|
||||||
| Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
«النوادر» من التراث اللغوي إلى الاستعمال الوظيفي ـــ أ.د.حسين جمعة 1 ـ كتب التراث اللغوي والاتساع في الاستعمال: لا تزال اللغة العربية مدار عناية الباحثين والدارسين والمبدعين؛ وكل الغُيُور على صحة مفرداتها ومصطلحاتها، وتراكيبها وأساليبها؛ باعتبارها لسان الفكر والهوية، ووعاء التراث والثقافة، وصلة لقومها بالآخرين لما تمتلكه من قدرة على النمو والتطور والتفاعل في الحياة والمعرفة والعلم والفن والأدب. لهذا ألَّفَ الأجداد الكتب العديدة في اللغة والأدب والنقد والفقه والتفسير.. حفاظاً عليها من جهة وتأكيداً لقدرتها على مواكبة الحياة وشمولها على دلائل لا تنتهي من جهة أخرى، باعتبار ما تملكه من سعة في الأبنية والمادة، ولهذا قيل: إن معجم (لسان العرب ـ لابن منظور) حوى /120/ ألف مادة ولم يستوعب كلام العرب كله وما يعادل /16/ ألف جذر، على حين أن اللغة العبرية لا تزيد على /2500/ جذر، وأحيت هذه الجذور بعد اندثار كثير منها، علماً بأن هناك دولاً أحيت لغتها بعد موت محقق (علمياً ومعرفياً وتقنياً) مثل اليابان والصين، نظراً لكثرة حروفها، وتعقيد بنيتها ... ممّا يعني أن الأمة القوية في نتاجها المعرفي والعلمي والتقني و... قادرة على تطوير حياتها ولغتها، ولا سيما في إطار توسيع الدلالة، وتعريب المصطلحات، وفق المعايير المعتمدة لديها. وهذا ما تمتاز به العربية من قدرتها على استيعاب غيرها من اللغات في أحلك الظروف. وقد أكدت الكتب التي ألّفت في التراث اللغوي حقيقة الاتساع في استعمال العربية؛ ممّا يعني ثراءها ألفاظاً وتراكيب ومعاني... ومنها كتب في معجمات الألفاظ مثل (الصحاح ولسان العرب، والقاموس المحيط، وتاج العروس، وتهذيب اللغة؛ ومقاييس اللغة، ...) ومعجمات المعاني مثل (أساس البلاغة للزمخشري) و(المخصص لابن سيده)، و(فقه اللغة العربية للثعالبي/ ت 429 هـ)..). ومنها كتب في معاني الحروف مثل (حروف المعاني للزجاجي/ ت 340 هـ) و(الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي/ ت 749 هـ) و.... وصنفوا كتباً أخرى عرضت لخصائص اللغة وأسرار العربية مفرداتٍ وأساليب كما هي عليه الحال في (الخصائص، لابن جني/ ت 392 هـ)... و(المزهر للسيوطي/ ت 911هـ). ولم يغفلوا عظمة اللغة العربية في اشتمالها على ظواهر لغوية عدة فَصنعوا لها كتباً خاصة بها مثل (الأضداد، والفروق اللغوية، والتصحيف والتحريف، والغريب والحوشي)([1])؛ وتعرضوا للمعرّب والدخيل كما هو كتاب (المعرّب للجواليقي/ ت 540 هـ) و(شفاء الغليل في كلام العرب من الدخيل للخفاجي/ ت 977 هـ)... والتفتوا إلى المصطلحات في جوانب علمية ومعرفية وأدبية وفنية متنوعة فرادوا حقولاً فيها أكدت أسبقيتهم، كما أكدت حيوية العربية وقدرتها على التجدد والتطور في الدلالة بعد أن أثبتت قوتها في احتوائها لكل الألفاظ الدخيلة من اللغات الأخرى، ومن أبرز كتب المصطلحات (التعريفات للجرجاني/ ت 816 هـ) و(كشّاف اصطلاحات الفنون للتهانوي/ ت في القرن الثاني عشر الهجري). ولا مراء في أن اللغة العربية قد دخلت ميدان التفسير والفقه؛ وغيرهما مما اتصل بالدراسات القرآنية والحديث الشريف، دون أن ننسى ما يرتبط بقضية الإعجاز القرآني؛ وقيمة اللغة العربية في هذا الصدد([2]). وقد يقول قائل: يمكن أن نستوعب ما ذكرت من كتب التراث اللغوي وأثرها البيّن في الاتساع الدلالي للغة العربية، فكيف يمكن لهذا الشأن أن يتحقق في كتب (النوادر) التي عنونت البحث بها؟ ومن ثم ماذا نعني بالنوادر؟!!. 2 ـ (النوادر) من التراث اللغوي إلى الاستعمال الوظيفي: لا يختلف اثنان في أن لفظ (النوادر) جمع لكلمة (نادرة) والفعل (ندر)([3]) فنقول: ندر الشيء يندر ندوراً سقط، وشَذَّ، أي ما شذَّ وخرج من كلام الجمهور... وقيل: إنما يكون ذلك في النَّدْرة بعد النَّدْرة... ولهذا يقال: ندر الرجل: مات، لأنه يكون في العمر مرة واحدة وعليه قول ساعدة بن جؤيَّة الهذلي:
والنَّدْرة: القطعة من الذهب أو الفضة، وكل معدن نادر... وهناك معان أخرى لطيفة في دلالة (ندر) كلها تؤكد معنى الاتساع الوظيفي الذي استعمله العرب القدماء، فجئنا نحن فضيقنا على أنفسنا، إذ صار معنى النَّدْرة مختصاً بمعنى الطريف من الأمور والأشياء، والغريب غير المألوف. ويعد هذا المعنى أكثر شيوعاً في أيامنا من غيره، أما القدماء فقد اتجهوا في معنى (النوادر) إلى ((الألفاظ العربية غير المألوفة)) بصورتها الشمولية والمطلقة والتي صنفوها في كتب أطلقوا عليها كتب (النوادر) أو (الشوارد) أو (الشواذ)، ويلحق بها كل ما تعلق بكتب اللحن التي تتناول الأغلاط أو الأخطاء أو الخلل أو الاضطراب أو الترادف أو الاشتراك..... إذ كان القدماء يحرصون على إبراز الفصيح الأصيل المقدَّم عندهم، ويعرضون لأحوال كل لفظ من تلك الجهات، تأكيداً منهم لنفي الشوائب عن لغتهم، وإثباتاً لسعة الدلالة في العربية([4]). وإذا كان كتاب (النوادر في اللغة) (لأبي زيد الأنصاري الخزرجي/ ت 215هـ) وكتاب (الشوارد في اللغة للصّغَاني/ ت 650هـ، ـ وهناك من سماه بالنوادر)([5]) من أشهر الكتب التي وصلت إلينا (في باب النوادر فإننا لا ننسى كتباً أخرى تناولت هذا الاتجاه كتلك الكتب التي تحدثت عن الأحاجي والألغاز وصفات الإنسان والخيل والإبل والوحوش، والنبات والسلاح والأشربة... فضلاً عن الكتب التي تناولت الشواذ في اللغة. وكل ما أثبتنا يُصنَّف في كتب التراث اللغوي التي تعرضت للألفاظ غير المعروفة، والمجهولة الاستعمال؛ أو البعيدة عن متناول عامّة الناس، وإن عرف شيء قليل منها لدى الخاصة... ما يعني السعي الجاد والصادق إلى التوسع في استعمالها باعتبارها من الفصيح المهجور، لنتخلص من القاعدة الشائعة لدينا كما يقال: (خطأ مشهور خير من صحيح مهجور). ونعتقد بأن استعمال مثل (هذه النوادر؛ غريبة بعيدة كانت أم شاردة وشاذة، ومتعددة الأداء في طريقة النطق، مما اشتبه به اللحن) يمكن أن يقدّم للأمة خدمة جليلة، في إحياء العربية واستعمالها واتساع دلالتها مما يؤدي إلى ضبط اللسان والقلم فيبرأ من الخطأ والخلل والزلل والتعثر في أداء اللفظ والجمل وكتابتهما، وهذا يتيح للغة العربية القدرة على التجديد والابتكار، باعتباره واحداً من العناصر الحيوية الكامنة فيها، لمواكبة الحياة المعاصرة؛ والاستعداد للتفاعل مع كل ما يظهر من معارف وعلوم وتقنيات وفضائيات... حاضراً ومستقبلاً، وإلا انقلبت لغتنا إلى لغة متخلفة، جامدة، ما يؤول بها إلى الذوبان في غيرها، ومن ثم الموت. هكذا يتضح لنا أن أبا زيد الأنصاري وأمثاله كانوا يهدفون إلى تعقب نوادر اللغة الغريبة والمختلفة والبعيدة لشرحها وتوضيحها وذكر مشتقاتها، وكانوا يؤيدون رأيهم ـ أحياناً ـ بعدد من أشعار العرب وحكمها ووصاياها؛ ما يعني أنهم قَدَّموا خدمة جليلة في الحفاظ عليها من جهة، وإمدادها بثروة لغوية كانت عوناً للمفسرين والأدباء على تفسير ما لم يقعوا عليه في المعجمات وكتب اللغة الأخرى. وحين كان ذلك كذلك فإننا أردنا لهذه الكتب أن تغدو مادة قوية ودافعة للمعاصرين للاتساع في استعمال ما يحتاجون إليه منها في أساليبهم ومعانيهم... ما يشي بأننا نبتغي تجاوز ما قيل عن مفهوم دراسة التراث اللغوي والحفاظ عليه، أو ما قيل عن دراسة النحو والنحو الوظيفي القادر على إنتاج متلق يضبط الكلمات نطقاً وكتابة ليسلم القلم واللسان من الخلل والانحراف. وهذا ما نستشفه من عرض أبي زيد الأنصاري لفعل (راح) إذ قال: «ويقال: رُحْت بني فلان أروحهم رواحاً، إذ رحت إليهم أو رحت من عندهم. قال أبو حاتم والمازني: أو رحت عندهم»([6]). والرواح لا يكون إلا قبيل المساء([7])، على حين صارت الدلالة لدينا تعني الرواح مطلقاً. وفي هذا المقام لا يمكن للباحث أن يتجاهل الكتب التي تعلقت باللحن والأغاليط، سواء تخصصت في هذا الأمر أم اشتملت على أبواب شتى بما فيها باب (اللحن) مثل كتاب (الكامل في اللغة والأدب) لمحمد بن يزيد المبرد (ت 285هـ). ولفظ اللحن يدخل في باب النوادر من المعاني وقيل: لحَّن في قراءته إذا غَرَّد وطرب فاللَّحنْ: الغناء والتطريب وترجيع الصوت وعليه قول يزيد بن النعمان في وصف حمامة يتمايل بها غصن رطيب:
لحن الرجل يلحن لحناً، تكلم بلغته([8]) وهو ألحن الناس أحسنهم قراءة وفطنة وحجة وبرهاناً، وعليه قول الرسول الكريم « لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» أي أحسن فطنة وحجة. وقيل: لحن يلحن لحناً؛ إذا قال كلاماً لا يفهمه إلا صاحبه أو القلة؛ لدخوله في باب التورية والإلغاز والنوادر وصرفه عن جهته المقصودة وعليه قول القَتَّال الكلابي:
ويبدو أن ما نستعمله اليوم من معنى اللحن إنما يدخل في الطرب والغناء أو الخطأ والغلط وكل ما هو ضد الإعراب والإبانة والفصاحة، وعليه قول عمر (رضي الله عنه): (( تعلَّموا اللحن (أي الخطأ في الكلام) لتحترزوا منه)). فلحن فلان يلحن وهو لاحن ولحّان ولحَّانة ولُحَنة؛ إذا أخطأ وعدل عن الصواب، وعليه فسر قول مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري في وصف مغنية:
ومن أشهر الكتب المتخصصة في هذا الاتجاه الكتاب الذي أشرنا إليه بعنوان (تثقيف اللسان وتلقيح الجنان) لابن مكي الصقلي النحوي اللغوي. وهو يقوم على تصحيح الأغلاط اللغوية الشائعة على ألسنة الناس، ويصوب ما جرى على ألسنة الناس من توهم الغلط في قراءة القرآن الكريم، ـ وعرض له في إطار عرف عند الآخرين بشواذ القراءات ـ فضلاً عما تناوله في باب التصحيف والتحريف ثم يقف عند التداخل الذي وقع في الحديث الشريف وفي الفقه. ولم يزل الغلط شائعاً بين الناس قديماً وحديثاً، وطالما أنكره القدماء ووقفوا ضده؛ على حين ألفنا الخطأ واستمرأناه، وكرهنا الصحيح وهجرناه ما دعا بعض الغُيُورِ على العربية إلى تأليف معجمات حديثة لتصحيح الخطأ الذي شاع على الألسنة مثل كتاب (معجم الأخطاء الشائعة) لمحمد العدناني. ولسنا نشك في أن التواطؤ على اللحن/ الخطأ لا يبيح لنا الاستمرار فيه سواء كان في نطق اللفظ وأدائه، أم في تصحيفه وتحريفه، أم في حذف قسم من الحروف أو إبدالها... أم في ما وضع لغيره وليس له أم في التذكير والتأنيث أو...([9]) فمن باب الخطأ في الدخيل والتصحيف ما ورد في أسماء الأعلام مثلاً، كاسم (أزد شير ابن بابك) والصحيح أنه (أرد شير بن بابك)، واسم (زاذان بن فَرُّوخ) والصواب (راذان بن فروخ) وهو أحد رواة الحديث، و(راذان) موضع بالحجاز([10]) وفي هذا الباب من التصحيف ما وقع في شعر امرئ القيس([11]):
إذ أنشده كثير من الرواة (يغدو) وهو تصحيف وإذا كان التفاوت في استعمال اللغة الفصحى قد وقع قديماً بين القبائل العربية حتى تفرعت عنه دراسات شتى في الترادف والاشتراك؛ ومن ثم بيَّن الدارسون الأصول والفروع فيها، والتفاضل بينها فإن هؤلاء الدارسين قد سايروا النهضة المتجددة في استعمال البنية اللغوية وتراكيبها، وحاولوا تيسيرها كما وقع لأبي حيان في شرح (التسهيل) أو ما وقع للسيوطي في (المزهر). وإذا كان الاستشهاد بلغات العرب جائزاً وفق مبدأ التوسع في القياس فإنه لا يجوز لنا أن نقع في القياس على الغلط في باب تيسير النحو أو تجديده، محتجين بالعودة إلى بعض ألفاظ لهذه القبيلة أو تلك. ولعل هذه المسألة التي تدخل في باب التخصص الشديد في صميم دراسة اللغة مثل (مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين)([12]) ورأي البغداديين([13])، تؤكد أن اللغويين القدامى لم يتفقوا على رأي صميم في رد الكلام العربي الفصيح إلى النادر شاذاً كان أو شارداً أو مختلفاً عليه، وأغلبهم ذهب إلى تبني المشهور المعروف المتداول بين القبائل كافة. وهذا الأمر لا يلغي التجديد والابتكار في اللغة العربية، إذ تطورت وارتقت في الألفاظ والأساليب، ولا سيما أن «لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلم أنه يحيط بجميع علمه إنسان» كما قال الإمام الشافعي([14]). فالعربي «إذا قويت فصاحته وسمت لغته تصرف وارتجل ما لم يسبقه أحد به، فقد حكي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظاً لم يسمعاها ولا سُبقا إليها»([15]). ومهما تكن الأسباب عند القدماء لاستعمال النوادر في اللغة فإن مواكبة التفجر المعرفي والعلمي والتقني... هي التي تدعونا إلى كل ما ينتمي إليها في المكتوب والمسموع من كلام العرب، وفي كل ما يؤيد أنه كان يوماً ما حكاية بعينها عن العرب. ولعل هذا يمنح لغتنا «قوة وسعة وقدرة على مسايرة الحياة المتجددة بمستحدثاتها العلمية والحضارية، وإلا أصيبت بالجمود والركود، والتخلف. وهذا شر ما تصاب به اللغة، وينظمها في عداد اللغة الميتة»([16]). وعليه فإذا كان تجديد النحو العربي ضرورة ملحة في عصرنا ليصبح نحواً فاعلاً ومرتبطاً بحياة الناس من أجل أن يقوم بوظيفة ثقافية معرفية واجتماعية كبرى، على اعتبار أن النحو يعدُّ مدخل اللغة إلى العلوم العربية والإسلامية جميعها فإن ما نرمي إليه يعد أبعد مما ورد في الكلام على تجديد النحو؛ علماً بأن ما تركه لنا الأجداد من تراث نحوي يحثنا على اتخاذ الخطوات السريعة لإصلاح ما كانوا قد بدؤوا به ليتشكل وفق مقتضيات الحياة المعاصرة دون أن نتنكب جادة الابتعاد عن قواعده وقوانينه المتطورة... فالأجداد إنما وضعوا النحو لحل مشكلات الخطأ لا ليتعبدوا له... واستندوا في استنباط قواعده ونظمه إلى كلام العرب نثراً وشعراً. وحين تعددت آراؤهم النحوية فإنما كانت السبب وراء تيسيره والجري وراء تلك الآراء، ولعل كتاب (همع الهوامع للسيوطي/ ت 911هـ وكتاب (شرح الأشموني على ألفية ابن مالك ت/ 900هـ) من أعظم الكتب التي تناولت هذه المسألة. ومن ثم فإننا نرى أن ما انتهى إليه النحويون من آراء متعددة لا تقع في باب الاضطراب والاختلاف والتعارض، وإنما تقع في باب التوسع في استعمال كلام العرب، وهو اتساع يفيد اللغة ولا يوقعها في التقوقع والانغلاق والقصور... ومن أمثلة ذلك ما ورد في باب (كان) عند الأشموني إذ قال: ((لا فرق في دخول (الباء) في خبر (ما) بين أن تكون حجازية أو تميمية))([17]). وقد جاء في صيغة (فواعل) أنها شاذة في جمع صيغة (فاعل) التي تعدُّ صفة للعاقل المذكر مثل (فارس ـ فوارس، هالك، هوالك، شاهد ـ شواهد....) ولما كان أصل الاستعمال مستمداً من مفهوم القياس فإننا نعتمد باب التوسع في هذه الصيغ المستعملة للأنثى (طائفة ـ طوائف...)([18]) ونادرة ـ نوادر، وعارفة ـ عوارف، وطالقة ـ طوالق، ... لتصل إلى غيرها من صيغ الكلمات المفردة المماثلة. ومما يقوي الاتجاه الذي ذهبنا إليه ما ورد في بيان وجوه شواذ القراءات القرآنية في كتاب (المحتسب) لابن جني، فقد جرد نفسه للدفاع عن الاحتجاج للشاذ فقال: ((غرضنا منه أن نُري وجه قوة ما يسمى الآن شاذاً، وأنه ضارب في صحة الرواية بجِرانه؛ آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه، لئلا يُرى أن العدول عنه إنما هو غضٌّ منه، أو تهمة له))([19]). وكان في ذلك كله يبين فصاحة أي كلمة وطريقة أدائها بردها إلى الفصيح الصحيح ـ وإن اختلفت تلك الطريقة بين العرب([20]) ـ أو يبين طريقة الإبدال في أحد الحروف كما في إبدال (الجيم) (ياء) في (شجرة) فقال ـ بعد أن أنشد قوله رؤبة: تحسبه بين الإكام شِيَرَة ((وإذا كانت الياء فاشية في هذا الحرف كما ترى فيجب أن تجعل أصلاً يساوق الجيم، ولا تجعل الجيم بدلاً من الياء في قولهم: رجل فقيمج أي فقيمي، وعَرَبانج أي عَرَباني))([21]). وفي الإلغاز والأحاجي كانت الشوارد والنوادر اللغوية تؤدي وظائف نفعية عدة منها الاستمتاع بطرافتها، وإثارتها للذهن على مسائل نحوية من أجل اتباعها فضلاً عن إثراء اللغة كما ورد في كتاب البيان والتبيين للجاحظ (ت 255هـ) في باب (اللغز في الجواب) ومنه: ((كان الحطيئة يرعى غنماً له، وفي يده عصا، فمرّ به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك؟ قال: عجراء من سَلَم ـ يعني عصاه ـ قال: إني ضيف. فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها))([22]). ولعل هذا اللغز يحدونا إلى ذكر الأحاجي اللغوية التي وردت في الأشعار والتي تعد باباً واسعاً من أبواب التعليم، في الوقت الذي تفيد الاتساع في الاستعمال؛ بمثل ما عُدَّت باباً من أبواب الشواهد النحوية التي يتملّح بها رواتها. ومن ذلك قول العباس بن مرداس السلمي:
فالشاعر يفاخر بقومه الذين يصمدون في السنة العجفاء، وهو يضرب لمن لا نستطيع دفع مفاخرته واعتزازه، على الرغم من أننا نعيش في ذلة وهوان، أما الرجل المنافق المخادع الذي يقول مساءً غير ما قاله صباحاً، ويسير بك في النميمة فإنك تقول له؛ ما قاله المثقب العبدي لابن عمه:
وفي ضوء ما تقدم لم يخطر في بالنا ـ لحظة واحدة ـ أن نشجع اللغة الرديئة، لأن من يشجع اللغة الرديئة فإنما تكون نظرته إلى الكون رديئة... ولكننا نقصد إلى إحياء التراث اللغوي في أنماطه المعروفة والبعيدة غير المستعملة لجعله وسيلة للاتساع في الاستعمال محادثة وكتابة. فالعناية بالتراث «ليس عملاً تاريخياً ماضوياً بقدر ما هو عمل حياتي، مستقبلي... والأمر لا يمكن أن يبقى، كما هو الآن، في حدود الوفاء النظري له والإشادة العاطفية به... وإنما هو كذلك أو مثل ذلك في الانتقاع به والوفاء لأنفسنا من خلاله... إنه ليس زينة، ولكنه سلاح ... وليس تباهياً وإدلالاً ولكنه مثل ذلك نوع من الإعداد، ولون من كسب الثقة بالنفس»([23])، كما قال المرحوم الدكتور شكري فيصل. ويظل «التراث هو التراث نفسه، لا يتكرر ولا يتعدد... لكن معرفته هي المتعددة بقدر ما تتعدد البنى الفكرية التي بها يقرأ التراث»([24]). وحين يقدم التراث اللغوي بأنماطه المتنوعة والثرية ذاته بين يدي المعاصرين فإنما يندمج بوظائف شتى للاستجابة لها كي يتحقق النفع المليء بالإمتاع والفائدة. فالرجوع إلى النوادر وتأملها وتدبرها يعني وضع اللفظ في موضعه الأصلي لمعرفته، ثم يضعه الناس حيث يحتاجون إليه. وهذا كله ما يتوافق مع النظرية الألسنية أو السيميائية الحديثة. ومن ثم تصبح العلاقة بين المعاصرة والأصالة علاقة نامية ومفيدة. والله من وراء القصد ([1]) انظر مثلاً كتاب (الأضداد لابن الأنباري/ ت 328 هـ) و(الفروق في اللغة) و(التصحيف والتحريف) وكلاهما لأبي هلال العسكري (ت 395 هـ). ([2]) انظر مثلاً كتاب (دلائل إعجاز القرآن) و(تأويل مشكل القرآن) (مجاز القرآن) و(تفسير غريب القرآن) و(تفسير غريب الحديث) و(النهاية في غريب الحديث) و(تأويل مشكل الحديث). ([4]) انظر مثلاً كتاب (إصلاح المنطق لابن السكيت/ت 244هـ) و(تقويم اللسان لابن الجوزي/ ت597هـ)، و(تثقيف اللسان وتلقيح الجنان لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي/ ت 501هـ)... وذكر كتاب (مصنفات اللحن والتثقيف اللغوي) للدكتور أحمد قدور ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1996م) عدداً من الكتب المشار إليها، انظر فيه (ص101 وما بعدها). ([5]) انظر الشوارد في اللغة ص56 و 81-82 ـ تحقيق عدنان عبد الرحمن الدوري ـ مطبعة المجمع العلمي العراقي ـ 1983م. ([13]) انظر اللغة والنحو بين القديم والحديث ـ عباس حسن ـ دار المعارف بمصر ـ ص 44 ـ 49، ومصنفات اللحن والتثقيف اللغوي ـ د. أحمد قدور ـ ص 35 و 38 و 55. |