مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 108 السنة السابعة والعشرون - كانون الأول 2008 - ذو الحجة 1428
Updated: الاحد, حزيران 01, 2008 12:32 م
فهرس العدد
 

استدعاء شخصيَّة المعريّ في الشعر العربي الحديث والمعاصر (بين الواقع والتجريد) ـــ عصام شرتح(*)

لا شك في أن للموروث العلمي والأدبي والديني والتاريخي أهميته في أدبنا العربي الحديث والمعاصر، إذ: «يعد التاريخ ـ بصفة عامة ـ منبعاً ثراً من منابع الإلهام الشعري، الذي يعكس الشاعر من خلال الارتداد إليه روح العصر، ويعيد بناء الماضي، وفق رؤية إنسانية معاصرة، تكشف عن هموم الإنسان ومعاناته وطموحاته وأحلامه، وهذا يعني أن الماضي يعيش في الحاضر، ويرتبط معه بعلاقة جدلية تعتمد على التأثير والتأثر»([1]).

وهذا بديهي أن يتأثر شعراؤنا في العصر الحديث بالشخصيات التاريخية بصفة عامة، والشخصيات الأدبية بصفة خاصة، إذ إن استدعاء الشخصيات الأدبية في النصوص الحديثة: «يجعل النص ذا قيمة توثيقية، يكتسب بحضورها دليلاً محكماً، وبرهاناً مفحماً على كبرياء الأمة التليد حاضرها المجيد، أو حالات انكسارها الحضاري، ومدى انعكاسه على الواقع المعاصر، أو بمعنى آخر، يستلهم الشاعر أوجه التشابه بين أحداث الماضي، ووقائع العصر وظروفه، إن سلباً أو إيجاباً، وهو في هذا كله يطلق العنان لخياله لكي يكشف عن صدى صوت الجماعة، وصدى نفسه في إطار الحقيقة التاريخية العامة التي يبحث عنها، أو الموضوعات التاريخية الكبرى، التي تشكل حضوراً بارزاً في تاريخ الأمة دون الخوض في جزئيات صغيرة»([2]).

ويعد استدعاء الشخصيات الأدبية في شعرنا الحديث والمعاصر، بمثابة الارتداد الفني بالرجوع إلى الماضي لشحن نصوصهم بدلالات شتى ما كانت لتتأتى لولا هذه التقنية الفنية التي تحاول استنطاق الشخصية الأدبية ومحاورتها أحياناً لنقد الواقع أو السخرية من أحداثه ووقائعه المتناقضة أو الفاسدة؛ بمعنى أدق إن الشخصية الأدبية المستحضرة أشبه بالمرآة الخفية التي تعكس الوجهين معاً في آن، وجه الماضي بإشراقه ونضارته، ووجه الحاضر بتناقضاته وسلبياته؛ وهذا ما أشار إلى بعض منه الناقد علي عشري زايد بقوله: «من الطبيعي أن يكون الموروث الأدبي أثرى المصادر التراثية وأقربها إلى نفوس شعرائنا المعاصرين؛ ومن الطبيعي أيضاً أن تكون شخصيات الشعراء من بين الشخصيات الأدبية هي الألصق بنفوس الشعراء ووجدانهم، لأنها هي التي عانت التجربة الشعرية، ومارست التعبير عنها، وكانت هي ضمير عصرها وصوته، الأمر الذي أكسبها قدرة خاصة على التعبير عن تجربة الشاعر في كل عصر... فلا غرابة ـ إذن ـ أن تكون شخصيات الشعراء من أكثر الشخصيات شيوعاً في شعرنا المعاصر؛ وفي ذات الوقت من أكثرها طواعية للشاعر المعاصر، وقدرة على استيعاب أبعاد تجربته المختلفة»([3]).

ومن الملحوظ أيضاً أن «الشخصيات الأدبية التي حظيت بالقدر الأعظم من اهتمام شعرائنا المعاصرين هي تلك التي ارتبطت بقضايا معينة، وأصبحت في التراث رمزاً لتلك القضايا وعناوين عليها، سواء كانت تلك القضايا سياسية أو اجتماعية أو فكرية، أو حضارية، أو عاطفية، أو فنية. ولقد كان الشعراء يتأولون بعض جوانب حياة الشخصية التراثية، لتصلح ـ عنواناً على القضية التي يريدون أن يحملوها عليها»([4]).

ومن الطبيعي ـ أيضاً ـ أن تكون شخصية المعري إلى جانب شخصية المتنبي وطرفة بن العبد من أهم الشخصيات الشعرية التي تم استحضارها في لغة الشعر العربي الحديث والمعاصر، نظراً إلى غنى هذه الشخصيات بالمواقف والأحداث السياسية، والرؤى الفلسفية والوجودية العميقة فيما يخص فلسفة الحياة والخلق والكون؛ حتى إن بعض الشعراء كتب ديواناً سماه: «رسائل إلى أبي الطيب المتنبي، ضمنه ثلاث عشرة رسالة موجهة كلها إلى أبي الطيب المتنبي»([5]).

وقد اختلف الشعراء أنفسهم في توظيفهم لشخصية المعري، فمنهم من أعطاها قيمة إنسانية عظمى في تاريخ البشرية، ومنهم من أسطرها، وأسند إليها صفات خارقة، وسطر لها الملاحم الشعرية؛ ومنهم من أضفى عليها هالة من التقديس والعظمة والجلال؛ محلقين بهذه الشخصية إلى مراتب الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والقادة العظماء، ظناً منهم أنهم ـ بذلك ـ قد أنصفوا المعري ـ حقيقة ـ وأعطوه الدرجة أو المكانة الأدبية أو الفكرية التي يستحقها، ولو أنصفوا المعري حقيقة لتعمقوا أفكاره ورسموا ملامح فلسفته ورؤاه الوجودية، ودعموا الركائز الفلسفية التي استند إليها في فلسفته من خلال جدلياته التي طرحها ورؤاه الميتافيزيقية والماورائية التي استنبطها في سر الحياة والخلق والكون؛ والحق يقال: إن أغلب شعرائنا ـ في العصر الحديث ـ كانوا سلبيين في استحضارهم لشخصية المعري حتى وهم غارقون في تبجيلهم ومدحهم للمعري؛ وهذا ينم ـ بشكل أو بآخر _ على ضحالة في الرؤية أو تشتيت في وحدة المنظور، إذ إن أغلب شعرائنا ينظرون إلى المعري وكأنه إله الفكر أو تمثال الفن الذي يجب أن يعبد؛ إن هذه الرؤية قد عصفت بفكر الشعراء وبنظرتهم الفنية للمعري، لهذا لم يوفق شعراؤنا المعاصرون في استحضار شخصية المعري استحضاراً فنياً راقياً يعتمد الإسقاط والمحاورة أو المناورة الفنية التي تحرك شخصية المعري من جذورها وتبعث فيها نبض الحياة من جديد؛ وهذا طبيعي ـ من وجهة نظرنا ـ لأن معظم القصائد التي قيلت في المعري قصائد مناسباتية ولم تكن قصائد إبداعية تتمثل أعلى درجات الفن وروح الإبداع في التمثل والاستحضار؛ إذ إن أغلب شعرائنا كانوا يهربون إلى تزويق الصور وتنميق العبارة المدحية الجذابة التي تعصف بفكر المتلقي الساذج البسيط من دون تمثل حقيقي لفكر المعري ورؤاه الوجودية، ولم نجد من شعرائنا الأفاضل إلا القليل ممن أجرى محاورة فلسفية معه، يستنبط من خلالها الكثير من أفكاره ورؤاه، محطماً هالة التقديس والإجلال التي جمدت شخصية المعري في أدبنا الحديث ردحاً من الزمن، بدلاً من أن تحييه من جديد لينطق بلسان حالنا وواقعنا المعاصر المأزوم.

وحرصاً منا على توخي الدقة العلمية فقد قمنا بدراسة تقنية استحضار شخصية المعري في شعرنا الحديث والمعاصر من منظورات أو محاور عدة هي:

أولاً ـ شخصية المعري بوصفها عنصراً في صورة جزئية:

لقد أكثر الشعراء في العصر الحديث والمعاصر من استحضار صورة جزئية من شخصية المعري، دون تمثل كامل لهذه الشخصية؛ و«يعتبر هذا النمط من أنماط توظيف الشخصية التراثية أبسط هذه الأنماط، وربما أهونها شأنا من الناحية الفنية، حيث يظل ارتباط الشاعر ـ في إطار هذا النمط بالشخصية المستدعاة ـ ارتباطاً هامشياً، ويظل إحساسه بها من الضعف، بحيث لا تستطيع الشخصية أن تستقطب أبعاد تجربته أو حتى بعداً واحداً منها»([6]).

وقد يقف استحضار شخصية المعري عند حدود الصورة الجزئية، إذ تكون الشخصية المعرية المستحضرة،«مجرد صورة بلاغية ـ تشبيه أو استعارة، أو كناية يمكن رد كل طرف من أطرافها إلى مقابل واقعي، وتنتهي وظيفتها في القصيدة بمجرد تحقيق الصلة بين وعي المتلقي وفكره ووجدانه ؛ وقد تكون صورة تشع الشخصية بإيحاءات رحيبة لا يمكن تحديدها، وفي كل الأحوال فإن نجاح الشاعر يقاس بمدى توفيقه في شحن الصورة بطاقة لا تنفد من الإيحاءات من ناحية، وبتوظيفها لخدمة السياق العام للقصيدة وتطويعها للمقتضيات الفنية لهذا السياق من ناحية ثانية؛ بحيث لا يبدو العنصر التراثي [المرتبط بالشخصية المستحضرة] مقحماً على [جو] القصيدة ومفروضاً عليها من الخارج»([7]).

واللافت أن أغلب شعراء الحداثة في سورية قد استحضروا شذرات من شخصية المعري، أو صوراً جزئية لا ترتقي إلى حيز التمثل الاستحضاري الجيد لشخصية المعري، مما جعل نصوصهم تقع في حيز المباشرة والضعف والاستهلاك، كما في قول أدونيس في قصيدته (مرآة لأبي العلاء)، التي يقول فيها:

«أذكرُ أني زرتُ في المعرةِ

عينيكَ، أصغيتُ إلى خطاكْ

أذكر أن القبر كان يمشي مقلداً خطاكْ

وكنن حول القبرْ / صوتكَ، مثل رجةٍ، ينامْ

في جسدِ الأيام أو في جسد الكلامْ

على سريرِ الشعرْ / ولم يكن هناك والداكْ

ولم تك المعرةْ...»([8]).

فعلى الرغم من فاعلية أسلوب المعري التجريدي في هذا المقطع، وصوره الرؤيوية والتشخيصية المفاجئة [صوتك، مثل رجة، ينام / في جسد الأيام / أو في جسد الكلام / على سرير الشعر] فإنه لم يتمثل شخصية المعري تمثلاً حقيقياً؛ ولم يتفاعل معها التفاعل الفني والاستحضاري المطلوب، فبدت شخصية المعري صورة جزئية، أي مجرد تشبيه أو استعارة لا ترتقي إلى حيز التمثل والاستحضار الإبداعي الذي يضفي على الشخصية المستحضرة أبعاداً ورؤى من تجربته يفعل من خلالها دلالات القصيدة على المستويات الأسلوبية والفنية والتخييلية والتعبيرية كافة.

وكما هو حال شاعرنا المعاصر أدونيس كان حال شاعرنا المصري فاروق شوشة الذي استحضر ملمحاً جزئياً من شخصية المعري، إذ «رأى في اعتزال أبي العلاء ـ مثلاً ـ لوناً من الانفتاح الشامل على الحياة وأسرارها في مقابل انغلاقنا نحن وقصور أبصارنا، وقد ولد من خلال هذه المقابلة نوعاً من المفارقة التصويرية، حيث يستطيع الضرير ببصيرته أن يعانق سر الحياة، ويكتنه أبعادها وجوهرها، بينما يتيه المبصرون في بحر الضلالة ويتخبطون في موج التيه والظلام، ويتمنون لو استطاعوا أن يصلوا إلى صفاء عالم المحبسين بما فيه من ضياء البصيرة»([9]).على نحو ما نلحظه في قوله:

«هل آن للإنسان أن يجاوز الآلام

مهاجراً من عالم الملال والسآمه

إلى صفاء المحبسين / وعالم النقاء والكرامة ؟!»([10]).

وقد استحضر الشاعر عبد الله القرشي شخصية المعري بعمق وشمولية أكثر من سواه على الرغم من أنها لم تستغرق كامل القصيدة؛ والسبب يعود ـ من جهة نظرنا ـ إلى الثقافة الواسعة التي يمتلكها هذا الشاعر مقارنة بسواه من الشعراء؛ ناهيك عن قدرتها البالغة في رصد صفات المعري وتمثل أبعادها، وإن غلب عليها الطابع المدحي الاستهلاكي أحياناً، إذ يقول:

«إيهٍ ( رهينَ المحبسيـ

 

ـين) جنىً، فقد وضُحَ الصوابْ ؟

زلزلتَ أوهامَ الجمو

 

دِ فأُلجمَتْ منكَ الذئابْ

ولُمتَ أرسانَ العلو

 

مِ، وما استكنتَ إلى غِلابْ        

ما كنتَ رهنَ الوحدةِ الـ

 

ـعزلاءِ بل كنتَ الصِّلابْ        

سِفراً يخطُّ بهِ الخلو

 

دُ مجاهلَ الكونِ اللبابْ         

فاهنأ فذكركَ جاهرٌ

 

تحدوهُ أنغامٌ طرابْ           

ولتحظَ بينَ مفاخرِ الدنـ

 

ـيا، فحسبُك من ثوابْ »([11])

واللافت أن القرشي قد تجاوز في بعض المقاطع السطحي والمألوف من الصور ليحاوره، محاورة كاشفة (هادفة)، كاشفاً من خلالها بعض رؤاه ومواقفه الأيدلوجية وخاصة موقفه من المرأة، مؤكداً إنسانيته العظيمة، إذ يقول:

«أعجَّلتَ في الكون الحسابْ

 

وجثثتَ للخلدِ الركابْ

وسخرتَ من أملٍ كومضِ الـبر        

 

قِ أو لمحِ السرابْ        

فعصفتَ بالعمرِ الكئيـ        

 

ـب ِ، وسغتَ ألوان العذابْ      

ومضيتَ ترفدكَ العلى

 

ويؤجُُّك الفكرُ العجابْ

وكم استطبتَ جوى الأيا        

 

مى لا تحنُّ إلى الكعابْ        

لم تغرِكَ الحسناءُ بالسـ      

 

ـحـر المرموق والرضابْ        

ورحِمتَ طفلكَ أن تنا        

 

هضهُ الشجونُ بلا حسابْ         

فوأدتَهُ وأدَ الحكيـ            

 

ـمِ وليتَ طفلاً منكَ آبْ »([12])

إن المتأمل ـ في هذه الأبيات ـ يلحظ أن القرشي استوحى تجربة المعري، واستقدمها في إطارها الواقعي المرسوم لها مسبقاً، مما أفقدها الكثير من الدفق الإيحائي أو الجمالي المميز؛ وكان من الأجدى له أن يوظفها في إطارها المعاصر، مضفياً عليها بعضاً من رؤاه. لكن على الرغم من ذلك كله لم يكن سلبياً في التوظيف؛ ولم يك هش الرؤية، بل حاول أن يتغور أبعاد تجربة المعري ومحاورتها محاورة شعرية هادفة، ترصد واقعه ومواقفه بعمق وشمولية.

ومن الشعراء المعاصرين الذين تناولوا شخصية المعري بصورة جزئية موفقة إلى حد ما، شعراء معرة النعمان، ونذكر منهم: ماجد الأسود، وعبد الرحمن الإبراهيم، ومحمد الشيخ علي، وياسر الأطرش؛ إذ وظفوا شخصية المعري في ثوبها المعاصر، لكنهم لم يحاوروها ولم يتخذوا منها قناعاً، بل جاءت لغتهم خطابية ذات نبرة حادة مباشرة، حاول بعضهم الاتكاء على الصورة بإثارة غرابتها ودهشتها، للرقي بالقصيدة إلى الحيز الشعري أو الجمالي المطلوب من ذلك قول ياسر الأطرش:

«وقفتَ.. ولا تزالُ.. ولا تزولُ    

 

صعودٌ أنتَ ليس لـهُ نزولُ

كأنكَ في كتابِ الدهر عامٌ

 

وكلُّ الآخرينَ بهِ فصولُ      

وأنتَ وما جنيتَ على وليدٍ

 

خلِّدتَ أباً سلالتُهُ عقولُ

فيا رجلاً يحاولُ وهوَ ميتٌ

 

لنا عمرٌ يموتُ ولا يقولُ»

 

***

 

«رهينَ المحبسينِ أراك حرّاً

 

فبيتُكَ واحةٌ، وعماكَ نيلُ

تجوعُ إليكَ أزمنةٌ حيارى     

 

يضلُّ بها عن الوعيِ السبيلُ    

أتتركنا بلا أفقٍ وتمضي

 

وخلفَ عماك تختبئُ الحلولُ»([13])       

هنا، حاول الشاعر أن يعزف على إيقاع الصورة المثيرة للارتقاء بقصيدته إلى المستوى الجمالي أو الفني المطلوب؛ فكانت شخصية المعري في النص متكأً فنياً (اسقاطياً) يحاول الشاعر من خلالها تعرية الواقع، وكشف سلبياته وتناقضاته وأزماته السياسية، فكان استحضاره ارتدادياً خطابياً مباشراً أكثر منه اتكاءً فنياً موحياً؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أسند الشاعر لشخصية المعري أدواراً ليست من طبيعتها ولا أبعادها، وهو البعد السياسي، فشخصية المعري ليست الشخصية الأسطورية الخارقة القادرة على حل مشاكلنا السياسية في لحظة العقم الذي تعيشه أمتنا العربية، صحيح أنها شخصية عبقرية مفكرة، لكنها ليست تلك الشخصية الحربية السياسية التي تمتلك الحلول، كشخصية خالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي، وعبد الرحمن الداخل الملقب بـ«صقر قريش»، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد... إلخ.

وهذا يدعونا للقول: إن أغلب الشعراء في عصرنا الراهن لم يحاولوا استنطاق هذه الشخصية، وبعث مكنوناتها الجوهرية ورؤاها الميتافيزيقية الوجودية؛ فكانت أشبه بلصوقات عشوائية طنانة لا تنم على خبرة ومران في استدعاء الشخصية المستحضرة، وشحنها بفيض دلالي عارم من جديد لتنطق بما نريد ونعري من خلالها ما نريد... صحيح أن هنالك بعض اللمحات أو القفزات الشعرية ـ عند عدد لا بأس به من هؤلاء الشعراء لكنهم باستحضارهم لشخصية المعري يقف لسان حالهم عند الثناء والمديح دون تمثل حقيقي أو استنطاق حقيقي فكري أيدلوجي نفسي لشخصية المعري.

ثانياً ـ شخصية المعري بوصفها محوراً لقصيدة كاملة:

يعد هذا النمط من أنماط استحضار شخصية المعري من أكثر الأنماط تواتراً أو اطراداً في شعرنا الحديث والمعاصر، باعتباره يستغرق رؤية القصيدة ومقاطعها بأكملها، إذ «تغدو الشخصية المستحضرة في هذا النمط هي الإطار الكلي، والمعادل الموضوعي لتجربة الشاعر، حيث يسقط على ملامحها التراثية كل أبعاد تجربته المعاصرة »([14]).

لقد استطاع عدد قليل من شعرائنا العرب المعاصرين استحضار شخصية المعري بوصفها مرتكزاً لرؤية فلسفية عميقة أو شاملة، تشكل مفاصل أو محاور مهمة في فكر المعري، ونظرته الوجودية؛ حيث تم من خلالها إعادة النظر إلى العالم وفق رؤية جديدة، تجاوز الأبعاد الدلالية المألوفة، لتصبح رمزاً قادراً على اكتشاف العالم، وصياغته من جديد وفق رؤية ثورية ذات أبعاد سياسية واجتماعية؛ وهذا ما أشار إلى بعض منه الناقد علي عشري زايد بقوله: «أما الشعراء الذين عبروا عن قضية فكرية، فيأتي على رأسهم شيخ المعرة الضرير، الذي اعتزل الحياة وفسادها، وقبع رهين محبسيه ـ العمى ولزوم البيت، وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا موقف سلبي من المعري لا يصلح لأن يعبر من خلاله شاعر معاصر عن قيمة إيجابية، ولكن شعراءنا استطاعوا رغم هذا أن يضيفوا على هذا الموقف دلالات إيجابية عميقة، وأن يعبروا من خلاله عن كل رفض موضوعي لما يسود الحياة من فساد، وشرور، ومظالم، وآلام»([15]).

وقد كان أبرع من عبر عن هذا الموقف الإيجابي الرافض ـ على حد تعبير العشري ـ هو الشاعر عبد الوهاب البياتي في قصيدته «محنة أبي العلاء»؛ «إذ حمل الشاعر شخصية أبي العلاء في هذه القصيدة دلالات كثيرة، ولكنها ترتد كلها إلى قضية اعتزاله للحياة رافضاً لها، وبرماً بما تخفيه وراءها من فساد، وانحلال، وضلال»([16]). فها هو يقول في المقطع الأول من قصيدته ما يلي:

«متَّ وما تزالُ حياً أنتَ والريحُ التي تبكي

تهزُّ البيتَ في المساءِ / حرمتني من نعمة الضياء

علَّمتني ثقل غياب الكلمات وعذابَ الصمت والبكاءْ

الشارعُ الميِّت غطَّى وجهُه الصقيعُ

والبابُ أُغلِقت إلى الأبدْ

ثلاثة منها أطلُّ في غدٍ عليك / مقبِّلاً يديك:

لزومُ بيتي وعمايَ واشتعالُ الروحِ في الجسد»([17]).

هنا، يأتي استحضار شخصية المعري لتعكس إحساس الشاعر بالوحشة والعذاب؛ إذ جعل الشاعر شخصية المعري معادلاً وجودياً لشخصيته اليائسة المتشائمة، بصور هي غاية في الشفافية والإثارة والاستبطان الارتدادي الماورائي لما تضمره شخصية المعري من دلالات، مردها العزلة والانكفاء على الذات، طلباً منها إدراك الحقيقة المثلى في الحياة ألا وهي صفاء الحرية في عالم الكبت والحرمان.

ويأتي المقطع الذي عنونه بـ«سقط الزند»، موظفاً شخصية المعري بأسلوب ديالكتيكي تكنيكي ساخر؛ إذ جعلها متكأً فنياً مزاوجاً من خلالها بين فساد العصر الذي عاش فيه المعري وفساد عصرنا الراهن الذي نحن فيه؛ محاولاً أن يجعل المعري شاهد عيان على كل ما يحدث في واقعنا الراهن من ظلم وانحلال وضياع، إذ يقول:

«كان زماناً داعراً، يا سيدي، كانَ بلا ضفافْ

الشعراءُ غرقوا فيه وما كانوا سوى خرافْ

وكنت أنت بينهم عرَّاف / وكنتَ في مأدبة اللئآم

شاهدَ عصرٍ سادهُ الظلامْ

قافية الهمزة كانت بغلةً عرجاءْ / يركبها الأمير كل ليلة ليلاءْ

كلُّ القوافي أصبحت، يا سيدي، كالبغلةِ العرجاءْ

كان زماناً داعراً، كان بلا حياءْ»([18]).

ويأتي المقطع السادس الموسوم بـ«قمر المعرة»، مضفياً عليه دلالات سياسية، إذ يحاول الشاعر أن يعري من خلال قناع المعري مفاسد السلطان وسياسته الظالمه، على نحو ما تبدى في قوله:

«الليل في معرة النعمان / زنجيَّة على رخام جيدها قلائد الجمانْ

فاستيقظي يا صخرة في الصدر، يا رمحاً بلا سنانْ

يا كلماتٍ خضِّبت بالدمِ، يا ناراً بلا دخانْ

ولتسكتي ضفادع السلطان / والجيف الموشومهْ

بالنارِ والجرائدِ القديمهْ / ولتضيء البروق

يا أم دفرٍ / وجهك المسحوقْ / وثوبك المرقعَ المسروقْ

فالفقراء صلبوا في السوق / سلطانك المخلوع

وكفروا بالجوع / ولتضيء المشاعلْ

ظلامَ هذا الكوكبِ الغارقِ بالأوحالِ والصقيعِ

هذا الأقحوانُ الذابلْ»([19]).

ومن الشعراء العرب الذين وفقوا في استحضار شخصية المعري، وتوظيفها توظيفاً فنياً مثيراً الشاعر الكويتي عبد الله العتيبي في ديوان ( مزار الحلم )؛ إذ تأثر العتيبي بدالية المعري التي مطلعها:

«غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي

 

نوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادِ

أبكتْ تلكمُ الحمامةُ أم غنـ

 

ـت على فرع غصنِها الميَّادِ

تعبٌ كلها الحياةُ فما أعـ

 

ـجبُ إلا مـن راغـــبٍ في ازديادِ

إن حزناً في ساعةِ المو

 

تِ أضعافُ سرور في ساعةٍ الميلادِ»

هنا، «اتخذ العتيبي من كلمتي ( غير مجد ) اللتين استهل بهما فيلسوف المعرة قصيدته «ثيمة» أساسية في قصيدته الموسومة بـ( بين يدي أبي العلاء )، بمعنى أنه يجعلها محوراً لها تدور حوله، لتعبيرها عن حالته الشعورية والفكرية، وهي حالة الإحباط الذي يبلغ حافة العدمية، ثم يغترف من بئرها السحيق، بعد أن هانت العروبة في عيون أهلها، وتناثر عقدها النظيم بأيديهم الواهنة، فغدت حباته شبحاً مطرقاً بعد تجل نوارني مهيب([20]) على نحو ما تبدى في قوله:

«كلُّ شيءٍ أصبحَ يا شيخُ يجدي

 

ما عدا العوم في بحارِ التحدِّي

أجدَبتْ ريحُنا، فكلٌّ شراعٍ

 

يعشقُ الريحَ، عشقهُ غيرُ مجدِ

أنستْ ريحُنا لدفءِ المرافي

 

واستقرَّ الشراعُ أسمال بردِ

صلبت كالظنونِ سمرُ الصواري

 

وانطوى شوقُها لمُحضرِّ وعدِ »([21])

يحاول الشاعر ـ في هذا المقطع ـ استحضار شخصية المعري، مفضياً إليه الحال الذي وصلت إليه الأمة العربية اليوم من ضعف وانكسار وذل وهوان؛ إذ باتت مرافئها مشرعة للريح فقط، دون أن تخوض غمار المعارك في ساحات النزال؛ فقد أنست الصواري لدفء المراكب، وقد باتت الأعلام ساكنة مصلوبة كأنها أشلاء ممزقة على الرمال تنتظر الأمس البعيد لعله يحمل في طياته الأمل والميلاد الجديد.

ثم يتابع سلسلة الصور الدالة على الانهيار والتمزق العربي، قائلاً :

«يا حكيمَ الزمانِ هذا زمانٌ

 

ظاهريُّ العُلا، سحيق التردِي

بدَّلت أفقَها النجومُ وباتتْ

 

ساهراتٍ على شفا كلِّ لحدِ

يا صديقَ الضياءِ، هذي نجومٌ

 

نورُها ـ يا إمامُ ـ ما عادَ يهدِي»([22])

ثم يتخذ العتيبي من شخصية المعري قناعاً، يجعله ينطق بما يريد، إذ «يبثه همه، ويشكو له هوان قومه على الناس، وقلة حيلته في إيقاظهم، ولكن الرائد القديم ( المعري ) لا يجيب، وكأنه يعلن بالصمت احتجاجه على ما يجري بيننا، أو كأنما النطق لا يجدي وهو صاحب مبدأ اللاجدوى في داليته»([23]).إذ يقول:

«في اعتلالِ الزمانِ، تأتي الليالي    

 

مثقلاتٍ بكلِّ حمقاءَ تردِي

في اعتلالِ الزمانِ، تفضي دروبٌ   

 

لدروبٍ جميعُها لا تؤدِّي    

من جراحِ الزمانِ نحنُ أتينا

 

بوجوهٍ شدَّتْ على غيرِ ودِّ       

أدلجَ الباحثونَ عن درَّةِ الفجـ

 

ـرِ وبتنا نرى الدجى دونَ مدِّ

بأسنا بيننا شديدٌ ولكنْ     

 

نتهاوى إذا سما كلُّ بندِ       

أنكرتْ وجهَنَا الحياةُ فعُدنا      

 

مسرجينَ الخطا لسالفِ عهدِ     

حكمةُ العصرِ، أعينٌ في المنايا

 

موغلاتٌ وراءَ نبضِ التصدِي»([24])

ثم لا يكتفي العتيبي بشخصية المعري كي تكون شاهداً على ما يحدث؛ بل يستحضر عدداً لا بأس به من الشخصيات العربية القديمة، ويراكمها العتيبي في قصيدته هذه على نحو لافت، كما في قوله:

«مذ رأينا الحلاجَ في سوقِ يافا

 

بائعاً للوجوهِ من كلِّ عهدِ     

بجميعِ الأحوالِ إن شئتَ عندي  

 

وجهَ شيخِ تريدُ ؟ أم وجهَ قردِ ؟

ومضى ( عروةُ ) يبيعُ الصعاليـ  

 

ـكَ ليرضي بها هوَى كلِّ وغدِ   

و( أبو ذرٍ ) يا إمامُ رأوهُ

 

يومَ حربِ الثغورِ سمسارَ نقدِ  

مذ رأينا ( لبيدَ ) و ( المتنبي )

 

يعرضانِ الأزياءَ في قصرِ عبدِ   

مذ رأينا (المجنونَ) يرهنُ ليلى

 

فديةً كي يعودَ يوماً لنجدِ     

أنتَ في السوقِ قد رأيتُكَ تمشي

 

عارضاً في الخفاءِ أسمالَ مجدِ  

لا تسلُ يا إمام عن سرِّ هذا

 

فاعتلالُ الزمان يا شيخُ يُعدِي     

كلُّ شيءٍ يا شيخنا بات يُجدي

 

ما عدا العومِ في بحارِ التحدِي»([25])

يستحضر الشاعر ـ في هذا المقطع بالإضافة إلى شخصية المعري ـ عددا متراكماً من الشخصيات الشعرية التي تركت بصمات واضحة في مسيرة شعرنا العربي القديم، مبيناً فساد العصر الذي نحن فيه، وفساد العصر الذي عاش فيه هؤلاء الشعراء؛ واللافت أن العتيبي قد انزاح بالشخصية التراثية الشعرية المستحضرة ( شخصية المعري ) من طابعها التقديسي والتهويمي الكبير إلى طابع آخر منزاح تماماً عن الأول هو: «طابع السخرية والتهكم من الشخصية الشعرية المستحضرة»، وكأنه ـ بذلك ـ يحملهم مسؤولية فساد الواقعين القديم والحديث؛ لأنهم ـ من وجهة نظره ـ لم يؤدوا الأمانة الشعرية المنوطة بهم في تبصير الناس بالواقع، وإصلاحه من مفاسده، بل يجعلهم مصدر الفساد والانحلال؛ إذ يسند إليهم أدوار وصفات سلبية غير منوطة بهم أصلاً؛ حين يجعلهم سماسرة ولاعبي قمار وعارضي أزياء، وماجنين، ولصوصاً، وجبناء ومرابين؛ مؤكداً فسادهم وفساد مجتمعهم أيضاً... وهكذا استطاع العتيبي ـ بمهارة فنية ـ أن يحور في مسار الشخصيات الشعرية المستحضرة، والعبث بحركتها وبأدوارها، إذ يحملها دلالات جديدة، لتعرية الواقع وكشف سلبياته من جهة، وإدهاش المتلقي بالأدوار الجديدة المنوطة بالشخصيات المستحضرة من جهة ثانية. ومن هنا نلحظ أن بعض الشعراء تقليديون في استحضارهم للشخصيات التاريخية ومنها شخصية المعري، إذ وفق بعضهم في استحضار أبعاد هذه الشخصية عندما استنطقوها من الداخل، وذلك حينما انزاحوا بها من مسارها التقليدي المهيأ لها سلفاً إلى مسار رؤيوي حدثاوي يواكب الواقع الحالي بعين ناقدة، تستظهر ما وراء الحدث، وترتقي بشخصية المعري إلى دائرة الحدث الوجودي والفكري والسياسي المعاصر.

ومما لا شك فيه أن استحضار شخصية المعري بوصفها محوراً لقصيدة كاملة قد يكون له بعد سلبي أكثر منه بعداً إيجابياً في حال سكونية هذه الشخصية المستحضرة وعدم تفاعلها مع بؤرة الحدث المستقطبة من أجله، وذلك عندما تبقى شخصية المعري المستحضرة مجرد لصوقات اسمية فقط من دون تمثل أو تفاعل أو اندماج حقيقي لهذه الشخصية في جو القصيدة؛ حيث تبقى ـ في معظم الأحيان ـ هامشية لا تمتلك حضورها الدلالي المحوري الفاعل لشحن القصيدة بالتوتر والإيحاء، على نحو ما تبدى لنا في قصيدة «أبو العلاء المعري» للشاعر اللبناني إلياس لحود؛ فاللحود ـ في هذه القصيدة ـ لم يكن استحضاره لهذه الشخصية فاعلاً؛ إذ كان استحضاره فقط للاسم من دون تغلغل نفسي أو فني في الرؤية النصية والفكرية للشخصية المعرية المستحضرة؛ أو التفاعل معها على وجه من الوجوه، على نحو ما تبدى لنا في قوله :

«نمشي / بيديهِ يرى... / بيدي أرى...

مالا يبصرُهُ فيك السجان أو السلطان أو الرحمانْ...

أو الشيطانُ الأعظم / صرت معرِّيَّ المسحوبَ

أرى الخيَّالةَ في دانتي / ضعتْ

بين دمي وعمائِي / بين فمِي وفنائِي

(كما قال الحلاجُ) رجعتْ مثل الجدريّ المطعون

صرختْ :

أ أنا في حلم من كنْ ؟

أم ليل عروس من جنّ ؟؟

يا سعدي...»([26]).

لقد حاول اللحود ـ في نصه الشعري السابق ـ أن يدهشنا في التركيب الانزياحي المتشظي لإيقاع الصور، واللعب بقدسيتها فيما يخص شخصية المعري، وكأنه يريد إظهار ثورة المعري الوجودية من خلال ثورة تراكيبه وتشظيها ودهشتها وجرأتها على تعدي المألوف والمقدس، لكن على الرغم من ذلك كله كانت شخصية المعري غائبة عن النص غير فاعلة فيه بنيوياً ورؤيوياً، بسبب الإدخال المفاجئ لشخصيتي دانتي والحلاج دون إسناد الأدوار المنوطة بهما؛ مما جعل الرؤية مشوهة أو متشظية تنم عن تهدج وهذيان أكثر مما تنم عن بلورة محكمة أو إتقان؛ وهذا العبث الحداثي أحياناً رغم الصور الانزياحية النفسية المثيرة التي يولدها في النص يقتل الشعرية في كثير من الأحيان، ويجعلها مصدر نفور بدلاً من أن تكون مصدر إثارة وجذب وإقبال.

ثالثاً ـ شخصية المعريِّ بوصفها شخصيَّة إنسانية شاملة :

إن هذا البعد الإنساني الاستحضاري لشخصية المعري يعد من أكثر الأنواع إثارة أو فنية في توظيف شخصية المعري المستحضرة؛ إذ يسند إليها الشاعر أدواراً وملامح إنسانية رقيقة، تشكل فواصل مهمة في كشف البعد الإنساني الفلسفي لهذه الشخصية، وما تنطوي عليه من رؤى إنسانية في الواقع والوجود.

وفي إطار هذا النمط تكون الشخصية المعرية المستحضرة محوراً لقصيدة كاملة، يحاول الشاعر فيها رصد ملامح هذه الشخصية؛ وبلورتها؛ ورسم معالمها ودقائقها بدقة متناهية؛ وكأنه يرصد المعري بعدسة مونتاجية قريبة ترصد حركاته وصفاته ووقع خطاه؛ إذ يحاوره بدعابته تارة، وينطق باسمه أو بلسان حاله تارة أخرى، كاشفاً الواقع وما فيه من تناقضات أو سلبيات؛ بمعنى أدق: إن الشاعر في هذا النمط يحرك شخصية المعري وينقذه من السكونية والجمود الذي ران على قصائدنا الحديثة والمعاصرة ردحاً طويلاً من الزمن؛ بمحاورته، ومداعبته بصفاته الخلقية والخلقية ومواقفه الهزلية، من الواقع والمرأة، تارة أخرى، وقد يجعله قناعاً يبث من خلاله الكثير من هموم هذا العصر ومعاناته الظلم والانحلال.

وتعد قصيدة: «إيه حكيم الدهر» لبدوي لجبل، الأنموذج الأمثل لاستحضار شخصية المعري ببعديها الإنساني والفلسفي، إذ يقول فيها:

«حليَ النديُّ كرامةً للراحِ

 

عجَباً أتسكرنا وأنتَ الصاحِي

لكَ في السرائرِ بدعةٌ مرموقةٌ     

 

أنسُ المقيمِ وجفوةُ النزَّاحِ      

الدهرُ ملكُ العبقريةِ وحدَها  

 

لا ملكُ جبَّار ولا سفاحِ        

والكونُ في أسرارهِ وكنوزِهِ     

 

للفكرِ لا لوغىً ولا لسلاحِ

لا تصلحُ الدنيا ويصلحُ أمرُها    

 

إلا بفكرٍ كالشعاعِ صراحِ        

مرِحٌ على كيدِ الحياةِ وأهلِها     

 

يلقى شدائدَها بأزهرَ ضاحِ      

خيرُ العقائدِ في هواي عقيدةٌ              

 

شماءُ ذاتُ توثُّبٍ وجِماح        

 

***

 

أعمى تلفتتِ العصورُ فما رأتْ     

 

عندَ الشموسِ كنورهِ اللمَّاحِ      

نفذتْ بصيرتُهُ لأسرارِ الدجى

 

فتبرَّجتْ منها بألفِ صباحِ

من راحَ يحملُ في جوانحِه الضحَى

 

هانت عليهِ أشعةُ المصباحِ»([27])

إن المتأمل ـ في هذه الأبيات ـ يلحظ أن البدوي يبدأ باستحضار ـ شخصية المعري ـ بداية مدحية تقليدية شأنه في ذلك شأن غيره من شعرائنا الكلاسيكيين الجديدة، لكن سرعان ما ينتقل إلى رصد صفاته الخلقية، وإثبات أن الخلود لذوي العقول لا لذوي الحروب أو السلاح، والمعري ـ هو الأنموذج الأمثل ـ لمثل هذه الشخصية العقلية العظيمة التي أشعت في سماء العقل والفكر؛ ثم ينتقل بعد هذا الأسلوب التقليدي المدحي المباشر ليستبطن صفاته الإنسانية، وكأنه يخاطبها وجهاً لوجه ملتفتاً من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب المباشر وهكذا، على نحو ما تبدى لنا في قوله:

«أمصورَ الدنيا جحيماً فائراً

 

يرمِي العصورَ بجمرهِ اللفَّاحِ     
 

هوِّن عليكَ ففي النفوسِ بقيةٌ     

 

من رحمةٍ ومروءةٍ وسماحِ       

خلفَ الهجيرِ وعُنفِهِ ولهيبِه          

 

ما شئتَ من ظلٍّ وطيبِ نفاحِ      

ضجَّتْ ملائكةُ السماءِ بساخرٍ     

 

مرِّ الدعابةِ شاتمٍ مدَّاحِ       

السخرُ فيهِ إذا أُخذتَ بكفرهِ      

 

كالسخرِ حينَ تراهُ في النُّصاحِ      

عرَّى السرائرَ والنفوسَ ممزِّقاً     

 

عنهنَّ كلَّ غلالةٍ ووِشاحِ       

وجلا المصونَ من الضمائرِ فانتهى

 

همسُ النفوسِ لضجةٍ وصياحِ»([28])        

إن البدوي ـ في هذه الدفقة الشعرية ـ يحرك شخصية المعري، معتمداً تقنية الالتفات، والانتقال بين الضمائر؛ من ضمير الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب؛ مولداً نوعاً من الإثارة الحركية بين الضمائر على الصعيد التقني الفني؛ ففي الأبيات الثلاثة الأولى مثلاً يستخدم الشاعر ضمير الخطاب المباشر [أنت ]، كما في قوله: [أمصور الدنيا جحيماً فائراً.. / هون عليك.. ما شئت من ظل وطيب نفاح ]، ثم التفت الشاعر بعد ذلك إلى ضمير الغيبة [هو] و [هي] في الأبيات الأربعة الأخيرة، كما يلي [ضجت ملائكة السماء بساخر مر الدعابة ـ السخر فيه ـ عرى السرائر ـ وجلا المصون ـ فانتهى همس النفوس ]، وقد يناوب الشاعر بين الضميرين في البيت الواحد، ملتفتاُ من ضمير إلى آخر، كما في البيت الأول، إذ التفت الشاعر فيه من ضمير الخطاب المباشر [أمصور الدنيا جحيماً فائراً] مستخدماً الهمزة في نداء الحاضر المباشر القريب، إلى ضمير الغيبة «هو» الذي يتبدى في قوله: [يرمي العصور بجمرهِ اللفاح ]، على هذا النحو أسهمت تقنية الالتفات بين الضمائر في تحريك الشخصية المعرية المستحضرة؛ وبث الحيوية والحركة والحياة فيها من جديد؛ فلم تعد شخصية المعري المستحضرة مجرد صورة سكونية أو تمثال يبجله الشعراء ويغرقونه مدائح وتهويمات كيفما يشاؤون ومتى يشاؤون؛ فيقتلون شخصية المعري في نصوصهم قبل الاستحضار وبعد الاستحضار؛ لأن شخصية المعري ـ حينئذ ـ تبقى دخيلة على نصوصهم مفروضة عليها من الخارج؛ رغم استحضارها المدحي التهويمي الكبير الذي نجده عند معظم شعرائنا المعاصرين؛ وقد كان البدوي على درجة كبيرة من الوعي والإدراك بأهمية الالتفات بين الضمائر لتحريك الشخصية المعرية المستحضرة، ومحاورتها وجهاً لوجه، وكأنها حية تنطق بلسانه يحاورها وتحاوره؛ وهذا ما نلحظه ـ أيضاً ـ في مقطع آخر من القصيدة؛ حين يخاطبه وجهاً لوجه، ويعاتبه، ويداعبه مداعبة لطيفة، من خلال موقفه المأزوم الذي اتخذه من المرأة قائلاً:

«إيهٍ رهينَ المحبسينِ ألم يئنْ      

 

إطلاقُ مأسورٍ وفكُّ سراح

ظفِرتْ برحمتِك الحياةُ وصنتَها         

 

عن كلِّ ناعسةِ الجفونِ رداحِ     

أتضيقُ بالأنثى وحبُّكَ لم يضقْ

 

بالوحشِ بينَ سباسبٍ وبطاحِِ     

يا ظالمَ التفاحِ في وجناتِها     

 

لو ذقتَ بعضَ شمائلِ التفاحِ        

هي صورةٌ لله جلَّ جلالُهُ              

 

عزَّت نظائرُها على الألواحِ»([29])

هنا، يحاول البدوي أن يمزج صوته بصوت المعري، وكأنه يستحضره، ويداعبه مداعبة ظريفة، ناقداً بأسلوب إيحائي جمالي بليغ موقف المعري السلبي من المرأة، قائلاً:

«يا ظالمَ التفاح في وجناتها              

 

لو ذقتَ بعضَ شمائلِ التفاحِ»

وهذا التشبيه التجسيدي المباشر لخدود الفتاة؛ يوحي بقدرة البدوي على الاستحضار الفني المثير لشخصية المعري من خلال الموقف الذي اتخذه من المرأة..

ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن واقع أمتنا العربية من خلال ارتداء قناع هذه الشخصية معتبراً شخصية المعري العلم الفكري الأبرز من أعلام فخر العروبة وعزتها على مر التاريخ، قائلاً :

«الوحدةُ الكبرى تهلَّلَ فجرُها       

 

بظلالِ أبلجَ ذائدٍ نفَّاحِ

هذي العروبةُ في حماكَ مدلَّةٌ

 

ريعَ العدوُّ بها وضاقَ اللاحِي       

الأزرقُ الرجراجُ حنَّ لرملةٍ      

 

في الدجلتينِ ندية مسماحِ       

وأرى الكنانةَ إن تماجدْ ماجدتْ              

 

بالعاصِ لا بمنًى ولا بفتاحِ»([30])

ويختم البدوي هذه القصيدة المعرية بأسلوب مدحي مباشر، تغلب عليه العاطفة والرنين الصوتي المباشر، محاولاً الارتقاء بالقصيدة إلى ذروتها العاطفية والشعرية من خلال بعض الصور المثيرة التي فجرها في بيتي الختام:

«سمعاً حكيمَ الدهرِ فهي قصيدةٌ

 

وأبيكَ بدعُ مغرِّدٍ صداحِ

عصماءُ إن شهدَ النديُّ خطيبَها    

 

تركتْ فصاحَ القومِ غيرَ فصاحِ   

بدهت ْ شواردُها العِدى بكتيبةٍ

 

خضراءَ تلمعُ بالحديدِ رداحِ    

هل في ثراكَ على المعرَّةِ موضعٌ

 

بين العيونِ لدمعي السحَّاح       

فاعذرْ إذا لم أوفِ مجدَك حقَّهُ              

 

لجج الخضمِّ طغت على السباحِ»([31])

ومن الشعراء الذين وفِّقوا في استحضار شخصية المعري بأبعادها الإنسانية والاجتماعية والسياسية والنفسية الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري في قصيدته الموسومة بـ«أبو العلاء المعري»؛ إذ استطاع الجواهري أن يرصد أبعاد هذه الشخصية المعرية على الرغم من طابعها الاستهلالي المدحي المباشر الذي استطرد فيه، قائلاً:

«قف بالمعرةِ وامسحْ وجهَها الترِبا

 

واستوحِ من طوَّقَ الدنيا بما وهبَا  

واستوحِ مَن طيَّبَ الدنيا بحكمتِهِ

 

ومَن على جُرحِها من روحِه سكبَا   

وسائلِ الحفرةَ الموموقَ جانبُها

 

هل تبتغي مطمعاً أو ترتجِي طلبَا

فكلُّ نجمٍ تمنَّى في قرارتِه

 

لو أنهُ بشعاعٍ منكَ قد جذبَا    

أبا العلاءِ، وحتى اليومِ ما برحتْ

 

صناجةُ الشعرِ تهدي المترفَ الطرِبَا

يستنزلُ الفكرَ من عليا منازلـهِ

 

رأسٌ ليمسحَ من ذي نعمةٍ ذنَبَا    

وأن للعبقريِّ الفذِّ واحدةٌ       

 

إما الخلودَ وإما المالَ والنشبَا        

من قبلِ ألفٍ لو أنا نبتغي عظةً

 

وعظتنا أن نصونَ العلمَ والأدبَا»([32])

ثم يقوم الجواهري برصد الواقع الاجتماعي والبيئي الذي عاش في كنفه المعري بدقة متناهية، وكأنه يصوره عن كثب بعدسة الكاميرا التي ترصد دقائق الأشياء والأحداث والرؤى والمشاهد واللقطات في واقعها الملموس والمحسوس، كما في قوله :

«على الحصيرِ.. وكوزُ الماءِ يرفدُه

 

وذهنُه.. ورفوفٌ تحملُ الكتبَا

أقامَ بالضجةِ الدنيا وأقعدَها

 

شيخٌ أطلَّ عليها مشفقاً حدبَا

بكى لأوجاعِ ماضيها وحاضرِها

 

وشامَ مستقبلاً منها ومرتقبَا

وللكآبة ألوانٌ، وأفجعُها

 

أن تبصرَ الفيلسوفَ الحرَّ مكتئبَا»([33])

ويقوم الجواهري أيضاً باستحضار البعد الفكري والنفسي لشخصية المعري من خلال مقولته بإمامة العقل، ونقد الطبائع والنفوس والأهواء البشرية، والتأكيد على أولية الفكر، الذي هو ـ في نظره ـ السبيل الوحيد لتطور الإنسان والرقي به في كل زمان ومكان؛ إذ يقول:

«تناولَ الرثَّ من طبعٍ ومصطلحٍ  

 

بالنقد لا يتأبَّى أيةً شجبَا

وألهمَ الناسَ كي يرضوا مغبَّتَهم

 

أن يوسعوا العقلَ ميداناً ومضطربَا

وأن يمدوا به في كلِّ مطَّرحٍ

 

وإن سقوا من جناهُ الويلَ والحربَا

لثورةِ الفكرِ تاريخٌ يحدثُنا     

 

بأنَّ ألفَ مسيحٍ دونَها صلبَا

إن الذي ألهبَ الأفلاكَ مقولـُهُ

 

والدهر.. لا رغباً يرجو ولا رهبَا»([34])

ثم يقوم الشاعر باستحضار البعد الإنساني لشخصية المعري، الرؤوفة، الرحيمة التي تنظر بعين المحبة و العطف والرحمة ليس فقط على الإنسان، وإنما على المخلوقات جميعها؛ وهو ـ بذلك ـ يشير دون قصد مسبق إلى رسالة «الصاهل والشاحج» للمعري التي سطر جميع شخصياتها على ألسنة الحيوانات، للترميز تارة، وإثارة البعد الإنساني لصدى ذاته الرؤوفة الرحيمة التي تنظر إلى الحيوان نظرة إنسانية سامية تارة أخرى، كما في قوله:

«لم ينسَ أن تشملَ الأنعامَ رحمتُه

 

ولا الطيورَ.. ولا أفراخَها الزغبَا     

حنا على كلِّ مغصوبٍ فضمَّدهُ      

 

وشجَّ من كانَ، أيا كانَ، مغتصبا»([35])         

إن هذه النظرة الإنسانية لشخصية المعري، تنم عن استحضار دينامي فعال في توظيف البعد الإنساني لهذه الشخصية؛ نظراً إلى ما تكتنفه شخصية المعري الحقيقية من بعد إنساني شامل، وإحساس عاطفي عميق بالموجودات والكائنات المحيطة به.

ثم ينتقل الجواهري إلى التوصيف الخارجي الدقيق للبنية الهيكلية الشكلية البانورامية لشخصية المعري، مستحضراً كذلك تشبيهه الفني المثير في أدبنا العربي ألا وهو تشبيه الليل بزنجية سوداء حالكة السواد، كما في قوله:

«رأسٌ من العصبِ السامي على قفصٍ

 

من العظامِ إلى مهزولةٍ عُصبَا

وقال للعاطفاتِ العاصفاتِ بهِ

 

الآن فالتمسي من حكمهِ هربَا

الآن قولي إذا استوحشتِ خافقهُ

 

هذا البصيرُ يرينا آيةً عجبَا       

هذا البصير يرينا بينَ مندرسٍ    

 

رثِّ المعالمِ، هذا المرتعَ الخصبَا    

زنجيةُ الليلِ تروي كيف قلَّدها

 

في عرسِها غررُ الأشعارِ.. لا الشهبَا

لعلَّ بين العمى في ليلِ غربتهِ

 

وبين فحمتِها من أُلفةٍ نسبَا     

وساهرُ البرقِ والسمارُ يوقظهم

 

بالجزع يخفقُ من ذكراه مضطربَا

والفجرُ لو لم يلذْ بالصبحِ يشربُه

 

من المطايا ظماءً شرَّعاً شربَا 

والصبحُ ما زالَ مصفراً لمقرنهِ

 

في الحسنِ بالليلِ يزجِي نحوهُ العتبَا»([36])

يستند الجواهري ـ على تقنية التناص الفنية في شعرنة الرؤيا ـ لديه ـ عبر تمثل أو اقتناص رؤية المعري من جهة، والتناص مع بعض صوره الشعرية التي تمثل علامات أيقونية أو ثيمات رؤيوية من جهة ثانية؛ والتناص ـ في مفهومه الأسلوبي العام هو على ـ حد تعبير الناقدة اللسانية جوليا كريستيفا ـ «أحد مميزات النص الأساسية، والتي تحيل على نصوص أخرى سابقة عليها أو معاصرة لها»([37]). ومن هذا التعريف نستنتج أن التناص «قد يكون التضمين المتطور بصورة سافرة، أو بالتلميح والإشارة، أو بالاستيعاب والتمثيل لخصائص نص أدبي سابق في نص أدبي لا حق، وعلى ذلك فإن ثمة علاقة دلالية تسمى ـ أحياناً ـ علاقة حوارية بين التعبير الأصلي، وبين التعبير الوافد، وذلك، ضمن دائرة التواصل اللفظي»([38]).

وللتناص أهميته وقيمته الفنية المثلى في شحن النصوص بمزيد من التكثيف والإيحاء، لأنه ينفتح على نصوص قديمة أو معاصرة يضاعف من رؤيتها، ويزيد من درجة دلالاتها وإيحاءاتها، «إذ يلبي حاجة الشاعر إلى إنجاز عمل فني تصدق عليه كلمة الإبداع بما تعنيه من تجاوز لدائرة التقليد، إذ يقوم بدور مؤثر في وصول حالة التوهج الشعري إلى ذروتها، فالشاعر يلجأ إلى التضمين الشعوري أو غير الشعوري لتذكير المتلقي بآثار أدبية ماضية، ولإدارة حوار معها على سبيل التضاد أو التوازي»([39]) في الرؤية مما يؤدي إلى انفتاح النص على دلالات وإيحاءات جديدة لا حصر لها.

وبالرجوع إلى المقطع السابق من قصيدة الجواهري نلحظ أن الشاعر استحضر شخصية المعري من خلال التناص مع صوره الشعرية وتمثل رؤيتها؛ فقول الجواهري في هذا البيت: «زنجيَّة الليل تروي كيف قلَّدها   في عرسها غُرَر الأشعارِ... لا الشهبا» يتناص مع قول المعري: «ليلتي هذه عروسٌ من الزنــ   ــجِ عليها قلائدُ من جمان»؛ من خلال تمثل الثيمة الرؤيوية المشتركة بين القولين [بتشبيه الليل بزنجية أو عروس من الزنج] بجامع [التقليد] و [المشابهة] بين القولين؛ وكذلك قول الجواهري في هذا البيت:

[وساهرُ البرقِ، والسمَّارُ يوقظهم

 

بالجزعِ يخفقُ من ذكراهُ مضطربا]

يتناص مع مطلع قصيدته الرائية المشهورة أيضاً:

[يا ساهرَ البرق أيقظ راقدَ السمرِ

 

لعلَّ بالجذع أعواناً على السهر]

من خلال تمثل الثيمة الرؤيوية المشتركة بين القولين [ساهر البرق / راقد السمر/ والجذع] بجامع المشابهة بالقرائن الثيمية بين القولين؛ وكذلك قول الجواهري في هذا البيت:

[والفجرُ لو لم يلذْ بالصبح يشربُه

 

من المطايا ظماءً شرَّعاً شربا]

إشارة إلى بيت المعري الشهير وهو أجمل وأرق ما سمع في وصف تبلج الصباح:

[يكادُ الفجرُ تشربه المطايا

 

وتملأ منه أوعية شنانِ]

من خلال تمثل الثيمة الرؤيوية المشتركة بين القولين [وهو شرب المطايا للفجر] بجامع المشابهة أو المماثلة بين القرائن الثيمية بين القولين؛ وكذلك قول الجواهري في هذا البيت:

«والصبحُ ما زالَ مصفراً لمقرنهِ              

 

في الحسنِ بالليلِ يزجي نحوهُ العتبا]»       

يتناص من خلال الإشارة إلى بيت المعري :

ربَّ ليلٍ كأنهُ «الصبحُ» في الحسـ

 

ـسنِ وإنْ كانَ أسودَ الطيلسانِ ]

من خلال تمثل الثيمة الرؤيوية المشتركة بين القولين [تشبيه الليل في الحسن بالصباح] بجامع المشابهة أو المماثلة بالرؤية والقرينة الثيمية المشتركة بين القولين، وهكذا يفعل الجواهري شخصية المعري في نصه من خلال تمثل رؤيته وشعرنتها؛ وهذا ما اتضح لنا من خلال تناص صوره واستحضارها لتطغى على صور الجواهري ورؤيتها بالكامل، بمعنى أدق: إن استحضار الجواهري لشخصية المعري في هذه القصيدة ـ كان فاعلاً على المستويات التعبيرية والأسلوبية والفنية والتشكيلية كافة، إذ استطاع الجواهري أن يحرك شخصية المعري ليس بالتبجيل والتهويم واللواصق الاسمية وإنما بتفعيل قولها وصورها، ورؤيتها بالكامل؛ وهذا ما عجز عنه الآخرون من شعرائنا في العصر الراهن.

ومن الشعراء الذين استحضروا شخصية المعري ببعدها الإنساني المتكامل وشفافيتها الروحية الشاعر الكبير عمر أبو ريشة في قصيدته:«الفيلسوف»، إذ يقول فيها:

«أيَّ قلبٍ حملتهُ بينَ جنبيـ

 

ـكَ ووالاكَ طيِّعاً أسوانَا

طالعتْهُ الحياةُ مشبوبةَ الأنـ    

 

ـفاسِ تذكي دماءهُ أشجانَا    

كنتَ في حبكَ المجرَّدِ لا تحـ     

 

ـبس عن كلِّ معتفٍ إحسانَا     

كنتَ تدري أنَّ الهناءَة طيرٌ

 

لاحَ في دوحةِ الحياةِ وبانَا      

هذهِ الدارُ كم سئمتَ بها العيـ

 

ـشَ وكمْ ذقتَ مُرَّها ألوانَا        

وتعالتْ صيحاتُكِ الحمرُ تهدي

 

لو أصابتْ أصداؤها آذانَا       

قد تجفُّ الحياةُ إلا وريداً

 

ويضيقُ الوجودُ إلا مكانَا        

أ أناجيكَ يا نجيَّ الدراري

 

وأغنِّيك أغنياتي الحسانَا       

إن آفاقكَ البعيدةَ لا تطـ

 

ـلقُ للخاطرِ الحبيسِ عنانَا        

حسبكُ المجدُ أنْ ترى كلَّ يومٍ

 

لأغانيكَ عندهُ مِهرجانَا»([40])        

لقد استحضر أبو ريشة شخصية المعري ببعدها الروحاني الإنساني النبيل؛ من حيث إحساسه الإنساني بالموجودات والكائنات المحيطة به، والتفاعل معها إحساساً ونبضاً وشعوراً حبياً غاية في الحنو والعطف، مشيراً إلى هذا البعد بصور تفيض رقة وجمالاً وإحساساً وشعوراً؛ ولم يكتف بذلك بل وظف شخصية المعري ببعدها الاجتماعي أيضاً من خلال واقعها الظالم الذي أجحفها مكانتها العلمية والأدبية الرفيعة؛ إذ يقول:

«كيف تفترُّ عن رضىً ولياليـ

 

ـكَ أقامتْ عليكَ حرباً عوانَا

وعجافُ الرجالِ أرفعُ قدراً       

 

منكَ في غيِّهم وأنبهُ شانَا ؟      

طالما كنتَ مبصراً في دياجيـ                

 

ـكَ وكانوا في نورِهم عُميانَا»([41])        

إن هذا التصوير الواقعي الدقيق لشخصية المعري ببعديها الاجتماعي والإنساني ينم عن تفاعل الرؤية الشعرية عند أبي ريشة مع ( بروتكول ) أو ملامح الشخصية المعرية المستحضرة في إطارها الوجودي المتخيل؛ بكل ما تحمله هذه الشخصية من أبعاد ودلالات إنسانية مفعمة بالرقة والإثارة والحساسية الشعرية.

وكما وفق أبو ريشة في استحضار البعد الإنساني لشخصية المعري وفق الشاعر شفيق جبري في تجسيد هذا البعد بعمق وشمولية في قصيدته الموسومة بـ «ذكرى أبي العلاء» على نحو ما تبدى لنا في قوله:

« يا ضريحاً على المعرَّة ما استو 

 

حشَ منه في ليلةٍ جيرانُهْ

عافَ ربُّ الضريحِ كلَّ نعيمٍ

 

في حواشيهِ ذلـهُ وهوانُهْ        

لم يفجع أمّاً بما ترضعُ الأمُّ     

 

غذَّت رضيعَها ألبانُهْ        

يمرحُ الطيرُ في ذراهُ أميناً      

 

ملءُ عينيهِ في الفضاءِ أمانُهْ    

حسبهُ الماءُ والقفارُ من الخبـ   

 

ـزِ فهذا نعيمُه وليانُهْ       

ما رفيفُ القصورِ، ما ترفُ السلـ 

 

ـطانِ، ما تاجُهُ وما صولجانُهْ     

ربَّ كوخٍ أشهى إليهِ من القصـ  

 

ـرِ وإن ماجَ أنسهُ وقيانُهْ       

عيشةُ فكرٍ لا حياةُ جمادٍ

 

ماتَ إحساسُه وطاحَ كيانُهْ        

عيشةُ الحسِّ والعواطفِ والفنّ    

 

ففيها صراعُه وطعانُهْ          

هكذا المرءُ فكرةٌ وشعورٌ              

 

لا جمادُ العرا ولا حيوانُهْ»([42])        

لقد استحضر الشاعر ـ في النص السابق ـ الواقع المرئي لشخصية المعري ببعديها الإنساني والاجتماعي؛ إذ استطاع الشاعر أن يوظفها في إطارها الواقعي الإنساني والبيئي الذي عرفناه عنها، من حيث زهده في الدنيا، ورأفته بالكائنات المحيطة به جميعها، ( كالرفق بالطيور والحيوان )، ومساعدة الآخرين، وزهده في حياة الترف التي تجمد الحس والعواطف والشعور، وتحجب الإنسان عن إنسانيته وإحساسه بمعاناة الآخرين؛ وكأن الشاعر يرسم شخصية المعري بريشة دقيقة، تجسد هذه الشخصية بإتقان؛ وهي أشبه ما تكون بعدسة الكاميرا التي ترصد الأحداث والوقائع والأشكال والأحجام بدقة متناهية؛ ويستطيع الناظر ـ في أبياته السابقة ـ أن يلحظ معنا النبض الإنساني والإحساس الروحي العميق الذي تفيض به هذه الأبيات من بدايتها إلى نهايتها؛ وصداها النفسي والشعوري النبيل، محاكياً ذات المعري الداخلية، وما تنطوي عليه من مشاعر إنسانية رقيقة. وهكذا وفق عدد لا بأس به من شعراء الكلاسيكية الكبار في استحضار البعد الإنساني والنفسي لشخصية المعري، وما تفيض به من دلالات، وما تختزنه من رؤى فلسفية وتطلعات ما ورائية في فلسفة الحياة والكون. وهذا ما عجز عنه شعراؤنا المعاصرون، إذ تراوح استحضارهم لشخصية المعري بين استحضار اللقب أو الاسم من جهة، والإغراق المدحي أو ( الفرقعة المدحية ) من جهة ثانية؛ ناهيك عن جهلهم الحقيقي بهذه الشخصية، حيث إنهم لم يتغوَّروا أبعادها الفكرية والنفسية والرؤيوية وما تختزنه من طاقات وإيحاءات، باستثناء بعض المحاولات الجادة التي حاولت تفعيل شخصية المعري المستحضرة بملامستها من الداخل، وكشف الديالكتيك المثير الذي تنطوي عليه هذه الشخصية الفذة في أدبنا العربي، باتخاذها قناعاً يبثون من خلاله ما يعانون من ضغوط وأزمات في واقعهم المأزوم المعاصر، كمحاولة الشاعر الكويتي عبد الله العتيبي، والعراقي عبد الوهاب البياتي.

رابعاً ـ شخصية المعري بوصفها مجموعة شخصيات (شخصية مؤسطرة / وشخصية درامية):

لقد بالغ شعراؤنا في العصر الحديث والمعاصر من استحضار شخصية المعري بأبعاد جديدة لم تكن تعرفها العصور السالفة من قبل؛ إذ حملوها أبعاداً أسطورية أو ملحمية درامية، أو حوارية ممسرحة، إذ أصبحت شخصية المعري المستحضرة ذات أدوار مكثفة داخل النص، فهي الشخصية الحكيمة المفكرة تارة، والشخصية العابثة الساخرة من الواقع تارة أخرى، والشخصية اللامبالية أو اليائسة تارة، والشخصية الماجنة أو المسكونة بالشك تارة أخرى؛ أي استطاع الشعراء أن يجعلوا شخصية المعري المستحضرة بؤرة صراعات وتوترات نفسية، لذلك نستطيع أن نلمس في بعض قصائدهم «لغة شعرية جديدة تركت وراءها النزعة الخطابية المباشرة والقص التاريخي المتجمد، وتركت وراءها المنهج التقليدي في بناء الصورة الفنية، واستطاعت بعد ذلك أن تبني لها وجوداً فنياً مميزاً مما يجعل هذه اللغة ذات روح جديدة في البث الشعري المتكئ على انفساح في الرؤية النصية، وإحاطة واعية لمعطيات التاريخ أو التراث »([43]).ويمكن أن نقسم الأبعاد التي اتخذتها شخصية المعري إلى بعدين هما:

أ ـ شخصية المعري بوصفها شخصية مؤسطرة :

لا شك في أن لتوظيف الأسطورة في الشعر قيمة فنية عظيمة في إكساب النص الشعري دلالات إضافية جديدة ما كان ليحملها لولا هذا الإدخال الموروثي الجديد إلى الشعر، إذ إن الأسطورة تعزز جو الصراع والتوتر في النص، وتدفعه ـ بشكل أو بآخر ـ إلى طرح بعض الرؤى والدلالات الجديدة المتوترة ( المستفزة )، لهذا قال بعضهم: «إن الأسطورة توأم الشعر؛ فعودة الشعر إليها إنما هو حنين الشعر إلى تراب طفولته؛ والأسطورة إذ تحتضنها القصيدة فلكي تتحول في بنيتها طاقة خالقة للأداء الشعري؛ حيث يتمثل فيها التراث الشعبي والعقل الجمعي بصورة عضوية تؤطر موقف وقيم الإنسان تجاه الكون، وتجاه تساؤلاته المتعددة، والإنسان ـ بالمعنى العام امتداد في الزمن الذاهب والآتي مضافاً إليه ـ بالضرورة ـ حاضره أيضاً». وهذا يدعونا إلى تأكيد المبدأ الذي ذهب إليه الناقد نفسه في قوله: «إن اللغة في استعمالها اليومي المعتاد تفقد بالضرورة تأثيرها، وتشجب نضارتها؛ ومن هنا قد يكون استعمال الرمز الأسطوري والأسطورة الرامزة بمثابة منجاة للأداء اللغوي يستبصر فيه صاحبه بواسطة التشكيلات الرمزية إمكانات خلق لغة تتعدى وتتجاوز اللغة نفسها»([44]).

وهنا نتساءل: هل استطاع شعراؤنا في العصر الحديث المعاصر أن يوظفوا شخصية المعري بنجاح بوصفها أسطورة أم لا ؟ وهل استطاعوا أن يضفوا على هذه الشخصية ملامح أو قدرات أسطورية خارقة / كأسطورة كوبيد أو أسطورة أوزيريس «إله النماء» أو غيرها من الأساطير أم لا؟! وما مدى تمثلهم لهذه الشخصية في بعدها الأسطوري الخارق ؟ وهل تقبلت نصوصهم هذا الاستحضار أم لا ؟

ما من شك في أن استحضار الشعراء في العصر الحديث والمعاصر لشخصية المعري بوصفها أسطورة قد كان ضحلاً أو عقيماً؛ إذ إننا من خلال استقرائنا لمجموعة من القصائد المناسباتية التي قيلت في المعري لم نعثر إلا على محاولة يتيمة حاولت أن توظف شخصية المعري المستحضرة في جو أسطوري ملحمي، وهي قصيدة «اعتذار وشكوى إلى أبي العلاء «لصالح رحال سيتم الحديث عنها لاحقاً»؛ أما الآن فقد آثرنا أن نشير إلى قضية بغاية الأهمية فيما يخص توظيف الشعراء لشخصية المعري بوصفها عنصراً في أسطورة وهي التأكيد على أن أغلب شعرائنا في العصر الحديث والمعاصر قد أسطروا شخصية المعري مدحاً وتعظيماً وتهويماً إلى درجة حملوه قدرات عقلية خارقة فوق قدرات البشر، أو أسندوا إليه صفات تهويمية كثيرة لا يمكن أن تتوافر في بني البشر، أو أضفوا عليه صفات تهويمية مغرقة في الخيال والفانتازية الخيالية، ومن هؤلاء الشعراء الذين غالوا في مدح المعري إلى درجة الأسطرة، معروف الرصافي في قصيدته: «شاعر البشر» إذ يقول فيها:

«حيِّ هلْ يا أخا مضرْ

 

ندَّكر خيرَ مدَّكرْ

ندَّكر شاعرَ البشرْ              

 

خيرَ من قالَ وافتكرْ

حيِّ هلْ أيها الملا

 

نحيي ذكرى أبي العلا

شاعرٌ شعرُه اجتلى              

 

صوراً كلُّها غررْ               

فكرُه يملأُ الفضا

 

نفسُه صعبةُ الرضَا

دونَهُ كلُّ من مضَى                     

 

دونَّهُ كلُّ من عَبرْ              

هو بالفكرِ مذْ سَما

 

كانَ من نورِه العمَى

طاولَ الأرضَ والسمَا          

 

شارفَ الشمسَ والقمرْ               

حَلَّ في ذروةِ الأدبْ

 

آتياً منهُ بالعجبْ

لا تقلْ شاعرَ العربْ         

 

إنُه شاعرُ البشرْ                    

جعلَ الشعرَ وحيَهُ

 

موقِظاً فيهِ وعيهُ

ما ورى فيه وريَهُ              

 

قبلهُ كلُّ من شعرْ               

حكَّمَ العقلَ واجتهدْ

 

وتعالَى عن الفندْ

هو في القولِ ما اعتمدْ        

 

غيرَ ما ذاقَ واختبرْ                 

شعرُه شفَّ عن دها

 

ما لـه فيهِ منتهى

ذو معانٍ هي النهى              

 

وحروفٍ هيَ الدررْ               

شاعرُ الأرضِ والسما

 

هو بالفكرِ مذ سَمَا

أبصرَ الحقَّ بالعمى              

 

لم يضرْهُ عمى البَصرْ            

شعرُه شعرُ متقِنِ

 

فيهِ شكُّ لموقنِ

فيه كفرُ لمؤمنِ               

 

فيه إيمانُ مَن كَفَرْ

نحنُ أسرى ذواتِنا

 

خشيةً مِن مَماتِنا

كمْ وكمْ في حياتِنا               

 

مبتدأٌ مالَهُ خَبرْ»([45])                

إن المتأمل ـ في هذه الأبيات ـ يدرك معنا أن الرصافي قد أسطر شخصية المعري مدحاً وتعظيماً، إذ جعله يطاول أعنان السماء؛ ويشارف بكلتا يديه الشمس والقمر، وكأنه إله معجز / يخترق الواقع والخيال؛ ولا يكتفي بذلك، بل جعله سيد شعراء بني البشر فكراً و فلسفة وألقاً، ووعياً، وتجاوزاً؛ إن هذه الهالات التقديسية للمعري قد أسطرته وحملته طاقات خيالية خارقة لا يمكن أن تناط بالقدرات البشرية التي ينطوي عليها بنو البشر؛ فالشعراء بدلاً من أن يفاعلوا شخصية المعري، ويجعلوها حية نابضة في قصائدهم تنطق بروح الواقع والمعاصرة، قيدوها وجمدوها وجعلوها مجرد تمثال للمدح والتبجيل والتعظيم لا نبض فيها ولا حراك، لأنها مقولبة أصلاً للتصحر والجمود في قالب التهويل والتعظيم، مما جعل نصوصهم في كثير من الأحيان قوالب مشعرنة جافة، تكتظ بالصور المكرورة التي تزيد شخصية المعري المستحضرة جموداً أكثر مما تزيدها إثارة وحركية وإيحاء.

ومن الشعراء الذين أسطروا شخصية المعري وأسندوا إليها صفات خارقة إلى درجة لا يتقبلها الطبع ولا الخيال الشاعر محمد البزم في قصيدته: «أبو العلاء» إذ يقول فيها:

«أجلْ هو يومُ الشعرِ تطغى عباقرُه

 

وتملأُ أسماعَ الخلودِ منابرُهْ

مشى مهرجانُ الدهرِ فيه مباهراً    

 

فخفَّت لـهُ الأفلاكُ نشوى تباهرُهْ

وقامَ جلالُ الحقِّ يسعى وأقبلتْ

 

وفودُ النهى من كلِّ صوبٍ تسايرهْ

وودَّت دهاقينُ القرونِ لو أنها     

 

ميامنُه في جيشِهِ ومياسرُهْ        

أذابَ اختيالَ الدهرِ في كبريائِهِ               

 

فدانتْ لـهُ أسرارُهُ ومجاهرُهْ

 

***

 

هو الشاعرُ الأعلى فمَن ذا يكابرهْ    

 

وقد طبَّقَ الدنيا فمَن ذا ينافرُهْ

وما ذا يقولُ اليومَ فيه مفَوهٌ

 

وقد أثقلتْ ظهرَ الزمانِ مفاخرُهْ    

ولو نشرتْ آيُ النوابغِ جملةً     

 

لأربتْ عليها آيُهُ ومآثرُهْ        

له يقظاتٌ توقظُ الوقدَ في الصفا

 

وتبعثُ ميْت الروضِ يهتزُّ ناضرُهْ

وجذوةُ طبعٍ تتركُ البحرَ مارجاً    

 

ويبصرُ فيها الليلَ أينَ مخاطرُهْ     

وطبعٌ علا السبعَ الطباقَ فأسلستْ

 

له رهبةً أو رغبةً لا تماكرُهْ      

يطأطئ من تيهِ الكواكبِ وادعاً              

 

فتعنو لـه طوعَ الهوى لا تعاسرُهْ»([46])

لقد بالغ الشاعر محمد البزم في أسطرة شخصية المعري في قصيدته المطولة التي وصل عدد أبياتها إلى أكثر من ستمئة بيت، محاولاً إكساب شخصية المعري صفات خارقة مغرقة في الغلو والاستغراق الوصفي الذي يصل حد الإعجاز؛ إذ جعل الأفلاك في عليائها تسجد للمعري، وتسبح بقدراته العقلية، وتطأطئ السموات السبع ساجدة في عليائها لطلعته البهية رغبة ورهبة؛ ولم يكتف ـ بذلك ـ بل وصل بالمعري إلى مرتبة الإله في بعث الأموات من القبور، إن هذه الأوصاف والقدرات الخارقة للمألوف، لا تقدر عليها إلا الآلهة في الأساطير القديمة، كإله الحب، وإله الخصب والنماء أدونيس؛ أو زيريس.. وعشتار... وغيرها من الآلهة في الأساطير الإغريقية القديمة.

ومن الشعراء الذين حاولوا استحضار شخصية المعري في جو ملحمي أسطوري الشاعر المعاصر صالح رحال في قصيدته: «اعتذار وشكوى إلى أبي العلاء»، لكنه لم يوفق في شحنها بالدلالات الأسطورية التي تتناسب والجو الأسطوري الملحمي الذي استقطبت الشخصية المعرية من أجله؛ بمعنى أدق: إن استحضار هذه الشخصية كان غريباً على النص غير فاعل في شحن القصيدة بالدلالات الفكرية والروحية والنفسية للشخصية المعرية المستحضرة؛ على نحو ما تبدى لنا في قوله:

«قصدتُ طقسكِ مسكوناً بمنْ صعدا

 

فشامخُ الشمِّ في أفيائهِ قعدا

قصدتُ طقسَكِ متبوعاً ( بعاقصةٍ)([47])

 

جنيَّةِ الخلدِ في أحشائِها خلدا    

وسرتُ يصحبُني شوقٌ وقافلةٌ    

 

من موكبِ الشعرِ غنَّت شعرَها فشدا

ظمآن لا شفتَي (سافو)([48])

 

ولا دنانُ بني صيدونَ([49]) إن قصدا

شيخُ المعرةِ ربُّ الحرفِ ماردُهُ

 

الخلدُ والشيخُ في مهدينِ قد وُلدا

لكنهُ سَبَقٌ؛ الدهرُ ساحتُه     

 

الشيخُ في أفقِه والخلدُ قدْ جمدا

أبو العلاءِ، وإن مدَّ الخلودُ يداً

 

يلقاهُ غمراً، يزكِّي الخلدَ ما وعدا

جاثٍ على رقعةٍ في الأرضِ باليةٍ

 

بفكرهِ، دكَّ النفسَ فانقصدا

جاثٍ وحولَ قناةِ الضوءِ مأدبةٌ

 

لكلِّ صبٍّ إلى فردوسهِ وردا

أبا العلاءِ ولا سرٌّ نبوحُ بهِ

 

الفكرُ يا سيدي في لحدِه التحدا

أبا العلاءِ جمعتُ النارَ في لغتي

 

ما همَّني مَن لنورِ الشمسِ قد جَحدا  

هذا أبوكَ جنى، لكنْ جنايتُه

 

فجرٌ مطلٌ أنارَ القلبَ والكَبدا

هذا أبوكَ جنى والدهرُ منتجعٌ     

 

هذي الجنايةُ في سلسالها ابتردا

عذراً أبا الخلدِ هذي الكأسُ مترعةٌ

 

لكلِّ صادٍ إلى بحرِ الهوى قصدا

وأنتَ من كوثرِ الفردوسِ ترشفنا

 

على المدى، وتعدَّى فجركَ الأمدا»([50])

لقد حاول الرحال ـ في هذه القصيدة ـ أن يشحنها ببعض الأسماء الأسطورية، في محاولة منه تكثيف دلالات القصيدة، واستنطاق الشخصيات التاريخية والأسطورية المستحضرة؛ بمعنى أدق: إن الرحال لم يوفق في استحضار شخصية المعري في جو ملحمي أسطوري فاعل على المستوى التقني الفني، وذلك لعدة أسباب نذكر منها ما يلي:

1ـ لصق الأسماء الأسطورية لصقاً دون تمثل أبعادها وأدوارها الأسطورية المسندة لها في النص.

2ـ هشاشة شخصية المعري المستحضرة؛ إذ لم يسند إليها أي دور أو قول أو إشارة.

3ـ استغراقه في مدح المعري بصور تقليدية مألوفة أو مكرورة في شعرنا العربي قديمه وحديثه.

4ـ تعظيم المعرّي إلى درجة كبيرة، شأنه في ذلك شأن غيره من الشعراء المعاصرين هذا من جهة، وإسناد صفات خارقة لا تليق بإطار الشخصية المعرية المستحضرة من جهة ثانية.

5ـ استحضار شخصية المعري شكلاً واسمياً فقط، من دون تمثل أو إسقاط فني مؤثر لهذه الشخصية المستحضرة، بمعنى أدق: إن هذه الشخصية لم تلعب أي دور يتعلق ببنية القصيدة الداخلية، كتوظيفها في مشهد درامي أو حواري دلالي مكثف، وهذا ينم عن عجز حقيقي وظلم واضح لشخصية المعري المستحضرة في شعرنا قديمه وحديثه باستثناء بعض المحاولات الجيدة التي تم استقراء بعض منها من سابق.

أ ـ شخصية المعري بوصفها شخصية مؤطرة أو مدبلجة درامياً:

ما من شك في أن توظيف الشخصيات التاريخية المستحضرة في النص توظيفاً درامياً يؤدي إلى تفجير دلالات جديدة لا حصر لها نتيجة التفاعل الدرامي المثير بين الشخصيات المستحضرة؛ إذ «يقوم البناء الدرامي في أبسط تعريف لـه على الصراع بين طرفين، وتعدد الأصوات، وتطور الحدث وتناميه ،كما تقوم النزعة الدرامية على التوتر الذي هو صفة فكرية عليا تنشأ من غوص المبدع إلى أعماق الحياة»([51]).

و«انطلاقاً من تصور إليوت للشعر الدرامي بأنه نتاج تداخل الشعر الغنائي والملحمي معاً، وبأنه ـ أي الشعر ـ سيعود إلى الدراما الشعرية، لأنه النتاج الحتمي التالي لتطور الدراما في الأدب المعاصر»([52]). فإن بعض الشعراء استحضروا شخصية المعري ببعد فني درامي مؤسس على الحوار، والقص، وتوظيف القناع من خلال التحدث على لسان الشخصية المعرية المستحضرة، وقد وجدنا قصيدة ملحمية مثيرة تكاد تكون هي الوحيدة في شعرنا العربي الحديث ألا وهي «ثورة في الجحيم» لجميل صدقي الزهاوي، التي امتدت إلى خمسة آلاف بيت، وهي أشبه بملحمة شعرية، تستمد أحداثها وشخوصها من رسالة الغفران، مثل «حوار الملائكة»، ومصارحة الميت، ووصف السراط، ثم السؤال عن الملائكة والشياطين، ثم السؤال عن السفور والحجاب، والسؤال عن الإله، ثم أخذ المحسن إلى الجنة، وأخذ المذنب إلى النار، ثم حوار الشعراء الذين هم في الجنة، والشعراء الذين هم في النار، ثم إجراء خطب طويلة على لسان الشعراء كـ«لبيد، وسقراط، والخيام... إلخ». وقد وظف الشاعر تقنية الحوار أو القناع على لسان الشخصية المعرية المستحضرة من خلال المشهد الدرامي الشعري التالي:

«بعد أن متُّ واحتواني الحفيرُ

 

جاءني يبلو منكرٌ ونكيرُ

كنتُ في رقدةٍ بقبري إلى أن                

 

أيقظاني منها وعادَ الشعورُ               

 

***

 

قالَ من أنتَ وهو ينظرُ شزراً

 

قلتُ شيخٌ في لحدِه مقبورُ

قالَ ماذا أتيتَ إذ كنتَ حياً      

 

قلتُ: كلُّ الذي أتيتُ حقيرُ      

ليسَ في أعمالي التي كنتُ آتيـ   

 

ـها على وجهِ الأرضِ أمرٌ خطيرُ    

قالَ في أيٍّ من ضروبِ الصناعا    

 

ت تخصصتَ إنهنَّ كثيرُ        

قال مارستُ الشعرَ أرعى به الحقّ 

 

وقدْ لا يفوتني التصويرُ

قال ما دينكَ الذي كنتَ في الدنـ     

 

ـيا عليهِ وأنتَ شيخٌ كبيرُ        

قلتُ كانَ الإسلامُ دينيَ فيها      

 

وهوَ دينٌ بالاحترامِ جديرُ       

قال من ذا الذي عبدتَ فقلـ      

 

ـتُ الله ربي وهو السميعُ البصيرُ      

قالَ ما ذا كانتْ حياتُك قبلاً     

 

يومَ أنتَ الحرُّ الطليقُ الغريرُ

كنتُ عبداً مسيَّراً غيرَ حرِّ

 

لا خيارَ لـهُ ولا تخييرُ

ما حبوني شيئاً من الحلولِ والقد

 

رةِ حتى أديرَ ما لا يدورُ»([53])

إن ما يضعف هذا لمقطع الحواري أنه حوار مرسوم ومؤدلج سلفاً؛ إذ سار فيه الزهاوي سيراً سيمترياً مملاً للقارئ، والسبب في ذلك ـ من وجهة نظرنا ـ هو انشغال الزهاوي في رصد الأحداث وتجسيمها على حساب جمال الصورة التركيبية وإثارتها، مما أفقد المقطع مقومات الإثارة الشعرية لديه على الرغم من تفعيل شخصية المعري بالحوار والقص الشعري السردي المباشر الذي يفتقد إلى الشعرية والإيحاء.

وقد حاول الشاعر الارتقاء بلغة الحوار في بعض المشاهد الملتقطة من رسالة الغفران على لسان المعري، واصفاً الخيام في تغنيه بالخمرة بأسلوب أكثر إثارة وفنية؛ إذ يقول:

«وسمعتُ الخيَّامَ في وسط الجمـ

 

ـعِ يغنِّي فيطرَبُ الجمهورُ

منشداً بينهمْ بصوتٍ شجيٍّ

 

قطعةً من شعرٍ غذاهُ الشعورُ

حبَّذا خمرةً تعينَ على النيـ     

 

ـرانِ إذا ذكتْ لا تضيرُ         

وتسلِّي من اللهيبِ فلا يبـ    

 

ـقى متى شبَّ منهُ إلا النورُ

تُشبهُ الخندريسَ ياقوتةٌ ذا       

 

بتْ ففيها للناظرينَ سرورُ

وهي مثلُ النارِ التي تتلظَّى     

 

ولها مثلما لهذي زفيرُ

اسقني خمرةً لعلي بها أر       

 

جعُ شيئاً ممَّا سبتني السعيرُ

واصليني بالله أيتها الخمـ      

 

ـرةُ إني امرؤٌ إليكِ فقيرُ

أنتِ لو كنتِ في الجحيمِ بجنبي

 

لم ترعنيَ نارٌ ولا زمهريرُ»([54])

هنا ترتقي اللغة الشعرية الحوارية أكثر من المقطع السابق، وتقف الشخصية المعرية المستحضرة موقف المشاهد أو المتأمل لشخصية الخيام، وهو يتغنى بالخمرة؛ ولو استطاع الزهاوي أن يفعل شخصية المعري في الحوار الشعري لكان إدخالها فنياً أو شعرياً على درجة كبيرة، وهذا ما حاول الزهاوي تفعيله في الحوار المباشر على لسان المعري والجمهور قائلاً :

المعري:

غصبُوا حقكمْ فيا قومُ ثوروا

 

إنَّ غصبَ الحقوقِ ظلمٌ كبيرُ

الجمهور:

غصبُوا حقنا ولمْ ينصفونا

 

إنما نحنُ للحقوقِ نثورُ

المعري:

لكمُ الأكواخُ المشيَّدةُ بالنا

 

رِ و للبلهِ في الجنانِ القصورُ

الجمهور:

غصبُوا حقنا ولم ينصفُونا

 

إنما نحنُ للحقوقِ نثورُ

المعري:

إن خضعتمْ فما لكمْ من نصيبٍ                

 

في طوالِ الدهرِ إلا السعيرُ

الجمهور: (يردد نفس اللازمة)

المعري:

ما حياةُ الإنسانِ إلا جهادٌ                

 

إنما تؤثِرُ السكونَ القبورُ

الجمهور: (يردد نفس اللازمة)

المعري:

«إنما النارُ للذينَ لديهمْ

 

قد تساوى الإحساسُ بئس المصيرُ»([55])

إن الزهاوي ـ في المقطع ـ قد فلسف شخصية المعري، واستحضرها بمجونها وتجاوزها، وجرأتها على النواميس والأعراف الشائعة؛ محاولاً العبث بشخصية المعري والطعن بعقيدته ـ بشكل أو بآخر ـ وهذا ما لا يحمد للزهاوي في هذا النص، وكان من الأجدى فنياً لو استحضر شخصية المعري برؤيتها الفلسفية؛ وتأملها الوجودي في الحياة والكون؛ إذ إن الاستحضار العبثي الذي يقوم على العبثية والتشويه كثيراً ما يمزق الشخصية المستحضرة ويحط من شأنها، ويقلل من فاعلية استحضارها؛ ولو وظفها الزهاوي في رؤيتها الحقيقية، مع إضفاء دلالات رديفة وأدوار جديدة تتوافق مع الشخصية الحقيقية المعرية المستحضرة لكان توظيفه مثيراً للكثير من الدلالات والطاقات الإيحائية الكامنة التي تختزنها هذه الشخصية الفذة في تاريخنا العربي.

يمكن أن نصل ـ أخيراً ـ بعد هذا الاستقراء المتكامل لاستدعاء شخصية المعري في الشعر العربي الحديث والمعاصر ( بين الواقع والتجريد ) إلى النتائج التالية:

أولاً ـ إن أغلب شعرائنا قد أخذتهم العاطفة والبهرجة المناسباتية التي دفعتهم إلى تقديس شخصية المعري واستحضارها بأسلوب تهويمي كبير، مما أفقدها الكثير من ألقها الرؤيوي الحقيقي داخل النص؛ فكانت عبئاً على شعريته، بدلاً من أن تكون المولد الأيدلوجي والفكري الحقيقي المثير لشعرية النص على مستوييه النفسي والدلالي.

ثانياً ـ إن تألق بعض المحاولات الشعرية في استحضار شخصية المعري كان مرده إلى إحساسهم الحقيقي والفكري بهذه الشخصية، وملامستها من الداخل، لا من الخارج من خلال اللصوقات الاسمية التي لا تزيد الشخصية المعرية إلا تهويماً وجموداً يقتلها من الداخل مدحاً وتعظيماً، مما دفعهم ذلك إلى تحميلها طاقات وقدرات فوق قدرات البشر، وكأنها شخصية أسطورية إلهية مستحضرة من إحدى الأساطير الإغريقية القديمة حتى تحيي الموتى، وتطاول أعنان السماء، وتركع لها الكواكب والنجوم.

رابعاً ـ إن معظم شعرائنا المعاصرين لم ينصفوا المعري كشخصية أدبية مفكرة في تاريخنا العربي، لأنهم لم يتمثلوا رؤاه وأفكاره بمعناها الحقيقي من جهة، ولم يفعلوا تأملاته ونظراته الفلسفية في الواقع والحياة من جهة ثانية، لذلك ظلت نصوصهم تدور في فلك الفرقعة المدحية التي أماتت المعري، وأماتت نصوصهم في آن معاً.

خامساً ـ لا غرو أن نعترف ـ أخيراً ـ بأن معظم شعرائنا لم يكتبوا قصائدهم في المعري بمنأى عن المناسبة، بإحساسهم الداخلي العميق بهذه الشخصية؛ الأمر الذي دفعهم إلى تمجيده الزاعق، بفرقعات مدحية لا طائل منها؛ مما أدى إلى قتل الشخصية المعرية المستحضرة، وقتل نصوصهم بالتكلف والخطابة المدحية الزائدة، وإحياء المارد الأبله في عامة الجمهور، مصفقاً بقوة لزعقة مدحية ترفع المعري إلى مرتبة الإله، وتحمله من القدرات الخارقة ما لا يحتمل.

سادساً ـ إن شخصية المعري بالإضافة إلى شخصية المتنبي هي من أكثر الشخصيات الأدبية استحضاراً في شعرنا الحديث والمعاصر، وهي من أكثر النماذج الشعرية المستحضرة جموداً وفشلاً في الاستحضار؛ مقارنة بشخصيتي المتنبي وطرفة بن العبد الذي حلقوا في هاتين الشخصيتين المستحضرتين إلى سماء الفن والإثارة والإبداع في حين بقيت شخصية المعري المستحضرة محنطة في نصوصنا إلى الآن، تئن تحت وطأة التبجيل المصطنع والتأليه المناسباتي الطنان الفارغ؛ والأسطرة المزيفة دون إحساس فني داخلي عميق بهذه الشخصية؛ وهي ما زالت إلى الآن تستغيث جمودها الاستحضاري الذي ران زمناً طويلاً في أدبنا وشعرنا الحديث والمعاصر؛ وآن الأوان لفك هذا الجمود وتحرير المعري الذي ينتظر المنقذ على جناح السرعة.

سابعاً ـ إن من أهم أسباب جمود شخصية المعري في نصوصنا الحداثية تبدى في خوف الشعراء أنفسهم من الخوض في غمار هذه الشخصية الديالكتيكية الفلسفية الؤيوية المثيرة واستنطاقها بآراء فلسفية متناقضة أولا تمت إلى المعري بصلة؛ الأمر الذي يوقعهم في محرقة التناقض والغربة والجهل عن تمثل هذه الشخصية، لأنهم أصلاً غرباء عن فكر المعري وفلسفته، لذلك كانوا يهربون إلى المديح وتأليه المعري وأسطرته مدحاً بألقاب طنانة [رهين المحبسين ـ شيخنا ـ أبانا ـ حكيم الدهر ـ الجاني ـ شاعر العرب ـ شاعر الإنسان ـ شيخ الشعراء... إلخ].

المصادر والمراجع والدوريات

أولاً ـ المصادر:

1ـ أدونيس، علي، أحمد سعيد، 1971 ـ الآثار الكاملة، دار العودة، بيروت، مج 2.

2ـ البياتي، عبد الوهاب، 1972 ـ ديوان عبد الوهاب البياتي، دار العودة بيروت، ج2/ ص 26ـ 27.

3ـ الجبل، بدوي، 1978 ـ الديوان، دار العودة، بيروت، ط1.

4ـ الجواهري، محمد مهدي، 1979 ـ الديوان، تح: د. عدنان درويش، منشورات وزارة الثقافة، دمشق.

5ـ رحال، صالح، 1994 ـ ديوان ( مستقبل الربيع ) مطبعة الكاتب العربي، دمشق، ط1.

6ـ الزهاوي، جميل صدقي، 1972ـ ديوان، دار العودة، بيروت، ط1.

7ـ القرشي، حسن، عبد الله، 1972 ـ الديوان، دار العودة، بيروت، ط1.

8ـ لحود، إلياس، 2003 ـ سيناريو الأرجوان، دار كتابات معاصرة، ط 1، بيروت.

ثانياً ـ المراجع :

1ـ علوش، سعيد، 1985 ـ معجم المصطلحات الأسلوبية المعاصرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1.

2ـ عيد، رجاء، 1985 ـ لغة الشعر، منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر.

3ـ فتح الباب، حسن، 1997 ـ سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،مصر، ط1.

ثالثاً ـ الدوريات:

1ـ نمر، موسى، 2004 ـ توظيف الشخصيات التاريخية في الشعر الفلسطيني المعاصر، مجلة عالم الفكر، مج 33، ع2، أكتوبر وديسمبر، الكويت.



([1])      نمر، موسى، 2004 ـ توظيف الشخصيات التاريخية في الشعر الفلسطيني المعاصر، مجلة عالم الفكر، مج 33، ع2، أكتوبر وديسمبر، ص 117.

([2])      المرجع نفسه، ص 117.

([3])      زايد، علي عشري، 1997 ـ استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، مصر، ص 138.

([4])      المرجع نفسه، ص 138.

([5])      المرجع نفسه، 138.

([6])      زايد، علي عشري، 1997 ـ استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، مصر، ص 220.

([7])      زايد، علي عشري، 1997 ـ استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، مصر، ص 220.

([8])      أدونيس، علي، أحمد سعيد، 1971 ـ الآثار الكاملة، دار العودة، بيروت، مج 2 / ص 499.

([9])      استدعاء الشخصيات التراثية بتصرف، ص 143.

([10])    شوشة، فاروق، 1971 ـ قصيدة أبو العلاء، مجلة الآداب، المغرب، ص 26.

([11])    القرشي، حسن، عبد الله، 1972 ـ ديوان حسن عبد الله القرشي، دار العودة، بيروت، ط1، مج1/ ص 248 ـ 249.

([12])    القرشي، حسن، عبد الله، 1972 ـ ديوان حسن عبد الله القرشي، دار العودة، بيروت، مج 1 / ص 242 ـ 247.

([13])    الأطرش، ياسر، 2003 ـ المعري دمشقياً، مهرجان إيبلا الثقافي في إدلب، إعداد وتقديم: محمد خالد الخضر، ص 51 ـ 52.

([14])    استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص 233.

([15])    المرجع نفسه، ص 142.

([16])    المرجع نفسه، ص 142ـ 143.

([17])    البياتي، عبد الوهاب، 1972 ـ ديوان عبد الوهاب البياتي، دار العودة بيروت، ج2/  ص 26 ـ 27.

([18])    المصدر نفسه، ص 33.

([19])    فتح الباب، حسن، 1997 ـ سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 247.

([20])    نقلاً من كتاب سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 248 ـ 249.

([21])    نقلاً كتاب سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 249.

([22])    نقلاً من المرجع نفسه، ص 249.

([23])    نقلاً من المرجع نفسه، ص 142.

([24])    نقلاً من كتاب سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 142.

([25])    نقلاً من المرجع نفسه، ص 142.

([26])    لحود، إلياس، 2003 ـ سيناريو الأرجوان، دار كتابات معاصرة، ط 1، بيروت، ص 63.

([27])    الجبل، بدوي، 1978 ـ الديوان، دار العودة، بيروت، ط1، ص 308.

([28])    المصدر نفسه، ص 311ـ 312.

([29])    الجبل، بدوي، 1978 ـ الديوان، دار العودة، بيروت، ص 312 ـ 313.

([30])    الجبل، بدوي، 1978 ـ الديوان، دار العودة، بيروت، ص 316.

([31])    المصدر نفسه، ص 317.

([32])    الجواهري، محمد مهدي، 1979 ـ الديوان، تح: د. عدنان درويش، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص 251 ـ 253.

([33])    المصدر نفسه، ص 254.

([34])    المصدر نفسه، ص 254.

([35])    الجواهري، محمد مهدي، 1979 ـ الديوان، تح: د. عدنان درويش، ص 255.

([36])    المصدر نفسه، ص 256ـ258.

([37])    علوش، سعيد، 1985 ـ معجم المصطلحات الأسلوبية المعاصرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، ص 215.

([38])    المرجع نفسه، ص 248.

([39])    فتح الباب، حسن، 1997 ـ سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 240..

([40])    أبو ريشة، عمر، 1945 ـ قصيدة الفيلسوف، المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري، ص 175 ـ 178.

([41])    المصدر نفسه، ص 177.

([42])    جبري، شفيق، 1945 ـ قصيدة ذكرى أبي العلاء، المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري، ص 302.

([43])    عيد، رجاء، 1985 ـ لغة الشعر، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص 294.

([44])    عيد، رجاء، 1985 ـ لغة الشعر، ص 295.

([45])    الرصافي، معروف، 1945 ـ قصيدة شاعر البشر، المهرجان الألفي لأبي العلاء، مطبعة الشرقي بدمشق، ص 137 ـ 138.

([46])    البزم، محمد، 1945ـ قصيدة أبو العلاء، المهرجان الألفي لأبي العلاء، ص 105.

([47])    عاقصة: إحدى بنات ملوك الجان.

([48])    سافو: شاعرة إغريقية اشتهرت بشعرها وجمالها.

([49])    بنو صيدون: أبناء صيدا الفينيقيين وقد اشتهروا بصناعة الخمور

([50])    رحال، صالح، 1994 ـ ديوان ( مستقبل الربيع ) مطبعة الكاتب العربي، دمشق، ط1، ص 138 ـ 150.

([51])    تامر، فاضل، 1975 ـ معالم جديدة في أدبنا المعاصر، ص 367. نقلاً من شعر سعدي يوسف دراسة تحليلية، ص 67.

([52])    ف.أ. مايشن ـ إليوت الشاعر الناقد، تر: إحسان عباس، ص 147. نقلاً من شعر سعدي يوسف، دراسة تحليلية، ص 67.

([53])    الزهاوي، جميل صدقي، 1972ـ ديوان، دار العودة، بيروت، ص 716ـ 717.

([54])    الزهاوي، جميل صدقي، 1972ـ ديوان، ص 732 ـ 733.

([55])    الزهاوي، جميل صدقي، 1972ـ ديوان، ص 732 ـ 733.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244