|
||||||
| Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
الشوق إلى الماء أو الرحيل في قصيدة المديح عند الأخطل والفرزدق وجرير ـــ محمد باخوش(*) (*) أستاذ جامعي، جامعة بروفانس (إكس مرسيليا). ملخص ما أردت أن أثبته في هذا البحث هو أنّ الماء يلعب دوراً أساسياً في وحدة قصيدة المديح. فخاصية الرحيل الأولى هي انعدام وجود الماء. أما خاصية المديح فهي وجود الماء وبكثرة. ويتجلى هذا الوجود عندما يصف الشاعر كرم ممدوحه. انطلاقاً من هذه الملاحظة، تناولت بالدراسة والتحليل بعض مدائح الثالوث الأموي الشهير (الأخطل والفرزدق وجرير)، مركزا على الموتيفات والمعاني والقصص التي تبرز دور الماء في هذا الفن الشعري، ومبينا أن لكل هذه العناصر وظيفة ودلالات تحكم ربطها إحكاماً وطيداً بغرض قصيدة المدح. مقدمة: لا ينفي أحد اليوم أن هناك علاقة بين الشعر الجاهلي والشعر الأموي. ويلاحظ قارئ دواوين الشعراء الأمويين أنهم تأثروا تأثراً كبيراً بالشعراء الجاهليين. ولا غرابة في ذلك لأن الفارق الزمني بين العصرين لم يكن طويلاً. وجل شعراء العصر الأموي كانوا ملمّين بأشعار سابقيهم من الجاهلية وصدر الإسلام. فلذا فسحت قصائدهم مجالاً واسعاً لمعان وموتيفات عديدة اقتبسوها من التراث الشعري الجاهلي، ومن بينها القصص والأوصاف التي نجدها في الرحيل. وقبل الخوض في الكلام عن الرحيل في قصيدة المديح، يجب أن أوضح ما أريد أن أثبته في هذا البحث وهو أنّ الماء يلعب دوراً أساسياً في وحدة قصيدة المديح. فتضاعيف القصيدة، وخاصة الرحيل والمدح، حافلة بالكلام عن غيابه ووجوده؛ لذا قررت أن أبرز هذا الدور من خلال دراستي لبعض مدائح الثالوث الأموي الشهير: الأخطل والفرزدق وجرير. كما يجب أن أتوقف لحظة عند هذا النوع الشعري لأحدد التعريف الذي اعتمدته وانطلقت منه في دراستي هذه لهذا الموضوع، ما دامت القصيدة التي تنتمي لهذا الفن هي التي تشكل الإطار الذي ورد فيه. وسيمكّنني هذا التعريف من الوقوف على مكونات الرحيل الأساسية التي خصصت لها هذا البحث([1]). عرّف ابن قتيبة (ت. 89 م) في مؤلفه الشهير «الشعر والشعراء» بقصيدة المديح وذكر أن هذه القصيدة تتكون من البكاء على الأطلال والنسيب وأشار إلى أن دورهما هو شد انتباه السامعين، ثم انتقل بالكلام إلى الرحيل فقال إن الشاعر: «إذا (علم أنه قد) استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقّبَ بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشَكَا النَّصََبَ والسّهَرَ، وسُرى الليل وحَرَّّ الهَجِيرِ، وإنضاءِ الرَّاحلة والبعير. فإذا عَلِمَ أنَّه (قد) أوجب على صاحبه حقَّ الرجاء، وذمامة التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكارِهِ في المسير، بدأ في المديح [...]. »([2](. ولا يختلف تعريف ابن رشيق (ت. 1063 م) عن تعريف سابقه كثيرا، إذ نراه يكتب في «العمدة»: «والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز، وما أنضى من الركائب، وما تجشّم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود ليوجب عليه حق القصد وذِمام القاصد ويستحق المكافأة.»([3]). ما يبينه الكاتبان في هذين التعريفين وما يركزان عليه هو وظيفة الرحيل في قصيدة المديح، ونستنتج من قراءتنا للمقتطفين أن الرحيل يمكّن الشاعر من أن يوجب على ممدوحه «حق الرجاء، وذمامة التأميل وحق القصد وذِمام القاصد واستحقاق المكافأة». فابن قتيبة يبرز دور الرحيل ووظيفته في قصيدة المديح فجعل من السفر إلى الممدوح العنصر الذي يوجب الحقوق على هذا الأخير. ووجود كلمتي القصد والقاصد في تعريف ابن رشيق يربط الرحيل بالمديح ربطا وثيقا. فإذا نحن رجعنا إلى التعريفين، نلاحظ وهذه نقطة لم ينتبه إليها قراء ابن قتيبة وابن رشيق أن كلا الكاتبين يستعملان كلمات ذات مدلول قوي كحقوق وحق وذمامة وذمام وهذا الاستعمال له أهمية قصوى لأنه يوضح لنا رؤية هذين الكاتبين ووجهة نظرهما في العلاقة التي تخلقها قصيدة المديح بين الشاعر وممدوحه. فخطاب الشاعر في الرحيل وفي المديح وسيلة تخوله حقوقا في المكافأة وتوجبها على الممدوح. وبهذا المعيار تبدو هذه العلاقة بعيدة كل البعد عن الصفقة التجارية، وبعيدة كل البعد عن الصدقة. فما هو يا ترى نوع هذه العلاقة التي يكشف عنها هذا التعريف؟([4]). انطلاقا من هذين النصين، أعتقد أننا لن نزيّف ما جاء به الكاتبان ولن نجازف كثيراً إذا ما رأينا في العلاقة التي تربط الشاعر بممدوحه علاقة تبادل. يقدم الشاعر مديحا لممدوح ما ويقدم هذا الممدوح عطاء بالمقابل([5]). فالتبادل من أقدم العلاقات التي عرفتها المجتمعات الإنسانية، وقد اهتم علماء الاجتماع بدراسته اهتماماً كبيراً، ومن بينهم عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس (المتوفى سنة 1950) الذي أصدر كتابا عنوانه «رسالة في العطاء، شكل وسبب التبادل في المجتمعات القديمة»([6]). سنة 1925. ولقد اعتمد م. موس في هذا الكتاب على أبحاث Franz Boaz و Bronislaw Malinovski اللذين عاينا ظاهرة التبادل عند المجتمعات البولِنيزية، وفي صاموا، وعند الماوري في زيلندا الجديدة. يحدد م. موس التبادل في ثلاثة واجبات (أو ارتباطات أو التزامات): التبادل يوجب على المرء: ـ أن يعطي. ـ أن يقبل العطاء. ـ وأن يرد العطاء. ويضيف الباحث الفرنسي أن رفض إحدى هذه الواجبات يعني الحرب بين الطرفين. وهذه الواجبات الثلاثة واضحة جلية في التبادل الذي تنشئه قصيدة المديح بين الشاعر والممدوح. أمّا النقطة الثانية التي يمكن استنتاجها من هذين التعريفين فهي أن الرحيل يتكون من عنصرين أساسيين هما الفضاء والمطية. فكلا الكاتبين ركزا في النصين المذكورين على هذين العنصرين بذكرهما لـ «سرى الليل وحر الهجير وإنضاء الراحلة والبعير» (ابن قتيبة)؛ و«ما قطع [الشاعر] من المفاوز، وما أنضى من الركائب، وما تجشم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره». (ابن رشيق). وقبل التوقف عند هذين العنصرين والتعرض لهما بالدراسة والتحليل، أريد أن أشير هنا إلى أهمية الماء في قصيدة المديح، وإلى الدور الذي يلعبه في الوحدة العضوية لهذه القصيدة. وبإيجاز كبير أقول إن هناك تقابلا بين جزئي القصيدة المتكونين من الرحيل والمديح؛ فخاصية الرحيل الأولى هي انعدام وجود الماء كما سنرى ذلك. أما خاصية المديح فهي وجود الماء وبكثرة. ويتجلى هذا الوجود عند وصف الشاعر ممدوحه بالكرم. يقول الأخطل: شعر الأخطل، ص 8([7]): [الطويل]
ويقول في مدح المروانيين: اشعر الأخطل، ص 9:
ويقول أيضاً: شعر الأخطل، ص 19: [الطويل]
وكثيرا ما ترد كلمة سجال (وهو جمع لكلمة سجل، وتعني الدَّلو المملوءة ماء) لنعت عطاء الممدوح. قال الأخطل: شعر الأخطل، ص 39: [البسيط]
وجاء في مدح الأخطل لعبد الله بن سعيد بن العاص، شعر الأخطل، ص 56 : [الوافر]
وقال هذ الشاعر كذلك في بشر بن مروان، شعر الأخطل، ص 64 : [الطويل]
ومدح الأخطل يزيد بن معاوية قائلا: شعر الأخطل، ص 96 و ص 97 : [الطويل]
وقال الفرزدق: الديوان، ص 258 ـ 259 ([8]): [البسيط]
وقال كذلك: الديوان، ص 25: [البسيط]
وقال في قصيدة أخرى: الديوان، ص 253: [البسيط]
وقال جرير: الديوان، ص 276([9]): [البسيط]
وقال أيضاً: الديوان، ص 359: [الكامل]
ويقول في قصيدة أخرى: الديوان، ص 384: [الكامل]
وقال كذلك: الديوان، ص170: [البسيط]
نرى في هذه المقتطفات، وهي قليل من كثير، أن الشعراء استعملوا للدلالة على كرم ممدوحيهم، إما من باب الاستعارة أو التشبيه، مفردات تنتمي لمعجم لغوي يرتبط بالماء؛ فكفّا الممدوح عندهم غيث [الأخطل]، ويداه مثل خليجي دجلة الجاري [الفرزدق] وفي راحتيه الدم المعبوط والمطر [جرير]. كما جعلوا من الممدوح والممدوحين غيثا ينبت الأشجار [الفرزدق]، وعين ماء [الأخطل]، ومنهلاً ريّانَ ذا حبب [جرير] كما جعل الأخطل من ممدوحه معادلا للفرات، له فيض وجداول. واستعار جرير لنعت عطاء ممدوحه كلمتي الحيا والغيث. وذهب الأخطل والفرزدق بالقول إلى أن الناس تتشفع بممدوحيهما في الاستسقاء، فقال الأول إن العرب تستمطر بممدوحه السحاب، وقال الثاني بأن المطر يستسقى بممدوحه. وعبر الشعراء عن طلب المعروف مستعملين الفعلين استمطر [طلب المطر] واستورد [طلب الماء]: فذوو الحاجات عند الأخطل، يستمطرون من الممدوح عطاء كريم، ويستمطر الهلاّك نائل ممدوح الفرزدق، ويحث جرير مصاحبيه على أن يستمطروا نفحاتٍ من سيب ممدوحه وأن يستوردوا منهل هذا الممدوح الريان. واستعاروا كلمات مثل السجال، والندى، والسيب لنعت عطاء الممدوح وكرمه. ولقد عبروا كذلك عن إجزال الممدوح في العطاء بما يسمّى بالتشبيه الدائري، فقالوا إن النهر أو الفرات أو النيل أو البحر الهائج المزبد ليس بأوسعَ سيبا من الممدوح. الماء إذا هو الهدف المنشود وإليه يتجه الشاعر وعليه يبحث. لكن قبل الوصول إلى الماء عليه أن يمر بمحنة اجتياز فضاء معاد وقطعه. 1 ـ الفضاء: لا أريد الإطالة في الكلام عن هذا المكون الأساسي والأول للرحيل ؛ فسواء أشار الشاعر إلى الفضاء أم لم يشر فهو (أعني الفضاء) دائما موجود في هذا الجزء من القصيدة. إذ كثيرا ما يكون وجوده مضمرا في وصف الشاعر لمطيته؛ فكما نعرف، السبب الرئيسي في تعبها وفي إعجالها في الولادة وإجهاضها راجع إليه. كما يتجلى «عمل» الفضاء بوضوح في الوصف الإجمالي للناقة، فهي في بداية الرحيل جامعة لكل الخصال التي تؤهلها للسفر في الصحراء، من قوة ولياقة وسرعة، إلخ؛ وتنهيه وقد خارت قواها، وغارت عيونها وذاب سنامها ولحومها. فانهيار الناقة بعد قوتها في نهاية الرحيل يرجع للصعوبات وللمشقة التي تواجهها في قطع الفضاء الذي يجبرها الشاعر على قطعه. أ ـ أسماء الفضاء: وتأتينا أول خاصيات هذا الفضاء عبر تسمية الشاعر له؛ ولن أورد فيما يلي لائحة كل الأسماء التي نعت بها الشعراء الفضاء، ولكنني سأكتفي بذكر بعضها. ولابأس من أن أشير هنا إلى أن عدد هذه الأسماء أكبر بكثير من عددها عند الجغرافيين المسلمين في القرن الحادي عشر للميلاد (سبعة عند هؤلاء، مقابل سبعة عشر اسماً في ديوان الأخطل على سبيل المثال)([10]). ومن ضمن الأسماء التي استعملها الشعراء لنعت ما يطلق عليه عامة الناس اسم الصحراء: ـ فلاة ([11]): يقول الأخطل : [الطويل]
[الطويل]
ويقول الفرزدق: [الطويل]
[الطويل]
ويقول جرير : [الكامل]
[الطويل]
وفي ما يتعلق بهذه الكلمة، نقرأ في اللسان: «الفلاة: القفر من الأرض لأنها فُلِيَتْ عن كلِّ خيرٍ أي فُطِمَتْ وَعُزِلَتْ، وقِيلَ: هِيَ التي لا ماءَ فيها، فأقَلُّهَا للإبِلِ رِبْع([12])، وَأقَلُّهَا لِلْحُمْرِ وَالغَنَم غِبٌّ، وَأكثَرُهَا ما بَلَغْتَ مِمَّا لا ماءَ فِيهِ. وقيل هي الصحراء الواسعة، والجمع فَلاً وفَلَوات وفُلِيٌّ وفِلِيٌّ؛ [...]. قال الأزهري: «وسمعت العرب تقول نزل بنو فلان على ماء كذا وهم يَفْتَلون الفلاةَ من ناحية كذا أي يرعون كلأ البلد ويَرِدونَ المَاء من تلك الجِهة، وافتلاؤها رَعْيُها وطَلَب ما فيها من لُمَعِ الكلأ، كما يُفْلَى الرأسُ، [...]. »([13]). كلمة ثانية استعملها الشعراء في تسمية الفضاء أتوقف عندها لحظة الآن وهي كلمة بيداء. ـ بيداء: قال الأخطل: [الطويل]
وقال الفرزدق : [الطويل]
وورد في اللسان في التعريف بهذه الكلمة: «سُمِّيَتْ بذلك لأنها تُبيد من يَحِلُّها»؛ «وفي ترجمة قطربٍ: المُتْلِفُ القَفْر سُمِّيَ بذلك لأنه يُتْلِفُ سَالِكَهُ في الأكثر، كما سَمَّوْا الصحراءَ بيداء لأنها تبيد سالكها، والإبادة الإهلاك والجمع بيد.»([14]). و المفردة الثالثة التي أستشهد بها هنا هي دوية: ـ دوية: قال الأخطل: [الطويل]
وقال الفرزدق: [الطويل]
[الصفصف: الأرض الصلبة] [الطويل]
وفي اللسان: «وقال قولهم دوية قال: «إنما سُمِّيت دوية لدوي الصوت الذي يُسمع فيها، وقيلَ: سميت دوية لأنها تُدَوِّي بمن سار فيها أي تذهب بهم.»([15]). تتميز الأسماء التي ينعت بها الشاعر الفضاء بشفافية عالية كما هو الأمر في «الفلاة» (الأرض التي لا ماء فيها ولا كلأ)؛ «البيداء» و«الدوية» (الشسوع والخطر). فخاصيات الفضاء كما يمكن استنتاجها من خلال هذه الأسماء (وغيرها)، هي أنه واسع، بعيد، غير معمور، فيه حرارة مفرطة، ولا يجد فيه المسافر لا ماء ولا عشباً([16]). إنه فضاء شاق يتيه فيه عابره، لا طرق فيه ولا أعلام؛ يتسم بالخطر لأنه يُبيد من يغامر بمحاولة قطعه أو الدخول فيه. والجدير بالذكر أن هذه الأسماء تحتوي على البرنامج السردي لهذا الشخص المعارض الذي يمثله الفضاء في الرحيل. ومما يمكن ملاحظته كذلك هو أن خاصيته السائدة هي انعدام وجود عناصر حيوية بالنسبة للإنسان ولعدد كبير من الحيوانات كالماء والكلأ. إذا يمكن القول بأن أسماء الفضاء المستعملة تنعت فضاء معاديا غير ضيافي، فضاء خطيراً ومهدداً لحياة الإنسان ومطيته. ب ـ الحيوانات التي تسكن الفضاء الذي يقطعه الشاعر: من بين العناصر التي يتعرض لها الشاعر في كلامه عن الفضاء: الحيوانات التي تسكنه، ومنها: اليعافير والظباء، والقطا والنعام والثعالب والحرباء والغراب والصديان (البوم والهامة) والذئب. فالقائمة طويلة كما نرى. ونظرا لضيق المجال، لن أتوقف عند كل هذه الحيوانات؛ وسأقتصر هنا على ما قاله الشعراء في القطا. ـ القطا: يقول الأخطل: [الطويل]
[الطويل]
ويقول الفرزدق: [الطويل]
[الطويل]
لهذا الطائر ارتباط وثيق بالماء، ويدرجه الشعراء في كلامهم عن الرحيل للدلالة عن قلته في الصحراء أو انعدامه، كما نرى ذلك في المثالين الأول والثاني للأخطل. كما يدل وجود هذا الطائر على شسوع الفضاء وصعوبة الاهتداء به كما هو الشأن في الاستشهاد الثالث الذي اقتطفناه من ديوان الأخطل، حيث نرى هذا الطائر يَضَلُّ طريقه ولا يستطيع العودة إلى عشه. في أبيات الفرزدق نرى أن القطا موجود بكثرة في القفر (السبسب) الذي يجتازه الشاعر (البيت الأخير). ويقول هذا الشاعر في البيتين الأولين إنّ حضوره يوقظ هذه الطيور ويدفعها إلى مغادرة أعشاشها و الطيران ليلا. ويقول الجاحظ في هذا الصدد في كتاب «الحيوان»: «وتقول العرب: لو ترك القطا لنام، [...]. »([17]). وقد نتساءل لماذا يتطرق الشعراء لذكر هذه الطيور في أشعارهم ؟ فالسبب في ذلك يرجع إلى قدرتها الكبيرة على الهداية في الصحراء، لدرجة أن العرب كانت تضرب بها المثل في هذا المجال، ويقولون: «أهدى من القطا». ويعلق أنور عليان أبو سويلم على ذكر هذه الطيور في الشعر، في كتابه الإبل في الشعر الجاهلي قائلاً: «أمواج الإبل تتدافع في ظلمات الصحراء الرهيبة تطير القطا من أفاحيصها وتريدها دليلا على موطن الماء، وهم يضربون المثل بهداية القطا، لأنه يهتدي في المجاهل ويعرف مواضع الماء والراحلون يريدون مواضع الماء، ويستدلون أحياناً عليه بالقطا، والقطا يرسمه الشعراء مصبِّحا الشرع.»([18]). [الشرع: الدخول في الماء]. فشسوع الصحراء والحرارة المفرطة لا يمنعان هذا الطائر من الذهاب للبحث عن الماء وجلبها لصغاره. واللوحة التي يظهر فيها القطا هنا تذكرنا بوضعية الشاعر بعينه. فرحيل هذه الطيور بحثا عن الماء يمكن اعتباره تعبيرا مجازيا عن رحلة الشاعر إلى ممدوحه. ج ـ فضاء جهنميّ: سبق أن أشرت إلى أن الفضاء في الرحيل يمكن اعتباره بمثابة شخص معارض ؛ وهو حقيقة يقف عقبة في وجه الشاعر ويمنعه من الوصول إلى ممدوحه. وتشكل الحرارة المفرطة أهم مِيزات هذا الفضاء، خاصة أن الشاعر المسافر يقطعه في عز الصيف، في القيظ ؛ وهو حسب صاحب اللسان «صميم الصيف». يقول الأخطل: 4/1: [البسيط]
وقد يغامر الشاعر بحياته ويدخل المفاوز خلال شهر شعبان وهذا الشهر، كما يشير إلى ذلك أنيس فريحة في كتابه أسماء الشهور في العربية ومعانيها، دراسة فيلولوجية تاريخية، كان «يقع قِدماً في الصيف عند المنقلب الصيفي (حوالي 22 حَزيران)، ويضيف الكاتب: « ونميل إلى الأخذ بالرأي القائل إن الشهر سُمِّيَ شعبانا لتشعُّب الأغصان.»([19]). يقول الأخطل : [البسيط]
وكما هو الشأن بالنسبة للقطا السالفة الذكر، هذه الحرارة المفرطة القاسية لا تمنع الشاعر من متابعة رحيله إلى ممدوحه. ونراه يواصل رحلته ليلا ونهارا. يقول الأخطل: [الطويل]
وَرُبَّمَا هناك علاقة بين التهجير في الرحيل في قصيدة المديح وبعض طقوس الحج في الجاهلية إذ كان من بين تلك الطقوس الوقوف نصف نهار كامل لتتبع أفول الشمس، وذلك طلبا للأمطار من الإلهة الأم [الشمس]. كتب ابراهيم عبد الرحمن في مقالة عنوانها «التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي»: « وعبادة الشمس من العبادات القديمة، فهي أول الأجرام السماوية التي لفتت أنظار البشر إليها لتأثيرها المادي على حياة الإنسان والحيوان والنبات، فألّهوها وعبدوها وشيدوا لها المعابد وقدّموا إليها القرابين. وفي أخبار الجاهليين وأشعارهم ما يؤكد عبادتهم لها، وهي عبادة تعود، فيما ترجِّح هذه الأخبار، إلى مرحلة بعينها من تاريخهم، كانوا يستقِرُّون فيها بالأراضي الخصبة المنتشرة في أطراف الجزيرة ووسطها، حيث يكثر سقوط المطر، وتوجد الواحات التي يؤمها البدو انتجاعا للماء والكلأ، أو وفاء بالنذور الدينية. وقد عرفت الشمس بين عبادها في هذه الأماكن باسم الإله «بعل» أي إله الأرض الخصبة، كما عرفت باسم ذو الشرى بمعنى الإله المنير، وهما، أي «بعل وذو الشرى»، صنمان مشهوران عند الجاهليين.». ويضيف أن الشمس «[...] كانت لدى عبادها من الجاهليين وغيرهم، إلاهة للخير والخصب ومصدراً للعدل والقانون، ونقمة على الظالمين والمجرمين.»([20]). ويقول كذلك: «وهذه الثنائية الدينية للشمس التي تجعل منها إلاهة للخير والعدل والعقاب في وقت واحد، ثنائية شائعة معروفة في عبادات الساميين الوثنية.»([21]). حرارة هذه الشمس لا ترحم، تحرق بنارها الناس والحيوانات؛ والقارئ يجد في هذا الجزء من القصيدة حقلا دلاليا ومعجما لغويا يستعملهما الشاعر ليجعل الحرارة ملموسة ؛ فنراه يصفها مكررا الأفعال التي تدل على قسوتها وشدّتها، مثل: توفَّد وطبخ وغيّر ولفح وطوى ورمى إلخ. كما نجد مفردات وأفعالاً، مثل حَرّ وحرور([22])، والفعلان وقد وتوقّد، وحامٍ وأحمى، ويذكي وتحترق، إلخ. وحضور الشمس القوي وحرارتها في هذا الفضاء يجعل من هذا الأخير فضاء قابلا لوجود مخلوقات جهنّمية، أعني بذلك: الجنّ. يقول الأخطل: [الطويل]
رأينا في هذه الفقرة أن تسمية الفضاء عند شعرائنا تحمل في طياتها خصائصه الأساسية. فهو فضاء يتميز بحرارة قصوى، لا كلأ ولا ماء فيه. ويشكل انعدام وجود الماء في هذا الفضاء الخاصية التي تجعل منه شخصا معارضا يعرقل سير الشاعر إلى ممدوحه. كما تجعل نفس الخاصية من الرحيل الجزء المعاكس للجزء الذي يليه (أعني المديح). فلقد رأينا أن الماء يوجد بغزارة في الجزء الذي يخصصه الشاعر للمدح. وهذه المعاكسة (انعدام وجود الماء / وجوده بغزارة) تساهم على مستوى المحتوى في توطيد وحدة القصيدة. وكما تحلق القطا بحثا عن الماء، لها ولصغارها، يحاول الشاعر عبور الصحراء والوصول إلى بر الأمان وإلى منبع الماء الذي سينهل منه. ولتحقيق رغبته العزيزة هذه لا يمكنه الاعتماد إلا على مطيته. 2 ـ المطية: لقد كتب الكثير عن الناقة في الشعر القديم ؛ وأشير هنا إلى أن لكتاب أنور عليان أبو سويلم الإبل في الشعر الجاهلي دراسة في ضوء علم الميثولوجيا والنقد الحديث الفضل في جمع ما جاء في هذا الصدد، سواء تعلّق الأمر بالدارسين القدماء أو المحدثين. وقد ورد مؤلف هذا الباحث في جزأين. خصص الأول منهما لدراسة موضوعية ودراسة فنية، ويكوّن الجزء الثاني قاموسا فسر فيه كل الأسماء التي نعت بها الشعراء الجاهليّون نوقهم وجمالهم في أشعارهم. وسأحاول فيما يلي أن ألخِّص في سبع نقاط أهم المواضيع التي تناولها الكاتب بالدراسة والتحليل. أ ـ كانت الجمال مقترنة بطقوس سحرية يقصد من ورائها العلاج أو الاهتداء عندما يضل المسافر في الفلاة. ب ـ كانت النوق والجمال تلعب دورا في ممارسات اجتماعية ودينية وذلك: ـ كرهان في الميسر. ـ كقربان للآلهة. ـ كحيوان مقدس في بعض الحالات، كما هو الحال بالنسبة للحامي، والسائبة، والبحيرة، والوصيلة، إلخ. ـ كرمز أو كتجسيد للآلهة المعبودة (خاصة النجوم). ـ كما استعملت كذلك في الدعاء. ـ كمعبود عند عدة قبائل. ج ـ كان للجمال (كما هو الأمر بالنسبة لحيوانات أخرى) علاقة بالجن. ح ـ لم تصلنا أية خرافة (mythe) يلعب فيها الجمل أو الناقة الدور الرئيسي. خ ـ كانت النوق والجمال تلعب دورا ثانويا في خرافة تدور حول النجوم (أنظر حكاية العيوق والقلاص)([23]). د ـ التحريمات الإسلامية المختلفة التي لها علاقة بالجمل تركز على أهميته الدينية في الجاهلية. ذ ـ تلعب الأسماء دورا مهما في الرمزية الدينية. وكانت هذه الأسماء تربط بين الإله ورمزه (انظر الأسماء العظمى للجمال والنوق والتي تربطها بالنجوم، والريح، إلخ.). هذه هي أبرز النقاط التي تعرّض لها أبو سويلم ؛ ذكرتها هنا بإيجاز كبير. وسأورد خلال دراستي للمطية في رحيل المديح بعض تفسيراته وتأويلاته سواء للتركيز على جانب من جوانب هذا الموضوع أو قصد مناقشتها. وسأولي اهتمامي في بداية هذا الجزء من بحثي، كما فعلت سابقا في دراستي المتعلقة بالفضاء، لبعض الأسماء التي نعت بها الشعراء نوقهم، مقتصرا على فئتين منها. أولاهما الأسماء التي تنفي الجنس المؤنث في الناقة ؛ وثانيتهما ستتكون من الأسماء التي تنعت في الناقة انحطاط قُواها الجسدية. أ ـ نفي الجنس المؤنث في الناقة: من جملة العناصر التي يستعملها الشعراء لإثبات مؤهلات نوقهم لعبور المفاوز وقدرتها على تحمل مشاق الرحيل، نعتها بكونها مُذكّرة، وجُمالِية، وبأنها مثل الفحل (الفنيق، القرم، قريع هجان). يقول الأخطل : [البسيط]
[الطويل]
وقال الفرزدق: [الطويل]
وقال جرير: [الطويل]
وأرجع للأخطل من جديد إذ قال: [البسيط]
[الطويل]
ولقد نعت الشعراء نوقهم بالعقم، فهي مِحْيَال (كما جاء في البيت ما قبل الأخير)، ولقد ذكر ابن منظور في اللسان قول الأصمعي في تفسير هذه الكلمة: « حالَتِ الناقة فهي تحول حِيالاً: إذا ضربها الفحل ولم تحمل [...].». ونعتوها كذلك بالمُعْجَلَة، والمُعْجَل، والمِعْجَل، «وهي الناقة التي ألقت ولدها لغير تمام». ونقرأ في اللسان: «المُعْجَلُ والمُعَجِّلُ والمِعْجَلُ من الإبل: التي تُنْتِجُ قَبْلَ أن تَسْتَكْمِلَ الحَولَ فيعيشُ ولَدُها. والوَلَدُ مُعْجَل.». يقول الأخطل: [الطويل]
[الطويل]
[البسيط]
وفي وصفهم لنشاط النوق وجدها في السير وللتركيز على هذا النشاط وعلى المشاق التي تعاني منها المطايا في الرحيل نرى الشعراء يذكرون إجهاض الناقة المثابرة على العدو المسرعة فيه. يقول الأخطل: [الطويل]
وقال الفرزدق: [الطويل]
[الطويل]
[الطويل]
وقال جرير: [الكامل]
فإذا جمعنا هذه الأسماء إلى بعضها نستنج أن الشعراء ينفون عن قصد أو عن غير قصد الجنس المؤنث في نوقهم. فهم لا يكتفون بتشبيهها بالفحل أو بالجمل، ولكن ينفون فيها خاصية النتاج، وينعتونها بالعقم. فهذا النفي يجعل منها بديلا أو صنوا للفحل مع عدم تواجد خاصية النتاج فيها. كما يجعل منها الصنو السلبي للناقة المقدسة مثل السائبة (وهي الناقة التي تبطن عشرة أبطن إناث فتهمل ولا تركب ولا يجز وبرها ولا يطعم لبنَها إلاّ ضيف، وقيل: بل تسيب للأصنام ولا يطعم لبنها إلاّ أبناء السبيل، وقيل: هي البعير يدرك نتاج نتاجه فيترك ولا يركب، وقيل: كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت ناقته من مشقة، أو حرب قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظما، وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ ولا تركب)، والوصيلة (وهي التي تصل أنثى بأخرى في الولادة)، التي تقدس لنتاجها. ووضع الناقة هذا يؤهلها لتكون قربانا. ـ انحطاط قُوى الناقة الجسدية: يزخر الرحيل بإشارات وأصاف تبين مدى أثر مشاقه في المطية. فالناقة التي يصفها الشاعر في بداية سفره بأنها قوية، شديدة، جلدة، مكتنزة، نشيطة، سريعة، تتمتع بكل القُدُرات التي تؤهلها لمجابهة مخاوف وأخطار الرحيل في الصحراء، باتت في نهاية السفر خائرة القُوى، مهزولة، قد ذاب سنامها وذبُلت لحومها وغارت عيونها. وهذه بعض الأبيات التي جاء فيها وصف الشعراء لانحطاط قُوى الناقة الجسدية: قال الأخطل: [الطويل]
[البسيط]
[الوافر]
وقال الفرزدق: [الطويل]
ويقول جرير: [البسيط]
فكون العيون خوصا وكونها حاجلة كناية عن إرهاق النوق وسهرها، وذوبان لحومها وشحومها ينعت به الشاعر تعبها وهُزالها. ومن ضمن الموتيفات التي ترد في وصف الناقة كذلك، تصبّب عرقها. قال الأخطل: [البسيط]
وقال الفرزدق: الديوان : [الطويل]
وقال جرير: [البسيط]
فهذا العرق الذي يسيل بغزارة هو أخطر علامات انحطاط قُوى الناقة الجسدية ؛ إذ نعلم أن العرق لا يظهر عند الجمل عادة إلاّ عندما تتجاوز حرارة جسمه الأربعين درجة. وظهور العرق يعني أن الناقة تقوم بنشاطها في وسط يتسم بحرارة مرتفعة. كما يعني ظهوره أن الجمل أو الناقة لن يلبث أن يبدأ في استهلاك ما ادخره من شحم في سنمه. ولقد وصف الشعراء ذوبان أسنمة نوقهم معبّرين عن جوعها وعطشها وعن مشقة السفر عموما. يقول الأخطل: [الطويل]
ويقول الفرزدق: [الطويل]
ويقول جرير: [الوافر]
وأرجع هنا إلى عرق الناقة لأقول إنّه بإمكاننا أن نرى فيه استعارة لدم الناقة التي ينحرها الشاعر مجازا ليوجب التبادل على ممدوحه. وهذه عادة لا تزال جارية حتى الآن في جل البلدان العربية في ما يسمّى في المغرب مثلا بالمواسم، وفي الزيارات للأولياء والصالحين. فلطلب الشفاعة من ولي أو صالح يذبح المتشفِع ديكا أو خروفا أو ثورا ويقدمه كقربان للولي أو الصالح المقصود تبركا به ولكي يحقق مبتغاه. وقد وصف الشعراء مطاياهم وهي تسيل دما خلال رحيلهم إلى ممدوحيهم. وهذه الإشارات من شأنها أن تثبت تأويلنا. فهذا الفرزدق يقول: [الوافر]
ويقول الشاعر نفسه: [الكامل]
وقال جرير: [الكامل]
وقال الشاعر نفسه في مديح آخر: [الكامل]
فبهذه النوق التي يسيل دمها من أخفافها وكُلاها يسير الشاعر إلى ممدوحه. في عملية التبادل التي تنشئها قصيدة المديح بين الشاعر وممدوحه، نرى أن الناقة تلعب مجازا دورا أكبر من دورها كمجرد مطية. فنفي الجنس المؤنث في هذه الأخيرة و وصفها بكونها تسيل عرقا وكونها ملطّخة بالدماء، يجعل منها ضحية يهبها الشاعر لممدوحه، حتى يجبره على الدخول في عملية التبادل بينهما. فعندما يتشفّع شخص بوليٍّّ أو بصالح أو عندما يطلب من صاحب نفوذ أو صاحب سلطة قضاء حاجة، يصاحب تشفّعه أو طلبه بذبح ضحية ـ ديكا كانت أو خروفا أو ثوراً، إلخ. ـ كما ذكرت ذلك سابقا. والهدف من هذه العملية التي تسمّى «رمي العار» في المغرب، هو إجبار المتشفّع به أو المطلوب بقضاء الحاجة بتلبية الطلب وإنجاز ما يبتغيه المتشفِّع وصاحب الطلب، وإلاّ فسيجلب لنفسه العار. وأنا أؤمن بأن الناقة في رحيل المدائح تلعب نفس الدور الذي تلعبه الأضحية التي يذبحها الناس قصد التشفع أو طلب قضاء الحاجة. وصف انحطاط قُوى الناقة الجسدية لا يأتي عبثا في قصيدة المدح، وأنا متيقن كل اليقين بأن الشعراء يوظفونه، ربما عن غير قصد وبطريقة عفوية غير شعورية لإجبار الممدوح على الدخول في عملية التبادل معهم. وكما نرى فإنهم لا يكتفون في هذه العملية بتقديم مدائحهم لممدوحيهم، ولكنهم ينحرون مجازاً نوقهم لدفع الممدوحين للمشاركة في عملية التبادل. ولقد جرت العادة على أن يشبه الشاعر مطيته بحيوانات صحراوية من بينها الثور الوحشي وحمار الوحش. ونرى الشعراء يتخلون عن المشبه ويروون قصص هذه الحيوانات المشبه بها. ولقد اعتبر بعض النقاد هذه القصص استطرادات تكرس لوصف الطبيعة لا قيمة ولا دور لها في القصيدة وهذا رأي غير صائب. لنر إذا ما هي قيمة هذه الحكايات وما هو الدور الذي تلعبه في قصيدة المدح. ـ الشوق إلى الماء وتشبيه الناقة بالثور الوحشي : تشبيه الناقة بالثور الوحشي وارد بكثرة في أشعار الجاهليين، وعادة ينتصر الثور على الكلاب في قصيدة المديح ويقتل في الرثاء. وهو وارد كذلك في دواوين الشعراء الأمويين من باب التقليد. قصة الثور الوحشي في قصيدة المديح: تدور قصة الثور الوحشي في الهزيع الأخير، في جو ممطر ويصف الشعراء الثور وهو يحاول الاحتماء بشجرة من شجر الأرطى؛ ومع بزوغ الفجر يسمع نُباح كلاب الصياد التي سرعان ما تداهمه، فيلوذ بالفرار خوفا من الكلاب التي تطارده، ثم يدرك أن الفرار لن يخلصه منها وأنه لابد له من مواجهتها، فيتحول الخوف غضبا ويقرر الثور الدفاع عن نفسه ويشرع في طعنها بقرنيه، قاتلا بعضها ومصيبا أخرى بجراح، فيرجع ما تبقى منها لصاحبها. وبعد انتهاء المعركة، يخيم الهدوء ويفرح الثور بانتصاره. وسأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة([24]): بخلاف الفرزدق وجرير أورد الأخطل أكثر من مرة قصة الثور الوحشي في مدائحه. قصة الثور الوحشي في ديوان الأخطل:
في القصيدة 13 خصص الشاعر بيتا واحدا لتشبيه ناقته بهذا الحيوان وفي القصائد رقم 16، و19، و34، و57 ينتصر الثور على الكلاب. قال الأخطل([27]): الديوان، ص70 وص114 ـ 116 وص 169 وص 260 وص 262 : [البسيط]
[البسيط]
[البسيط]
[البسيط]
وقال جرير: الديوان، ص 386: [حمار الوحش والثور الوحشي]: [البسيط]
لقد كُتب الكثير عن سبب اختيار الشعراء للثور الوحشي وتكرّر ورود قصته، وفسر الباحثون هذه الظاهرة تفسيرات حاولوا أن يربطوا فيها بين هذه القصة والواقع الذي كان يعيشه الشعراء. وأذكر هنا على سبيل المثال هذين التفسيرين: كتب وهب رومية معلِّقا على وجود هذه القصة في القصيدة الجاهلية: «وليست قصة الثور الوحشي ـ أو البقرة الحشية ـ سوى قصة رمزية يتناولها الشاعر من هذه الصحراء التي يضطرب فوق رمالها، ويتحدث من ورائها عن هذه الرحلة ـ رحلة الحياة ـ في مخاوفها وقلقها واطمئنانها وأحلامها، أو بعبارة أدق: إنه يصوّر وقع الحياة على مرآة وجدانه ويبين رأيه فيها، ويحدِّد موقفه منها في اقبالها العريض وإدبارها القاسي وفيما يكون بين الإقبال والإدبار.»([28]). ويضيف في الصفحة التالية: «ولست أخطئ إذا قلت: إن الشاعر الجاهلي في هذه القصة وفي سواها كان يعبِّر عن وجدان الجماعة القلق ومخاوفها العميقة. وكان يرسم لها طريق الخلاص، ويزيِّنه في عيونها، ويبين لها أن لا مفر من المضي في هذه السبيل رغبت في ذلك أم رغبت عنه.»([29]). و لا يختلف تفسير أنور عليان أبو سويلم كثيرا عن التفسير السابق إذ يكتب في «الإبل في الشعر الجاهلي»: «[...] يمكن أن نقول إن الشاعر الجاهلي عندما ركب ناقته لم يعجبه منظر الثور الوحشي المنفرد في الصحراء فاختاره ليشبه به ناقته، وإنما كان يستحضر في ذهنه حقيقة حياته التي يحياها، وحقيقة حياة قبيلته وقبيلة المحبوبة والمجتمع الجاهلي في عمومه، الحياة القائمة على أساس من الصراع من أجل البقاء: القبائل في هجرة دائمة نتيجة للصراع مع الطبيعة الكنود أو نتيجة للحروب الدامية التي مزقت أوصال القبائل، وهو يبحث عن الأمن والاستقرار والقبائل تبحث عن الأمن والاستقرار، ولكن أين الأمن ؟ في حياة محكوم عليها بالصراع.»([30]). ومن ضمن ما كتب في هذا الموضوع، اخترت الوقوف عند مقال نشره عبد الجبار المطّلبي وعنوانه «محاولة تفسير مظهر من مظاهر القصيدة الجاهلية: قصة الثور الوحشي وتفسير وجودها في القصيدة الجاهلية»([31])، لأن محاولته من أولى المحاولات لفهم وتعليل وجود قصة هذا الحيوان في الشعر الجاهلي وهو من أصحاب قصب السبق وممن يرجع الفضل لهم، بعد الجاحظ، في ربط هذه القصة ببعض الطقوس الدينية عند العرب في الجاهلية. واعتقد أن هذا التفسير هو أقرب كل هذه التفسيرات إلى الصواب. وسأحاول في ما يلي تلخيص ما جاء به عبد الجبار المطّلبي في النقط التالية : أ ـ تأثرت عبادة العرب في جزيرتهم بعبادة العرب الشماليين نظرا لاتصالهم بهم، خاصة قصد التجارة والانتجاع. ب ـ عرف العرب عبادة «بعل» إله الخصب والمطر. ويقول صاحب المقال في هذا الشأن: « ولا يخلو من مغزى أن نذكر هنا أن أحد معاني الثور في اللغة العربية «السيد» وهذه إشارة واضحة إلى التقاء الثور ببعل عندما كان الثور تجسيدا لهذا الإله «السيد» المسمى «بعلا»([32]). ثم يتساءل الكاتب: «ألا نجد شيئاً من تلك الديانة المتصلة بالثور؟ أو ليس ممكنا أن تبقى بعض أصدائها في أطواء الأدب والعادات والطقوس الاجتماعية؟»([33]). ج ـ يشير المطّلبي إلى طقس من طقوس الجاهليين في الاستسقاء (كان الجاحظ قد ذكره في صيغة مختلفة في كتاب «الحيوان»)، فيقول: «كانوا يجمعون حطب السُلَع والعُشَر فيوقرون به ظهور البقر، و«قيل يعلقون ذلك في أذنابها ثم تُلْعَجُ النار فيها، ثم يستمطرون بلهب النار المُشْبِه لسنى البرق. وقيل يضرمون فيها النار وهم يصعدونها في الجبل فيمطرون ويعللون إضرام النيران في أذناب البقر بأن ذلك إنما فعلوه على سبيل التفاؤل، فالنار إشارة إلى البرق. والبرق مجلبة للمطر»([34]). ويرى الكاتب في هذا الطقس أنّه «من مخلفات عبادة الثور وما يرمز إليه من الخصب والإرواء، ويبدو أن النار المضرمة في حطب السلع والعشر إنما هي تطوُّر لطقوس واحتفالات قديمة تتصل بهذا الإله ـ الثور.». ويتابع المُطّلبي تفسيره لظاهرة قصة الثور الوحشي قائلا: «والشيء الذي لا شك فيه أنّ هذه الصور ـ [...] ـ إنما هي تطور لترانيم أو ملامح أو«تفوهات» دينية قديمة تتصل بقدسية الثور وما كان يرمز إليه من الخصب والمطر والاتحاد به بالصيد، ولكنها لم تعد تحمل مغزىً دينيا بل انتهت إلى الشعراء الجاهليين المعروفين تقاليد أدبية وإن لم تخلُ من إشارات وسمات هي بقايا قدسية انقرضت يستطيع الملم بأصولها من فهمها والنفاذ إلى إيماءاتها ومراميها.»([35]). ورود قصة الثور الوحشي في قصيدة المديح يتناسق مع ما أسميناه «الشوق إلى الماء». فمن الخصال الحميدة التي ينوه بها الشاعر عند ممدوحه الجود والسخاء والكرم. ويستعمل الشاعر في تعبيره عن هذه الخصلة حقلا دلاليا ومعجما لغويا يتعلّق بالماء. [كما رأينا ذلك سالفا]. وما يمكن ملاحظته هنا هو أن قصة الثور الوحشي تقحم في الرحيل فضاء جديدا يختلف اختلافا تاما عن الفضاء الصحراوي الذي تكون ناقة الشاعر بصدد قطعه. ففي الفضاء الذي يظهر فيه الثور الوحشي مطر وأشجار، وبعد انتصاره على الكلاب، كما نرى ذلك عند الأخطل في المقتطف الأول، يتمتع الثور بعيشة هنية في رياض أغنّ. و هذا ما يصبو إليه الشاعر. ـ الشوق إلى الماء وتشبيه الناقة بحمار الوحش: ومن ضمن الحيوانات التي يشبِّه بها الشعراء نوقهم حمار الوحش. وهذه الخطوط العريضة لقصته. يبدأ الشعراء في أغلب الأحيان وصف هذا الحيوان وهو يرعى مع قطيع من الأتان؛ وعندما يحل الصيف ويقل العشب والماء ويصيب الجفاف المكان؛ يتذكر حمار الوحش مكانا آخر فيه ماء، فيعقد العزم على أن يسوق أتانه إلى ذلك المكان، ونراه في بعض الأحيان يجبرها على ذلك ويعنفها؛ فتعضه الأتان وتركله وهو يجري وراءها صامدا داميا فيتمكن في نهاية الأمر من الوصول بها إلى المكان المنشود. وعند وصول الحمار وأتنه إليه، وبمجرّد ما يشرع في الشرب هو والحمر التي ترافقه، يفاجئه سهم من سهام صياد كان كامنا عند الماء في انتظار ما يصيده لعائلته، فيفر القطيع مبتعدا عن الماء وعن الخطر الذي يمثله الصياد. وجرت العادة في القصيدة الجاهلية على أن يموت الحمار الوحشي في الرثاء وأن ينجو من سهام الصياد في المديح. فكما يظهر ذلك من هذا الملخص يروي الشعراء في هذه القصة رحيل حمار الوحش وأتنه بحثا عن الماء. وكما رأينا هذا الرحيل لا يخلو من مخاطر يجسدها في هذه القصة وجود الصياد. ومما يلفت النظر أنّ جريراً والفرزدق ـ بخلاف الأخطل ـ لم يأتيا في مدائحهما بقصص الثور الوحشي وحمار الوحش، واكتفيا ببعض التلميحات. قال الفرزدق مثلا: [الكامل]
قال الأخطل: [البسيط]
ولقد أورد الأخطل قصة حمار الوحش في الخمسة من مدائحه.
القصائد 11، و13، و25، و34، و51 قالها الأخطل في المدح. كل هذه القصائد تنتهي دون أن يمس حمار الوحش وقطيعه سوء، إلاّ القصيدة 25. فكما رأينا كانت نهاية الرحلة مأساوية بالنسبة لحمار الوحش وقطيعه إذ كان الصيادون بانتظارهم وأصابوا منهم الكثير. وسأحاول تفسير ورود هذه النهاية أدناه. تفسير قصة حمار الوحش عند وهب رومية في كتابه «الرحلة في القصيدة الجاهلية»: يرى وهب رومية أن قصة حمار الوحش تمكن الشاعر الجاهلي من التعبير عن حالته النفسية وعن صورة الحياة في نفسه([36]). ثم يضيف بعد ذلك: «فإذا تقدمنا خطوة أخرى في فهم هذه القصة بدا لنا أن الشاعر الجاهلي لا يتوسل بقصته إلى التعبير عن لحظته الحاضرة فحسب، ولكنه يتوسل بها أيضاً للتعبير عن صورة الحياة عامة ـ حياته وحياة الآخرين ـ كما يراها في مرآة نفسه، وعن فهمه الذي يحكم منطق هذه الحياة وموقفه منه. وأستطيع أن أزعم هنا ما زعمته في موطن سابق من أن الشاعر الجاهلي كان يرى أن الصراع هو جوهر الحياة وقانونها الخالد، الصراع بين الأحياء والطبيعة، والصراع بين الأحياء والأحياء.»([37]). ويختلف تفسير أبي سويلم شيئا ما عن تفسير وهب رومية. ففي نظره القضية الأساسية التي يعالجها الشاعر عندما يورد قصة حمار الوحش في قصيدته هي «[...] قضية هجرة القبائل بحثا عن الماء والمرعى أو نتيجة للحروب الدامية التي مزقت القبائل أو كما قلت في حديث الثور الوحشي: الصراع مع الطبيعة، والصراع مع الإنسان لكن الشعراء عندما يقُصُّون حكاية حمار الوحش يعبرون عن الضعف الذي آلت إليه القبيلة بعد الحروب الدامية، يتمثل هذا الضعف بكثرة الأتن الوحشية وقلة الذكور، بل إن الذكور أضعف من أن تقاوم فحل الحمير أو يكون لها رأي يذكر. ويعبرون عن هذا الضعف أيضاً بهرب القطيع عن الماء، وعدم قدرتها على المقاومة والصراع. الحمار الوحشي الصلب الذي يصوره الشعراء هو شيخ القبيلة المطاع، ويعنى الشعراء بوصف الحمار بالقوة والاكتناز، والاكتناز من إمارات الوجاهة والرئاسة، وشيخ القبيلة لا بد أن يكون من الفرسان الذين أثخنتهم جراح المعارك لذلك جاءت صورة الحمار قبيحة فهو مُكَدّم الوجه، آثار العض والندوب ظاهرة عليه، ويعرف شيخ القبيلة بأنه مزواج، يتخذ أكثر من حليلة يتعشقهن ويغار عليهن ويصرفهن بعزيمة ماضية، وحكمة سديدة، [...].»([38]). في نظري قصة حمار الوحش تشبه إلى حدّ بعيد قصة الشاعر في رحيله إلى ممدوحه. وبالفعل القرابة بين القصتين بديهية وتخالج ذهن السامع أو القارئ بمجرد سماعها أو قراءتها. ولكني أعتقد بأننا نقصر في حق الدور الذي تلعبه هذه القصة في القصيدة إذا ما نحن اكتفينا بهذا التوازي البديهي. فما هو هذا الدور؟ أرى أن قصة حمار الوحش في قصيدة المديح تكون ما يسمّيه نقّاد الأدب المحدثون بالإنشطار([39]) (cf. Lucien Dällenbach, Le récit spéculaire, essai sur la mise en abyme, Le Seuil, 1977). ففي هذه القصيدة تعكس قصة حمار الوحش قصة الشاعر وتلخصها وتأتي مسبقا بنهايتها في بعض الأحيان([40]). لنر الآن كيف يتجلى ذلك في قصيدة الأخطل المذكورة أعلاه. القصيدة 25 التي اقتطفنا منها قصة حمار الوحش نظمها الأخطل في مدح يزيد بن معاوية. ويتكون هذا المديح من الأجزاء التالية: ـ النسيب: من البيت 1 إلى البيت 14. ـ المديح: من البيت 15 إلى البيت 21. ـ الرحيل: من البيت 22 إلى البيت 46. ويتضمن الجزء الأخير قصة حمار الوحش وذلك من البيت 26 إلى البيت 46. وهذه القصة تنهي الرحيل وتنهي القصيدة في نفس الوقت. وظاهرة إنهاء قصيدة المديح بالرحيل موجودة بكثرة في ديوان جرير و الفرزدق. يبدأ الشاعر في الرحيل وقد تخلص من غرض قصيدته. ففي المثال الذي استشهدنا به، رحيل حمار الوحش الطويل هذا يشكل متابعة وتتمة لرحيل الشاعر. ولقد رأينا النهاية المأساوية التي آل إليها الحمار وأتنه.فكما وظف الشعراء قصتي الثور الوحشي والحمار الوحشي، يوظف الأخطل في هذه القصيدة قصة حمار الوحش هنا وجعلها تعكس قصته الشخصية وتعبر عن خوفه وشعوره بالخطر. فمصير الحمر يبرز قلق الشاعر وخوفه. يتكون المديح في هذه القصيدة من دعاء يطلب فيه الشاعر من الله أن يجازي يزيد بن معاوية كما جازى يوسف، وهرون وداود ونوح، ويقول الأخطل في البيتين اللذين يسبقان هذا الدعاء أنه لن ينسى أبدا ممدوحه. ويخاطب الشاعر يزيد في البيت الذي يلي الدعاء، وهو البيت الأخير لهذا الجزء من القصيدة، ويقول له إن عطاياه وهداياه مازالت تصله وإن كان بعيدا عنه. انطباع القارئ العام عند الاطلاع على هذا المديح هو أن عطاء الممدوح وكرمه الجزل تجاه الشاعر لا يخفف من شعور هذا الأخير بالوحدة وبعداوة الناس ضده. فقيمة عطايا الممدوح وهداياه نسبية, فما يهدد الشاعر يبدو أهم وأخطر من أن يَدرَأه كرم الممدوح. فكلنا يذكر أن الأخطل هجا الأنصار استجابة لطلب يزيد بن معاوية الذي لم يرض بأن يشبب عبد الرحمن بن حسان الأنصاري بأخته أو بعمته حسب الروايات. ولما بلغ هجاء الأخطل الأنصار، جاء وفد منهم إلى معاوية يشتكي هجوم الأخطل عليهم وطعنه في أعراضهم.فوعدهم الخليفة بقطع لسان الشاعر؛ مما أجبر هذا الأخير على الفرار. ولولا تدخل يزيد لعاقبه الخليفة على هجائه. وبالفعل نرى الشاعر يذكر في البيت السادس عشر من هذه القصيدة، الوحدة والانعزال، ويقول إنه (مستفرد، وحد) ونراه أيضاً يذكر نفيه [يعني فراره خوفا من عقوبة الخليفة الذي جعله يعيش بعيدا عن عائلته و عشيرته] بسبب جرم اقترفه (نفاه عن أهله جرم وتشريد):
ويضيف في البيت السابع عشر:
فهذان البيتان يبنيان التوازي بين قصة الشاعر وقصة حمار الوحش وأتنه. فرمي الناس للأخطل وانعزاله ووحدته كلها عناصر تذكرنا بمشهد الصيد في نهاية القصيدة. فقضية الأنصار التي يلمح إليها الشاعر في البيتين السادس عشر والسابع عشر، تسلط ضوءا جديدا على بنية القصيدة، إن كانت أصلية، إذ يمكن تفسيره بالوضعية التي كان يوجد فيها الأخطل بعد هذا الحادث. فإنها القصيدة بالرحيل يعطي الشاعر الفرصة للتعبير عن وحدته ونفيه كما أن نهاية الحمر الوحشية المأساوية تمكنه من التعبير عن حصره وخوفه من كل المكاره التي يمكن أن تصيبه من جراء هجائه للأنصار. قصة هذا الحيوان في شعر المديح إذا ليست مجرد استطراد ولا مجرد وصف لحيوان من حيوانات الصحراء يتيحان الفرصة للشاعر لتبيين قدراته ومهاراته وإنما هي حكاية تعكس وتلخص قصة الشاعر في طريقه إلى ممدوحه، فالماء هدف حمار الوحش وهو هدف الشاعر كذلك، كلاهما يرحلان بحثا عنه. وخير دليل على ذلك تلك الكنايات والاستعارات والتشبيهات التي تنتمي إلى حقل دلالي ومعجم لغوي له علاقة بالماء، كما رأينا ذلك سابقا، والتي يستعملها الشاعر لنعت عطاء الممدوح وجوائزه. خاتمة : حدّدت في بداية هذا البحث الإطار الذي يندرج فيه موضوعه، وبينت أن قصيدة المديح تنشئ عملية تبادل بين الشاعر وممدوحه، منطلقا من تعريفي ابن قتيبة وابن رشيق، ومعتمدا على تحاليل مارسيل موس في كتابه عن العطاء. وكرست بعد ذلك بقية هذا العمل لتسليط الأضواء على الدور الذي يلعبه الماء في قصيدة المديح، وخاصة في الجزأين اللذين يخصصهما الشاعر لسرد رحيله والإثناء على ممدوحه، معتمداً، كنموذج، بعض المدائح لثلاثة من أبرز شعراء العصر الأموي. بيّنت في النقطة الأولى أنّ الشاعر يستعمل في كلامه عن كرم ممدوحه وهباته الجزلة معجما لغويا وحقلا دلاليا يتعلقان بالماء. وأشرت إلى أن وجود الماء بكثافة في هذا الجزء من القصيدة يتناقض مع انعدام وجوده في الرحيل. وهذا التناقض يعزز و يقوي الوحدة العضوية التي تربط بين هذين الجزئين في قصيدة المديح. انتقلت للحديث بعد ذلك عن الفضاء لكونه أحد المكونين الأساسيين للرحيل وأوضحت أن أول خاصياته وأهمها تأتي عبر الأسماء التي ينعته بها الشعراء والتي تشكل نواة البرنامج السردي المتعلق به، فتجعل منه شخصا معارضا يقف حاجزا أمام الشاعر وأمام تحقيق مبتغاه. و من ضمن حيوانات الصحراء التي وصفها الشعراء مرارا في هذا الجزء من قصائدهم وسردوا قصصها، اقتصرت في الفقرة التالية على إبراز دور القطا وأشرنا إلى أن قدرته على الهداية، وخصوصا سعيه الدائب وراء الماء في القيظ والهاجرة لكسر عطش صغاره، لهما وظيفة في القصيدة، إذ يعبر الشعراء من خلال قصة هذا الطائر بكيفية مجازية عن حاجتهم. وتابعت بحثي بدراسة المكون الثاني للرحيل وهو المطية. فركزت على ظاهرة نفي الجنس المؤنث في الناقة التي يركبها الشاعر في رحيله وعلى وصفه لانحطاط قواها، وأشرت إلى أن هذين العنصرين يؤهلانها لتكون أضحية يقدمها الشاعر لممدوحه ليجبره على المشاركة في عملية التبادل التي تنشئها قصيدة المديح بينهما. تناولت بعد ذلك بالدراسة قصتي الثور الوحشي وحمار الوحش وبينت دوريهما في رحيل قصيدة المديح، معتمدا على بحوث أبرزت البعد الديني والميثولوجي للقصة الأولى، والبعد الأدبي للقصة الثانية. وهكذا فلقد كانت معالجتي لكل هذه المواضيع تصبو إلى التركيز على أن المعاني والموتيفات والقصص التي يأتي بها الشعراء في رحيل قصيدة المديح ليست مجرد أوصاف غرضها الأول إثبات قدرة الشاعر ومهارته في صنعته. فما حاولت أن أبرهن عليه وأن أوضحه، هو أن لكل هذه العناصر وظيفة ودلالات تحكم ربطها إحكاما وطيدا بغرض القصيدة التي توجد فيها. المصادر و المراجع : ـ أسماء الشهور في العربية ومعانيها، دراسة فيلولوجية تاريخية، أنيس فريحة، بيروت، دار العلوم للملايين، 1952م. ـ الإبل في الشعر الجاهلي دراسة في ضوء علم الميثولوجيا والنقد الحديث، أنور عليان أبو سويلم، الرياض، دار العلوم للطباعة والنشر، 1983م. ـ «التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي»، إبراهيم عبد الرحمن،، فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد الأول، العدد الثالث، أبريل 1981م. ـ الحيوان، الجاحظ، (مجلدان)، القاهرة، مطبعة السعادة، 1907م. ـ الرحلة في القصيدة الجاهلية، وهب رومية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1982م. ـ الشعر والشعراء، ابن قتيبة، تح: أحمد محمد شاكر، القاهرة، دار المعارف، 1966م. ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق،تح: محمد قرقزان، دمشق، مكتبة الكاتب العربي، ط2، 1994م. ـ ديوان الفرزدق، الفرزدق، تح: مجيد طراد، بيروت، دار الكتاب العربي، 1992م. ـ شرح ديوان جرير، جرير، تح: تاج الدين شلق، بيروت، دار الكتاب العربي، 1993م. ـ شعر الأخطل، الأخطل، تح: الأب انطون صالحاني اليسوعي، بيروت، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، 1891م. ـ شعر نصيب بن رباح، نصيب بن رباح، تح: داود سلوم، بغداد، مكتبة الأندلس، 1968م. ـ «محاولة تفسير مظهر من مظاهر القصيدة الجاهلية: قصة الثور الوحشي وتفسير وجودها في القصيدة الجاهلية»، عبد الجبار المطّلبي، مجلة كلية الآداب لجامعة بغداد، العدد 12، حزيران، 1996م. ـ لسان العرب، ابن منظور، بيروت، دار صادر، 2000م. مراجع باللغات الغربية : - Lucien Dällenbach, Le récit spéculaire, essai sur la mise en abyme, Le Seuil, . - Encyclopédie de L'Islam, nouvelle édition, article « Rahïl ». - R. Jacobi, »The camel - section of the panegyrical ode«, Journal of Arabic Literature, XIII, Leiden, Brill, . - Marcel Mauss, Essai sur le don. Forme et raison de l'échange dans les sociétés archaïques, in Sociologie et anthropologie, Paris, Quadrige/PUF, , e édition. -André Miquel, La géographie humaine du monde musulman jusqu'au milieu du e siècle, Paris, École des Hautes Études en Sciences Sociales et Mouton éditeur, . -S. Pinckney Stetkevych, « Pre - Islamic and the Poetics of Redemption Mufaddalïya of ‘Alqamah and Bānat Suād of Ka‘b b. Zuhayr », in Reorientations/Arabic and Persian Poetry, Indiana, University Press, Bloomington and Indianapolis, . -Mohamed Bakhouch, «L’onagre dans le dïwān d’al ـ Ahtal», Arabica, tome XLIX, , . ([1]) تقول رينات يكوبي إن الرحيل في العصر الجاهلي كان في البداية معنى من معاني الفخر وأن تأويله كرحيل إلى الممدوح جاء كتطور ثانوي. وتضيف الباحثة الألمانية أن الوصف التقليدي للجمل عُوض بالرحيل إلى الممدوح في القرن الأول الهجري (الموافق للقرن السابع للميلاد). وأن الشاعر يركز فيه على الأخطار و على العوز اللذين كان عليه أن يتغلب عليهما في طريقه. وتتابع وتقول إن الشاعر يشير دائما إلى اتجاهه في الرحيل الأموي وإنه يلح على طول الطريق. مضيفة أن هناك قصائد كثيرة في هذا العصر يستهلها أصحابها بالرحيل الذي يمزجه الشعراء ببراعة بالمديح. وهكذا أصبح الرحيل انطلاقا من تلك الحقبة مشروطا بوظيفة القصيدة المدحية، كما وصفها ابن قتيبة الذي كان يفكر بالطبع في القصيدة الأموية عندما عالج هذا الفن. وأشارت الباحثة في مقال آخر إلى أن الأخطل أكثر محافظة في رحيله من معاصريه الفرزدق وجرير. R. Jacobi, »The camel - section of the panegyrical ode«, Journal of Arabic Literature, XIII, Leiden, Brill, , p. - . أنظر كذلك الموسوعة الإسلامية 2، المقالة في الرحيل، لنفس الكاتبة: Encyclopédie de L'Islam, nouvelle édition, article « Rahïl ». أنا لا أشاطر رأي ياكوبي في أن الرحيل في الجاهلية كان معنى من معاني الفخر لأن هناك مثلا قصائد عديدة للنابغة الذبياني وللأعشى، تبرهن على أنهما كانا يوظفان الرحيل ويخضعانه لغرض قصائدهما في المدح وبالتالي فإن ما تذكره في ما يخص تطور الرحيل في القرن الأول للهجرة غير صحيح.. ([4]) كلنا يعرف أنّ ابن رشيق فسّر هذه العلاقة بتكسب الشاعر فلقد كتب في «العمدة»: « وكانت العرب لا تتكسب بالشعر، وإنّما يصنعُ أحدهم ما يصنعه فكاهةً، أو مكافأةً عن يدٍ لا يستطيعُ على أداءِ حقها إلاّ بالشكر إعظاما لها، كما قال امرؤُ القيس بنُ حُجْرٍ يمدحُ بني تَيْمٍ رهطِ المُعَلّى: [الوافر] :
لأنّ المعلى أحسن إليهِ، وأجارهُ حين طلبهُ المُنْذِرُ بنُ ماء السماءِ ؛ (لِقَتْلِهِ بَني أبيه الذين قتل بدَيْرِ مَرِينَا)، فقيل لبني تيمٍ «مصابيحُ الظلامِ» من ذلك اليوم لبيت امرئ القيس. وقال أيضاً لسعدِ بنِ الضبابِ : [الوافر]:
فأخبره أنَّ شكرَهُ هو الغايةُ في مُجازاته كما قَدّمْتُ. حتى نشأ النابغة الذبيانيُّ ؛ فمدح الملوكَ، وقَبلَ الصِّلة على الشعرِ، وخَضَعَ للنُّعْمانِ بن المنذرِ. وكان قادراً على الامتناع منه بمن حولهُ من عشيرَتِهِ، أو من سار إليه من ملوكِ غَسّانَ، فسَقَطَتْ منزِلَتُهُ، وتَكَسَّبَ مالاً جَسِيماًً، حتى كان أكلُهُ وشرابُهُ في صِحافِ الذهبِ والفِضَّةِ وأوانِيهِما من عَطايا الملوكِ. وتكسَّبَ زُهَيْرُ بنُ أبي سُلْمى بالشعرِ يَسيراً مع هَرِمِ بنِ سِنانَ. فلمَّا جاءَ الأعشى جعلَ الشعر متْجَراً يَتَّجِرُ بِهِ نحْوَ البُلْدانِ وقصد حَتَّى مَلِكَ العَجَمِ، فَأثابَهُ، وأجزل عطيته عِلْماً بِقدْرِ ما يَقولُ عند العربِ، [...]» نفس المرجع، ص 179 ـ 180. تعليق: ـ في ما يخص امرأ القيس: لنقل هنا أن مديح امرئ القيس مديح شكر وليس مديح استجداء. ومكافأة الشاعر للممدوحه تدخل في هذا النطاق وفي إطار التبادل. كان امرؤ القيس ملكا وابن ملك، ووضعيته هذه أغنته عن مدح الآخرين والدخول في علاقة تبادل معهم. في ما يخص النابغة الذبيان، نكتفي هنا بالتساؤل: لماذا سقطت منزلة الشاعر في علاقته بالنعمان بن المنذر، ولم تسقط عندما مدح ملوك غسانَ؟ أمّا في ما يخص ما قيل عن الشاعرين الأخيرين (أعني زهير بن أبي سُلمى والأعشى) فأستطيع القول بأن علاقتهما بممدوحيهما لا تختلف عن علاقة امرئ القيس مع ممدوحه إلا في كونهما بدآ التبادل و أوجباه على ممدوحيهما، في حين يوجد امرؤ القيس في وضعية الشخص الذي تلقّى أو توصّل بعطاء عليه ردّه. ([5]) وأعتقد أن فكرة التبادل كانت راسخة في أذهان الشعراء، وكانوا يدركون أن مدح شخصا ما سيلزم هذا الشخص بالدخول في التبادل. فهذا نصيب بن رباح يقول في إحدى مدائحه: [الوافر]
شعر نصيب بن رباح، نصيب بن رباح، تحقيق: داود سلوم، ص 122. ويقول في مديح أخر: [المتقارب]
نفس المصدر، ص 80. Marcel Mauss, Essai sur le don. Forme et raison de l'échange dans les sociétés archaïques, in Sociologie et anthropologie, Paris, Quadrige/PUF, , e édition, p. . لقد استعملت الباحثة الأمريكية سوزان بنكني ستيتكيفتش عمل موس في دراستها لقصيدتين، الأولى لعلقمة الفحل والثانية لكعب بن زهير. أنظر : S. Pinckney Stetkevych, « Pre ـ Islamic and the Poetics of Redemption Mufaddalíya of ‘Alqamah and Bānat Suád of Ka‘b b. Zuhayr », in Reorientations/Arabic and Persian Poetry, Indiana, University Press, Bloomington and Indianapolis, , p. ـ . André Miquel, La géographie humaine du monde musulman jusqu'au milieu du e siècle, Paris, École des Hautes Études en Sciences Sociales et Mouton éditeur, , p. ـ . والمفردات التي استعملها الجغرافيّون هي: تيه، رمل، قفر، صحراء، بادية، بريّة ومفازة. ([11]) عدد توارد كلمة فلاة في دواوين هؤلاء الشعراء هو كما يلي: فلاة: الأخطل (2) ؛ الفرزدق (7) ؛ جرير (1). الفلاة: الأخطل (8) ؛ الفرزدق (9) ؛ جرير (11). ([12]) والربع «حبس الإبل عن الماء ثلاثة أيام وورودها في الرابع». [اللسان]. «والغِبُّ وِرْدُ يوم وظِمْأُ آخرَ، وقيل هو ليوم وليلتين. [...]. الغب من وِرْدِ الماء، فهو أن تشرب يوما ويوما لا.» [اللسان]. ([16]) يمكن أن نضيف إلى هذه اللائحة أسماء أخرى مثل: مهمه وهو حسب اللسان: «[...] الفلاة بعينها لا ماء بها ولا أنيسََ.» (شعر الأخطل، ص 113، البيت السابع). وقفرة: نقرأ في اللسان: « القفر والقفرة: الخلاء من الأرض، وجمعه قفار وقفور [...]. ويقال: أرض قفر ومفازة قفر وقفرة أيضاً ؛ وقيل القفر مفازة لا نبات بها ولا ماء، وقالوا مقفار أيضاً. [...]. ». أنظر شعر الأخطل، ص7، البيت 34 ؛ ص 60، البيت 11 ؛ ص 87، البيت 26، ص 234، البيت 11، ص 262، البيت 35. ([18]) الإبل في الشعر الجاهلي دراسة في ضوء علم الميثولوجيا والنقد الحديث، أنور عليان أبو سويلم، ج 2، ص 205. ([20]) «التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي»، إبراهيم عبد الرحمن، فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد الأول، العدد الثالث، أبريل 1981، ص 129. ([23]) «ويعللون تسمية العيوق والنجوم القلاص بهذين الاسمين في أسطورة تقول إن العيوق قد عاق الدبران لما ساق إلى الثريا مهلرا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجما، فهو يتبعها أبدا خاطبا لها، ولذلك سموا هذه النجوم بـ(القلاص).». الإبل في الشعر الجاهلي دراسة في ضوء علم الميثولوجيا والنقد الحديث، أنور عليان أبو سويلم، ج 1، ص 241. ([24]) ولم يذكر الفرزدق قصة الثور الوحشي في مدائحه، اللهم إذا استثنينا ماقاله هذا الشاعر في البقرة الوحشية، في القصيدة رقم 166 الواردة في الصفحة 210 من ديوانه. وجاءت هذه القصة في أحد عشر بيتاً. وفي نفس القصيدة شبه الفرزدق نوقه بقطيع من البقر الوحشي (البيت العشرون): [الوافر]
ويقول في قصيدة أخرى: الديوان، ص 246، البيت الثالث: [الطويل]
([25]) يذكر الأخطل الثور في بيت واحد في هذه القصيدة : [البسيط]
([27]) لقد وردت قصة الثور الوحشي في المقدمة الطللية. أنظر القصيدة 24، ص 138. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأخطل نظم قصيدة من خمسة عشر بيتا خصصها للثور الوحشي. أنظر الديوان، ص 230 ـ 231. Lucien Dällenbach, Le récit spéculaire, essai sur la mise en abyme, Le Seuil, . [السرد المرآوي، رسالة في الانشطار. لوسيان دالنباخ] يعرف الكاتب الانشطار في الصفحتين 52 و76 من مؤلفه: P. : « [...] est mise en abyme tout miroir interne réfléchissant l'ensemble du récit par réduplication simple, répétée ou spécieuse. » P. : « L'énoncé dont il s'agit n'étant provisoirement envisagé que sous son aspect référentiel d'histoire racontée (ou fiction), il apparaît possible de définir sa mise en abyme comme une citation de contenu ou un résumé intertextuels. En tant qu'elle condense ou cite la matière d'un récit, elle constitue un énoncé qui réfère à un autre énoncé – et donc un trait du code métalinguistique; en tant qu'elle est partie intégrante de la fiction qu'elle résume, elle se fait en elle l'instrument d'un retour et donne lieu, par conséquent, à une répétition interne. ». Lucien Dällenbach, Le récit spéculaire, essai sur la mise en abyme, Le Seuil, . |