|
||||||
| Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م | ||||||
| فهرس العدد |
|
وسطية الإسلام في النقد والجدال ـــ أ.د.بكري شيخ أمين(*) للرجل الفاضل والمتعلم أدبان: أدب درس، وأدب نفس ولا تكتمل شخصية الإنسان إلا بهما معاً.. فأدب الدرس وحده، دون أن يرافقه أدب النفس غير مجدٍ، بل غير مفيد، فالعلم الذي استوعب علوم الأولين والآخرين لن يفيد أحداً من علومه إن لم يقترن علمه بأدب النفس. كم رأينا علماء كباراً في العلوم الطبيعية، أو الرياضية، أو الفقهية، أو العلوم الإنسانية، أو اللغوية، أو النحوية، أو الأدبية، أو غيرها، وكانوا سيئي الخلق مع أسرهم من زوجات وأبناء وبنات، أو مع جيرانهم، أو مع من يتعاملون معهم، أو مع من يتعلمون على أيديهم.. إن مثل هؤلاء الناس لن ينتفع منهم أحد، ولن يمدح سلوكهم إنسان، ولن يحترمهم قريب أو بعيد؛ لأنهم فقدوا العنصر الثاني من المعادلة، وهي: أدب النفس. ولو كان محمد بن عبد الله، وهو رسول من الله، ومبلغ لرسالته، والذي نزل عليه القرآن، ونزل عليه أمين وحي الله جبريل.. لو كان فظاً، غليظ القلب، خشن الطباع، سيئ المعاملة، لانفض عنه أتباعه، ولكفر به الذين آمنوا بدينه، ولزالت رسالته من الوجود. إن فظاظة المعاملة، وسلاطة اللسان، وقسوة القلب، وتجهم الوجه، وسوء المعاملة، منفرة للقريب والبعيد، مبعدة للناس عنه، حتى لو كان صاحبها أعلم من في الأرض. أما أدب النفس: ففيه معان شتى. أولها: الرفق واللين، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما خلا من شيء إلا شأنه. وثانيها: حلاوة اللسان، وبشاشة الوجه.. واللسان الحلو جلاب لكل مودة، مقرب لكل بعيد، مُدْنٍ لكل قاص.. وأما العبوس فهو أول طارد لكل قريب ورفيق وجار. جرب أن تكشر وجهك، وتحملق عينيك في وجه طفل عمره سنة واحدة أو سنتان.. وانظر إلى تعبيرات وجهه.. حتى لو كنت أباه، أو أمه، أو أخاه، أو أخته.. يتأمل الطفل في أول الأمر سحنتك، ويتعجب من منظر وجهك.. ثم يعود إلى ذاكرته، ويقارن بين ما اعتاد أن يراك عليه.. وبين الحالة التي أنت فيها الآن. بعدها تبدأ ملامح وجهه بالتغير، ويظل ينظر إليك.. وأنت على تلك السحنة.. وفجأة يعلو صوته بالبكاء، وتظهر عليه علامات الرعب والخوف، ويشيح بوجهه عنك، ويهرب من أمام وجهك، ويلتجئ إلى أقرب الناس إليه.. وكأنه يحتمي به منك.. هذا مع طفل صغير.. تأمل تكشيرات سحنتك، وخاف منها ومنك. ولا تظنن أنه سيعود إلى أحضانك ولو كنت أباه، أو أمه، أو أخته، أو أخاه.. إلا إذا مر زمن طويل، ومسحت تلك الهيئة المخيفة من ذاكرته مع الأيام.. كذلك الأمر مع اليافع والشاب والتلميذ والمتعلم والناس البعداء الآخرين؟ في الأثر: أن هناك شاعراً حكيماً علَّم ابنه الطريقة المثلى لمعاشرة الناس ومحادثتهم فقال: أبنيَّ! إن البِرَّ شيءٌ هيِّنُ وجهٌ بشوشٌ، وكلامٌ ليِّنُ عالم دون أخلاق: أعرف رجلاً أوتي حظاً كبيراً من العلم، بل قد يكون أكثر تفوقاً من الكثيرين أمثاله، له قلم سيال، يكتب المقالات، والنقد، والتحليل، وكان في مقام رفيع، يستطيع به أن يضر وينفع، ويحول من شاء إلى ما شاء.. لكنه كان سليط اللسان، شرس الطباع، كثير اللعن، دائم الشتم، والنقد، والسباب.. ساخطاً على الحياة وقوانينها، ذاماً للدنيا التي ترفع الصغير، وتسفل الكبير.. ـ وكأنه كان يعني نفسه ـ. لم أجده في يوم من الأيام مصاحباً أحداً، أو داعياً شخصاً إلى داره، أو مدعواً إلى بيت صديق أو قريب، أو محب، أو محبوب.. كأنه المجذوم الجربان... لا يقرب، ولا يقرب.. ويشهد الذين يعرفونه بعلمه وسعة اطلاعه، ولكنهم يقرنون دائماً شهادتهم بعلمه بسوء سلوكه مع الناس، وكثرة انتقادهم وذمهم إن أحسن الناس أو أساؤوا. سألته ذات يوم عن سبب هذا الجفاء بينه وبين الآخرين فقال: إن لم أخفهم فلن يخافوا مني، وإن لم أرعبهم فلسوف يتجرؤون ويخالفون أوامري، ويحسبون أني واحد منهم ولست رئيساًَ عليهم.. إن لم أكن ذئباً أكلتني الذئاب.. ودارت الأيام... وخرج صاحبنا من الوظيفة متقاعداً.. وكنت أراه يمشي على رصيف، فإذا ما رآه أحد زملائه، أو معارفه، أو طلبته... هرب بسرعة إلى الرصيف الآخر تحاشياً من مواجهته، أو الحديث معه، أو سماع شكواه، أو نقده وذمه لكل شيء على الدوام. ثم سمعت أنه استطاع أن يسافر إلى بلد بعيد، وبعدها لم أعد أعرف شيئاً عن أخباره. أعود فأقول: إن الرجل الكامل هو الذي يتحلى بأدب الدرس وأدب النفس معاً. فإذا هما اجتمعا لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان. أدب النقد والجدال: في يوم من الأيام كنت في ضيافة عالم من سلالة الأنصار، وكان هذا الرجل صاحب مجلة أدبية أنشأها سنة 1936 للميلاد اسمها المنهل. وسألته أسئلة شتى، كان من جملتها رأيه في النقد، وخطته في الكتابات المنقودة، وكيف يتصرف مع ناقديه ومنقوديه، بل كيف يجب أن يكون التصرف المثالي في مثل هذه الأمور... تحدث الرجل طويلاً عن هذا الموضوع، وبقي في ذهني تشبيهه الناقد بلابس النظارة، زجاجتها الأولى بيضاء، وزجاجتها الثانية سوداء. فإن كانت الاثنتان بيضاوين ظهرت الدنيا بيضاء ناصعة، وإن كانت الزجاجتان سوداوين ظهرت الدنيا سوداء معتمة، وهذا خلاف الطبيعة في كلا الأمرين. فالدنيا فيها الأبيض والأسود، والجميل والقبيح، والحسن والسيئ.. كذلك الناقد يجب أن يرى المنقود بالنظارتين، ينظر بالسوداء ليرى المثالب والمآخذ، وينظر بالبيضاء ليرى المحاسن والجماليات، ويبقى الأهم من هذا كله: وهو: اللفظ المهذب، والقول الطيب، والموضوعية التامة، والميزان القويم، والحكم الرشيد. وأضاف يقول: كثيرون في بلدنا وفي العالم العربي ينقدون، ويرون في النص المنتقد رأياً يخالف رأيهم، بل قد يرون عكس ما يقوله الكاتب والأديب، ولكنهم في نقدهم يتخلقون بالأخلاق العالية، وبأدب النقاش والحوار، فلا ينزلقون إلى ما تنزلق إليه بعض الفئات ممن لا خلاق لهم، ولا علم، ولا حجة دامغة... فيتخذون القدح والشتم وسيلة لتلميع أسمائهم، وتخويف الآخرين منهم... ولا أريد أن أسمي لك بعض هؤلاء الناس حتى لا نقع بمغيبة أحد.. ولسوف تعرفهم وتراهم على صفحات الجرائد والمجلات والمنتديات والمجتمعات هنا وهناك. جدال بين الزيات والأثري .... وضرب لي مثلاً بالنقاش الدائر بين الشيخ بهجت الأثري العراقي والأديب المصري أحمد حسن الزيات على صفحات مجلة الرسالة في موضوع (مأساة الشاعر وضاح اليمن). كان المرحوم أحمد حسن الزيات يتبنى أسطورة وضاح اليمن، ويبني على هيكلها موضوعاً أدبياً، لا أحلى منه ولا أجمل، وكان الشيخ محمد بهجت الأثري رحمه الله يرد عليه، وينكر الأسطورة من أساسها... وطالت المناظرة بين الرجلين الكبيرين، وتعدد الأخذ والرد، وانتصر فريق لهذا، وفريق لذاك، ثم جمعت أقوالهما في كتيب، تشعر وأنت تقرأه أن كلا الرجلين يسكب العطر والاحترام لصاحبه، في كل سطر أو في كل مقال. جدال بين الجاسر والأنصاري ومرت الأيام، وانتقل الشيخ الأنصاري إلى جوار ربه ورحمته، ووقعت فيما وقعت على مصداق قولة الشيخ الأنصاري عن الأثري والزيات ممثلة في رجل اسمه حمد الجاسر، ويلقب بعلامة الجزيرة. كنت أجتمع صباح كل يوم أحد في بيروت في العقد السابع من القرن الماضي في منزل الدكتور إحسان عباس ومعنا المرحوم أنطون صادر صاحب مطابع صادر المشهورة والشيخ حمد الجاسر، ونظل في نقاش وحديث علمي إلى الظهر، ثم ينصرف كل منا إلى منزله. سألت الشيخ حمد عن خلافه مع المرحوم الأنصاري، وعن قصة جيم جدة، والنقاش الذي استمر بينهما عاماً أو يزيد على صفحات الجرائد.. وكان الشيخ حمد يجيز ضم الجيم وفتحها وكسرها، ولكن الشيخ عبد القدوس الأنصاري ما كان يجيز سوى ضمها فقط... قال الشيخ حمد: منزلة الشيخ الأنصاري في نفسي، لست بحاجة إلى أن أتحدث عنها، فأنا أعترف بفضله عليّ، إذ كان أول من أتاح لي فرصة نشر بعض آرائي، بل ظل مشجعاً لي، حيث أفسح لي مجلته لكل ما أكتب، بل كان يدفعني في كثير من الأحيان إلى الكتابة في موضوعات لم أفكر بها... ولهذا جعلني أطرق نواحي فكرية كان السبب في أن أتعمق في دراستها. واعترف الشيخ حمد بأن جفوة مؤقتة حصلت بينه وبين الشيخ عبد القدوس في موضوع جيم جدة، وعلل سبب الجفوة بأنها تنشأ بين متعاصرَيْنِ ممن تجمعهم مهنة واحدة. وأضاف الشيخ حمد قوله: أنا أعتبر تلك الجفوة لا تعدو أن تكون خلافاً في بعض الآراء، لا تصل إلى درجة البغضاء والكراهية، أو تدعو إلى التقاطع... وكان يلح على أن الخلاف صورة مما يحدث بين متعاصرَيْنِ شريكَيْنِ في حرفة واحدة من حِرَفِ الأدب. ومما قال: يبقى الأنصاري أقدر مني وأعرف، وهو أستاذي، وأنا تلميذ في المعهد السعودي بمكة، وأعترف له بالفضل... إلا أنني آخذ عليه وعلى غيره بعض المآخذ، كما يأخذ هو وغيره عليّ بعض المآخذ، فالكمال لله وحده، والعصمة لأنبيائه. وأحمد الله أننا قد تصافينا، وزال ما في نفوسنا من تأثر، ولم يرحل أحدنا من هذه الدنيا الفانية وفي قلبه ضغينة على أخيه. هذا اللون من النقد والجدال يفعله الكبار من العلماء. أما الصغار فيثيرون حرب داحس والغبراء من أجل أمور صغيرة، لا تقدِّم ولا تؤخِّر.. فإذا كان مجتهد أو دارس يرى في دراسة نص ما وجوبَ النظر إلى شخص الأديب وحياته، والظروف التي دفعته إلى تدبيج نصه، ومن ثم إلى دراسة الأثر ذاته... ويرى ناقد آخر وجوب عدم الالتفات إلى حياة الكاتب أو الشاعر وظروف ومناسباته، والاكتفاء بتحليل النص دون سواه، ودون أي مؤثر آخر... حينئذ تقوم قيامة المخالف، فيسلق الطرف الثاني باللسان الحاد، ويتهمه بالجهل، وقد يتهمه بعقله أو بسلوكه، وقد يتطور السباب إلى معتقداته، وإلى أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. وما مشكلة الحداثة، ومشكلة الشعر الحر، ومشكلة الشعر المنثور، والنثر المشعور، ومشكلة البنيوية، والتشريحية، ومشكلة التحليل، والتفكيك، وما رواء التفكيك، وموت المؤلف، وسواها من المشكلات، وما يدور فيها من كلام لا يرضاه الله ورسوله والخلق الرفيع عنا ببعيدة. هذه المواقف المتشنجة تملأ صحفنا وفضائياتنا ومجالسنا في هذه الأيام، وهي ليست مقصورة على بلد آخر، إنما هي بلاء مستشر في معظم الأقطار والبلدان. جدال السلف من العلماء أذكر أني قرأت يوماً قصة خبر الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ أنه ذهب إلى العراق مدعواً، ووصل بغداد، وزار عند صلاة الفجر ضريح الإمام أبي حنيفة النعمان ـ رضي الله عنه ـ في الأعظمية، ففرح الناس به، وأحبوا أن يصلوا وراءه مقتدين، ليكون لهم الثواب والشرف الكبير. وتقدم الإمام الشافعي، وأمَّ الناس، ولكنه لم يقنت في الركعة الثانية ـ كما هو مذهبه المعروف ـ فسأله الناس بعد الصلاة: أنسيت يا حضرة الإمام أم عدلت عن القنوت؟ فقال رحمه الله تعالى: لم أنس، ولم أعدل عن القنوت، ولكني فعلت ذلك احتراماً لهذا الإمام صاحبِ المقام الذي لم يثبت عنده قنوت الفجر. وكثيراً ما كان الإمام الشافعي يردد: كلامنا صحيح ويحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ ويحتمل الصواب. وكان الإمام أبو حنيفة يردد: هذا أحسن ما جئنا به، ومن جاء بأحسن ما جئنا به فهو الأفضل. أدب النقد والجدال في الإسلام والقرآن الكريم مفعم بآيات أدب الجدال، وفي السيرة النبوية أن رسول الله ( شجت وجنتاه في غزوة أحد، وكسرت رباعيته، ودخل المِغْفَرُ في رأسه.. وبدأ أحد المجاهدين يسب قريشاً.. فانتفض الرسول وجراحه تسيل فأسكته، وراح يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. وفي مرة جذب أعرابي بردائه ـ عليه السلام ـ جذبه شديدة حتى أثرت في عنقه، وقال: احمل لي على بعيريَّ من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ومال أبيك فلم يغضب عليه السلام، ولم يزد على أن قال: المال مال الله، وأنا عبده، ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي. فقال الأعرابي: لا. قال النبي: ولِمَ؟ قال: لأنك لا تكافئ السيئة بالسيئة. فضحك النبي عليه السلام، ثم أمر أن يُحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر. تلك هي سمات الوسطية الإسلامية في النقد والجدال، وفي معظم الأمور، وتلك هي آدابه ومقوماته، وتلك هي الوسطية التي دعا إليها هذا الدين الحنيف. وأكرم بها من دعوة ومنهاج وسلوك. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |