|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:47 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ملزمة من كتاب قديم، وقصتها ____ عبد السلام العجيلي في نهاية صيف عام 1994 حضرت في باريس مؤتمر اتحاد الأطباء العرب في أوروبا ضيفاً على المؤتمر ومحاضراً فيه. وكان ذلك الحضور فرصة طيبة للتعارف وللقاء زملاء لي من الأطباء العرب المقيمين في عديد من البلدان الأوروبية. من بين هؤلاء كان الدكتور سعيد العزاوي المقيم منذ سنين كثيرة في مدينة دورتمند، في غربي ألمانيا، جراح قلب في مشافيها. وجمع بيني وبين الدكتور سعيد انتماؤنا الفراتي، هو من دير الزور وأنا من الرقة، فساقنا ذلك إلى التحدث عن بلدتينا في الماضي والحاضر، قلت له إن الرقة، في الماضي، خربت ولم تعد مسكونة وذلك بعد هجمات المغول عليها. أولى الهجمات كانت لجيوش هولاكو، وآخرها لجيش تيمورلنك. وقد أرخ الأقدمون الهجمات الأخيرة التي دمرت المدينة دماراً كاملاً بكلمة "خراب"، التي تساوي بحساب الجمل 883، وهي السنة الهجرية الموافقة للعام الميلادي 1400، عام تدمير جيش تيمورلنك لها. منذ ذلك الحين هجرت المدينة ولم يعد يقطن فيها ساكن، وظلت هذه حالها ما يقارب خمسة قرون، فلم تستعد وجودها إلا في نهاية القرن التاسع عشر. كل هذا قلته لزميلي الدكتور سعيد العزاوي فيما تحدثنا به في جلساتنا في أمسيات انعقاد المؤتمر. قال لي الدكتور سعيد: هذا صحيح فيما يتعلق بغزوات التتر وتخريبهم الرقة. ولكن مدينتك لم تختف من الوجود تماماً بعد انسحاب جيوش المغول من الديار الشامية. عندي كتاب لرحالة ألماني يتحدث فيه مؤلفه عن زيارته للرقة في آخر القرن السادس عشر، وفي عام 1575 على التحقيق، ويقول عنها إنها كانت مسكونة في ذلك الحين، وإن حامية تركية كبيرة تعسكر فيها وتقوم فيها بمهمة حماية سكانها وبحفظ الأمن في المناطق التي تحيط بها. هذا الذي سمعته من الدكتور العزاوي كان جديداً علي، إذ ساق إلي معلومات تخالف ما كنت أحفظه عن تاريخ بلدتي. استفهمت منه عن الكتاب الذي يذكره، وعن مؤلفه، وعما إذا كان يمكنني الاطلاع عليه. أخبرني بأن المؤلف هو الدكتور ليونهارت راوفولف، طبيب رحالة زار بلاد الشرق الأدنى وطبع كتابه عن مشاهداته فيها في عام 1582. كما أخبرني بأنه هو، أعني الدكتور العزاوي، يملك نسخة من ذلك الكتاب في طبعته النادرة التي يصعب فهم محتواها على القارئ الألماني اليوم. ذلك لأن لغة الكتاب هي اللغة الألمانية التي كان الناس يتكلمونها قبل أربعة قرون. ما قاله لي زميلي كان شيئاً شائقاً لي، ومهماً فوق ذلك. قلت له هذا، فوعدني بأن يرسل إلي عند عودته إلى دارتموند بصورة للصفحات التي تكلم فيها الدكتور راوفولف عن الرقة وعما رآه فيها وعما جرى له عند مروره بها. وقد وفى الدكتور سعيد بوعده لي، فجاءتني منه ملزمة مصورة من كتاب الدكتور راوفولف. جاءتني هذه الملزمة بعد أكثر من سنة من تلاقينا في باريس. ولم يكن ذلك عن إهمال منه أو نية خلف في ما وعد، ولكنه شاء أن يُصحب الملزمة بترجمة لمحتواها إلى اللغة العربية فاستغرقت هذه الترجمة من وقته ووقت قرينته الألمانية، على ما ذكر لي في رسالته، أكثر من عام لصعوبة فهم ما كتبه الدكتور راوفولف بلغة كانت مستعملة قبل أكثر من أربعمائة عام. وقد صدقته في هذا. إذ إني حين عرضت الملزمة على العاملين في معهد غوته في دمشق اعتذروا عن عدم تمكنهم من فهم ما تتضمنه لقدم لغتها. وقد استعنت بترجمة الدكتور العزاوي، على عموميتها واختصارها، فاقتبست منها مقاطع ضمنتها محاضرة ألقيتها في مهرجان الفرات للثقافة والتراث الذي أقيم في بلدتي، الرقة، في منتصف أيلول 1998. إلا أني ظللت حريصاً على أن أحصل على ترجمة كاملة ومفصلة لهذه الملزمة، كمقدمة للبحث في أمر ترجمة كتاب الدكتور راوفولف بكامله. كان لا بد للمعرفة الكاملة لمضمون هذه الملزمة من أن يترجم ما فيها من لغته القديمة المكتوب بها إلى ألمانية عصرية. وقد تطوعت لأداء هذا سيدة ألمانية هي زوجة قريب لي حين زرت هذا القريب في مدينتهما فيرزبورغ، في ألمانيا. وعلى أن هذه السيدة تعمل معلمة للغة في مدارس بلدتها فإنها، مثل غيرها، لم تستطع فهم لغة الملزمة فعهدت بها إلى زميل لها، وهو أستاذ جامعي متخصص. قام هذا الأستاذ بالترجمة إلى اللغة الحديثة وتلقيتها أنا في العام الفائت. وكنت في هذه الأثناء قد عثرت في أحد المراجع في مكتبتي على عنوان كتاب الدكتور راوفولف المستخلصة منه هذه الملزمة. إنه عنوان مكون، على الأسلوب المتبع في تلك الأيام، من عدة سطور تؤلف عرضاً لمحتويات الكتاب المعنون بها. ونصه هو الآتي: (الوصف الحقيقي لرحلة تصلح لتكون في هذا الزمن مدخلاً إلى بلاد المشرق التي تضم سورية، وبلاد العرب، وما بين النهرين، وبلاد بابل وآشور، وأرمينية.. إلخ، المتميزة والكثيرة الموارد) هذه هي الترجمة التقريبية التي قمت أنا بها لعنوان الكتاب. أما الملزمة نفسها فقد تفضل الصديق الكريم المهندس عبد اللَّه الحجار بترجمة محتوياتها من اللغة الألمانية الحديثة إلى لغتنا العربية، وهي ما تتضمنه الصفحات التالية من هذا المقال. من مدينة الرقة وموقعها والإعلام أيضاً عن انسحاب ملك العربية واتحاده مع الأتراك والتصادم أو "الزعل" الذي حصل لنا مع الجمركي الفصل الثالث تقع الرقة وهي مدينة في بلاد الرافدين داخل منطقة الصحراء العربية على نهر الفرات العظيم بين سلسلتي جبال بحيث لا يمكن رؤيتها إلا بالوصول إليها. وفيها قصر يسكنه Sangiachen متصرف تسلم جميع المدينة مع 1200 Spacchis (سباهي) تحت وصاية السلطان التركي. بنيت هذه المدينة على نحو سيء وحُميت بسور ضعيف، وقد بنيت بعد سقوط المدينة القديمة التي كانت تليها بالنسبة إلى مجرى النهر. حيث يشاهد سور المدينة المنهار مع بقايا أخرى من السور والأقواس التي ما زالت قائمة. وما زال قائماً بناء عال يقدم إطلالة جيدة (مثل الأشياء المخربة جداً والمستعملة) للتفتيش عن مثله. ويجعلنا نفترض أنه في الزمن القديم قد سكنها وملكها ملوك وأصحاب أراض وبين هذه الخرائب والمدينة الجديدة ما زال هناك قصر قديم محمي بشكل جيد من الاحتلال التركي لأنه يقع بين فارس والعربية أمام القوى الخارجية ليحميها بالكامل من الأذى. وفيما عدا ذلك فقد دمرت المدينة القديمة كلها، وسويت بالأرض بحيث لا يوجد مكان أفضل من هنا ليتدرب فيه الأتراك على الركض والطعن كما رأيتهم عدة مرات يتدربون وأنا جالس على السور القديم. ولمسح هذه المدينة قام التتر مع ملكهم هولاكو Haalcno باحتلالها والسيطرة عليها عام 1260 كما أخذ مدينة حلب وقلعتها بعد ذلك بقليل وذلك بمساندة آيتون Ayton ملك الأرمن ومساعدته. ويعتقد بعضهم أن هذه هي المدينة القديمة المسماة الرها Rhages وسُميت كذلك إديسا Edessa التي أرسل إليها طوبياً الذي يخاف ربه Tobias ابنه من نينوى إلى صديقه الطيب غابل Gabel ليسترجع النقود التي استعارها منه، لكن هذه المدينة تبعد عن نهر الفرات مسيرة يوم وتقع داخل أرض تكاد يستحيل احتلالها. بعد أن انتهينا من ذلك ظهر رجل الجمرك (الجمركي) على الحصان على حافة النهر وطلب من الرجل التركي على السفينة الأخرى تسليم بضاعته وطعامه ومستلزماته B?gen فامتنع هذا بشدة (لأن مثل ذلك لم يحصل من قبل أبداً). فوقعا لذلك في خصام بحيث إنهما شهرا السلاح الواحد أمام الآخر ولما لم يتدخل أحد بينهما لتهدئتهما كادا يصلان إلى التصادم والمعركة المباشرة. لكن الجمركي تصرف بحكمة وأظهر احتراماً لأننا مع بضاعتنا لم نصل بعد إلى Carahemit (المدينة التي تقع على بعد 4أيام سفر من نهر دجلة الهائج) ونصل هناك إلى الماء. وهناك كذلك الجمرك يخصه أيضاً ويأخذ أكثر مما يفترض أخذه هنا. كما أن التركي لم يعد يزعجه لأنه لا يحمل معه بالسفر سوى الحبوب فقط ولا يريد الانتظار أطول من ذلك فتركه أخيراً يغادر وجاء الاثنان معاً إلينا لأنه اعتقد أنه معنا كغرباء يستطيع أن يفرض طلباته على نحو أسرع. وهكذا اضطجع بيننا الليلة بكاملها في السفينة (خوفاً من أن نفرغ جزءاً من البضاعة في الطريق أمامه) وشتمنا بشدة وقال: لأننا غير مسموح لنا بالسفر في هذه البلاد كأجانب فإنه يجب أن يسجننا لأننا جواسيس مثل الحالات الأخرى السابقة. لذلك عنده أسباب موجبة لمصادرة بضاعتنا وإرسالنا كجاسوسين إلى القسطنطينية لنكون عبدين لدى سادته النبلاء والسلطان. ولما أدركنا قراره غير القانوني ومن ثم ظهر لنا احتياله الذي حاوله معنا لم يجعلنا ذلك نخاف بل أظهرنا جوازاتنا التي حصلنا عليها من الباشا والقاضي بحلب وأريناه إياهما. عندما شاهدهما وأخذهما عرف أنه لا يجرؤ على أن يعارضنا عندها لم يتركنا من دون إظهار سخطه علينا وبدأ فوراً يقاتل جميع التجار في السفينتين ويطلب منهم المال الكثير كرسوم جمركية. وعندما اعترضوا بشدة لم يعط الجمركي أي راحة ولم يقبل أي اقتراح مساومة وعلاوة على ذلك أخرج من السفينة أشجاراً ومجاديف ليمنعنا من متابعة السفر وليعذبنا أكثر. لكن التجار وقد عرفوا جدية الموضوع لم يجزعوا وإنما أرسلوا حالاً في الحادي عشر من أيلول أحد رجالنا مع أحد الزنوج إلى كراهيميت Carahemit إلى الباشا الكبير، وكان ابن الباشا محمد، لإعلامه بهذه الأمور والصعوبات. وعندما أدرك الجمركي ذلك ركب حالاً مع ابنه متوجهين إلى الباشا. وعندما لم يقابل الباشا (الذي كان في ذلك الحين في مكان آخر وهو Gieslet ويبعد مسافة 3 أيام سفر، تمهل وكان رجلنا أيضاً يبحث عنه. وعاد أدراجه حالاً. ومع أنه لم ير الباشا أعلمنا كذباً أنه بناء على أمر الباشا يجب أن يدفع كل شخص 10 دوقات Ducaten . لكن جماعتنا (Unserigen) لم يعرفوا أكان ذلك صحيحاً أم لا ولم يثقوا به وقبل أن يدخل الجمركي السفن ويفتشها وضعوا جانباً أفضل وأكبر قسم من البضاعة ودفنوا الكثير في الرمل ليلاً.بحيث إن الأتراك والزنوج مروا عدة مرات جيئة وذهاباً دون أن ينتبهوا إلى البضاعة المخبأة: وجاء الجمركي وتابعه في الصباح الباكر وفتش كل شيء بشكل جدي كما لو كان لديه أمر خاص بذلك لكنه، كما كان متوقعاً، لم يجد شيئاً مما كان يتوقعه. وبينما كان يتابع القيام بواجبه بجدية عاد أخيراً رجلنا مع الجواب بأن الباشا مستاء كثيراً لمعارضة الجمركي بشكل غير مسموح به لأوامر وأنظمة سلطانه الكبير وعرقلة سفرنا هذه المدة الطويلة. لذلك كتبت إلى Sangiachen وطالبته بدفع غرامة وأن يتكفّل بعدم توقفنا مدة أطول من ذلك وأن يؤخذ الجمركي كسجين ويُرسل إلى القسطنطينية ويقدّم للتحقيق معه، مرة كل 15 يوماً على أمل أن يدفع حياته لقاء أعماله الخاطئة. بينما كنا جالسين أمام مياه نهر بابل كمساجين ننتظر بصبر حل مشكلاتنا حدث في أثناء هذه العراقيل أن ملك العرب مع أتباعه في 21 أيلول تحرك داخل البلاد بحشد كبير ومن عدة أماكن متجهاً نحو الجنوب ليجد مراعي أفضل للماشية والخيل والحمير والجمال وسواها لتبقى على قيد الحياة، لأنه في بلاده لا يوجد مدن وأسواق وقرى كثيرة ليستطيع أن يسكن مثلنا بمنازل ثابتة. وليس لديهم زراعة وتجارة وهم مسرورون عندما يكون لديهم حيوانات كثيرة ومراعٍ جيدة لترعى فيها. وعندما يصلون إلى مكان مستنقع صغير ينمو فيه بعض العشب والحشائش ينصبون خيامهم ويبقون هناك إلى أن يحصل نقص في الكلأ فيجبرون على الرحيل مفتشين عن مكان آخر. وعندما يتركون المكان يأخذون معهم عمالهم وخدمهم وحيواناتهم وجميع أغراضهم. كما استطعت أن أراقبهم هذه المرة. وعندما اقتربت عدة مجموعات كبيرة أغلق الأتراك مدينتهم أربعة أيام أمامهم حتى مر الجميع، وينسحبون على الخيل مع الأكل والعتاد في الأرض وعلى الجمال كذلك ويأخذون معهم منها كميات كبيرة فمثلاً عندما يتحرك الملك هنا وهناك (كما يقول بعضهم) يأخذ معه 150000 جمل. وأنا نفسي شاهدت عدة مرات مسيرة 3-4 آلاف جمل وهي حيوانات قوية وصبورة وتحمل حمولات ثقيلة، وبدرجات حرارة عالية تبقى من دون ماء للشرب تتحمل 4 أيام. ويترك حراً (فارغاً) ما بين ساقيها من الأمام والخلف بحيث إن من يسير خلفها في القافلة يجب أن ينتبه كي لا "يتطرش" ويتوسخ، وخيولهم أصيلة وسريعة ومحبة للعمل وتعطى يومياً علفاً للأكل مرة واحدة فقط (على الرغم من أنها محملة تسير طوال اليوم في الصحراء الواسعة). ويزيلون عادة عنها شعر اللبدة (حول الرقبة) والذنب لتكون عارية تماماً وسطح أقدامها الحافية يبدو مماثلاً لذنب الأسد. أما نساؤهم فيجلسن على حمير صغيرة وكذلك على الجمال العالية مع أولادهن بصناديق كل ثلاثة أو أربعة معاً. كما يعتنين بأنفسهن فإنهن سمراوات بلون البشرة مثل غجرياتنا تقريباً وأكثر من ربعهن سوداوات. هذا الاختلاف بلون البشرة خاصة يجعلهم يتركون في أثناء تجوالهم أحياناً في الأماكن التي يعيش فيها السود بعض السوداوات ويستبدلون بهن أخريات. ويعيش ملك العرب دائماً في الفلاة وضمن حراسة جيدة ولا يقيم أبداً في مكان مغلق. ومن المؤسف جداً أنه مع ابنه دائماً يجول مثل التتر بحيث إن المرء لا يعرف أحياناً أين يلقاه. في الصيف يتوجه أكثر نحو الشمال ليتجنب الحرارة الشديدة كما أنه يعود في الشتاء نحو الجنوب ليهرب من البرد وليحصل على شروط إقامة أفضل له ولجماعته. وأدى هذا أحياناً إلى قرب التصادم بين العرب والأتراك إذ إن هناك خصومات بين القوتين أدت إلى القتال والخسائر فيما بينهما. وعلى الرغم من ذلك (وحسب اعتقادي) يجب عليهما أن يبقيا متحدين ومتفقين ومن الثابت بشكل خاص: إذا هاجم عدو تركيا الكبرى يجب على العرب أن يكونوا حليفاً لها ويساندوها. وكذلك يعتبر التركي ملك العرب كابن عم له ويبرهن أنه صديق جيد بدفع 60000 دوقات (دوقية) سنوياً كمرتب متحقق أو أموال حماية. ومن الآن وصاعداً يرسل التركي إلى الملك الجديد بعد وفاة الملك السابق علماً مع إشاراته كي يقدم له جميع الهدايا في احتفالات الدخول (تسلّم الحكم) ويقوي ويجدد اتحاده القديم معه. ولا يشكل الدين أي دافع أو سبب لأن الشعبين يؤمنان الإيمان نفسه (جميع الاحتفالات التي يعتمدونها في الصلاة وسواها واحدة). ويتخذون بحسب قوانينهم عدة نساء ولا يختارون من المستوى الأعلى بدلاً من مستوى آخر لأنهم يجب أن يشتروهن من أهلهن دائماً. لذلك وهكذا اتخذ ملك العرب ابنة نجار فقير من الرقة زوجة له وأصبحت بمقام عالٍ كالأخريات لديه (مع أنها لم تكن من مستواه). أبوها وأخوها أيضاً كانا شجاعين وغالباً ما كانا يأتيان إلينا ليكلمانا ولم يبديا أي شفقة للمعاملة السيئة (غير القانونية) التي عاملنا بها الجمركي. ومنشرتهما لا تعمل بالماء كما هو الحال لدينا (مما يعرفون عنه القليل) لكنهما نشرا الخشب بأنفسهما وبأيديهما. في أثناء مماطلة تأجيل سفرنا الطويل جاء شاب عربي من أقارب ملك العرب المقربين إلى الماء حيث كنا، وكان يتبعه دائماً عشرون خادماً مع أقواسهم ودروعهم. وكان يلف على رأسه عمامة بيضاء جميلة ويلبس رداء صوفياً بنياً بينما كان خدمه يضعون قليلاً من اللباس ومع بعضهم قلنسوات لباد على رأسهم ويلبسون قمصاناً طويلة زرقاء داكنة اللون مع أكمام واسعة أحاطوا بعضها بحزام من الجلد علق به خنجر منحنٍ (معوج) يعتنون بحمله. في أحد الأيام بينما كان بعضنا في أعلى سور المدينة مجتمعين يرقب بمتعة الوادي الواسع لنهر الفرات الكبير جاءنا الرجل وجلس مع أتباعه مقابلنا وفاجأنا أحد أتباعه بتقديم لحم ممزوج ببازلاء صفراء مجففة تناولنا بعضها بسرور. ولإظهار شكرنا أرسلنا إليه لوزاً وتيناً وجوزاً وحلويات طيبة من حلب لننال حظوة لديه. وهكذا أكل كل منا جزءاً من هديته وشربنا من ماء الفرات. وعندما أنهينا الطعام وكدنا نمل أشار السيد إلى عازف الوتر ليعزف على آلته. فسحب آلته (وهي على شكل قيثارة) بقصد أن يسمعنا تقديمات جديدة وخاصة ولما نظرت بإمعان رأيت أوتاراً ضخمة مشدودة غليظة كالأسلاك التي شد فيها قوسه، وبدأ يعزف بعض ألحان لغنائه على نحو فني كما يُعتقد. وقد استغرق ذلك ساعتين تقريباً وكان برأيه ممتازاً لكن الزمن كان طويلاً بالنسبة إلينا وقد سررنا أخيراً عندما توقف عن العزف. في الجوار (الضاحية) وجدت نوعاً أكازياً Akazienart بقرون مستديرة وبنية يسميها العرب "شوكاً Schock " وشمَوطاً Schamuth ثم نبتة (عليقة) Algul يحملها Manna كما في بلد Corasceni وحسب ما يذكر ابن سينا Chamesycen وهو نوع غريب Usenen بأحجام غير متساوية. ومن بين الأعشاب يشاهد أعشاب ذات إبر نتجت عن Tragum Discorea. وبنزول النهر وجدت العشب المقدس Dioscorea Sacra Herba الذي وضعه العالم السيد كانولس كلوزيوس Canolus Clusus في الكتاب الثاني الفصل 45 من تاريخه عن الأعشاب البرية. وبالقرب من هذه الأعشاب مباشرة شوهدت أعشاب أخرى غريبة ومن بينها خاصة حزمة محاطة بالرمل لها 5 إلى8 سيقان طرية تتفرع ثانية بدورها وتنمو كثيراً بحيث إنها تتمدد على التربة ثم تنتصب. وفي كل منها تنتصب معاً 3-4 أوراق مجزعة مستديرة أو مستريحة . وما يزيد على نصفها أزهار بشكل نجمة بيضاء مع 6 أوراق مدببة من نوع Ornithogali كل واحد من سوقها خاصة ولم أر أطرافها وجذورها صغيرة وليفية بعضها قليل القساوة وجاف نسبياً. وكل ما تبع كان شبيهاً بالـ Polycnemo Dioscorea أما إذا كان ذلك يتحمل ويبقى فسوف أسأل العلماء وليحكموا على ذلك ما عدا ذلك شاهدت في الذهاب أشجار الطرفاء Tamariskenb?unmo وبعدها نوعاً من Agni casti تشبه الأخرى تماماً لكن أصغر كثيراً وليس لها سوى 3 أوراق دبقة قوية Kleeb blitter وأهمها ومعظمها يفوح منه رائحة هو Qalega ويسمى لدينا Geissraute (نبات التيس) وهو هنا ينمو عالياً بحيث إنني بين الحين والآخر لا أرى سواه وأنا أنظر على مدى أميال من الطريق. سكان سلسلة الجبال والصحراء الكبرى من خلال مسيرتنا مع عاداتهم القديمة وحياة الفاقة والتعب التي يحيونها الفصل الرابع بأمر الباشا القوي والطيب وهو ابن محمد باشا حررنا أخيراً من حجزنا الطويل وغادرنا ظهر 27 أيلول. وسفرنا هو عبر الصحراء الواسعة حيث، وعلى مدى عدة أيام سفر، لم نشاهد ما يلفت النظر سوى أكواخ صغيرة مبنية بفروع الشجر ومغطاة بقماش خشن حيث يقيم الزنوج مع جميع أدواتهم المنزلية يتنقلون تحت حرارة الشمس اللاهبة والمطر والعجاج (الغبار) taubefall والقوي مما جعلنا ندهش كيف يستطيع أناس فقراء مع كثير من الأطفال أن يعيشوا في المناطق الرملية الجافة الخالية من أي شيء يساعد على العيش. لذلك فإن الشعب الفقير قليل اللباس وشديد الجوع غالباً ما يلمحنا من بعيد فيتوجه نحو الماء ويسبح نحونا ليظفر بقطعة خبز. وعندما نرمي إليه ملء قبضتنا من الخبز يتخاطفها الكثيرون بجوع شديد وكذلك السمك ويأكلونها. ويقوم بعضهم بجمع كسيرات الخبز بسرعة ويضعونها في منديل (وهو مربوط مع القميص على الرأس بشكل مضحك) ويسحبونه وراءهم. وبعد سفر طويل في مناطق الصحراء وصلنا أخيراً إلى جبل عال خشن وغير مضياف حيث لا يشاهد لا مزارع ولا مروج لا بيت أو قصر أو طريق أو ممر كما لو أن الشعب هناك ليس لديه للسكن سوى الأكواخ والخيام كما هو الحال في الصحراء. فالجفاف الكبير والقحط بسبب بقائهم في الجبال ليس طويلاً في مكان محدد لم يؤمن لهم سكناً ثابتاً وهو يتجولون هنا وهناك ويهاجمون وينهبون القوافل ويساعدون أنفسهم كما تعلمون. وهذه الجبال كما أعلمتُ تمتد حتى نهر الأردن والبحر الميت والبحر الأحمر حيث جبل سيناء وحورب وغيرهما حيث تقع بترا التي سماها النبي أشعياً كذلك. إن العرب الساكنين في هذه الصحراء وخارجها معروفون جداً في رمي القوس والحراب المصنوعة من القصب ويوجد منهم عدد كبير يتقاتلون في الصحراء وهم شعب قديم ينحدر من أبناء اسماعيل خاصة ومن أول أولاده نبيوط Nabaioth ومنذ زمنه سمي المتخاصمون الأنباط Nabath?er والأرض ولاية الأنباط كما شهد المؤرخ يوسيفوس في الكتاب الأول الفصل 21 بالكلمات التالية: وأولاد إسماعيل الاثنا عشر الذين ولدتهم امرأة مصرية مثل أمه هاجر Hager (وسميت نسبة لها كذلك هاجر كما نرى في الكتاب الأول من الأخبار Chronik الفصل السادس) المولودة بمصر وكان لهم الأرض من نهر الفرات حتى البحر الأحمر احتلوها وسموها ولاية الأنباط. ومن هؤلاء يمكن أن نعد كذلك المديانيين Madianiter وقد سمى أراضيهم المؤرخ بلينيوس Plinius باسم Schaenitis (إذ هناك عدا الأكواخ والخيام المذكورة لا يوجد أي بيوت للسكن يقيم فيها السكان). ضمن هذه الشروط يمكن قبول أن النبي أشعيا في الفصل 60 وكذلك داؤود في مزموره رقم 120 يتكلمان عن هذا الشعب، ويذكر خاصة أكواخ كيدار Kedar الذي يقوم حوله ريف يسكنه شعب يقيم في أكواخ وهو من نسل قيدار بن اسماعيل الذي أبوه ابراهيم وكان قد أرسل مع أمه في الصحراء. وهذا يسمى: يؤلمني أن أكون غريباً تحت مسك Mesech ويجب أن أسكن تحت سقف أكواخ كيدار. في زمننا هذا يحسب العرب مع شعوب أخرى Sarazeren. ازدادوا كثيراً وانتشروا في كل مكان. وكانوا أيام داؤود أقوياء لذلك يصلي النبي القديس بحرارة وجدية (كما يقرأ في المزمور 38): إن السيد (الرب) مثل هذا الخيّال يقود رماحاً قصبية وهذا يعني أن الأعداء الذين يقاومون بالجيش والسلاح إقامة كنيسته ورعيته المحبوبة سوف يعاقبهم ويبددهم. وأعود الآن إلى عملي السابق، سألنا العرب في رحلتنا أين نجد ملككم أو أين يمكن أن نلقاه إذ إن رئيسنا (Patron) تعب كثيراً من كثرة السؤال والكلام. وهنا تظهر الطاعة الكبرى والانتباه الكبير للمرؤوسين (الأتباع) نحو سادتهم. ولما اعتادوا مشاهدتنا كأجانب ومعرفتنا كغرباء غيرنا وضع غطاء الرأس ووضعناه حسب طريقتهم مما جعلنا بشكل رئيسي نستظل من حرارة الشمس اللاهبة (والتي كانت هنا غير قليلة). ومع ذلك عندما يريد أي شخص الذهاب إلى ملكه ليقدم له رداء أو لتسلم جواز أو لإعلامه بأمر فإنه من السهل القيام به خلال السفر ولا بد من إيجاده بعد مدة (قريباً) وهذا اللقاء تحت الأتراك ليس عظيماً إذ يمكن تنفيذه باسم السلطان التركي إذا رضي المرء بذلك وقد لا يكونون مستعدين لذلك، إلا إذا كان لهم مصلحة أو منفعة أيضاً. وهم يذكرون بالعرفان دائماً سلطانهم الكبير ولا يقولون شيئاً عنه وعن مملكته إلا بفخر وشجاعة وخاصة عندما يترقبون القوة العظمى والاعتبار وتوسيع المملكة عندها يشعرون هم أنفسهم بالمجد والافتخار. خلال سفرنا في مناطق الصحراء لم نستهلك كلانا كثيراً من الطعام لأن المدن والقرى تتباعد بعضها عن بعض إذ إن المرء لا يستطيع الوصول إلى حاجته اليومية بسرعة (كما هو الحال لدينا على نهر الدانوب والراين) ويمكنه الاستراحة بها حسب رغبته. وكان علينا أن نساعد أنفسنا ببعض الطعام مثل اللبن المكثف والجبن والفاكهة والعسل... إلخ وبعض الخبز. العسل جيد وبلون أبيض ونأخذ منه معنا في السفر مع القوافل وفي السفن وكذلك قناني جلدية ملأى نتركها بأوعية صغيرة (نأكلها مع الكعك اليابس) ونضع معها بعض قطع زبدة. إن هذا الطعام (الذي طالما تناولناه غالباً) ذكرني بيوحنا المعمدان السابق للسيد المسيح والذي أكل إلى جانب الأطعمة الأخرى في الصحراء العسل وكان ذلك يساعده. ولكننا أردنا شيئاً ساخناً وحياة أفضل. وأرسلنا بعض العمال (بعدما قام رئيسنا بتوظيفهم) لجلب الخشب وآخرين لحفر حفرة في الشاطئ لتستعمل كفرن لطبخ الطعام. وتناول بعضهم طعاماً من الرز والآخرون من الحبوب المطبوخة كما ذكر أعلاه وكل حسب حاجته. وإذا أرادوا أكل خبز طازج بدلاً من ذلك واحتاجوا إلى أكل الكعك اليابس كانوا يخلطون الماء والطحين ليصبح عجيناً ويعدونه على شكل كاتو بسماكة إصبع ويوضع على النار في الفرن ليسخن ويفرش الفحم كله على الرماد ويترك حتى ينضج. مثل هذه الطبخات كانت جيدة المذاق وطيبة للأكل، وبعض العرب كان لديهم في خيامهم صحون واسعة نحاسية أو من الحجر لصنع الكاتو. في اليوم الرابع وكان آخر شهر أيلول وصلنا ظهراً إلى آخر الجبل حيث يوجد خارجه وعلى جبل مرتفع قصر عظيم وحصين مبني على شكل مثلث يسميه الأهالي زلبية Seleby . رأسان من المثلث يصلان حتى النهر ويمتد الثالث في أعلى الجبل ويبدو بموقعه وكأنه بادن Baden في سويسرا، وعلى الرغم من أنه حالياً مهدم فإنه بسوره ومبانيه الضخمة في الأعلى وفي الطرف المقابل للجبل وعلى طول النهر محصن في اليابسة وقرب الماء والمرور من خلال الأبراج مسدود. كما يقوم في الخارج من الجهة التي يأتي منها القادمون من طرف الجبل بعض بيوت صغيرة أو أبراج صغيرة للحراسة يمكن أن يقدم في كل منها ثلاثة إلى أربعة جنود ويسكنها الآن الطيور والحيوانات البرية. ويشاهد أحياناً في النهر العديد من الطيور مثل مالك الحزين والبط بأحجام كبيرة وجميلة الألوان وأنواع أخرى بيض كلها (مثل بجع أرسطو ويسميه بعضهم أونوكروتالي Onocrotali ) وكبيرة مثل البجعات Schw?ne التي تذّكر بشكل خاص بالنبي القديس زفانيا Zephania في ذلك الفصل الذي وجهه وفرض فيه عقاباً على أهل نينوى والآشوريين والزنوج. كما شوهدت طيور سود برقاب طويلة تشبه ما وجدته فيما بعد في رحلتي إلى أرض الميعاد وخاصة قرب آكون Acon وكانت تجلس أفواجاً على صخور ونتوءات البحر وقد عرفها من بعد واعتبرتها نوعاً من نسور البحيرة Seeadlern التي تتغذى بالسمك أكثر من الحيوانات الأخرى. وعلى مسافة نصف ميل من الفرات يقع حصن آخر يدعى زلبية Subiam Seleby أسفل Seleby في أعلى شاطئ النهر لذلك لم نتمكن من تمييزها جيداً من الأسفل. من هذين الحصنين وكيفية حصارهما والاستيلاء عليهما وكذلك عن ملوك العرب وحكمهم وغناهم.. الخ. كنت أتمنى الحصول على معلومات أكثر لكن اللغة الغريبة التي لم أكن أجيدها عاقتني كثيراً. وإذا كان واقع الحال أنني أفهم نسبياً وأستطيع أن أستعلم عن شيء فلا يتم ذلك من دون خطر كبير كي لا أعدّ جاسوساً وأوقف (أسجن) مثل الغريب الذي يتعرض سريعاً إلى الشبهة كالأشخاص الذين يتاجرون ويتجولون يومياً عندهم ويكابدون مشقات وأضراراً كبيرة. وخارج الجبل في مقدمة النهر حيث نشاهد حقولاً مزروعة ومنازل للعرب أقام راعينا (معلمنا) Patron مساءً قرب قرية واقعة خلف مرتفع ليزودنا باللحم والبطيخ الهندي (الذي جلب منه إلينا الكثير على الشاطئ) لمتابعة سفرنا. وقد ظهر الآن أنه بينما كان أحد الجنود الأتراك في منتصف الليل ذاهباً إلى النهر لقضاء حاجته تسلل في الظلام أحد الزنوج واصطدم به من حيث لا يدري ووقع بماء النهر وهرب الزنجي. وعندما بدأ التركي يصرخ طالباً النجدة سمعته لأنني كنت في دور الحراسة الليلية وأردت أن لا أخذله فجعلته يمسك طرف سيفي لأساعده وجاء مكفهر الوجه مع صراخه القريب وسُحِب وجُلِب إلى السفينة. واستحقت بذلك الشكر الكبير والحظوة لدى الأتراك الآخرين بحيث عاملوني جيداً طوال السفر حتى بغداد Bagdad وكانوا طاقم بحارة يقصدونها. في الأول من اكتوبر (تشرين الأول) بعدما تابعت رحلتنا مسيرتها جاء منذ الصباح الباكر مجموعة من العرب مع ست خيول إلى الشاطئ ليسألونا عن مكان وجود ملكهم أو مكان لقائه وذلك لأنهم يحملون إليه رسالة من السلطان التركي لتسليمها له. لذلك كان عليهم أن يلحقوه طويلاً إلى أن يجدوه. أخبرهم معلمنا (سيدنا Patron) (كما أعلم جميع الاخرين الذين سألوا عنه) بأننا رأيناه في الجزيرة في مقاطعة Amanachar. وقد رحل الآن مع أتباعه عائداً إلى العربية Arabien حيث يجدونه هناك. إثر هذه الإجابة رحلوا وتابعنا نحن سفرنا ورأينا على يميننا عن بُعد مدينة تسمى سكر البريليج Seccar el Prellij وتقع على مرتفع في أملاك ملك العربية، لذلك قال بعض الأتراك إنه كان يسكن هناك "حرامي كبير" وما قيل أكثر بسبب الحسد ومن السادة الآخرين (مثل ملك العربية) الخاضعين لسلطانهم. هذه المدينة قادتنا حالاً إلى الدير Deer وهي مدينة أخرى يلزمنا قطع ثلاثة أميال من دون خطر للوصول إليها. وهم يحسبون (يقدّرون) أقسام الطريق أو طريق السفر بالأيام لا بالأميال كمسافات لأن مدنهم غالباً بعيدة الواحدة عن الأخرى بحيث يتطلب الانتقال من الواحدة إلى الأخرى السفر عدة أيام في الصحراء الكبرى. وقبل أن نصل كانت السفينة التي تسافر معنا أبعد إلى الأمام تشارك النهر في بضعة أذرع من المياه بعيدة عن الجهة المقابلة للمدينة عالقة في ضفة رملية. عندما رأى معلمنا أن السفينة متوقفة اقترب منها وأرسل رجاله للمساعدة. وبعد أن حصلت على فترة قليلة تأملت فيها قليلاً النباتات الغريبة وجدت هناك على الشاطئ بين أشجار وأخرى أشجار الطرفاء، التاماريسك Tamariskenb?ume وقربها على البعد مرعى غريباً يسميه السكان اليوم بالاسم العربي القديم: الجرب (الكرب Garb). وهذه الأشجار تنمو قليلاً في المرتفعات والأودية، وأغصانها الخارجية أقوى وأشد يبساً وهي، كما في مراعينا، يمكن أن تفيد للربط، قشرتها صفراء باهتة مثل أوراقها التي بعضها متطاول بعرض إصبعين وفي أطرافها انحناء مثل أوراق القطن بحيث إن الواحدة لا تماثل الأخرى. وقد وجدتها بسبب الجفاف منكمشةً نسبياً. ومن الأزهار والفواكه (التي يذكرها خاصة ابن سينا في الفصلين 326 و 686) لا أعرف شيئاً لأقوله لأنني لم أجد شيئاً لاحقاً لا أعرفه. وفي هذه الناحية وقبل عدة أيام ألحق التركي (الذي غادرنا في الرقة دون إيضاح هذه المناسبة) شرخاً بالسفينة وفقد جزءاً كبيراً من قمحها الذي أراد أخذه إلى بغداد Bagdad (المسماة بلدك Baldac ) ليبيعها هناك بثمن غالٍ. ويأتي الغلاء فيها غالباً من نقص المطر فقد مرت ثلاث سنوات ونصف السنة من دون مطر بالإضافة إلى أنه حسب أقوالهم كان المطر يهطل مرتين أو ثلاثاً في العام فتنمو كمية كافية من الذرة. وبعد أن عملت جماعتنا أكثر من ساعة مع الآخرين وعامت السفينة ثانية فوق الماء عادوا إلينا وغادرنا لنصل في المساء إلى الدير Deer . ولما صادفنا أمامنا بعض الصخور الصخرية تجعل السفر أمامنا خطراً جاءنا بعض عمال السفن من المدينة ليساعدونا في رؤية المجرى الصحيح للسير ويوصلونا بسرور وبسلام. مدينة الدير Deer ليست كبيرة وتتبع الأتراك وتقع على مرتفع فيه بيوت عديدة (بعضها مجمع بدا لنا حين وصولنا) وهو محاط بسور سيء وقبور. واعتقدنا أننا سنحل أمور الجمرك قريباً مع أرمين Armin لمتابعة السفر، لكنه لم يكن في البيت وكان علينا أن ننتظره ثلاثة أيام. خلال ذلك عقدنا علاقات معرفة مع السكان الذين كان بعضهم طويلاً وقوياً ولون بشرته أبيض ومؤدباً بتصرفاته كالآخرين. كانوا يأتون إلينا غالباً ليكلمونا بمودة فوجدنا بهم اختلافاً كبيراً عن الآخرين. وكذلك كان الأمر مع أرمين Armin الذي بعد عودته أكرمنا بصينية (صحفة) كبيرة ملأى باللحم والحلوى الطيبة ومزينة ببصل الصابون (نوع نبات) Seifenknolle (كما جرت العادة في بلادهم) وقد اتخذ مرافقوه بعض الأقواس المصنوعة بورق أبيض حملوها بسرور وبإعجاب وبدوا يضحكون (مثل الأولاد الصغار عندما يهدون شيئاً نادراً). كانت الناحية (المنطقة) خصبة نوعاً ما بالحبوب والذرة الهندية والقطن.. الخ وكان لديهم قرب النهر حدائق عشبية مع قليل من أعشاب الحديقة والفواكه مثل Caulifior كاوليفيور وسواها وخاصة Citrullis وقرع وخيار و angurien ويدعونه بطيخاً Batticcae وعندهم منه الكثير بحيث يمكن شراء 40 قطعة كبيرة نسبياً مقابل /1/ أسبرن Aspren أو /2/ كرويسر Kreuzer (الذي 3 منه تساوي 2 مدين Medin ). وهناك أشجار نخيل عالية وليمون Limonen وأشجار الليمون وأشجار أخرى لم أرها عن بعد لأتمكن من معرفتها. ت: المهندس عبد الله حجار كان أول بواعث اهتمامي بكتاب الدكتور راوفولف أو بهذه الملزمة من الكتاب هو، ما أسلفت القول، ما يحمله من تصحيح لمسلمات وقرت في ذهني من أن الرقة، بلدتي، كانت هجرت تماماً منذ آخر غزوات التتر لها في نهاية القرن الميلادي الرابع عشر، فأقفرت من كل ساكن وامتد خرابها وإقفارها حتى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. فها هو ذا طبيب ألماني يسجل لنا شهادته في ما رآه بعينه من أنه كان في المدينة، في عام 1575، حامية مؤلفة من ألف ومائتي جندي تركي، وأنه كان فيها حاكم سماه متصرفاً، وكان فيها مصلحة ضرائب ومكوس. هذا يعني أن المدينة كانت مسكونة بمواطنين وتدار بموظفين مختلفي المهمات والرتب. صحيح أنه يتحدث عن خرابها وأسبابه وعن أطلال مبانيها القديمة وتهدم سورها، ولكنه يورد ما يدل على أن هذا السور كانت له أبواب تغلق عند مرور قبائل البدو المحاربين، تخوفاً من اعتداءاتهم على البلد، وذلك ريثما تمر قوافلهم في اتجاهها من سهوب الجزيرة إلى بادية الشامية. قلت إن ذلك كان الباعث الأول لاهتمامي بكتاب الدكتور راوفولف. ولكني حين قرأت ترجمة الملزمة بكاملها وجدت أنها تحمل إلينا، أنا وكل مهتم بتاريخ بلاده، وبالتاريخ بصورة عامة، معلومات طريفة وجديدة عن حقبة من الزمن قلت معارفنا عنها، كما إني قدرت أن ما سجله الدكتور راوفولف في فصول كتابه الأخرى له قيمته العلمية الكبيرة وجدير بأن يلقى الضوء على أحوال بلادنا التي سماها المؤلف بلاد المشرق Morgenl?nder في الزمن الذي زارها فيه. لا سيما أن هذا الكتاب بعيد على ما يبدو عن أيدي المؤرخين المعاصرين، فظلت معلوماته محصورة في طبعته الأولى التي صدرت في عام 1582، بعد نحو من قرن من اختراع غوتنبرغ للطباعة، في حروف غوطية عسيرة على القراءة وبلغة جرمانية قديمة عسيرة على الفهم. ولا بد لي هنا من الوقوف عند سيرة حياة الدكتور راوفولف نفسه، كما بلغ إليها علمي، إنه طبيب وعالم نبات ورجل دين. ولد في ألمانيا عام 1540، في مدينة أوغسبرغ. وقد سافر إلى المشرق في عام 1574 في رحلة تولى تمويلها صديق له نبيل يحمل لقب "غراف". في هذه الرحلة أقام في حلب تسعة شهور، ثم تابع سفره عن طريق الفرات، كما جاء في ما قرأناه له، إلى بغداد ماراً بالرقة وعانة، متنكراً ومدعياً أنه رجل أعمال أرمني. وجاءه خبر وفاة صديقه ومموله فعاد إلى حلب عن طريق الموصل ثم الأناضول، ومن حلب قصد طرابلس الشام فأقام فيها ثلاث سنوات مارس خلالها طبه في هذه المدينة. حج إلى القدس ثم عاد إلى أوغسبورغ، وتطوع في الحرب المجرية التركية، ومات بالكوليرا على الحدود المجرية في عام 1596. وإلى عالم النبات هذا، الدكتور راوفولف، ينسب في علم النبات جنس الراوفولفيات Rauwvolfia، وهي أشجار يستخلص من جذور بعض فصائلها شبه القلوي المدعو ريزربين الذي استخدم، ولا يزال يستخدم، كخافض للضغط الشرياني وكمهدئ نفسي. وبهذا الوصف، وصف عالم النبات، نراه يقف عند النباتات التي يراها في رحلته ويسميها بأسمائها اللاتينية أو الألمانية. كما إنه، بوصفه رجل دين، نراه يعتمد في معلوماته التاريخية على قراءاته في التوراة في أسفارها المختلفة. وبعد هذا الذي نقلته وتحدثت به عن الكتاب وعن مؤلفه لا بد لي من الإقرار بأني طرقت في هذا مجالاً أنا قليل الطروق له في العادة فيما أكتبه. أعني به مجال الأبحاث التاريخية ومجال المصادر المهملة والمجهولة، وعرض هذه المصادر ثم التعليق عليها. إنه مجال عدتي فيه قليلة ومقاربتي له أقل. لذلك فإني لا أستغرب إذا اكتشف واحد من قرائي خطأ في أحكامي أو نقصاً في معلوماتي. عذري في هذا أن دافعي الأول فيما تصديت له هو، كما سبق وقلت، كان رغبتي في تصحيح أفكاري السابقة عن تاريخ بلدتي، إلى جانب الفضول الذي أعهده في نفسي والذي يجعلني أسعى إلى المعرفة في مظانها مهما قصرت أدواتي في محاولة بلوغها. وإذا كنت أحرزت شيئاً مما سعيت إليه فإني مدين في ذلك إلى الأصدقاء الذين مهدوا لي السبيل إلى بلوغه. أنا مدين في ذلك للسيدة كريستا صطاف، من فيرزبورغ، التي سعت وتوقفت في نقل محتوى الملزمة من لغة الشعوب الجرمانية في القرن السادس عشر إلى لغة ألمانية معاصرة. ومدين أيضاً للصديق المهندس عبد اللَّه الحجار الذي تولى ترجمة محتوى الملزمة في شكله الجديد إلى اللغة العربية. وقد قدرت كل التقدير جهده في ترجمة أقوال ليونهارت راوفولف، لأن القراء الألمان أنفسهم أقروا لي بعسر فهم تلك الأقوال حتى في صيغتها المعاصرة. يرجع ذلك إلى تباعد زمننا عن الزمن الذي كتبت فيه أصولها، وإلى تغير مصطلحاتها* بل إلى انقراض كثير منها من اللغة الألمانية المحكية اليوم. وأخيراً، بل أولاً وقبل كل شيء، أنا مدين للزميل والصديق الكريم الدكتور سعيد العزاوي الذي كان وراء كل هذا العمل بتعريفي بكتاب الدكتور راوفولف وإهدائي صورة هذه الملزمة منه. وعن فضل الزميل الدكتور العزاوي في تزويده إياي بالملزمة مصحوبة بترجمتها الأولية أضيف أنه وعدني بأن يضع تحت تصرفي كامل الكتاب في طبعته القديمة، طبعة عام 1582. إلا أنه ربط وعده الثمين هذا بشرط أخشى أن تحول ظروف حياتي المتقلبة من التزامه (به). لقد اشترط هذا الأخ الكريم لقاء ذلك أن أقبل دعوته لقضاء شهر كامل ضيفاً عليه في منزله العامر في مدينة دورتمند!... دعوة كريمة ومغرية. ولكن أين الوقت وأين إمكانية التحرر من المشاغل والمشكلات في هذه الأيام؟! وإلا فليس أحب إلى القلب من قبول هذه الدعوة ، ولا أحب للفكر من الحصول على كتاب الدكتور راوفولف كاملاً، لعلي أعهد به إلى من هو أقدر مني على إعداده للترجمة ثم للنشر. بعض الناس، على ما ورد في الحديث الشريف، يجرون إلى الجنة بالسلاسل، وأخشى أني أنا كاتب هذه السطور، في هذا الأمر، من أولئك الناس، أخشى ذلك وأتمناه في الوقت نفسه فلعل الأيام تعينني على قبول دعوة الدكتور سعيد، فأكسب الغبطة والسرور لنفسي، وأكسب لمعرفة تاريخ بعض بقاع وطننا صفحات كانت قبل اليوم مجهولة ومنسية. أما عن أسماء النباتات التي وردت في صفحات الملزمة فإنها تحتاج إلى دراسة خاصة ومقارنة. يثبت الدكتور راوفولف أحياناً أسماء عربية لبعض ما وقعت عليه عينه من أنواع النبات، مثل الشوك والغرب. ولكننا لم نعثر في المعجمات النباتية التي بين أيدينا على الأسماء الأخرى من لاتينية وألمانية مما أورده هو. ولا يستغرب هذا، فهذه المعجمات جد حديثة في تأليفها بالنسبة إلى الزمن الذي قام فيه الدكتور ليونهارت راوفولف برحلته. كل هذا يعني أن كتاب هذا الطبيب الألماني الرحالة، إذ قدّر له أن يترجم وينشر، محتاج في إصداره إلى تضافر اختصاصيين عدّة، بين مؤرخ وجغرافي وعالم نبات، ليصبح مقروءاً و مفهوماً، ولتتحقق الفائدة المرجوة منه، وهي فائدة لا نشك في كونها فائدة كبيرة الأهمية وعالية القيمة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |