مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 106 السنة السابعة والعشرون - تموز 2007 - جمادى الآخرة 1428
Updated: الاحد, أيار 25, 2008 01:04 م
فهرس العدد
 

الدلالة اللغوية والتاريخية لكلمة «عرب» ـــ محمد المختار العرباوي ـ تونس

من الكلمات ذات الأهمية الكبرى في تاريخنا اللغوي ـ الثقافي، من أقدم أطواره إلى أحدثها، كلمة «عرب»التي تناولها عدد من الباحثين في سياقات مختلفة. وبالرغم مما كتب حولها فما يزال الغموض يكتنف نشأتها وتطور دلالاتها عبر دهور طويلة. وما هذه الدراسة المتواضعة إلا مساهمة في إجلاء الغموض، وهذا لا يكون إلا عندما نظفر بالمعنى الأصلي الأول الذي وضعت له ونعرف ما هي الملابسات التاريخية التي أثّرت فيه وطوّرت دلالته.

أ ـ معناها الأصلي القديم:

تشكّل الأسماء مصدراً أساسياً للمعرفة، لكونها مكوّناً رئيسياً للمعجم اللغوي وذات صيغ ومضامين مختلفة، يمكن للباحث أن يجد فيها من الدلالات والإشارات ما يساعده على التوصّل إلى معلومات جديدة، وكلمة «عرب» بما لها من المكانة الخاصة في التاريخ الثقافي للعرب، فلا يمكن، في هذه الحالة إلا أن تكون ذات ملابسات تاريخية ثقافية مهمة. وهذا ما يهمّنا معرفته بشأنها، بالاعتماد على المعاجم العربية والوثائق الكتابية القديمة في المناطق المجاورة للجزيرة العربية (العراق، الشام، مصر...).

وعند الاطلاع على المعاجم العربية، يفاجأ المرء بسعة استعمال هذه الكلمة، وكثرة معانيها وصيغها الصرفية، وهي صيغ متطورة، مسايرة لقواعد الصرف المعروفة، وهذا ما يدل على حداثة هذه الصيغ. أما المعاني فجلّها من قبيل الإبانة والإظهار والإظهار والإفصاح، كما في هذه الأمثلة:

أعْرب الرجل:

أبان وأفصح، أو تكلم بالفحش([1]) (مظهرا البذاءة ومبيناً عنها).

عَرّب عن القوم:

بيّن عنهم.

أعْرَب الحصان([2]):

صَهَلَ فعُرف عِتقه بصهيله (أي مفصح عن أصالته ومبين عنها)

امرأة عَرُوب أو عَرِبة([3]):

الضحّاكة، المتحبّبة، العاشقة، العاصية لزوجها (أي المظهرة لهذه الحالات النفسية والمبينة عنها).

التعريب([4]):

قطع سعف النخيل، وهو التشذيب المظهر لحالة لم تكن موجودة من قبل، وفي هذا معنى الإبانة.

عَرِبَت معدته عَرَبا([5]):

فسدت، فهي عَرِبَة أي مظهرة للحالة التي أصبحت عليها.

العَروبة، عروبة:

باللام وبدونه، اسم ليوم الجمعة([6]).

هذه المعاني وغيرها من المعاني المشابهة التي لم تذكر، لا بدّ أن تكون ناشئة عن معنى قديم، فيه انتقال إلى الظهور وذو علاقة بمعنى الإبانة والإفصاح.

وبتصفح المعاجم والتدقيق فيها استوقفتني هذه الأمثلة:

بئر عَرِبَة([7]):

كثيرة المياه.

نهر عَرِب([8]):

غَمْر (ذو مياه كثيرة).

العَرَبَة([9]):

النهر الشديد الجري.

العَرِب([10]):

الماء الكثير الصافي.

التعريب([11]):

الإكثار من شرب الماء العَرِبِ.

هذه الصيغ من مادة «ع.ر.ب» متعلّقة كلها بالماء الكثير. ولكن أي ماء كثير تعني؟ إنها تعني ـ بكل تأكيد ـ الماء الكثير المتجدّد، والماء الكثير المتجدد هو الماء المتدفق على الدوام الذي يمكن وصفه بـ«العَرِبِ» فبئر عَرِبة أي ذات منابع قوية تجعل ماءها المتدفّق كثيراً. ونهر عَرِب أي ذو مياه متدفقة بكثرة، وهذا يعني أن كلمة «عَرِب» لا توصف بها مياه السيول ولا مياه السباخ الراكدة، وإنما توصف بها المياه الحلوة الصالحة للشراب، مياه الآبار والينابيع والأنهار.

والمعنى القديم المبحوث عنه، هو وصف الماء بالعَرِب. والماء العَرِب هو الماء المتجدد، المتدفّق، المظهر لذاته بعد خفاء والمفصح عن نفسه والمبين عنها. ومن هنا أخذ معنى الإبانة والإفصاح المتداول في أدبنا العربي من قديمه إلى حديثه. وفي هذا انتقال من الماديّ المحسوس إلى ما هو مجرّد من المعاني والأفكار.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كلمة «عرب» في استعمالها الأوّل، ليست بمعنى «الماء» وإنّما هي وصف له مثل: عذب، حلو، زلال.

والمهم هنا ارتباط كلمة «عرب» بالماء. وفي هذا إشارة واضحة إلى بعض الحقائق، حقائق واقع الجزيرة العربية في أزمنتها القديمة، فقد أكّدت الدراسات المناخية وأبحاث ما قبل التاريخ، أن الجزيرة العربية كانت خصْبة، وفيرة المياه، وذات غطاء نباتي كثيف، خلال الدورة الجليدية الأخيرة (دورة ورم Wurm)([12]) وحتى عندما انتقلت إلى مرحلة الجفاف، فإن الفترة ما بين 9000 و6000 سنة ق.م من العصر الحجري الحديث كانت بصفة عامة ذات مناخ رطب ومعتدل([13]) ومن غير شك فإن أحوال البيئة هذه مدعاة لولادة بعض الألفاظ منها ما يتعلق بالماء، فكانت لفظة «عرب» التي هي فعلاً بنت المرحلة السابقة لاشتداد الجفاف، عندما كانت المياه وفيرة ذات المناظر الخلابة في الشلالات والينابيع والأنهار، تحفّ بها غابات كثيفة من الأشجار والنباتات المختلفة.

ب ـ أصل التسمية بها:

بتزايد الجفاف وتناقض كميات الأمطار ونضوب الينابيع والأنهار شيئاً فشيئاً في الألف السادس قبل الميلاد([14]) وما بعدها. اضطرت جماعات كثيرة إلى الارتحال هنا وهناك لارتياد الكلأ وتتبع مظانّ المياه. وكان هذا السعي الدائب وراء الماء العَرِب مدعاة إلى أن تتسمّى تلك الجماعات بكلمة «عرب» وليس هذا بالأمر الغريب، إذ نجد في نوع الظروف التي مرّت بها بعض أقطارنا ما يشبه هذه الحالة ففي القطر التونسي على سبيل المثال:

ـ نجد أصحاب الأغنام، تضطرّهم الظروف إلى أن يتنقلوا بأغنامهم، في بعض المواسم، إلى حيث تتوفّر المراعي والبقاء بها مدة هناك ثمّ يعودون، وكانوا يسمّون أنفسهم ويسميهم الناس أيضاً «العَزّابة»([15]).

ـ كذلك، في السابق كانت بعض الجماعات من الجنوب والوسط تتجه شمالاً إلى حيث توجد حقول الحبوب، فتشارك في الحصاد وتعود بالمؤونة. وهؤلاء أيضاً يسمّون أنفسهم ويسمّيهم الناس «الهَطّاية»([16]).

وهكذا تتضح لنا أصل التسمية بكلمة «عرب». فكانت في الأول صفة للماء الصالح للشراب، ثم صارت عَلَماً للباحثين عنه.

ولا بد في هذا الصدد من الوقوف عند كلمة «عَرَبة» لأهميتها، وبما أنها اسم للنهر الشديد الجري، فهي إذن ذات دلالة مكانية إلى جانب دلالتها على الماء «العَرِب». وبعبارة أخرى فهي المكان الذي به الماء العَرِب. ومن هنا وجدنا القدامى تحدّثوا عن «عَرَبة» بناحية المدينة([17]) وعن «عَرَبة» (قرية) في أول وادي نخلة من جهة مكة([18])، وأخرى بفلسطين([19]) ويذكر الزبيدي أن كلمة «عرب» قد تكون «عَرَبة» سقطت منها التاء([20]).

والمعروف أن التحوّلات التي طرأت على البيئة بحكم اشتداد الجفاف المتواصل، دفعت بالبعض من الجماعات إلى تعاطي العمل الفلاحي، وتجلّت مصارعتها للجفاف فيما ابتكرته من نظام الأفلاج والسدود والإرواء. وبهذا الاستقرار، ظهرت القرى التي مهّدت لظهور المدن في المراحل اللاحقة، كما دفع الجفاف بعض الجماعات الأخرى إلى تعاطي الرعي والانتجاع لارتياد الكلأ وتتبع مساقط الأمطار ومظانّ المياه، وهذا النمط من العيش تطلّب وسائل سكنية ملائمة للانتجاع، وهو ما أدى إلى ظهور الخيمة التي كانت البداية الحقيقية لظهور البداوة. كما تطلّب الأمر أيضاً وسائل نقل أفضل. فالحمار لم يعد مناسباً لعدم قدرته على تحمّل مشقّة العطش وطول السفر. وكانت النتيجة لهذه الحاجة الملحّة تدجين الجمل، والغالب على الظنّ أن هذا التدجين تمّ في الألف الرابع قبل الميلاد([21]).

وهكذا فقد أفضت التحوّلات البيئية والاجتماعية إلى نمطين اجتماعيين: نمط سكان القرى الذين سمّوا فيما بعد بالحضر، ونمط البداوة القائم على الانتجاع الدائم. وانعكست هذه التطوّرات على الحقل اللغوي فكان من ذلك أن تسمّى سكان القرى بلفظة «عرب» لعيشهم حول الينابيع، وبهذا انتقل المفهوم المكاني لكلمة «عَرَبَة» إلى الدلالة على المستقرين حول الماء، الماء العَرِب. ولذا فإن ما قاله الأزهري من أن العرب «سمّوا عرباً باسم بلدهم العربات»([22]) لم يكن مجانباً للصواب. أما الجماعات المنتجعة فتسمّت بلفظة «أعراب» والتحوير الطارئ على صيغتها هو من قبيل التفريع والتنويع في المعاني كما في «كَرُمَ» على سبيل المثال، فيمكن أن نفرّع عنها بعض المعاني بإضافة بعض الحروف إليها فنقول: تكرّم، إكرام، مكرمة...

وباستقرار النمطين السابقين: الحضري والبدوي في الجزيرة العربية، كان ينظر للثاني على أنه أقلّ شأناً من الأول. فالأعرابي «إذا قيل له: يا عربيّ، فرح بذلك وهشّ له والعربي إذا قيل له: يا أعرابيّ غضب له»([23]). كما وصف القرآن الأعراب بأنهم أشدّ كفراً ونفاقاً. فهذا التفوّق لكلمة «عرب» جعلها تسود وتكون علماً للجميع من حضر وبدو وتصبح عنواناً لهويتهم وتعبيراً عن سماتهم الثقافية والحضارية.

والخلاصة أنّ كلمة «عرب» بصفتها علماً على جنس ظهرت مع اشتداد الجفاف فيما بين الألف السادس والألف الخامس قبل الميلاد ثم تطوّر معناها ـ كما رأينا ـ في ظلّ التحوّلات البيئية والاجتماعية في الألف الرابع قبل الميلاد، فاختصّ سكان القرى بلفظ «عرب» واختص سكان البوادي بلفظ «أعراب» ثم سادت في النهاية كلمة «عرب» وصارت علماً على الجميع. وهي سيادة ـ بحكم ظروفها ـ قديمة، وقديمة جدّاً على عكس ما ذهب إليه بعض الباحثين([24]) في تقديراتهم، بدليل ما وجدناه في وثائق الأطراف الخارجية التي تؤكّد أن لفظة «عرب» بصفتها علماً على الأقوام العربية وعلى بلادهم معروفة لدى هذه الأطراف ومردّدة في وثائقهم. وأقدم ذكر([25]) لها اهتدي إليه في وثائق الشرق الأدنى يرجع إلى عهد الملك الآشوري «شيلمنصر الثالث» (858 ـ 824 ق.م) الذي سعى إلى توسيع إمبراطورية وبسط نفوذها على بلاد الشام، ممّا أدّى إلى خوض عدّة معارك، منها معركة «القرقار» على نهر العاصي سنة 853 ق.م التي وقع الانتصار فيها على دويلات المنطقة المتحالفة مع بعضها (دمشق، حماه، أرواد...) ومن المتحالفين الأمير العربي «جندب» (جندبو، جنديبو) الباسط نفوذه على البادية المتاخمة للحدود الآشورية والمساهم في هذه المعركة بـ 1000 راكب على الجمال.

دوّنت هذه المعركة ضمن كتابة تذكارية تسجّل ما حصل ما انتصارات عسكرية على الجميع بما في ذلك الأمير العربي «جندب» وبذلك كانت لفظة «عرب» ضمن هذا النص التذكاري لمعركة «القرقار»([26]).

المصادر

1 ـ تاج العروس: الزبيدي.

2 ـ الرسومات الصحرية لما قبل التاريخ في شمال المملكة العربية السعودية ـ مجيد خان، وزارة المعارف ـ الرياض 1993 ـ ص 117.

3 ـ الصحاح ـ الجوهري ـ تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار الكتاب المصري بمصر 1956 ج1، ص 179 مادة «عرب».

4 ـ العرب في ضوء المصادر المسمارية: رضا جواد الهاشمي ـ مجلة كلية الآداب ـ بغداد عدد 23 ملحق 78.

5 ـ لسان العرب ـ ابن منظور ـ تصنيف: يوسف الخياط، دار لسان العرب بيروت.



([1])      الجوهري: الصحاح ـ تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار الكتاب المصري بمصر، 1956، ص 179 مادة «عرب».

([2])      ابن منظور: لسان العرب ـ تصنيف يوسف الخياط، دار لسان العرب بيروت.

([3])      ابن منظور: المصدر نفسه.

([4])      ابن منظور: المصدر نفسه.

([5])      ابن منظور: المصدر نفسه.

([6])      سمي يوم الجمعة بذلك ـ حسب ابن جني ـ لكونه «أظهر أمراً من بقية أيام الأسبوع، لما فيه من التأهب لها والتوجه إليها، وقوة الإشعار بها» الخصائص ج1، ص37 تحقيق محمد النجار، الطبعة الثانية القاهرة 1952.

([7])      ابن منظور: المصدر نفسه.

([8])      ابن منظور: المصدر نفسه.

([9])      ابن منظور: المصدر نفسه.

([10])    ابن منظور: المصدر نفسه.

([11])    ابن منظور المصدر نفسه.

([12])    تبدأ هذه الدورة من 120.000 سنة ق.م. وتنتهي في 18.000 سنة ق.م.

([13])    مجيد خان:  الرسومات الصحرية لما قبل التاريخ في شمال المملكة العربية السعودية. وزارة المعارف ـ الرياض 1993 ـ ص117.

([14])    مجيد خان: المصدر نفسه ص 118.

([15])    من «عزّب، عزوبا»: بعُد وغاب ـ والعازب: الكلأ البعيد المطلب. والمعزاب: من يعزب أن يبعد بماشيته طلباً للمرعى.

([16])    من «هطا: إذا وثب». والهطاية: هم الذين انتقلوا إلى مواطن الحصاد، فكأنهم وثبوا إليها.

([17])    ابن منظور: المصدر السابق.

([18])    الزبيدي: تاج العروس.

([19])    الزبيدي: تاج العروس.

([20])    الزبيدي: تاج العروس.

([21])    هناك اضطراب في تحديد فترة تدجين الجمل، فهناك من يرى أنه دجن في مطلع الألف الأول قبل الميلاد ـ عثمان في التاريخ ـ وزارة الإعلام 1995 ص 72. وهناك من يرى أنه دجّن في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد (رضا جواد علي: تاريخ الإبل في ضوء المخلفات الآثارية والكتابات القديمة ـ مجلة كلية الآداب / جامعة بغداد 1978 ملحق ـ عدد 23) وهناك من يوغل به إلى ما هو أبعد من ذلك مثلما ينسب إلى الباحث «ريبنس» الذي يرى أن التدجين تمّ حوالي 4500 ـ 5000 ق.م (أورده «مجيد خان»، في كتابه، الرسومات الصخرية... ص123 ـ انظر هامش 32.

([22])    الزبيدي: تاج العروس.

([23])    ابن منظور: مصدر سابق.

([24])    ومن هؤلاء الدكتور جواد علي الذي يرى أن تعميم هذه اللفظة «يرجع إلى ما قبل الإسلام ولكنه لا يرقى تاريخياً إلى ما قبل الميلاد، بل لا يرقى عن الإسلام إلى عهد بعيد» ويكرّر الفكرة نفسها في موطن آخر أثناء حديثه عن العرب والآشوريين ـ انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج1 ص13 وص 574.

([25])    يذكر «ولفنسون» أن سرجون الأول اتجه إلى الجزيرة العربية صحبة ابنة «تازان» وقاتل قبائل عربية ذكرت في الآثار البابلية باسم عرب ملوكه أو عرب ملوكه وعرب مجان أو معان ـ ص 29. والمعروف أن سرجون الأول وابنه ظهر في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، وحسب هذه المعلومة فإن ذكر لفظة «عرب» في المدوّنات يعود إلى هذا التاريخ المتقدم جدّاً، ولكن لم يتوفّر لدي ما يؤكّد صحة هذه المعلومة وأوردها على سبيل الاطلاع.

([26])    رضا جواد الهاشمي: العرب في ضوء المصادر المسمارية ـ مجلة كلية الآداب ـ بغداد عدد 23 ملحق 98.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244