إليه وَفْدَاً، خَطَبَ أعضاؤه بين يدي المأمون؛ محاولين ترغيبه وحَثّه على الذهاب إلى أخيه الأمين، بحجّة مؤازرتِه ومُكَاتَفَتِه في أمور الخلافة؛ إذ "إنّ الخلافةَ ثقيلةً، والأعوانَ قليلٌ، ومَنْ يَكيْدُ هذه الدولة، وينطوي على غِشّها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف والمعصية كثير"([37])، وفي قدومك عليه أُنْسٌ عظيم، وصلاحٌ لدولته وسلطانه. فأَجِبْ أيُّها الأمير دعوةَ أخيك وآثر طاعته، وأَعِنْه على ما استعانك عليه في أمره؛ فإنَّ في ذلك قضاءَ الحقّ وصِلَةَ الرّحم، وصلاحَ الدّولة، وعِزَّ الخلافة"([38]).

وحينما آثر المأمون المكوث في ولايته، ووصل الصّراع بين الأخوين إلى الذّروة والأَوْج، ألفينا خُطَباً في التحريض أو الخَلْع أو النُّصْرة. ولمّا أدرك الأمين سوءَ المآل، وفداحة العاقبة، واستيقن بوادر الهزيمة، وضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت؛ عَزَمَ على تسليم نفسه، وخَطَبَ في أنصاره، ذاكراً "نوائب الزّمان، وخِذْلان الأعوان، وتشتّت الرّجال، وذهاب الأموال، وحلُول النوائب، وتوفّد المصائب"([39]). وكان أن دخلت جيوش المأمون بغداد مُكلّلة بالظفر، فخطب قائدُه طاهر بن الحسين، فَعَزَا نصرتهم على الأمين إلى إرادة الله واختياره: "إنّ ظهورَ غلبتنا لم تكن من أيدينا ولا كَيْدنا، بل اختار الله للخلافة؛ إذ جعلها عماداً لدينه وقواماً لعباده، وضبْط الأطراف، وسَدّ الثّغور، وإعداد العُدّة،..". ودعا النّاس إلى الطّاعة، وسلوك سبيل الجماعة، "فتمسّكوا بوثائق عصمِ الطّاعة، واسْلُكوا مَنَاحي سبيلِ الجماعة، واحذَرُوا مصارعَ أهلِ الخلاف والمعصية، الذين قَدَحُوا زِنَادَ الفِتنة، وصَدَعُوا شَعْبَ الأُلْفَةِ، فأَعْقَبَهُم الله خَسَارة الدّنيا والآخرة"([40]).

ومنذ أن غَلَبَ المأمون الأمين، وبويع بالخلافة (198 ـ 218 هـ)، نجد أن الخطابة السّياسية قد ضؤل شأنها على ألسنة الخلفاء، وغير الخلفاء، وقارب نجمُها على الأفول؛ فثمّة خُطَبٌ للمأمون يغلب على جلّها الطابع الوعظي، إذ قيلت في مناسبات دينيّة كيوم الجمعة وعيدي الفطر والأضحى([41]). وله خطبةٌ يبيّن فيها سياسته تجاه الرعية، لمّا سلّم عليه الناس بالخلافة([42]). وكان المأمون خطيباً مِصْقَعاً معروفاً "بالبلاغة والجهارة، وبالحلاوة والفخامة، وجَوْدة اللّهجة والطّلاوة"([43]). وما رُوي له من خطب وغيرها يؤكّد ذلك. إلا أنّ للخطابة السّياسية بيئة خاصّة، لابدَّ منها لكي يُكفل لها النّماء والازدهار، إضافة إلى ما جَدّ في عصر المأمون وما قبل عصره من ظروف ومؤثرات اجتماعية وثقافية، فضلاً عن الظروف السّياسية، وكلّها أسهمت في ازدهار فنون أخرى، خلا الخطابة.

وقد كان لخروج بعض آل عليّ t عليه، أَثَرٌ بيّنٌ في بثّ الحياة في أَعْطَافها؛ إذ خرج محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا العلوي (سنة 199 هـ) في الكوفة، فخلّفت ثورته بضع خطب حماسيّة، تحرّض على الخروج على الخليفة، وتدعو إلى الصّبر والثبات، مبيّنة في الوقت ذاته مسوّغات هذا الخروج؛ من حيث عقيدتهم ومذهبهم في الدَّين والسّياسة وما إلى ذلك، نحو خُطْبة أبي السَّرايا السَّرِيّ ابن منصور داعية ابن طباطبا، فقد خرج فقصد قبرَ الحُسين t، وطاف به مع فرسانه، وخَطَبَ النّاس هناك خُطبَةً طويلة، ذكر فيها فضل آل البيت، وذكر الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، فقال: "أيّها النّاس! هَبْكُم لم تحضروا الحُسٍين فتنصروه، فما يُقعدكم عمّن أدركتموه ولحقتموه؟ وهو غداً خارجٌ طالب بثأره، وحقّه، وتراث آبائه، وإقامة دين الله. وما يمنعكم من نَصْره ومؤازرته؟ إنّي خارج من وجهي هذا إلى الكوفة؛ للقيام بأمر الله، والذبّ عن دينه، والنّصر لأهل بيته، فمَنْ كان له نيّة في ذلك فليلحق بي"؟([44]).

فإذا وصلنا إلى عصر المعتصم، ومن بعده الواثق، لم نعثر على خطب سياسيّة، يمكن الوقوف عليها، فما بين أيدينا من مصادر. ويمكن القول إنّ الخطابة السّياسية نشطت وازدهرت في مطالع العصر العباسيّ الأوّل، ولاسيّما على ألسنة العبّاسيين أنفسهم، كالسّفّاح والمنصور وأعمامهما داود وعبد الله وصالح وغيرهم؛ أي عند قادة الثورة وزعمائها، وذلك لوظيفة الخطابة في تبيان النظريّة السّياسيّة للسّلطة الحاكمة، وتوطيد أركان الحُكم، والرّدّ على المعارضة، وتوضيح كيفيّة إدارة الدّولة وشؤونها المختلفة. وبكلمة أخرى: أولى العبّاسيّون الأوائل اهتماماً بالغاً بالخطابة؛ لارتباطها الوثيق بالخطابين الدّيني والسّياسيّ، اللازمين لسياسة العباد والبلاد.

ثم غلبت الخطابة الدّينيّة، ذات الطابع الوعظي على الخطابة في أواخر هذا العصر، ولم تعد للخطابة السّياسية "قوّتها القديمة في العصر الأموي، وما كانت تمتاز به من روعة، تجذب النّاس إلى الاستماع لكلام الخطيب، والفتنة بأساليبه"([45])؛ فقد حلّت الكتابة محلّها، فكان للرسائل والعهود دورها البارز في الأحداث السّياسية، والتعبير عنها.

ثالثاً ـ من سمات الأسلوب:

لعلّ الاحتفاء بالتضمين والاقتباس أجلى السّمات الأسلوبية للخطابة السياسية؛ إذ احتفت الخطابة السياسية حفاوة بالغة بالاقتباس من القرآن الكريم وتضمين آياته البيّنات، بخلاف الخطابة السياسية لبني أميّة، إذ غلب عليها ـ كما يذكر أحمد الحوفي ـ الاستشهاد بالشعر([46]). وعِلَّة هذا الأمر ـ فيما أحسب ـ أن الخلفاء العبّاسيين كانوا يرون أنفسهم قادة للدين والدولة، بينما ظلّ بنو أميّة يشعرون في قرارة نفوسهم بأنهم نازعوا هذا الأمر أهله، دون وجهٍ شرعيٍّ أو حقٍّ مُبين.

وتتجلى وظائف الاقتباس المعرفية والفنية، في توافق المعاني المستلهمة مع ما يُريد الخطباء التعبير عنه تعبيراً صادقاً، وفي إثارة انتباه سامعيهم، أو للاستدلال والبرهنة على صحّة فكرةٍ ما، أو رأي معيّن، أو محاولة لإظهار المعرفة، وسعة الإطلاع والثقافة. وتصبح النصوص المضمّنة أو المقتبسة جزءاً أساسيَّاً في بنية الكتابة، ومكوناً رئيسياً من مكوّنات نسيجها اللغويّ، وليس أسلوباً تزينيّاً زخرفيَّاً فحسب. إنه عقدٌ لصلة وثيقة بين القديم والحديث ضمن النصّ الواحد، وإجلالٌ للذاكرة الثقافية وأحياء لها أيضاً، ومجلى من مجالي النزعة العقلية، وطرائق التفكير والتعبير، في ميدان الاحتجاج النقلي خاصّة، وتظل وظيفة التضمين أو الاقتباس وغايته رهينة بالسّياق الذي وَرَدَ فيه.

ولأهمية هذه الظاهرة أو السّمة الأسلوبية؛ أشاد البلاغيون بقيمتها، وعدّوها ركناً من أركان صناعة الكتابة، ولذا اشترطوا في باب ثقافة الكتّاب، أن يكون الكاتب حافظاً لكتاب الله، عالماً بسُنَّة رسوله e، آخذاً من كلّ علمٍ بطَرف. يقول ابن الأثير مبيناً الغاية من الاقتباس من القرآن الكريم: "إذا ضُمِّنت الآياتُ في أماكنها اللائقة بها، ومواضعها المناسبة لها؛ فلا شُبْهة فيما يصير للكلام من الفخامة والجزالة والرَّونق"، وكذلك "فإنّ الآية الواحدة تقوم في بلوغ الغرض، وتوفية المقاصد، ما لا تقوم به الكتب المطوّلة، والأدلّة القاطعة"([47]).

وتحفِل خطب عصرنا السّياسية بآيِ الكتاب المبين، معنىً ولفظاً، وقلّما نجد خطبة تخلو منه. وقد كانوا يُسَمُّون الخطبة التي لا توشّح بالقرآن (شَوْهاء)([48])، قال الجاحظ: "وكانوا يستحسنون أن يكون في الخُطَبِ يومَ الحَفْلِ، وفي الكلام يوم الجَمْعِ آيٌ من القرآن؛ فإنّ ذلك ممّا يُورث الكلام البهاءَ والوَقَار والرّقّة وسَلَس الموقِع"([49]).

ويمكن أن نمثّل على استلهام القرآن الكريم، في الخطب السياسية، بخطبة للمنصور، نتبيّن من خلالها، كيفية الإفادة من القرآن الكريم، بعد أن خالط البيان الإلهي شَغاف القلوب، ومسرى الدّم من العروق، وهي تجري على هذا النحو: ")ولَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُور من بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأَرْضَ يَرثُهَا عِبَادِيَ الصَّالحونَ(([50]). أَمْرٌ مُبْرَمٌ، وقَوْلٌ عَدْلٌ، وقَضَاءٌ فَصْل، والحمدُ لله الذي أَفْلَجَ حُجَّتَه([51])، و)بُعْداً للقوْمِ الظَالمين(([52])، الذين اتّخذوا الكعبة غَرَضَا([53]) والفيء إرثاً، و)جَعَلوا القرآنَ عِضِيْن(([54])، لقد )حَاقَ بهم ما كانوا به يَسْتَهْزِئُون(([55])، فكم ترى من )بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وقَصْرٍ مَشِيْد(([56]). أمهلهم الله حتى بدّلوا السُّنَّةَ، واضطهدوا العِتْرَةَ، وعَنَدُوا، واعتَدَوْا، واستكبروا، )وخَابَ كلُّ جَبَّارٍ عَنِيد(([57])، ثُمَّ أخذهم الله فـ )هَل تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ، أو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً(([58])"([59])، ومن البيّن أنّ هذه الخطبة قرآنٌ كريم في معظمها؛ فما وضعُته بين قوسين مزهَرين آيات من كتاب الله ـ سبحانه ـ أو بعضٍ من آياته البيّنات. وإذا وضعنا في الحُسْبان، أنّ الخطبةَ نَصٌّ شفاهيّ إبداعيّ، يتحقّق من خلال الأداء الشفاهيّ الحيّ، أدركنا بلاغة النصّ الخطابي وجماليته، على نحو أجلى وأوضح؛ إذ تقترن الألفاظ بسماتها الصوتية المميّزة، من نَبْرٍ ووَقْفٍ وتنغيمٍ إيقاعيّ، يتراوح في مستواه، بين الهدوء، والقوة والضّعف والشدّة، بالاتساق مع حركات الجسد وإيماءات الوجه، ولغة الإشارة، وما إلى ذلك من سمات فارقة، يمكن أن تعين المرء على فهم الخطاب النثريّ عامّة وتذوّقه. فللموقف المصاحب للنص الشّفاهي، الذي هو صِنْو السّياق في النصّ الكتابي، دورٌ كبير في تدبر النصّ التدبّر الأكمل، ومن ثمَّ تذوّقه التذوّق الأمثل.

وقد راوح المنصور في خطبته هذه، بين كلامه وما جاء في كتاب الله العزيز، دون نبوٍّ ولا شذوذ؛ بل إنّ كلامه نفسه استيحاء لمفردات القرآن الكريم وعباراته، كما أنَّ الآيات المقتبسة أضحت جزءاً عضوياً في بنية الخطبة ونسيجها اللغويّ، وليست مجرّد أداة زخرفية خارجية. فضلاً عن أنّ الاقتباس، على هذا النحو، ناسبَ تدفّق النصّ الخطابي عند الخطيب، وعبّر أيّما تعبير عن مكنونات نفسه، وما يجول في صدره.

ويتساءل المرء عن عِلّة لجوء المنصور خاصّة، وخطباء بني العبّاس عامّة إلى الأسلوب القرآني، بصورة واضحة، بالغة التأثير؟ المظنون أن ذلك يعود إلى الإعجاز الأسلوبي للقرآن الكريم، وقدرته على التأثير في القلب والعقل والوجدان، إضافة إلى رغبة المنصور المقنّعة والسّافرة، في الوقت ذاته، التي تتلخّص في محاولة تأكيد سلطته الدينية والدنيوية معاً، من خلال إضفاء صبغة دينية واضحة على كلامه؛ إذ هو من معدن بيت النبوّة، وأهل الرسالة؛ فهم قادة الأمّة في دنياهم، وهداتهم إلى معرفة ربّهم. وعلى النقيض يعمد بوساطة آيات القرآن الكريم، إلى التهويل من مظالم الأمويين، وتصويرهم بصورة الأمم التي طغت وعتت عن أمر ربّها، فأخذها الله أَخْذَ عزيزٍ مُقْتَدر، فـ )هل تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ، أو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً(؟ أضف إلى ذلك أن تصدير الخطبة بآية قرآنية، ليس من قبيل براعة الاستهلال، أو حسن الافتتاح فحسب؛ بل إنّ الآية، فضلاً عن مناسبتها لموضوع الخطبة، لَتُوحي إيحاءً مكثّفاً بمحاولة إضفاء غِلالة الشرعية الدينية على خلافتهم، )... أنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحونَ(. فالاقتباس ـ ههنا ـ نقلٌ للمعاني الدينية من سياقها الذي وردت فيه، إلى سياقٍ يُريده الخطيب، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما يقول علماء أصول الفقه.

وقد ضُمِّنَت الخطب آيات قرآنية، لتصوير الأحداث أو الشخصيات، أو تمثيل حال من الأحوال، كقول السّفَّاح في خطبته في أهل الشام: ")ألمْ تَرَ إلى الذين بَدَّلُوا نَعْمَةَ اللهِ كُفْرَاً، وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ% جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرَار(([60]) نَكَصَ بكم يا أهل الشَّامِ آلُ حَرْبٍ وآلُ مروان يَتَسَكَّعون بكم الظُلَم، ويتهوّرون بكم مَدَاحِضَ الزَّلَقِ، يطؤون بكم حُرَمَ الله، وحُرَمَ رسوله. ماذا يقول زعماؤكم غداً؟ يقولون: )(رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذَابَاً ضِعْفَاً مِن النَّار(؛ إذن، يقول الله عزَّ وجلّ: )لكُلٍّ ضِعْفٌ ولكنْ لا تَعْلَمون(([61])" ([62]). ولعلّ براعة الاستهلال في اقتباس الآية الأولى، لا يخفى على ذي نظر. أمّا تضمين الآية في العبارة الأخيرة، فبراعة في التضمين والتأويل معاً؛ إذ أنّ نصّ ما استمدّه من الآية في كتاب الله العزيز، لا يجري على هذا النحو، فقد حوّره، ليعبّر به عمّا يعتمل في صدره، ويجوس في خاطره، بصورة تجعله ركناً ركيناً في بناء خطبته، بحيث يناسب تدّفق كلامه، وإن اختلف إطار استعماله للآية عن الإطار الذي ودرت فيه أصلاً.

ومن سمات الأسلوب أيضاً، الاحتفاء بالتصوير البياني، ولا غرو في ذلك، فالتصوير من أنجع السّبل لإثارة العاطفة، واستمالة المتلقّي، والتعبير عن المعنى الذّهنيّ المجردّ تعبيراً خاصاً ومؤثراً؛ يثير انتباه المخاطّب ويقظته، فيتفاعل مع النصّ تفاعلاً كلياً لإدراك المعنى المقصود، من خلال محاولة تأمّل علاقات المشابهة أو التناسب التي بنيت عليها الصورة الفنيّة؛ ومِنْ ثَمَّ تُثار انفعالات المخاطَب، ويستشعر المتعة الذهنية، التي يبتغي تحقيقها المُبْدع؛ فضلاً عن إيصال المعنى المراد، والتفاعل معه.

ومن الصور الفنيّة المميّزة، في خُطَبِ عصرنا، ما قاله داود بن علي العبّاسيّ، عم الخليفة السّفّاح، في أول خطبةٍ له، حينما بُويع السّفّاح بالخلافة في الكوفة ـ وقد سبق أنْ وقفنا عليها ـ حيث قال داود: "الحمدُ لله، شُكراً شُكراً، الذي أَهْلَكَ عدوّنا، وأَصَار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمد e. أيُّها النّاس: الآنَ أَقْشَعْتَ حَنَادِسَ الدّنيا([63]) وانكشف غِطَاؤها، وأشرقت أرضُها وسماؤها، وَطَلَعَت الشّمسُ من مَطْلَعِها، وبَزَغَ القمرُ مَن مَبْزغِه، وأَخَذّ القَوْسَ بَاريَها([64])، وعاد السَّهْمُ إلى مَنْزَعِهِ([65])، ورَجَعَ الحقُّ إلى نِصَابِهِ([66])،في أهّلِ بيتِ نبيِّكم، أَهْلِ الرّأفةِ والرّحمة بكم، والعطف عليكم"([67]). ومن البيّن أنّ هذه الصور الفنيّة، تمتلك دلالة إيحائية وجمالية مميّزة؛ إذ عبّرت تعبيراً حسيَّاً دقيقاً عن المعنى المقصود، وأشركت المتلقّي في التجربة الشعورية، من خلال إثارة وجدانه، وتحريك عاطفته، ومِن ثمّ إقناعه واستمالته، فالصورة ـ ههنا ـ طريقة في الإقناع، وليست زخرفة وزينة فحسب. وهذا غاية ما يصبو إليه الخطيب، في معرض إثباتِ شرعيّة خلافتهم، وأحقّيتهم بها، دون سائر الناس، وعلى النقيض يرسم صورةً مظلمة مدلهمّة لحال الدّنيا، أيام خلافة الأمويين؛ قصداً إلى تشويه صورتهم، وإثبات ابتزازهم الحقّ دون أهله. ولا يمكن ههنا ـ بأيّة حالٍ من الأحوال ـ تحقيق الانفعال والتواصل مع النصّ بالتعبير المباشر، والتأثير في الآخر (المتلقي). ومن هنا تتبدّى أدبيّة النصّ النثري وجماليته.

رابعاً ـ معالم البناء الفنيّ:

عُني النقّاد والبلاغيون العرب بالخطابة والخطباء عناية واسعة، كما حفلت المصادر التاريخية والأدبية بنصوصٍ عديدة من الخطب، وكان بعضها يُحفظ وتتوارثه الأجيال؛ لروعة بيانها وحسن بلاغتها وفصاحتها، وكان لها أسماء خاصّة اشتهرت بها، يقول الجاحظ: "ومن خطب العرب (العجوز)، وهي خطبة لآل رَقبة، ومتى تكلّموا فلابدّ لهم منها، أو من بعضها. و(العذراء)؛ وهي خُطبة قيس بن خارجة؛ لأنّه كان أبا عُذْرها. و(الشّوهاء)؛ وهي خطبة سَحْبان وائل، وقيل لها ذلك من حُسْنها، وذلك أنّه خَطَب بها عند معاوية، فلم يُنْشِد شاعرٌ، ولم يَخْطُبْ خطيب"([68]).

ولعلّ كتاب (البيان والتبيين)، لأديب العربية الجاحظ، أجلّ كتاب احتفى بفنّ الخطابة وتقاليده([69])؛ إذ عرض لهيئة الخطيب وسَمْته، وجلال الحضور، وجمال الهيبة، وسرعة البديهة، وموهبة الارتجال، وصِدْق العاطفة، وضرورة البعد عن التكلّف والتشادق والمعاظلة، كما عرض لزيّ الخطيب وحركاته وإشاراته والأدوات المساعدة على البيان والتعبير؛ كالمخاصر والعِصيّ والسيوف، وجهارة الصوت، وخلّوه من عيوب الحَصَرِ والعِيِّ، وسلامة مخارج الحروف، كالنّبر والتصويت والتنغيم، وطرق الأداء الخطابي أو الإلقاء، ومراعاة مقتضى الحال، وثقافة الخطيب، وبعض الصفات الفارقة بين الخطباء، في محاولةٍ لتصنيفهم في طبقات، فثمة خطيبٌ مِصْقَع، ولَسِن، ولوذعي، ومفوّه، و... وتابع كثير من النقاد والبلاغيين الجاحظ في عنايته بفنّ الخطابة، فكان لهم إسهامات متميّزة في هذا الميدان، ضمن مؤلفاتهم في نقد النثر([70])، أو ما تناثر في بطون المصادر التاريخية والأدبية.

وقد قسّم القدماء، وتبعهم المحدثون، بنية الخطبة هيكليَّاً أو (مورفولوجياً)، على ثلاثة أجزاء، وهي: المقدمة، والعرض، والخاتمة([71]). وكان أرسطوطاليس قسمها على أربعة أجزاء، وهي: المقدّمة، والعرض، والتدليل، والخاتمة([72])، وزاد بعضهم على هذه الأقسام: التفنيد. والحقّ أنّ البنية الثلاثية للخطبة أكثر ملاءمةً ومنطقيةً؛ لأنّ التدليل والتفنيد، يشكّلان ـ في أغلب الأحيان ـ بنية العرض نفسه، أو لنقل: هما من أساسيّات العرض وشروطه اللازمة؛ ليحقّق عنصر الإقناع العقلي على نحو الخصوص، بله الإمتاع الوجداني.

1 ـ المقدّمة (الاستهلال، الافتتاح، التصدير):

وهي كالمطلع من القصيدة، وبها تكمن براعة الاستهلال، وتأتي أهميّتها من كونها تُنَبِّه السامعين، وتهيّئ أذهانهم لما بعدها، فهي أوّل ما يطرق الأسماع، وينقل المتلقي من حالة اللا مبالاة ـ إن جاز التعبير ـ إلى حالة التدبّر وإرهاف السّمع؛ لذا نبّه النقّاد على حسن اختيارها؛ لأنّه أوّل ما يطرق السّمع من الكلام، ويجب أن يُراعى فيه سهولة اللفظ، وصحّة السّبك، ووضوح المعنى، وتجنّب الحشو. وينبغي أن يكون الافتتاح مرتبطاً مع الخطبة ببراعة الاستهلال؛ فإنّ براعة الاستهلال من أخصّ أسباب النجاح في الخطبة([73]).

وكان القدماء اشترطوا أن تُسْتَهلَّ الخطبة بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، وتُزَيَّن بالصلاة على الرسول الكريم e، مع ضرورة توشيحها بآيات قرآنية، يقول الجاحظ: "وعلى أنّ خطباء السَّلَف الطيّب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، مازالوا يُسَمّون الخطبة التي لم تُبْتدأ، بالتحميد، وتُستفتح بالتمجيد (البتراء). ويُسَمُّون التي لم توشّح بالقرآن، وتُزَيَّن بالصلاة على النبي e (الشوهاء)"([74]). كما يُستحب أن تكون وثيقة الصلة بالعرض أو الموضوع، وفي ذلك يقول ابن المقفّع (ت 142 هـ) في سياق جوابه عمّن سأله عن البلاغة: "وليكن في صدْر كلامك دليلٌ على حاجتك، كما أنّ خير أبيات الشعر البيتُ الذي إذا سمعتَ صدره عرفت قافيته". وعلّق الجاحظ على قوله: "وكأنّه يقول: فَرِّق بين صَدْر خُطبة النكاح، وبين صَدْر خطبة العيد، وخطبة الصُّلْح، وخطبة التواهُب، حتى يكون لكلِّ فنٍّ من ذلك صدرٌ يدلُّ على عجزه؛ فإنّه لا خير في كلامْ لا يدلّ على معناك، ولا يشير إلى مَغْزَاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نَزَعت"([75]).

ويستحبّ أيضاً أن تناسب المقدّمة الخطبة طولاً وقِصراً؛ لأنّها إن طالت صرفت انتباه السامعين، واستنفدت جهد الخطيب، وإن قصرت لم تستكمل شروط جودتها وحسنها، التي ذكرها النقاد والبلاغيون. بيد أن الخروج على هذه السّنن والآداب الخطابية، لا يعني خللاً في بنية الخطبة، أو علّة قدح بحسنها وبلاغتها؛ إذ عادةً ما يكون الخروج على هذا النهج مُسَوَّغاً لسببٍ ما يُنبئ عنه الموقف النفسي للخطيب، وموضوع الخطبة، وطبيعة المتلقّين. وأحياناً يكون مستحبَّاً؛ إذا توافق ومقتضى الحال، كما في الاستهلال ببيتٍ من الشعر، أو قول مأثور، أو حكمة سائرة، أو آية قرآنية، تتفق وموضوع الخطبة.

والتقديم على هذا النحو، عادةً ما يكون في خطب الوعيد والتهديد، وهو منهج دَرَجَ عليه كثير من الخطباء، وكان لخطبهم تلك النصيب الأوفى من الذيوع والانتشار، كما في خطبة الحجّاج بن يوسف الثقفي بالكوفة، في العصر الأموي؛ إذ استهلّلها بأبياتٍ من الشعر الغريب، ليقدّم نفسه بصورة تثير الهلع والذّعر في نفوس أهل العراق([76]).

وعلى هذه الجادّة جرت الخطب السياسية في هذا العصر، إذ نجد بعضاً منها يبدأ بحمد الله والثناء عليه وتمجيده، والصّلاة على النبيّ محمد وآله، بما يوحي بمضمون الخطبة أو موضوعها، كما في خطبة السفّاح في الكوفة؛ حيث استهلّها بقوله: "الحمدُ لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرّمه وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا، وأيّده بنا، وجعلنا أهله وكَهْفه وحِصْنه، والقُوَّام به، والذّابّين عنه، والناصرين له، وأَلَْزمَنَا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأصلها، وخصّنا بِرَحِم رسولِ الله e وقرابته، وأنشأنا من آبائه،.."([77]).

وتارةً تبدأ الخطبة بالوعيد والتهديد لإرهاب السامعين، والإيحاء بغضب الخطيب عليهم، فيبدو الأسلوب متوهجاً عنيفاً، ويطغى على سائر الخطبة غالباً، إلاَّ في أحيان قليلة، يميل الخطيب فيها إلى الموادعة ـ إن صحّ التعبير ـ في ختام الخطبة، فيلين أسلوبه ويسهل. وهذه الخطب تذكّرنا ببعض الخطب العنيفة في العصر الأموي؛ كما في خطبة صالح بن علي العبّاسيّ، عمّ السّفّاح؛ إذ يقول: "يا أعضاد النّفاق، وعَمَد الضّلالة، أغرّكم لينُ إبساسي، وطولُ إيناسي؟ حتى ظنّ جاهلكم أنّ ذلك لفُلُولِ حَدّ، وفتور جدٍّ، وخَوَرِ قناة، كذبتِ الظّنون"([78]). وكخطبة أبي السّرايا، داعية ابن طباطبا العلوي، الذي خرج على الخلافة، ثمّ تخلّى عنه أهل الكوفة ـ كعادتهم ـ فخطب فيهم، بلهجة حادّة، وأسلوب ملتهب، يذكّرنا بخطب الإمام عليّ t فيهم، قائلاً: "يا أهل الكوفة، يا قَتَلَة عليٍّ، ويا خَذَلَةَ الحُسين؛ إنّ المغترَّ بكم لمغرور، وإنّ المعتمدَ على نَصْركم لمخذول، وإنّ الذّليل لمن أعززتموه"([79]).

وتارةً أخرى تبدأ الخطبة ببيتٍ شعريّ، أو آية قرآنية، كقول السّفّاح، في أهل الشام، لمّا قُتِل مروان ابن محمد آخر خلفاء بني أميّة: )ألم تَرَ إلى الذين بَدَلوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ البَوَار% جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرَار(. نَكَصَ بكم يا أهل الشام آلُ حربٍ وآلُ مروان، يتسكّعون بكم الظُلَمَ ، ويتهوَّرون بكم مَدَاحِضَ الزَّلَق،..."([80]).

وممّا تجدر الإشارة إليه، أنّ بعض الخطب ورد دون مقدّمات، والمظنون أنّها لم تدوّن، أو ربما أغفل النسّاخ ذكرها، أو لم  تُحفظ حين إلقائها، أو حُفظت ولم تُذكر؛ لكونها تقليدية ممّا أَلِفَتْهُ الأسماع، وخاصًّةً التي تُسْتَهَلّ منها بالحمدلة والصّلاة على الرسول الكريم e؛ إذ كثيراً ما تتكرر بصيغٍ متقاربة في المعاني والألفاظ. وآية ذلك كلّه أنّ المصادر التاريخية والأدبية، التي روت الخطب، تذكر في أحيانٍ كثيرة، أنّ الخطيب قال بعد أن حَمِدَ الله، وأثنى عليه، وصلّى على نبيه الكريم وآله: (كذا). روى الطبري أنّ المنصور "صَعِدَ المنبر، فقال ـ بعد أن حَمدَ الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي e ـ يا أهل خراسان؛ أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دولتنا،... "([81]).

وحتى الخطب التي قلنا إنّها ابتدأت بالوعيد والتهديد، وعبارات التقريع والتأنيب، أو حتى التي بدأت ببيتٍ من الشعر أو أبيات، أو آية قرآنية، فإنّ الرّاجح ـ كما أظن أنّ جُلّها كان مُسْتَهَلاً بالحمدلة والتمجيد؛ بدليل وجود عبارة التخلّص (أمّا بعد) في بعضها، أو ما يماثلها، مثل: أيها الناس، أو يا أهل...؛ لأنّ مخالفة السنّة في إسقاط الحمدلة والتمجيد والصّلاة على النبي e، ليست بالأمر الهيّن، أو السهل المُرتقى ـ فيما أحسب ـ عند الخطباء خاصةً، ولاسيّما إذا كانت الخطبة سياسية، إذ تحفل هذه الخطب ـ غالباً ـ بالمعاني الدينية، أو بعبارة أخرى: كان الجدل السياسي دائماً مصبوغاً بصبغة دينية، وهذه سِمَة عامة للخطاب السياسي العربي في العصور الإسلامية الأولى، روى الجاحظ أنّ إعرابيّاً خطب، وأَعْجَلَه القول؛ فَكَرِه أن تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد، فقال" الحمدُ لله غيرَ مَلاَلٍ لذكرِ الله، ولا إيثار غيره عليه"، ثم ابتدأ القول في حاجته([82]). فعجلته لم تمنعه من التحميد والتمجيد؛ لِما وَقَرَ في نفسه من ضرورتهما واستحبابهما، وربّما وجوبهما أيضاً.

2 ـ العرض (أو الموضوع):

ويُعَدُّ أساس الخطبة وبه قِوامها، فلا يُستغنى عنه مطلقاً، كما هو الشأن في المقدّمة والخاتمة. وينبغي أن يتّسم العرض بالوحدة والترتيب والترابط؛ أي أن يكون موضوع الخطبة واحداً، تتسلسل فيه الأفكار تسلسلاً منطقيّاً وسببيّاً، بحيث يبدو بعضها آخذاً برقاب بعض، يسلم كلّ جزءٍ إلى ما بعده، إضافةً إلى الموضوع في اللفظ والمعنى، بعيداً عن اللبس والغموض، وتعدّد الاحتمالات والغرابة([83]).

وقد اتّسمت الخطابة السياسية في العصر العباسيّ الأوّل بهذه السّمات إلى حدّ بعيد، ولا نجد ـ فيما وصل إلينا من الخطب ـ شذوذاً واضحاً، أو خللاً بيّناً في الإحكام والتنسيق، أو تداخلاً في الموضوعات؛ إنّما ثمّة أفكار تتآزر لخدمة الموضوع الأساسي في الخطبة، وتكون ـ في الوقت ذاته ـ بمنزلة أدّلة منطقية، لتأكيد بغية الخطيب وغايته، كما في بعض خطب العباسيين الأوائل، حينما يؤكّدون شرعيّتهم الدينية في الخلافة، عن طريق الإزراء بالأمويين، وبيان صلة الرّحم، التي تربطهم برسول الله e، والتأكيد عليها، والثناء على أعوانهم أو شيعتهم الخراسانيين، وما إلى ذلك، من أفكار ومعانٍ تشكّل ـ في ذاتها من وجهة نظرهم ـ أدلّة على شرعية خلافتهم. وقد غلبت المعاني الدينية على الخطابة السياسية، وخاصةً لدى الخلفاء الخطباء؛ لأنهم وثبوا على الخلافة باسم الدّين، ليضفوا على أنفسهم السّمة الروحية للسلطة، أو ليُلبسوا سلطانهم غِلالة الإسلام.

ولابُدّ للخطيب ـ في أغلب الأحيان ـ من التدليل على صحّة آرائه، أو مناقشة أراء خصمه وأدلّته، لإبطالها ودحضها، وعندئذٍ يغدو لِزاماً عليه استخدام الأدلة العقلية؛ وهي تعتمد على مقدّمات يقينيّة، كالقياس مثلاً، تُسْفِر عن نتائج حتمية. ومن وسائل البرهنة العقلية، أو الأدلة المنطقية، المغالطة، والإنكار، والموافقة، والاستدراك، وردّ الحجّة على الخصم، وما إلى ذلك([84]).

والخطب التي عوّلت على الحجّة المنطقية، والدليل العقلي، كثيرةٌ في هذا العصر، من ذلك قول المنصور في خطبته، لمّا قتل أبا مسلم الخراساني (137 هـ) قائد ثورتهم، ومقوّض عرش أعدائهم ـ معتمداً في حجته القياس العقلي، حيث قال: "... وإنّ أبا مسلم بايَعَنَا، وبايَعَ النّاس لنا؛ على أنّه من نكثَ بنا، فقد أباح دَمَه، ثم نكَثَ بنا؛ فَحَكَمْنا عليه لأنفسنا حُكْمَهُ على غيره لنا، ولم تمنعنا رعايةُ الحقِّ له، من إقامة الحقّ عليه"([85]).

واعتماد الأدلّة المنطقية وحدها، لا يُجدي نفعاً في إقناع كلّ صنوف المخاطبين؛ لتباين المستوى الفكري والثقافي الاجتماعي فيما بينهم، فثمّة مَن لا يخضِع للعقل، ولا يدين للمنطق. وقد نبّه أرسطو على ذلك، ورأى أن الخطباء غير المثقفين أقدر على إقناع جمهور العامة من الخطباء المثقّفين؛ لأنهم يصوغون الأفكار العامّة المشتركة من معارفهم، فتكون قريبة من إدراك الجمهور([86]). فلا مندوحة ـ إذن ـ من اللجوء إلى الأدلّة الخطابية أو الانفعالية ـ كما تُسمّى ـ التي تخاطب الشعور، وتستثير الأحاسيس، وتلهب العواطف. وعادةً ما يلجأ إليها الخطباء، ويعوّلون عليها، وخاصةً في الخطب الحربية. وما إلحاحُ العباسيين على بيان صلة الرّحم مع الرسول الكريم e، لتأكيد صحّة خلافتهم وشرعيّتها؛ إلاَّ إثارة للانفعال الوجداني، والتعاطف النّفسي معهم؛ لأنّ الخلافة لا تورّث، بل يليها الأجدر بها، وفق مبدأ الشورى.

إضافةً إلى الأدلّة العقلية والانفعالية، لابدّ من توشيح الخطب بالأدلّة النقلية، التي تعتمد على الاستشهاد والتضمني والاقتباس. وأجلُّ ما يُتمثّل به آي الذّكر الحكيم، ثمّ الحديث الشريف، وأشعار العرب، وأمثالهم السائرة، وحكمهم الدائرة. والحقّ أن الخطابة السياسية عوّلت على التضمين والاقتباس، وازدانت نصوصها بالكثير من الآيات القرآنية، التي كان لها وظائف فكرية وجمالية معاً، في النصّ الخطابي.

ولعلّ من الخير أن نشير ـ هنا ـ إلى أنّ أغلب الخطب السياسية متوسطة الحجم، وقليلٌ منها أَمْيَلُ إلى الطّول، وكثيراً ما تتكرر المعاني الواحدة "بعبارات مختلفة الألفاظ والأساليب، مرّة بالاستفهام، وأخرى بالتقرير، وأخرى بالنفي، ويحاولون بذلك أن يثبتوا المعاني في نفوس سامعيهم؛ ليكون الغرسُ بعيدَ الغور، فيثمر أطيب الثمرات، وأدناها جنىً"([87]).

3 ـ الخاتمة:

افتنّ الخطباء في العصور كلّها في تنويع الخاتمة، وعُني النقّاد بها؛ لأنّها آخر ما يبقى معتملاً في نفوس السامعين وأذهانهم، مثلما تُنبّه المقدّمة الجمهور، وتجتذب حواسهم، وعادةً ما تكون الخاتمة تلخيصاً وتأكيداً للأفكار، التي سلف ذكرها في موضوع الخطبة، وهذه إحدى طرائق اختتام الخطب، وقد تُختتم بآية قرآنية، أو بحديثٍ نبويّ، أو ببيتٍ شعري أو أبيات، أو قول مأثور؛ يتناسب مع موضوع الخطبة، كما في خطبة السّفّاح، بعد أن قُتل مروان بن محمد؛ إذ ختمها بقوله عزّ مِن قائل: )فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوية بما ظلموا( [النمل: 27/52]([88]). وخطبة المنصور بعد أن اعتقل بعض آل عليٍّ t. إذ اتّهمهم بطلب الخلافة، ونقض البيعة([89])، حيث ختمها بقوله تعالى: )وحيْلَ بَيْنهم وبينَ ما يَشْتَهُون كما فُعَلِ بأَشْيَاِعهم من قَبْلُ إنّهم كانوا في شَكٍّ مُرِيب( [سبأ: 34/54].

واختتم صالح بن عليّ إحدى خطبه بأبيات شعرية([90])، وكذلك فعل أبو السّرايا في خطبته العنيفة بالكوفة، إذ ختمها بالأبيات الشعرية الآتية، مخاطباً أهلها([91]):

ومارستُ أقطارَ البلادِ فلم أَجِدْ

 

لكم شَبَهاً فيما وَطِئتُ من الأرضِ

خلافاً وجَهْلاً وانتشارَ عزيمة

 

ووَهْناً وعَجْزاً في الشّدائدِ والخَفْضِ

لقد سبقت فيكم إلى الحَشْرِ دعوةٌ

 

فلا عنكُمُ راضٍ ولا فيكُمُ مُرْضي

سأبعد داري من قِلْى عن دياركم

 

فذوقوا إذا وَلَّيْتُ عاقبة البغضِ

وقد تُختتم بعض الخطب بالدّعاء، أو الحمدلة، أو الاستغفار، ونحو ذلك، كقول إبراهيم بن عبد الله من آل عليّ t، وكان ثار مع أخيه محمد الملَقّب بـ (النّفْس الزّكية) على المنصور: "اللهم إنّكَ ذاكرٌ اليوم آباءً بأبنائهم، وأبناء بآبائهم، فاذكرنا عندك بمحمّدٍ e. اللهم واحفظ الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء، واحفظ ذريّة محمد e"([92]). ومن المعلوم أن ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم قد فشلت، وتمكّن المنصور منهما سنة (145 هـ).

وقد تكون خاتمة الخطبة نصحاً للسامعين، أو ترغيباً لهم بوعدٍ، أو ترهيباً بوعيد. ومِثال الترغيب خِتام خطبة السّفّاح في أهل الكوفة. وخطبة عمّه داود بن عليّ في مكّة المكّرمة، حين قَدِمها والياً عليها؛ إذ قال: "لكم ذِمَّةُ الله، ولكم ذِمّةُ رسول الله e، ولكم ذِمّةُ العبّاس، لا ورَبَّ هذه البَيِنَّةِ ـ وأَوْمَأَ بيده إلى الكعبة ـ لا نهيج منكم أَحَداً"([93]). ومثال الترهيب قول عبد الملك بن صالح بن عليّ العبّاسي، في أهل الشام: "أَمَا وحُرمَةِ النبوَّةِ والخلافة؛ لتَنْفِرُنَّ خِفافاً وثقِالاً، أو لأُوْسِعَنَّكم إرغاماً ونَكالاً"([94]).

ومهما يكن الأمر، فإن أساليب الخطباء في بناء خطبهم، من حيث الاستهلال والعرض والخاتمة، تتنوّع تبعاً لنفسية الخطيب وطريقته المؤثرة، وموضوعه وأسلوبه، وطبيعة الجمهور، والغرض المقصود؛ إذ إنّ لكلِّ مقامٍ مقالاً، وهو ما عبّر عنه القدماء بـ (مقتضى الحال). لذا لا غروَ إن ألفينا عدّة أساليب للبِنْية الهيكلية للخطب، مادامت تتناسب ومقتضى الحال، وهي في عمومها لا تخرج عن سَنَنِ الخطابة العربية وطرائقها، وخاصةً الخطابة السياسية في العصر الأموي.

المصادرة والمراجع

ـ إحكام صنعة الكلام، لابن عبد الغفور الكلاعي، تح: محمد رضوان الداية، دار الثقافة، بيروت، 1966م.

ـ أدب السّياسة في العصر الأموي، أحمد محمد الحوفي، دار نهضة مصر، القاهرة، ط 5، د.ت.

ـ البداية والنهاية، لابن كثير، تح: أحمد عبد الوهاب فتيح، دار الحديث، القاهرة، ط 5، 1418 هـ/1998م.

ـ البيان والتبيين، للجاحظ، تح: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، د. ت.

ـ تاريخ الأمم والملوك، للطبري، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة مصورة عن طبعة دار المعارف بمصر، بيروت، د. ت.

ـ تاريخ الخلفاء، للسيوطي، تح: مصطفى عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط1، 1414 هـ/1993م.

ـ تاريخ اليعقوبي، لليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب، دار بيروت، 1400 هـ/1980م.

ـ الخطابة، لأرسطوطاليس، تح: عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات ـ الكويت، دار القلم ـ بيروت، 1979م.

ـ الخطابة (أصولها، تاريخها في أزهر عصورها عند العرب)، لمحمد أبو زهرة، مطبعة العلوم، القاهرة، ط1، 1353 هـ/1934م.

ـ زهر الآداب وثمر الألباب، للحصري القيرواني، تح: علي البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة،ط2، د. ت.

ـ سير أعلام النبلاء، للذهبي، تح: محب الدين العمروي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1417 هـ/1997م.

ـ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1983م.

ـ صبح الأعشى في صناعة الإنشا، للقلقشندي، شرحه وعلق عليه: محمد شمس الدين ويوسف الطويل، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.

ـ العصر العبّاسي الأوّل، لشوقي ضيف، دار المعارف، بمصر، ط 6، د. ت.

ـ العقد الفريد، لابن عبد ربه، تح: أحمد أمين وأحمد الزين والأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت.

ـ عيون الأخبار، لابن قتيبة الدينوري، بعناية: محمد الإسكندراني، دار الكتاب العربي، بيروت، د. ت.

ـ الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، محمد بن علي بن طباطبا، دار صادر، بيروت، د. ت.

ـ فنّ الخطابة، لأحمد محمد الحوفي، دار نهضة مصر، القاهرة، 2002م.

ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير، تح: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1424 هـ/ 2004م.

ـ الكامل، للمبّرد، تح: محمد أحمد الدّالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1413 هـ/1993م.

ـ كتاب الصناعتين، لأبي هلال العسكري، تح: علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، د. ت.

ـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير، تح: أحمد الحوفي وبدوي طبانة، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ط1، 1379 هـ/1959م.

ـ مجمع الأمثال، للميداني، تح: جان توما، دار صادر، بيروت، ط1، 2000م.

ـ مختارات ابن الشجري، ضبطها وشرحها: محمود حسن زناتي، مطبعة الاعتماد، بيروت،ط1،1344 هـ/1925م.

ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر، للمسعودي، تح: سعيد اللحام، دار الفكر، بيروت، ط1، 1421 هـ/2000م.

ـ مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، تح: السيّد أحمد صقر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1949م.

ـ موادّ البيان، لابن خلف الكاتب، تح: حسين عبد اللطيف، منشورات جامعة الفاتح، ليبيا، 1982م.

ـ النثر العربي القديم من الشفاهية إلى الكتابية، محمد رجب النّجار، دار العروبة، الكويت، ط2، 1423 هـ/2002م.

ـ الوثائق السياسية والإدارية (العائدة للعصر العباسي الأو‍‌ّل)، محمد ماهر حمادة، مؤسسة الرسالة، ط2، 1401 هـ/1981م.

ـ الوزراء والكتّاب، لابن عبدوس الجهشياري، تح: مصطفى السقّا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط1، 1357 هـ/1938م.



([1])  أستاذ جامعي.

([2]) كتاب الصناعتين، للعسكري، ص 142.

([3]) فنّ الخطابة، أحمد محمد الحوفي، ص 5.

([4]) البيان والتبيين، 1/24.

([5]) زهر الآداب وثمر الألباب، للحصري القيرواني، 1/54، وعني بـ (سعيد وابنه): سعيد بن العاص من بني أميّة، كان ممن كتب القرآن لعثمان بن عفان t، (ت نحو 59 هـ). أمّا ابنه فعمرو بن سعيد، المعروف بالأشدق وهو أحد التابعين، خرج على عبد الملك، وغلب على دمشق، ثم ظفر به عبد الملك وقتله بعد أن أعطاه الأمان، سنة 70 للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، 4/517 ـ 521. والبداية والنهاية، لابن كثير، 8/292 ـ 296.

([6]) البيان والتبيين، 1/334.

([7]) نفسه 1/331.

([8]) نفسه 1/335.

([9]) نفسه 1/333.

([10]) تاريخ الأمم والملوك، للطبري 7/391 ـ 392.

([11