|
||||||
| Updated: Thursday, October 04, 2007 08:00 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
إرهاصات نظرية التلقي في أدب الجاحظ ـــ د.سميرة سلامي(1) مقدمة: نكاد نقرأ، في مختلف الدراسات التي تناولت الجاحظ، شبه إجماع على أن الجاحظ كان رائداً أو سبّاقاً إلى كثير من الموضوعات التي طرحها في أدبه الثر، بل كان سبّاقاً إلى كثير من الأفكار والرؤى، التي تبلورت فيما بعد، لتكوّن نظريات علمية وأدبية معروفة. هذا الإجماع، ربما شجّع الكثيرين إلى الغوص في أدب الجاحظ لاستكشاف كنوزٍ ما تزال مخبوءة في داخله، تنتظر من يكتشفها ليصل ماضينا بحاضرنا. والحقيقة، أن أحداً من دارسي الأدب القديم، لا يشك في أن الجاحظ من أعظم أدبائنا، إن لم يكن أعظمهم. فقد كان محط إعجاب الباحثين، قدامى ومحدثين، أدهشتهم سعة علمه واطّلاعه على أكثر ما في هذا الكون من معارف. وحكايات شغفه بالقراءة، بل نهمه في التهام كل ما تقع عليه يده من كتب، تناقلها الرواة، حتى قال أحدهم: "لم أرَ قط، ولا سمعت، من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوارقين ويبيت فيها للنظر"(2). هذا النهم في القراءة، وجمع الكتب من هنا وهناك، أوصل الجاحظ إلى درجة من العلم والثقافة لم يدانه فيها أحد. وأثمر ذلك كلّه، عدداً هائلاً من المؤلفات قدّرت بثلاثمئة وستين مؤلفاً، ذكر ياقوت في معجمه، أسماء مئة وثمانية وعشرين منها(3). ومن يطلع على عناوين تلك المؤلفات سيجد أن قلم الجاحظ وبيانه، قد سجل كل ما تمخّض عنه الفكر البشري لعهده، من علوم وآداب، وما يثير الدهشة أن الجاحظ كتب هذا كلّه بقلم ساحر، وإبداع فني رائع، فجمع بذلك إلى الإحاطة والشمولية، الإجادة والعمق والإبداع، وظهر لنا في مؤلفاته عبقرية فذة، وذكاء نادر، وعقلاً يبهر، وإحاطة تدهش. فإذا كان الإبداع في مجال أو مجالين من مجالات العلم والأدب دليل عبقرية(4)، فماذا يمكن القول فيمن يبرز ويبدع في معظم فروع العلم والأدب؟ إنها عبقرية الجاحظ التي حلقت في الآفاق، لا تعرف القيود. هذه الشمولية، وذلك العمق والإبداع في آثار الجاحظ، جعل الدارسين يكتشفون فيها ريادته، لكثير من الأفكار والنظريات، العلمية والأدبية الحديثة، والمتميزون أو العباقرة، على اختلاف زمانهم ومكانهم، هم رواد وسباقون، وتتصف أعمالهم الإبداعية بخاصية وقيمة دائمتين، فتبدو كأنها دائمة الوجود في الكون، تنتظر أن يكتشفها القادرون(5)، أو أن يكشفوا فيها عن إرهاصات لأفكار أو نظريات تبلورت بعدهم بأجيال. فماذا اكتشف الباحثون في أدب الجاحظ؟ وما هي الرؤى والأفكار التي قرؤوها في أدبه، إرهاصات بها؟الجاحظ الرائد: من أهم القضايا، التي تنبّه الدارسون أن الجاحظ كان سباقاً إليها، مسألة الواقعية في الأدب(6)، إذ لاحظوا أن قلم الجاحظ كان كريشة الرسام المبدع، الذي ينقل الواقع كما هو، ورأوا في أدبه وثيقة ذات دلالات غنية فكرياً واجتماعياً وسياسياً، وأنه في هذا الأدب، كان يحاكي مجتمعه بكل مستوياته وفئاته وشخصياته وأحداثه، وكان يعرض مساوئ هذا المجتمع، ومحاسنه، بكل صراحة ووضوح ودون تكلّف أو مواربة أو خوف من الناس. من هنا، قارن هؤلاء بين أدب الجاحظ وأدباء المدرسة الواقعية التي ظهرت في فرنسا، في القرن التاسع عشر، وكان من أبرز أعلامها الأديبان الفرنسيان بلزاك وفلوبير، اللذان طالبا بتحرير الأدب من النزعات الخيالية الحالمة المثالية، التي طبع بها الأدب الرومانسي، وعكسا في أدبهما الواقع بطريقة موضوعية، فصورا جوانب الحياة المختلفة بعمق ودقة. وبعد المقارنة توصلوا إلى أن الغاية التي اتجه إليها زعماء هذه المدرسة، قد اهتدى إليها الجاحظ قبلهم بعشرة قرون، ورأى بعضهم أن "الجاحظ كان خالق هذا الاتجاه الواقعي، وموجهه في النثر الفني.. وزعماء المدرسة الواقعية في أوروبا، لم يصنعوا شيئاً أكثر مما صنعه الجاحظ قبلهم"(7). ومن المظاهر الواقعية، التي ظهرت في أدب الجاحظ، قبل أن تظهر عند أدباء أوروبا، مسألة التعبير الصريح، الذي لجأ إليه الجاحظ في أدبه"(8). إذ سمّى المسمّيات بأسمائها، دون مبالاة بتشدد المتزمتين. ورأى بعض النقاد أن هذا الاتجاه الصريح في الأدب "لقي رواجاً كبيراً في كثير من الأوساط الأدبية، في أوروبا، وعرف باسم الأدب المكشوف، ويقوم في خلاصته، على الحرية المطلقة في الفكرة الأدبية والتعبير الأدبي، ولو تعارض ذلك مع قيود المجتمع أو قوانين الأخلاق"(9). وقد دافع الجاحظ عن اتجاهه الصريح قبل أدباء أوروبا، ووصف من يعارضه بأنه لا يملك شيئاً من العفة والكرم والنبل والوقار الذي يتصنعه، وأنه صاحب رياء ونفاق ولؤم ونذالة(10). وهذه الصفات نفسها (العفة المكذوبة، والنفاق المخجل، والخجل المصطنع) هي التي أطلقها أدباء الغرب على مناهضي أدبهم الصريح(11). وللجاحظ آراء في الضحك والمضحك(12)، سبق بها غيره، ممن كتبوا في فلسفة الضحك، في العصر الحديث، ومن هؤلاء "هنري برجسون". وبعد أن قارن أحد الباحثين بين آراء الجاحظ وأسلوبه في الإضحاك، وآراء "برجسون، انتهى إلى القول: "إذا كان "برجسون" قد وضع هذه النظريات في "سيكلوجية" الضحك والمضحك، فإن الجاحظ، قد طبّق هذه النظريات، واهتدى إليها قبله"(13). ومن المناهج العلمية التي كان الجاحظ رائداً فيها، منهج الشك طريق اليقين، الذي نسب إلى الفيلسوف الفرنسي "ديكارت" في القرن السابع عشر، وتعود شهرة هذا الفيلسوف إلى منهجه في البحث الذي يقوم على الشك، وقد قاده الشك إلى إثبات وجوده، وقال مقولته الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود". فماذا قال الجاحظ قبل ديكارت بقرون؟ لقد اتخذ الجاحظ الشك منهجاً في التفكير، ووسيلة للوصول إلى اليقين، وعقد في كتاب الحيوان فصلا كاملاً عن الشك واليقين، دعا فيه إلى الشك، قال: فاعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلّم الشك في المشكوك فيه تعلماً"(14). وأورد بعد ذلك "الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاده إلى اعتقاد غيره، حتى يكون بينهما حال شك". إن مقارنة بسيطة بين ما قاله الجاحظ، وما قاله ديكارت، تظهر بوضوح فضل الجاحظ في هذا المجال، وهذا ما فعله عدد من الدارسين، منهم محمد كرد علي، الذي انتهى إلى القول: "فكأن الفيلسوف ديكارت، في القرن السابع عشر، قرأ الجاحظ، وعرف فلسفته في هذا الشأن، ونغمتهما في هذا المعنى متشابهة، كأن الواحدة متممة للأخرى، أو الأخرى أخذت من الأولى"(15). ومنهم أيضاً الدكتور محمود الربداوي، الذي أكدّ أصالة هذا المنهج في العقلية العربية، من خلال سبق الجاحظ إليه. قال: "ولعله ـ وهو الأديب ـ من أسبق العلماء إلى أدق المناهج في البحث وهو منهج "الشك طريق اليقين" المعزو إلى ديكارت... فكلام الجاحظ دليل واضح على نهجه العلمي، وإحلاله الشك المحل الأول، بغية الوصول إلى اليقين القائم على التجربة والتعليل، وإعمال الفكر واستنباط القواعد، وهو لعمري منهج في البحث دقيق، وفي العقلية العربية أصيل وقديم، وإن ألبسه الناس ثوباً من الحداثة، وأكثروا من الصخب حول من ينسب إليه من علماء العصر الحديث"(16)، وهذا الرأي أخذ به الكثيرون. إرهاصات نظرية التلقي في أدب الجاحظ: بعد هذا الكلام المطوّل، حول الإرهاصات بأفكار أو نظريات حديثة في أدب الجاحظ، نطرح تساؤلاً: هل يمكن أن نقرأ في أدبه الثري تشابهاً، أو تلاقياً، مع نظريات أخرى حديثة؟ بعبارة أخرى، هل نستطيع أن نجد، فيما كتبه الجاحظ، إرهاصات لنظريات أخرى، بلورها منظرون آخرون، في العصر الحديث، كنظرية التلقي مثلاً؟ هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه، من خلال استعراض أبرز الأسس التي قامت عليها نظرية التلقي، ومن ثم عرض آراء مختلفة للجاحظ تتعلق بالمتلقي، وعملية التلقي بشكل عام، ومقارنتها، بعد ذلك، بمبادئ النظرية الحديثة. جاءت نظرية التلقي الألمانية رداً على الاتجاهات النقدية، التي كانت سائدة، والتي ركّز بعضها على مبدع العمل الأدبي، وركّز بعضها الآخر على النص، فأهملوا، بذلك العنصر الثالث الهام، من عناصر العملية الإبداعية، وهو القارئ أو المتلقي. ولم يلقَ القارئ الاهتمام الكافي إلا بعد أن قامت مدرسة كونستانس الألمانية، في أوائل السبعينيات، بأكبر محاولة لتجديد دراسات النصوص، على ضوء القراءة، ونادى رائداها، هانز روبرت ياوس، وفولفجانج إيرز، بالانتقال في الدراسة، من العلاقة بين الكاتب ونصّه، إلى العلاقة بين القارئ والنص. لقد أراد ياوس لنظريته التي سمّاها (جماليات التلقي)، أن تكون طريقاً ثالثاً وسطاً، بين الجمالية الماركسية والشكلانية، إذ كانت الأولى ترى في الأدب انعكاساً للواقع الاجتماعي، وتعتبر الثانية أن الأدب منظومات مغلقة، فجاء بنظريته لتواجه الأدب بوصفه نشاطاً تواصلياً(17). ولتعيد النظر في طرق دراسة تاريخ الأدب، فرأى "أن الأدب ينبغي أن يدرس بوصفه عملية جدل بين الإنتاج والتلقي"(18). لأن النص عنده، لا يتضمن معاني مطلقة ونهائية، بل يتضمن دلالات، ولكي تتحقق لابدّ من قارئ يقيم حواراً مع النص، من هنا، وجد "أن الأعمال الأدبية تختلف عن الوثائق التاريخية الصرف، لأن هذه الأعمال تقوم بدور أكبر من مجرد توثيق حقبة زمنية بعينها، وتظل قادرة على الكلام، إلى حد أنها تحاول حل مشكلات الشكل والمحتوى، وأن تمتد على هذا النحو، إلى مدى بعيد، وراء مخلفات الماضي الأثرية الصامتة"(19). وعلى هذا، فإن التاريخ الأدبي "هو تاريخ جماهير القراء المتعاقبة، أكثر من تاريخ العمل الأدبي نفسه"(20). وهو لذلك يؤدي دوراً واعياً، يصل الماضي بالحاضر "لأنه يعيننا على فهم المعاني السابقة بوصفها جزءاً من الممارسات الراهنة"(21). هذا التكامل بين التاريخ وعلم الجمال في نظرية ياوس، تمّ عن طريق تقديم فكرة "أفق التوقع" وهي في تقديره، "الركيزة المنهجية لنظريته"(22). ويشير هذا المصطلح إلى "منظومة من المعايير والمرجعيات لجمهور قارئ، في لحظة معينة، يتمّ انطلاقاً منها قراءة عمل وتقويمه جمالياً، ويمتلك هذا العمل أيضاً أفقه للتوقع"(23). أما إيرز، زميل ياوس في مدرسة كونستانس، فقد انصب اهتمامه عل القارئ الفرد، وعلى كيفية أن يكون للنص معنى لدى القارئ، وفي أي الظروف. ورأى "المعنى بوصفه نتيجة للتفاعل بين النص والقارئ أي بوصفه أثراً يمكن ممارسته، وليس موضوعاً يمكن تحديده"(24). فالعمل الأدبي ليس نصاً تماماً، وليس ذاتية القارئ تماماً، ولكنه يشملهما مجتمعين. ولكي يصف إيرز التفاعل بين النص والقارئ، قدّم مفهوم "القارئ الضمني" ضمن كتاب يحمل هذا الاسم، وعرفه بقوله: "إن المصطلح يدمج كلاً من عملية تشييد النص للمعنى المحتمل، وتحقيق هذا المعنى المحتمل من خلال عملية القراءة.. إن جذور القارئ الضمني مغروسة بصورة راسخة في بنية النص.. إنه بنية نصية، تتطلع إلى حضور متلق ما"(25). هذا يعني أن النص لابدّ أن يضبط مسيرة القارئ إلى حد ما. إن هذه النظرية أحدثت أثراً هائلاً في مجال تفسير الأدب والفن في أوروبا(26)، وتأثّر بها، بعد ذلك، بعض الباحثين العرب، فجاؤوا بقراءات تأويلية جديدة لأدبنا القديم، تختلف عمّا عهدناه من قبل. من هؤلاء الدكتور وهب رومية في كتابه "شعرنا القديم والنقد الجديد"، ونلمح في مقدمته مدى تأثّره بهذه النظرية. يقول: "غدا فعل القراءة اليوم فعلاً معقداً شديد التعقيد، وليس من الوفاء لشعرنا القديم، ولا من الوفاء لروح العصر، أن نستمر في قراءة شعرنا ـ وتراثنا عامة ـ قراءة استيعاب لا قراءة حوار، أي قراءة تجعل الذات القارئة ذاتاً منفعلة لا فاعلة.. إن مفهوم القراءة المعاصر مقترن بالاكتشاف وإعادة إنتاج المعرفة، وهو لذلك مفهوم خصب يمتد من التفسير إلى التأويل، ويؤكد أن الذات القارئة فيه، لا تقل أهمية عن الموضوع المقروء"(27). ومن هؤلاء، أيضاً، الدكتور مصطفى ناصف، في كتابه "محاورات مع النثر العربي، الذي يقول في مقدمته: "ليس للنص معنى بمعزل عن قارئ نشيط يستحثّه ويقلّب فيه الظن بعد الظن، ويتصوره قادراً على الإلهام، وعبور المسافات الطوال، والقرون الممتدة بين الحاضر والماضي"(28). وهذه النظرية التي أحدثت هذا الأثر الكبير في مجال الدراسات الأدبية، لم تَهبط من السماء، ولم تنشأ من فراغ، كما رأى البعض، ولهذا فقد ولّدت دراسات حاولت استكشاف جذورها والمبشرين بها، ومن أهم هذه الدراسات ما قدمه روبرت هولب، في كتابه "نظرية التلقي" فقد وجد أنه ليس من الصعب العثور على إرهاصات لهذه النظرية في كتاب فن الشعر لأرسطو، باشتماله على نظرية التطهير التي تعد أقدم تصوير لنظرية تقوم فيها استجابة الجمهور المتلقي بدور أساسي. كما وجد في التراث البلاغي كلّه وعلاقاته بنظرية الشعر، إرهاصاً بالنظرية أيضاً، بفضل تركيزه على أثر الاتصال بالقارئ(29). لكن الإرهاصات التي ركّز عليها هولب، وخصص لها الفصل الثاني من كتابه، هي تلك الاتجاهات أو النظريات، التي ظهرت خلال الستينيات، وهيّأت المناخ الفكري لازدهار نظرية التلقي(30). ويمكن القول بأن هولب، لو أتيح لـه الاطلاع على أدب الجاحظ، لما توانى في تصنيفه ضمن الإرهاصات الواضحة بنظرية التلقي، التي ذكرها في كتابه. ولو فهمنا نظرية التلقي، بوصفها نقلة في مجال الاهتمام، أو بوصفها توجيهاً عاماً للانتباه إلى محور القارئ وجمهور المتلقين لاتضحت لنا جملة من العناصر، التي تبيّن فضل الجاحظ في هذا المجال. فإذا كان رواد نظرية التلقي قد حولوا الاهتمام من المؤلف إلى المتلقي، فإن الجاحظ قد عمل جاهداً لإيجاد هذا المتلقي، وإرضائه، ومن ثم إقامة علاقة صداقة معه. فالناس في عصر الجاحظ، كانوا يؤثرون السماع، والأخذ من الأفواه، على مطالعة الأسفار، وأتى الجاحظ ليلفت أنظارهم، ويوجه أفكارهم وجهة أخرى، "فخرج بذلك من دنيا السمع والسامعين، إلى دنيا القراءة والقراء"(31)، وهو في كل ما كتب وضع القارئ نصب عينيه، وجعله منطلقاً وغاية، وأظهر اهتماماً به، لم يكن موجوداً من قبل، لأن الاهتمام كان منصباً على السامع، وفكرة القارئ مدينة، على الخصوص للجاحظ، لا يكاد ينافسه فيها أحد"(32). إن اهتمام الجاحظ بالمتلقي، كان السبب في سلوكه منهجاً معيناً في التأليف، التزمه في كتبه، وعلى وجه الخصوص في الحيوان والبيان والتبيين، يقوم هذا المنهج على التلوين والتنقل بين أبواب الكلام. لقد أكد الجاحظ مراراً وتكراراً، أنه تعمّد هذا المنهج، خشية على قارئه من السآمة والملل، إن هو أثقل عليه بالإطالة في الموضوع الواحد، مهما كان نوعه. ولذلك فقد حرص على أن يوفر لـه أسباب النشاط والارتياح، وعمد إلى تشويقه، وتجديد رغبته، بهذا التنويع والتلوين. قال: "قد عزمت، والله الموفق، أن أوشح هذا الكتاب، وافصل أبوابه، بنوادر من ضروب الشعر، وضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل، فإني أرى الأسماع تملّ الأصوات المطربة، والأغاني الحسنة، والأوتار الفصيحة، إن طال ذلك عليها"(33). ويصرح في موضوع آخر أنه سيبقى يتنقل من باب إلى باب، ومن خبر إلى أثر، ومن أثر إلى شعر، ومن شعر إلى نوادر "ومن النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس سداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعلّه أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفاً، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء وآداب العلماء"(34). فالجاحظ في العبارات السابقة، يشير إلى سمة منهجية أخرى، التزمها في كتبه، عناية بالقارئ، وهي خلط الجد بالهزل، ومزج الحقيقة الجافة بالنكتة المرحة. فالمزح والضحك والفكاهة والسخرية التي كان الجاحظ مولعاً بها فيها تنشيط لقلب القارئ وجمام لقوته، وبذلك يصل إلى الجد عن طريق الهزل. لقد عمل الجاحظ على توفير كل وسيلة، تمكن قارئه من متابعة القراءة حتى إتمام الكتاب. والقراءة الموحِّدة للكتاب، هي أمر ملحّ وضروري عند الجاحظ، كما هي عند إيرز، أحد قطبي نظرية التلقي، وهذا ما سنفصل الحديث فيه لاحقاً. فلماذا كان هذا الاهتمام الواسع بالمتلقي من قبل الجاحظ؟ هل كان اعترافاً منه بأهمية النص المقروء، ودور المتلقي في التفاعل معه؟ يمكننا القول: إن الجاحظ قد حرص الحرص كله، على حض معاصريه على القراءة، من خلال تركيزه على أهمية الكتاب(35)، وضرورة اقتناء الكتب، والإنفاق عليها برغبة، ورأى أن العالم لن يبلغ مبتغاه من العلم ما لم يفضل الكتاب على أي شيء آخر، وما لم يؤثر الإنفاق على الكتاب "إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله"(36). كان ذلك رداً على الذين عابوا عليه تأليف كل كتاب له، وتجاوزوا ذلك حتى عابوا وضع الكتب كيفما دارت بها الحال، وكيفما تصرفت بها الوجوه، ولهذا فقد حاول إقناع هؤلاء بأهمية النص المكتوب، وفضل القراءة على السماع. لقد فضل الجاحظ صراحة النص المكتوب على صاحبه، وبيّن بالتفصيل أسباب ذلك، ومن يدقق في كلام الجاحظ، ستبدو له الحقيقة جلية واضحة، فالنص المكتوب، أو العمل الأدبي، يكتسب أهميته وثراءه من خلال القراءة، أو من خاصية التواصل المستمر، الذي لا ينحصر في زمان أو مكان. فلنتمعن في هذا النص للجاحظ: "والكتاب قد يفضل صاحبه، ويتقدم مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه بأمور: منها أن الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان، على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار، وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، والمنازع في المسألة والجواب. ومناقلة اللسان وهدايته لا تجوزان مجلس صاحبه، ومبلغ صوته. قد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره، ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودوّنت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خسَّ حظّنا من الحكمة، ولضعُف سببنا إلى المعرفة. ولو لجأنا إلى قدر قوتنا، ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجاربنا، لما تدركه حواسنا، وتشاهده نفوسنا، لقلّت المعرفة، وسقطت الهمّة وارتفعت العزيمة، وعاد الرأي عقيماً، والخاطر فاسداً، ولكلِّ الحدّ، وتبلّد العقل"(37). نص الجاحظ السابق غني بدلالاته على فضل القراءة والقراء، فالحديث الشفهي عرضي، لا يتجاوز تأثيره مجلس صاحبه، وهو منغلق محدود برؤية صاحبه، الذي يجادل وينازع سمعه ليثبت معنى محدداً لكلامه. أما النص المكتوب فهو شمولي، منفتح على العالم الواسع، وتأثيره باق على مر العصور، فالجمهور المتلقي الذي يقرأ هذا النص لا حدود له في زمان أو مكان، ويستطيع المتلقي أن يقرأ النص بعيداً عن نيّة صاحبه، الذي لم يعد موجوداً، ولم يعد بوسعه أن يجادل وينازع. وبالتالي قد يجد فيه المتلقي أمراً آخر، لم يكن في نيّة المؤلف. فكل قارئ يتناول النص من خلال ثقافته وتجربته الخاصة، ومن خلال هموم مجتمعه وقيم عصره (أفق توقعه)، وهذا يعني أن النص الأدبي المكتوب، يكون له من التفسيرات والتأويلات بعدد قرائه. ألا يمكن أن نعدّ آراء الجاحظ هذه إرهاصاً، أو سبقاً لما قاله رواد نظرية التلقي؟ ألم نقرأ في النص السابق صراحة، تحويل العناية إلى محور القارئ ـ النص؟ ألا نجد فيه ما يوحي بأن النص الأدبي ليس موضوعاً محدداً، ولا يتضمن معنىً مطلقاً ونهائياً، بل يتضمن تأويلات تحتاج إلى قارئ، يحاور النص، ويتفاعل معه، ليظهرها؟ ثم ألا نفهم من النص السابق أن التاريخ الأدبي يعني الوصل بين الماضي والحاضر، أو تناول الماضي بوصفه جزءاً من الحاضر، كما يرى ياوس؟. وللجاحظ نصوص أخرى كثيرة، يصف فيها الكتاب، نستشف منها وجهة نظره في التاريخ الأدبي، كقوله في الحيوان: "ومن لك بطيب أعرابي، ومن لك برومي هندي، وبفارس يوناني، وبقديم مولّد، وبميّت ممتع، ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والخفي والظاهر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده"(38). وكقوله أيضاً: "ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه، وقرب ميلاده، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة، والتجارب الحكيمة... ما يجمع لك الكتاب"(39). فالكتاب هو ثمرة عقول وأمم وشعوب، من مختلف العصور، وخلاصة ثقافات متنوعة، وتاريخ مذاهب وتجارب، عاشها القراء، فأثمرت مولداً جديداً، يجمع بين الحاضر والماضي، ويحيلنا إلى جماعات بشرية متنوعة، فهو حديث السن من جهة، لكنه يجمع تدابير عجيبة، وعلوماً غريبة من جهة. وهو خصي من ناحية، لكنه يحمل آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة من ناحية ثانية، فالتاريخ الأدبي، كما فهمه الجاحظ، هو تواصل، وتعاقب تفسيرات وقراءات. والمتلقي، كما ينظر إليه الجاحظ، ليس على درجة واحدة من الثقافة، ولا تشغله الهموم ذاتها، ولا ينتمي إلى فئة أو طبقة اجتماعية واحدة. وبالتالي فالجاحظ يعي وعياً تاماً تعدد مستويات القراءة للنصوص الأدبية، كما يعي أن مسألة تعدد القراءات، أو تعدد التأويل تكمن في بنية النص المكتوب ذاته، كما رأى بعده ياوس وإيرز، ففي مقدمة كتاب البخلاء يبين أن القارئ قد يجد، في كتابه، ثلاثة أشياء، تبيّن حجة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة، وأنه في ضحك منه إن شاء، وفي لهو إن ملّ الجدّ(40). فقد يرى قارئ أنه كتاب في الاحتجاج والجدل والإقناع، ويرى آخر أنه كتاب احتيال ولصوصية ظريفة، ويراه ثالث أنه للضحك والمتعة والترفيه عن النفس. وفي مقدمة كتاب الحيوان، يؤكد أيضاً، أن قراء كتابه مختلفون في أعمارهم، وثقافتهم وذكائهم، واتجاهاتهم الفكرية والخلقية والنفسية، فالكتاب "يحتاج إليه المتوسط العامي، كما يحتاج إليه العالم الخاصي، ويحتاج إليه الريّض، كما يحتاج إليه الحاذق.. ويشتهيه الفتيان كما تشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو، كما يشتهيه المجدّ ذو الحزم، ويشتهيه الغبي، كما يشتهيه الفطن"(41). أي أن الجاحظ كان على دراية تامة، أن الكتاب سيتم تناوله بطرق شتى، وأن كل قارئ سيجد فيه ما يتناسب مع فهمه وإدراكه واهتمامه. لكن أقصى ما كان يخشاه الجاحظ هو تأوّل الطاعنين والعيّابين، وتحكم الحسدة والمتأولين. فالقراءة التي تنطلق من تعصب، إلى فكرة أو قضية، لا يمكن أن تقدّم فهماً صحيحاً للنص، "وإذا كانت القلوب على هذه الصفة، وعلى هذه الهيئة، امتنعت من التعرف، وعميت عن مواطن الدلالة"(42). لهذا دعا الجاحظ قارئه إلى التحرر من الهوى والتعنت والعصب، وكل ما يعيق الفهم الصحيح. فلنستمع إلى هذه العبارات، التي صدّر بها كتاب الحيوان: "جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سبباً، وحبب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برج اليقين، وطرد عنك ذلك اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل، من القلّة"(43). فهو يدعو القارئ إلى التثبّت والإنصاف والتقوى والتمسك بالحق، والبعد عن الباطل، وهذه كلها، لن تكون إلا بتحرر القارئ من أهوائه، وبتخيله عن العصّب لأفكاره ومذاهبه، ولكن تكون بينه وبين المعرفة الحقيقية صلة، دون التحرر من آفات التحيّز والهوى. ويصرح الجاحظ بعد هذه العبارات، أن الذي دعاه إلى تصدير كتابه بهذا الدعاء، هو القارئ الذي قاده هواه وحسده، وحقده، وسيطرت عليه الحميّة والعصبية لمذهب أو فكرة أو قضية، فعاب الجاحظ على كل ما كتب، ولم يكن مصيباً في رأيه، بل قدّم تفسيرات خاطئة. وقد عرف عن الجاحظ نبذه للتعصّب، وعدم تبنيه للأحكام المطلقة، وهذا ما جعله يمدح الشيء ونقيضه، أو يمدح الشيء في رسالة ويذمّه في أخرى، كما قرأنا في رسائله، وهذا ما دفعه، أيضاً، لأن يعرض لكل الآراء، ويحتج لكل الفرق، فهو حتى في حجاجه وجدله كان يعرض حجج الفريقين، بتجرد ودون ميل أو هوى، وهذا ما كان يعرضه للنقد من قبل معاصريه، أحياناً ـ وإلى كيل الاتهام إليه في أحيان أخرى، وعبّر عن ذلك بقوله: "وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية، وأنت تسمعني أقول في أول كتابي: وقالت العثمانية والضرارية، كما تسمعني أقول: قالت الرافضة والزيدية، فحكمت عليَّ بالنصب لحكايتي قول العثمانية، فعلا حكمت علي بالتشيع لحكايتي قول الرافضة! وهلا كنتُ عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة! وقد حكينا في كتابنا قول الإباضية والصفرية، كما حكينا قول الأزارقة والزيدية، وعلى هذه الأركان الأربع بنيت الخارجية.... وإلا كنا عندك من الخارجية، كما صرنا عندك من الضرارية والناصبة"(44). وهو في كتاب البخلاء يفسح المجال لسهل بن هارون(45)، وأصحابه ليشرحوا لنا كيف يكون البخل صلاحاً والشحّ اقتصاداً، ويقدّموا الحجج والأدلة المقنعة، التي ربما جعلت القارئ يوافقهم الرأي، ويقرّ تصرفهم. ثم يتيح للفريق الآخر أن يذم البخل، ويبيّن عيوبه ومساوئه، ويرد على سهل وأصحابه من أنصار البخل، بحجج أخرى تساويها بلاغة وإقناعاً، فيعتذر على القارئ، بعد ذلك، تبني وجهة نظر فريق واحد كما هي. إنها نسبية الأحكام، التي آمن بها الجاحظ، ودعا قارئه إلى الأخذ بها، وعدم التعنّت والتعصّب لفكرة أو قضية أو رأي. إنه يدعوه إلى قبول الآخر وعدم إلغائه، لأنه بانطلاقه من هذه التحررية في تفاعله مع النصوص، يستطيع التواصل معها بشكل صحيح، ويتمكن من التواصل مع المجتمع بطريقة آمنة سليمة. إن هذا القارئ المتحرر الذي آثره الجاحظ، هو القارئ نفسه الذي آثره "إيرز" بعد الجاحظ بزمن طويل. لقد رأى "إيرز" أن ألوان التحيز تشكل عائقاً للفهم أكثر منها معيناً عليه، ولهذا دعا قارئه لأن "يكون نموذجاً للتحررية"(46)، وبرأيه أنه ما لم يسع القارئ إلى تحرير نفسه من التحيزات (الإيديولوجية) فإن القراءة الصحيحة تصبح من المحال. قال: "كلما كان القارئ ملتزماً بوضع إيديولوجي، تضاءل ميله إلى قبول بنية الفهم الأساسية القائمة على الموضوع والأفق، التي تنظم التفاعل بين النص والقارئ. إنه يسمح عندئذ لمعاييره أن تتحول إلى موضوع، لأن هذه المعايير، بهذه الصورة، تصبح قابلة، بصورة آلية، لوجهة النظر النقدية، المتضمّنة في المواضيع المتحققة، التي تشكل الخلفية. وإذا ما أغري القارئ بالمشاركة في أحداث النص، لا لشيء إلا ليجد أنه مطالب، عندئذ، بأن يتبنى موقفاً سلبياً إزاء القيم التي لا يرغب في التحفظ عليها، فعندئذ، غالباً ما تكون النتيجة رفضاً صريحاً للكتاب ولمؤلفه"(47). هنا نجد التلاقي، بل التطابق، بين الجاحظ وإيرز، في دعوتهما القارئ إلى التحرر، من أجل فهم صحيح للنصوص. ونجد التطابق بينهما في قضية أخرى، تبناها الاثنان، ووجدا فيها عائقاً أمام قراءة مقبولة للنص. فقد رأى كلاهما أن القراءة الجزئية للكتاب، لا يمكن أن تقود إلى فهم صحيح له. ولهذا طالبا القارئ بألا يلجأ إلى هذا النمط من القراءة، وألا يحكم على الكتاب من خلال الجزئيات، إذ لا يمكن أن يقرأ بشكل إيجابي، دون قراءة توحّد بين جزئياته. هذه الفكرة تبلورت عند إيرز من خلال تطويره لمفهوم وجهة النظر الجوالة أو الطوافة. وقصد منها إيرز وجوب تخطّي علاقة القارئ ـ النص الخارجية، لأن ما يميز الأدب ـ وفقاً لما يراه إيرز ـ هو أن الموضوع فيه يتم إدراكه من الداخل. ووجهة النظر الطوافة "تتيح للقراء، أن يسافر عبر النص كاشفاً بذلك كثرة المنظورات، التي يترابط بعضها مع بعض، والتي تعدل كلّما حدث انتقال من واحد منها إلى الآخر"(48). ويرى "إيرز" أن عملية القراءة هذه، تسهم في بناء التآلف والانسجام بين أجزاء العمل الأدبي، التي قد تبدو منفصلة بعضها عن بعض "فالقارئ يشكل وحدات كلية خلال عملية مشاركته في إنتاج النص، فإذا حدث شيء، بدا مجافياً لوحدة كلية متخيّلة، فإن القارئ يحاول "عندئذ" أن يعيد للأشياء تآلفها من خلال سلسلة من المراجعات"(49). ويرتبط هذا بتفرقته الطريفة بين الإدراك الحسّي والتصوّر، فالإدراك الحسّي، يكون للموضوع الماثل أمامنا، في حين يفترض التصوّر، غياب الموضوع الذي يحاول القارئ إيجاده أو تصوره "على أساس من العالم الذي توحي به الجوانب المخططة في النص"(50). وقبل "إيرز" كان الجاحظ قد عبّر عن وجهة النظر هذه، من خلال ردّه على الذين عابوا كتبه، التي مزج فيها بين الجد والهزل، فتعجلوا الحكم عليها، قبل أن يربطوا بين جزئياتها، وقرؤوها كما شاؤوا، وكيفما اتفق، وغاب عنهم ما تضمنه الكتاب من تعاليم نصيّة، مبثوثة، هنا وهناك، فقادهم ذلك إلى تأويلات خاطئة أو غير مقبولة، فلنتمعن في هذا النص للجاحظ: "وهذا كتاب موعظة، وتعريف، وتفقّه، وتنبيه. واراك قد عبته قبل أن تقف على حدوده، وتتفكر في فصوله، وتعتبر آخره بأوله، ومصادره بموارده. وقد غلّطك فيه بعض ما رأيت، في أثنائه، من مزح لم تعرف معناه، ومن بطالة لم تطلّع على غورها، ولم تدرِ لمَ اجتُلِبت، ولا لأي علّة تُكُلِّفت، وأيّ شيء أُزيغ بها، ولأي جد احتمل ذلك الهزل، ولأي رياضة تُجُشِّمت تلك البطالة، ولم تدرِ أن المزاح جدّ، إذا اجتلبن ليكون علّة للجد، وأن البطالة وقار ورزانة، إذا تكلّفت لتلك العاقبة. ولما قال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه، حتى يتعلّم ما لا يحتاج إليه، قال أبو شمر: إذا كان لا يتوصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يُحتاج إليه، فقد صار ما لا يُحتاج إليه يحتاج إليه. وذلك مثل كتابنا هذا، لأنه إن حملنا جميع من يتكلف قراءة هذا الكتاب على مُرِ الحق، وصعوبة الجدّ، وثقل المؤونة، وحلية الوقار، لم يصبر عليه، مع طوله، إلا من تجرّد للعلم، وفهم معناه، وذاق من ثمرته، واستشعر قلبه من عزّه، ونال سروره، على حسب ما يورث الطول من الكد، والكثرة من السآمة، وما أكثر من يُقاد إلى حظّه بالسواجير، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة"(51). إنه نص غني بدلالاته على إمكانية تنوّع القراءات، وتعدد مستوياتها (موعظة، معرفة، تفقّه، نقد اجتماعي وتنبيه). لكن الكتاب، الذي يجيز لنا تعدد القراءات، لا يتيح لنا القراءة كيفما اتفق، وحتى تكون القراءة مقبولة، لابدّ أن تراعي مسألة التماسك الداخلي للنص، والربط بين جزئياته، بالوقوف على حدوده، والتفكر في فصوله، وربط آخره بأوله، ومصادره بموارده. ويؤكد الجاحظ أن الربط بين جزئيات كتابه ستبيّن أن الهزل عنده جدّ، وفي البطالة رياضة ووقار ورزانة، وعن طريق الهزل يعبر عمّا يريد، دون الحاجة إلى السوق العنيف، والإخافة الشديدة. ولا يجب أن نتجاهل هنا، أن الجاحظ كان معتزلياً، وأنه عاصر تلك المحنة التي قادها أصحابه من المعتزلة، حول موضوع خلق القرآن، وشعر بخطورة ثقافة عصره وأخلاقياته، وفلسفته، التي اعتمدت السوق العنيف والإخافة الشديدة، والقود بالسواجير(52). فالجاحظ في أدبه الساخر، يؤسس لثقافة جديدة، تنبذ العنف، والتعصّب، والقتال، والضغط والإكراه، وتعتمد اللين، والحرية الفكرية، والاقتناع الذاتي. والحقيقة أن قضية العنف في الصراع الفكري والمذهبي والسياسي، كانت من القضايا التي أرّقت الجاحظ، وربما كانت من الأسباب التي دفعته إلى تقديم البيان الكتابي على البين الشفهي، نلمح ذلك في قوله: "وعبتَ الكتاب، ولا أعلمُ جاراً أبرّ، ولا خليطاً أنصف، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، ولا صاحباً أظهر كفاية، ولا أقلّ جناية، ولا أقلّ إملالاً وإبراماً، ولا أحفل أخلاقاً، ولا أقل خلافاً وإبراماً، ولا أقلّ غيبة، ولا أبعد عضيهة(53)، ولا أكثر أعجوبة وتصرفاً ولا أقلّ تصلفاً وتكلفاً، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال، من كتاب"(54). فالبيان الشفهي الذي تصفه مفردات من مثل: الخلاف والجدال، والتصلف والتكلف، والشغب والقتال والإجرام، ويعتمد العظة المباشرة، والزجر، والتهديد والوعيد، قد تجنبه الجاحظ لهذه الصفات، ولجأ إلى بيان آخر، متحرر من هذا كله، وحقق هذه الحرية عن طريق الظرف والفكاهة والسخرية، التي أشاعها في كتاباته، فأصبح الكتاب لديه "بستان يُحمل في ردن، وروضة تُقلّ في حجر"(55)، وأصبحت القراءة نزهة في هذا البستان، يتجول فيه القارئ، ويقطف من أزهاره ما يريد، دون زجر أو إكراه. القراءة عند الجاحظ، إذاً، هي انطلاقة للقراء في رحاب الأدب، الذي يمتلك مقدرة تحريره من كل القيود والضغوط، إنها نزهة تهذب أخلاقه(56)، وتغني تجربته، وتوسّع آفاقه. والنقاد المعاصرون، الذي قرؤوا أدب الجاحظ بعمق، وحاوروا نصوصه حواراً واعياً، توصلوا إلى أن الجاحظ "كان خليقاً بأن يؤخذ من مجموعه، وأن يقرن كل موضوع إلى غيره"(57). فبعد أن أجرى الدكتور مصطفى ناصف حواراً مع نصوص كتاب الحيوان، ومنها نصوص عدّة تتعلق بالذباب، عرضها الجاحظ بأسلوب مرح، فيه هزل وسخرية، من أهمها النص الذي يسرد قصة قاضي البصرة عبد الله بن سوار في صراعه مع الذباب، توصل إلى القول: "وأنا أنزه القارئ، أن يقف عند هذا القص المحبوب، لا يتجاوزه، أُنزه نفسي عن الانخداع بفكرة الخبر والسرد والواقع والتلهّي، وتسرية القارئ، وترفيه الجاحظ عن نفسه، وعنك أيضاً"(58). ورأى حين جمع بين الجزئيات، أن الجاحظ كان يؤسس، من خلال السخرية والرمز، لمجتمع جديد، يؤمن بتعدد الثقافات، فيستوعب المتعارضات، ويرفض ثقافة الإلغاء والتناحر، "هذا هو الصراع الاجتماعي المسالم، الذي يستهوي الجاحظ، في حكاياته ورموزه، هذا تدافع أفكار أو اتجاهات أو فئات من المجتمع، لا أظن الجاحظ خالص الوجه للرضا والإشراق والترويح عن النفس. الجاحظ مهموم بثقافة ومجتمع، من خلال التأويل، قلّ أن يعبّر عن فكرة الأزمة تعبيراً مباشراً"(59). فالتعبير المباشر سهل، ولا يخلو من (سوق) أو (قود). أما السخرية فهي تأويل. والتأويل هو فن الجاحظ الذي أتقنه وبرع فيه، وعزّ على غيره من الكتاب، وقد رأى الجاحظ فيه إمكانية التأثير في المجتمع، وتغيير معاييره، والوصول إلى الهدف بأمان وسلام ووداعة. وفكرة الأدب المباشر، والأدب القابل للتأويل، وما يقوم به الأدب ـ من خلال طبيعته هذه ـ من وزيفة تشكيلية من الناحية الاجتماعية، أي دور الأدب في تغيير المعايير الاجتماعية، هذه الفكرة التي عبّر عنها الجاحظ، أكّدها بعده روّاد مدرسة كونستانس، ومنهم "إيرز" في كتابه (فعل القراءة) حين رأى أنه لابدّ للعمل الأدبي الناجح، ألا يكون واضحاً غاية الوضوح، في الطريقة التي يعرض بها عناصره، وإلا فقد القارئ اهتمامه "إن النص الأدبي، إذ نظّم عناصره بطريقة صريحة للغاية، فإن ما يتركه لنا الكتاب، بوصفنا قرّاء، هو أننا إما أن نرفضه، نتيجة للضجر، أو أن نستاء من محاولة تحويلنا إلى سلبيين بكل ما للكلمة من معنى"(60). ويرى أن "الأدب يصبح فارغاً إذا نحن افترضنا على المألوف من قبل"(61). لأن ما يميز الأدب عن الكلام العادي هو طريقته في تناول الموضوعات. فالأدب ـ الذي يطابق "إيرز" بينه وبين الخيال ـ هو وسيلة لإعلامنا بشي ما عن الواقع بطريقة جديدة، فهو ينتزع موضوعاته من سيقاها الاجتماعي فتصبح في ذاتها، موضوعات لإنعام النظر، والتأويل من جانبنا، أي أن الأدب "ينبغي أن يفهم بوصفه صدى للمنظومات الفكرية التي اختارها وجسّدها في رصيده الخاص، ذلك بأن الأدب يطرح إمكانات يستبعدها النظام السائد، مقدماً العون للقراء كي يروا، ما لا يستطيعون في المعتاد رؤيته، خلال مسيرة الحياة العادية، من يوم إلى يوم"(62). أما الأدب المألوف تماماً فهو لا يحقق الوظيفة المعزوة إليه، من توصيل شيء جديد إلى القارئ. وفي مقالته (بنية الجاذبية) التي خصص قدراً لا بأس به منها لدراسة الإبهام والفراغات في النص الأدبي، يرى "إيرز" أن جمهور القرّاء، في محاولته ملء فراغات النص، واستكمال بنيته، عبر القراءات المتعاقبة، يصير على وعي بمعايير النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه، ويكتسب منظوراً، تبدو معه المعايير التي كانت مقبولة من قبل عتيقة وغير صالحة، ويرى أن معظم الأدب القيّم "يقوم بوظيفة وضع هذه المعايير موضع المراجعة"(63). وقد فهمت آراء "إيرز" هذه، وفقاً لنظامه الهادف "بأن النص أو المؤلف يستغل استجابات القارئ بطريقة ماكرة من أجل أن يحقق أهدافاً علاجية أو تنويرية"(64). وقد أكد "ياوس" هذه النظرة إلى بنية الأدب ووظيفته، فبنيته جعلته "يشتمل لا على المعايير والقيم الأدبية فحسب، بل على الرغبات والمطالب والطموحات، كذلك، ومن ثمَّ فإن العمل الأدبي يستقبل ويقوّم في ضوء خلفية من الأشكال الفنية الأخرى، وفي ضوء خلفية من تجربة الحياة اليومية كذلك. وفي هذا النطاق تتاح للعمل إمكانية القيام بدور حيوي في عملية تلقيه وإعادة النظر في المواضعات الاجتماعية وتغييرها من خلال المحتوى والشكل على حد سواء"(65). إن ما طرح من مسائل تتعلق بالوضوح، والإبهام، والفراغات، وبلغة الرمز أو السخرية أو السرد المباشر، وغيرها من الأمور التي تعود إلى بنية الأدب، ومن ثمَّ إلى وظيفته، تبين أن قضية التواصل أو الاتصال البشري المشترك هي قضية مشتركة بين النظريات النقدية، كما أكّد "ياوس" في ردّه على اعتراض بأن نظرية التلقي، لا تشغل إلا جانباً واحداً من علاقة أوسع نطاقاً. إذ رأى "أن العملية الأدبية في مجملها، لا مجرد تلقي الأعمال الأدبية، ينبغي أن تكون هي الموضوع النهائي للدراسة"(66). وقد توصل "إيرز" إلى نتائج مماثلة فيما يتعلق بأهمية الاتصال"(67)، وضرورة تقدير وظائف الإنتاج والتلقي والتفاعل بينهما"(68). أما الجاحظ، فقد شغلته كثيراً، قضية الاتصال البشري، وركّز عليها منذ البداية، وفي جميع مؤلفاته. ويمكن القول: إنه في كتاب البيان والتبيين، عالج هذه المسألة بكل جوانبها، إذ طرح قضية اللغة ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع والمتكلم، ومن خلال تناوله لمتاعب الاستعمال اللغوي، توصل إلى أن سوء الاستعمال اللغوي، قد يقضي على التواصل، ولهذا نراه يستهل كتاب البيان والتبيين بقوله: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل"(69)، فالفتنة بنوعيها: فتنة القول وفتنة العمل، تناقض التواصل، ولهذا ألحّ على التحذير منها أكثر من مرة، وفي أكثر من موضع"(70). ويضيق المجال، هنا، لاستعراض آراء الجاحظ المتعلقة بالتواصل الأدبي، فهي تحتاج إلى بحث واسع، ويمكننا القول، بالإجمال، إن الجاحظ قبل المستويات اللغوية جميعها، حرصاً على التواصل بين المتكلم والمتلقي أو بين المنتج والمتلقي، لكنه كان يميل ـ كما رأينا ـ إلى مستوى يخفف من حدّة الصراع الثقافي في عصره، مستوى يقوم على السخرية والفكاهة القائمة على التأويل الذي يحمي من التناحر. الخاتمة: وبعد، ألم نجد في كل ما قدمناه من آراء للجاحظ، إرهاصات، أو سبقاً لمعظم الرؤى والأفكار، التي طوّرها رواد نظرية التلقي الألمانية؟ ألم يكن الجاحظ، من أوائل الذين حوّلوا الاهتمام إلى القارئ، أو إلى محور النص ـ القارئ؟ ألم يطرح قضايا بين أهمية القراءات المتعاقبة في صياغة التاريخ الثقافي أو الأدبي، وتظهر دور القارئ في إعادة إنتاج النصوص، وتأويلها، من خلال التفاعل معها؟ وإذا كان الأمر خلاف ذلك، فَلِمَ طالب بقارئ متحرر، وبقراءة مُوحدة لجزئيات الكتاب؟ نعم، لقد كان الجاحظ واعياً لكل هذه المسائل، ولمسائل أخرى كثيرة، تتعلق بالتلقي الأدبي، طرحت في هذا البحث. وكل ما أرجوه، أن يقيّض الله لأدب الجاحظ، ولغيره من أدبنا القديم، قارئاً صبوراً، مطلعاً، واعياً، غيوراً على هذا الأدب، يستطيع أن يتوصل إلى أصول لنظرية عربية في التلقي فيعيد صياغتها، لأنني، كما قال الدكتور عز الدين إسماعيل(71): "لا أشك في أن الفكر النقدي العربي، في جملته... ينطوي على رؤى وأفكار، يمكن أن تنتظم حول نشاط التلقي الأدبي أو الفني، وأن تُنمّى لتصنع في النهاية، إطاراً نظرياً خاصاً، يكون بمثابة تطوير أو إضافة إلى النظرية العامة. المصادر والمراجع 1 ـ الأدب العام والمقارن: دانييل ـ هنري باجو ـ ترجمة غسان السيد ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997. 2 ـ أمراء البيان: محمد كرد علي ـ القاهرة ـ مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1937. 3 ـ البخلاء: الجاحظ ، بيروت ـ دار الكتاب العربي ـ الطبعة الأولى 1968. 4 ـ البيان والتبيين: الجاحظ ـ بيروت ـ دار الكتب العلمية ـ دون تاريخ. 5 ـ التيارات والمذاهب الفنية في العصر العباسي(2): محمود الربداوي ـ دمشق ـ مطبعة الإنشاء ـ 1981-1982. 6 ـ الحيوان: الجاحظ ـ تح: عبد السلام محمد هارون ـ مصر ـ مكتبة مصطفى البابي الحلبي وشركاه ـ دون تاريخ. 7 ـ شعرنا القديم والنقد الجديد ـ وهب روميه ـ الكويت ـ سلسلة عالم المعرفة ـ عدد 207 آذار 1996. 8 ـ العبقرية: بنيلوبي مرَّي ـ ترجمة محمد عبد الواحد محمد ـ مراجعة عبد الغفار مكّاوي ـ الكويت ـ سلسة علم المعرفة ـ عدد 208 نيسان 1996. 9 ـ الفن ومذاهبه في النثر العربي: شوقي ضيف ـ طبعة دار المعارف بمصر ـ الطبعة السادسة. 10 ـ محاورات مع النثر العربي: مصطفى ناصف ـ الكويت ـ سلسلة عالم المعرفة عدد 218 شباط 1997. 11 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموي ـ القاهرة ـ مطبعة دار المأمون ـ الطبعة الأخيرة ـ دون تاريخ. 12 ـ النثر الفني وأثر الجاحظ فيه: عبد الحكيم بلبع ـ القاهرة ـ مطبعة الرسالة ـ طبعة عام 1955. 13 ـ نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها: حسن مصطفى سحلول ـ دمشق ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب 2001. 14 ـ نظرية التلقي: تأليف روبرت هولب ـ ترجمة: عز الدين إسماعيل ـ النادي الأدبي الثقافي بجدة ـ الطبعة الأولى 1994. (1) أستاذ جامعية سورية. (2) ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ج16، ص75. (3) السابق، ص106. (4) ينظر في تعريف العبقرية كتاب العبقرية (تاريخ الفكرة)، تأليف بنيلوبي مرِّي، ترجمة محمد عبد الواحد محمد، مراجعة د. عبد الغفار مكاوي: سلسلة عالم المعرفة، عدد نيسان 1996، ص14. (5) المرجع السابق، ص13. (6) من هؤلاء محمد كرد علي في "أمراء البيان"، وشوقي ضيف في "الفن ومذاهبه في النثر العربي"، وعبد الحكيم بلبع في "النثر الفني وأثر الجاحظ فيه"، ووديعة طه النجم في "الجاحظ والحاضرة العباسية" وغيرهم. (7) النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، عبد الحكيم بلبع، ص237-238. (8) يمكن العودة إلى ما كتبه الجاحظ عن الموسوسين في كتاب البيان والتبيين، ج3، ص188-193. (9) النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، ص242. (10) الحيوان، ج3، ص40. (11) أمراء البيان، ص339. (12) ينظر في ذلك دفاع الجاحظ عن الضحك في مقدمة كتاب البخلاء، وكذلك قصص البخلاء أنفسهم. (13) النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، ص266. (14) الحيوان، ج6، ص35. (15) أمراء البيان، ص396. (16) التيارات والمذاهب الفنية في العصر العباسي(2)، ص476. (17) ينظر الأدب العام والمقارن، تأليف دانيي ـ هنري باجو، ترجمة د. غسان السيد، ص77. (18) نظرية التلقي تأليف روبرت هولب، د. عز الدين إسماعيل، ص152. (19) نظرية التلقي، ص172. (20) نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها، دكتور حسن مصطفى سحلول، ص10. (21) نظرية التلقي، ص154. (22) المصدر السابق نفسه. (23) الأدب العام والمقارن، ص77. (24) نظرية التلقي، ص202. (25) المصدر السابق نفسه، ص204-205. (26) نظرية التلقي، ص50-52. (27) ص23. (28) ص7. (29) نظرية التلقي، ص65-66. (30) الفصل الثاني، المؤثرات والإرهاصات"، ص65-142. (31) محاورات مع النثر العربي، د. مصطفى ناصف، ص64. (32) المصدر السابق نفسه. (33) الحيوان، ج3، ص7. (34) الحيوان، ج1، ص93-94. (35) ينظر في ذلك كتاب الحيوان، ج1، ص38-86. (36) الحيوان، ج1، ص55. (37) المصدر السابق نفسه، ص85-86. (38) ج1، ص39. (39) الحيوان، ج1، ص42. (40) البخلاء، ص9. (41) ج1، ص10-11. (42) الحيوان، ج1، ص85. (43) المصدر السابق نفسه، ص3. (44) الحيوان، ج1، ص11-12. (45) ينظر في حجج سهل، رسالته في مدح البخل التي استهلّ بها الجاحظ كتاب البخلاء. (46) نظرية التلقي، ص229. (47) إيرز، فعل القراءة، ص202، عن نظرية التلقي، ص29-30. (48) نظرية التلقي، ص215. (49) المصدر السابق نفسه. (50) المصدر السابق نفسه، ص216. (51) الحيوان، ج1، ص37-38. (52) الساجور: الخشبة التي توضع في عنق الكلب، وسجر الكلب والرجل وضع الساجور في عنقه لسان العرب مادة سجر. (53) العضيهة: الكذب والبهتان. (54) الحيوان، ج1، ص41-42. (55) المصدر السابق نفسه، ص39. (56) ينظر في دور الضحك والسخرية في تهذيب الأخلاق، البخلاء، ص10. (57) محاورات مع النثر العربي، ص89. (58) محاورات في النثر العربي، ص89. (59) المصدر السابق نفسه، ص89-90. (60) إيرز فعل القراءة، ص87، عن كتاب نظرية التلقي، ص231. (61) نظرية التلقي، ص231. (62) فعل القراءة، ص72-74، عن نظرية التلقي، ص209. (63) نظرية التلقي، ص222. (64) المرجع السابق نفسه، ص231. (65) المرجع السابق نفسه، ص173. (66) نظرية التلقي، ص252. (67) المرجع السابق نفسه، ص252-254. (68) للإطلاع على آراء ياوس وإيرز في الاتصال يمكن العودة إلى الفصل الرابع من كتاب نظرية التلقي لروبرت هولب. (69) البيان والتبيين، ج1، ص2. (70) كتاب الحيوان، ج1ـ ص19. (71) في مقدمته لترجمة كتاب نظرية التلقي: ص29. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |