مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:47 AM
فهرس العدد

من تاريخ الطب عند العرب: الطبيبان: "ابن رضوان" و "ابن بطلان" - د.شاكر مطلق

شخصية الطبيب المصري "ابن رضوان" -أبو الحسن علي- والطبيب البغدادي "ابن بطلان" -أبو الحسن المختار -من خلال ماوصل إلينا عنهما من كتابات الطبيب المعروف "ابن أبي أصيبعة" -موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة السعدي الخَزرجي -صاحب المؤلف الشهير "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، وهو من مواليد دمشق عام /600/هـ. وكان والده من أمهر الكحالين فيها. تلقى علوم الطب عن والده في شتى أمراض العيون، ثم سافر إلى القاهرة والتحق بالمارستان الناصري الذي أنشأه "الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي"، ثم عاد إلى بلاد الشام تلبية لدعوة من "عز الدين" وهو في صرخد " -وعز الدين هو الطبيب السويدي -نسبة إلى السويداء في جبل العرب- الذي عمل في دمشق عند الملك المعظّم ابن الملك العادل صلاح الدين الأيوبي في أربعة أماكن: البيمارستان النّوري الكبير، بيمارستان باب البريد، قلعة دمشق، وفي المدرسة الدّخوارية التي درّس فيها -ومكث فيها حتى وفاته في عام /668/هـ. وتنسب إلى مهذب الدين محمد بن عبد الرحمن.

ألّف موسوعته هذه التي احتوت على مايزيد على أربعمئة ترجمة لكبار الأطباء من إغريق ورومان وهنود وعرب ومسلمين وسريان وغير عرب وغير نصارى، ومن ظهر في بلاد المشرق والمغرب.. وكان قد ألّفه لأمين الدولة، وزير الملك الصالح، وقام المستشرق الألماني مولّر "Mueller" بنشره عام 1884م-1299هـ". نقلاً عن نسختين خطيتين عثَر عليهما في مصر، وقد صدر هذا الكتاب، لأول مرة، في مصر بطبعة حجرية عن المطبعة الوهبية (نقله عن النسخ الموجودة في بعض خزائن الكتب وصححه العبد الفقير إلى عون الله ورحمته امرؤ القيس بن الطحان)، ويقع في جزأين، ويوجد في مكتبتي الخاصة الجزء الثاني فقط من هذه الطبعة الأولى الحجرية ويقع في نحو 421 صفحة من القطع الكبير 16×24 سم.

لايتحدث "ابن أبي أصيبعة" في موسوعته (طبقات الأطباء) عن "أبي رضوان" مباشرة، وإنما من خلال حديثه عن الطبيب الآخر "ابن بطلان" -أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون بن بطلان المعروف أيضاً باسم "بوانيس" -يوحنا- وهو نصراني من أهل بغداد، تتلمذ على أبي الفرج عبد الله بن الطيب، ولازم أيضاً الحسن ثابت بن إبراهيم بن زهرون، الطبيب الحَرّاني. كان ابن بطلان معاصراً لابن رضوان -كبير أطباء مصر في زمن المستنصر بالله -لا الحاكم بأمر الله- وكانت بينهما مراسلات ومناظرات وشعر متبادل طريف.... الخ نشره المستشرق الألماني (ماكس مايرهوف) في رسائل خمس (بالإنكليزية) عام 1937م يتطرق فيها "ابن بطلان" بأسلوب دعابي، إلى سواد بشرة "ابن رضوان" وقُبح وجهه ويلقبه "بتمساح الجن" ويقول فيه:

فإمّا تَبدّى للقوابِل وجهُهُ

نَكَصْن على أعقابِهنَّ من النَّدمْ

وقُلْنَ وأخفَيْنَ الكلامَ تستُّراً

ألا ليتنا كُنَّا تركناهُ في الرَّحِمْ

وسافر "ابن بطلان" إلى مصر والتقى "غريمه" "ابن رضوان" هناك، ثم سافر إلى أنطاكية والقسطنطينية، وكان "ابن بطلان" أعذب ألفاظاً وأكثر ظرفاً وأميز في الأدب ومايتعلق به، ومما يدل على ذلك ماذكره في رسالته (دعوة الأطباء): "وكان ابن رضوان أطبّ وأعلم بالعلوم الحكمية ومايتعلق بها" -أهـ.

دخل "ابن بطلان" الفسطاطَ -إمبابةَ الآن- وهي أول مدن المسلمين في مصر بناها عمرو بن العاص سنة 639م. بين القاهرة ومصر العتيقة -، وأقام فيها ثلاث سنين إبّان دولة "المستنصر" بالله - 420-487هـ/1029-1094م. الخليفة الفاطمي الثامن الذي حكم ثمانية وخمسين عاماً.

ومن أطرف مايرويه لنا "ابن أبي أصيبعة" عن "ابن بطلان" ماتحدث به من سنة 446هـ. (فإن في تلك السنة دفن في كنيسة "لوقا"- بعد أن امتلأت جميع المدافن في القسطنطينة -أربعة عشر ألف نسمة في الخريف. فلما توسط الصيف في سنة سبع وأربعين لم يصرف النيل، فمات في "الفسطاط" والشام أكثر أهلها، وجميع الغرباء، إلاّ من شاء الله. وانتقل الوباء إلى العراق فأتى على أكثر أهله، واستولى عليه الخراب بطروق العساكر المتعادية، واتصل ذلك بها إلى سنة 454هـ.، وعرض للناس في أكثر البلاد قروح سوداوية وأورام للطحال...) أهـ. ولعله يتحدث عن الطاعون القاتل.

ويعزو "ابن بطلان" هذا الوباء إلى إنذار "بطليموس" القائل (الويل لأهل مصر إذا طلع أحد ذوات الذّوائب، وانجهم -أي أصبح كالح الوجه -في الجوزاء) ويؤكّد صحة مقولة "بطليموس" -النّبوئية- حول هذا الموضوع حين قال: (إن زحل والمريخ متى اقترنا في السرطان زلزل العالم).

ونقل "ابن أبي أصيبعة" من خط "ابن بطلان" ماذكره عن الأوباء العظيمة وفقدان العلماء في زمانه، إذ يورد أسماء لعدد من المشاهير الذين ماتوا خلال بضع عشرة سنة ومنهم الشيخ أبو الحسن البصري (؟) -الفقيه الحنفي القدوري (362-428هـ/972-1037م)- أقضى القضاة الماوَردي (991-1031م)- القاضي ابن الطيب الطبري (959-1058م)- وعالم البصريات والرياضيات والطبيعيات وفلسفة أرسطو. علي بن الهيثم (354-نحو 430هـ/ 965-1039م)- ومنهم الشاعر مهيار الدّيلَمي الذي توفي في بغداد عام (428هـ-1037م)- وأبو العلاء المعري (979-1058م) وقد عالجه "ابن بطلان" في مرضه الأخير، وغيرهم.

ألّف "ابن بطلان" العديد من الكتب العلمية والكنسية وعدداً من الرسائل في تدبير الأمراض (التي كانت تعالج قديماً بالأدوية الحارة إلى التدبير المبرّد، كالفالج واللَّقوة والاسترخاء وغيرها، ومخالفتهم في ذلك لمسطور القدماء في الكنانيش والأقرباذينات وتدرجهم في ذلك بالعراق وما والاها على استقبال سنة سبع وسبعين وثلاثمئة (377هـ) -إلى سنة خمس وخمسين وأربعمئة (455هـ...) -أهـ.

وكان "ابن بطلان" قد ألف هذه المقالة في أنطاكية سنة (455)هـ. حين أُهّل فيها لبناء البيمارستان، كما ألف في الطب كتاب (المدخل إلى الطب) للأمير نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان بخطه عام (؟).

-هناك لبس في التواريخ، كما أظن، ورد عند (ابن أبي أصيبعة). فهو يورد في "عيون الأنباء...." عن "ابن بطلان" وبخط يده مايلي:

(فرغت من نسخها أنا مصنفها بوانيس الطبيب المعروف بالمختار بن الحسن بن عبدون، بدير الملك المتنيح قسطنطين، بظاهر القسطيطينية في آخر أيلول من سنة خمس وستين وثلاثمئة وألف) ويتابع ابن أبي أصيبعة وكأنه أدرك اللبس هذا قائلاً: (هذا قوله ويكون ذلك بالتاريخ الإسلامي من سنة خمسين وأربعمئة) -أهـ.

وهذا التاريخ الهجري ينطبق على كل المعطيات وماذكره "ابن بطلان"، عن زمن الوباء وعلاقته بـ "ابن رضوان" ولكن اللّبس هذا، يمَسُّ التاريخ الميلادي فقط لا الهجري، ويظل قائماً سواء بالنسبة إلى التاريخ (الجولياني القديم المعمول به حتى القرن الخامس الميلادي- أو بالنسبة إلى التاريخ (الغريغوري) الحديث. ولعل هذا الخطأ حصل في أثناء النسخ، وينتفي بالمقارنة (بالتأريخ الاسكندراني).

وله كتاب يسمى (دعوة الأطباء) وكتاب (تقويم الصحة) ومقالات في شرب الدواء المسهل ودخول الغذاء إلى البدن وهضمه وخروج فضلاته وحول الأدوية المسهلة وتركيبها، ومقالة في (مداواة صبي عرضت له حصاة) وكتاب ديني بعنوان (كناش الأديرة) والكناش لفظة أرمنية معناها (المجموعة)، و(دعوة القسيس). وله أخيراً كتاب طريف في (شراء العبيد وتقليب المماليك والجواري).

والآن وبعد أن تحدثنا عن "ابن بطلان" صديق "ابن رضوان" -بلغة العصر- وعن بعض ما أعلمنا به "ابن أبي أصيبعة" في موسوعته المذكورة أعلاه، عن كتاباته وطرائفه مع "زميله"، ننتقل إلى الحديث قليلاً عن جانب من اهتمامات "ابن رضوان" الطبية وآرائه في تصنيف الأمراض وصفات الطبيب الحق.

الطبيب "ابن رضوان" -(376-460هـ/986-1067م).

يتحدث الطبيب "ابن رضوان" في كتابه (مقالة في شرف الطب)، عن الأمراض وأنواعها:

أولاً : المرض القابل للشفاء، وفيه يقوم الطبيب وعلمه وبراعته بالدور الأكبر.

ثانياً : المرض القتّال و يتوجب فيه على الطبيب أن يجيد التشخيص ويعطي الإنذار الصحيح، وربما استطاع الطبيب، عن طريق المداواة، إطالة عمر المريض.

ثالثاً : المرض الذي له في نظام الغذاء المناسب دور هام.

رابعاً : الدّاء الذي يتطلب العلاج فيه استعمال الأدوية اللطيفة. وقال القدماء إن أكثر الأدوية نفعاً هي المتوافرة والرخيصة.

ونذكّر هنا بمقولة الرازي العظيم (854-932م): (مايستطاع معالجته بالغذاء لايعالج بالدواء، ومايمكن علاجه بالدواء لايعالج بالجراحة).

وكذلك بمقولة الشيخ الرئيس (ابن سينا) -980-1037م -عن عدم جواز العلاج بالأدوية المركبة حيثما يمكن العلاج بالأدوية البسيطة، وهو أمر متفق عليه بين أطباء ذلك الزمان.

وقالوا أيضاً: (وكلّ داءٍ قُدِرَ على دفعه بالأغذية والحِمية لم يحاول دفعه بالأدوية). وقالوا: (ولاينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية فإنّ الدّواء إذا لم يجد في البدَن داءً يحلّله... تشبَّثَ بالصحة وعبث بها)

الطب النّبوي

وإذا أصاب المريض الضّررُ توجبّت المسؤولية. وفي الحديث الشريف (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن) وكذلك الطبيب المرخص المأذون له، يكون ضامناً في حالة وقوعه بخطأٍ (فنّي) -كما نقول اليوم-. وهناك شروط للضمانة قد تؤدي إلى إعفائه في حالات خاصة أو إلى تحمّل بيت مال المسلمين للضمان أو أن يدفع من ماله الخاص إن كان من أهل الذمة...

فالطبيب مطالَب بأن يكون عالماً بالمرض والمريض الذي يدوايه وبأحواله وعاداته أي بقصته المرضية) ليشخص داءه بدقة ويعطيه العلاج الصحيح اللازم.

ويقول الطبيب أبو الطيب الطبري (959-1058م).

(ولاينبغي لأحد أن يعجّل بالعلاج. ولا يقوم عليه إلاّ بعد التجربة ومعرفة الأدوية، لأن الدواء يصير في يد الجاهل كالسُّم الزعاف.. وربما كان السم بحكمة الحكيم وحسن تقديره مثل ماء الحياة...) -فردوس الحكمة في الطب ص558-560. اهـ.

وفي هذا السياق نجد الطبيب الفقيه الحنبلي "ابن قيّم الجوزية" صاحب "الطب النبوي" يضع عشرين شرطاً ليكون الطبيب طبيباً حاذقاً ومنها (الشرط الثاني عشر):

(النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المريض).

ويقول أيضاً: (الرابع عشر):

على الطبيب (أن يعالج بالأسهل فالأسهل.... فمن سعادة الطبيب، علاجه بالأغذية بدل الأدوية وبالأدوية البسيطة بدل المركّبة).

وفي الشرط الخامس عشر يقول للطبيب:

(أن ينظر في العلّة -هل هي مايمكن علاجه أو لا؟ فإن لم يمكن علاجها حَفِظَ صناعتَه وحرمتَه، ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئاً. وإن أمكن علاجها نظر: هل يمكن زوالها أو لا؟..)

ويختم "ابن قيّم الجوزية" شروطه بالشروط العشرين قائلاً:

(.... أن يجعل علاجه وتدبيره دائماً على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة وردّ الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلّة أو تقليلها بحسب الإمكان واحتمال أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج.

وكل طبيب لاتكون هذه آخيته التي يرجع إليها فليس بطبيب....

ولما كان للمرض أربعة أحوال:

ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط، تعيّن على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرضى بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في كل حال مايجب استعماله فيها.

-الطب النبوي-.

ولقد فهم بعض كبار الأطباء القدامى، في أماكن مختلفة من العالم القديم الطب وقايةً وحفظاً للصحة. فالأطباء في الصين، مثلاً، كانوا يتقاضون أجورهم ما دام الشخص الذي يشرفون على صحته معافى من المرض، ويتوقف هذا الأجر في حالة مرض الشخص. وهذا مانجده أيضاً -على سبيل المثال- عند "محمد بن زكريا الرازي" حيث يقول: (الطب حفظ الصحة وحرمة العلة...).

كما نجده فيما رواه "عبد الله بن جبرائيل" من آل بخت -يشوع (بختيشوع) عبد يسوع -(460هـ-1106م)، ويعطي "الزّركلي" في (الأعلام ج4) تاريخاً آخر هو (453هـ) -عاصر ابن بطلان وصادقه- خبراً طريفاً يحدثنا فيه عن ذهاب الطبيب المعروف "أبو الحسن الجَرّاني" -وكان شيخاً مسناً، برفقة الطبيب ثابت بن سنان وكان أصغر منه سناً- للقاء "عضد الدولة" -من ملوك الدّيْلم في القرن العاشر- عند دخوله بغداد، حيث سأل هذا:

(من هؤلاء؟ قالوا: الأطباء، قال: نحن في عافية ومابنا حاجة إليهم... فقال (سنان): أطال الله بقاء مولانا الملك، موضوع صناعتنا حفظ الصحة، لا مداواة الأمراض والملك أحوج الناس إليه. فقال (عضد الدولة) صدقت.

وقرر لهما الجاري السني وصارا ينوبان مع أطبائه) اهـ. عيون الأنباء ص308-.

وقد اهتم "ابن رضوان" كثيراً بالناحية الأدبية -المسلكية لمهنة الطب -وهو مايعرف اليوم باسم (آداب المهنة)- فخّصها بدراسات ومؤلفات عديدة نجد فيها مرجعية استوعبت الموروث الإغريقي (أبقراط) وأضافت إليها إسهامات هامة. وأهم ماورد عنده في صفات الطبيب الفاضل:

1-أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء وحسن الذكاء، جيد الرؤية، عاقلاً ذكوراً، خيّر الطبع.

2-أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثياب.

3-أن يكون كتوماً لأسرار المرضى لايبوح بشيء من أمراضهم.

4-أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء.

5-أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس.

6-أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة، لايخطر بباله من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعداء فضلاً عن أن يتعرض إلى شيء منها.

7-أن يكون مأموناً، ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصف دواء قتّالاً ولايعلمه ولا دواء يسقط الأجنة، يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حببيه (عيون الأنباء...).

ثم قال: (المعلم لصناعة الطب هو الذي اجتمعت فيه هذه الخصال بعد استكماله صناعة الطب والمتعلم هو الذي فراسته تدل على أنه ذو طبع خيّر، ونفس زكية وأن يكون حريصاً على التعليم، ذكياً ذكوراً لما قد تعلمه).

وقال أيضاً: (البدن السليم من العيوب هو البدن الصحيح الذي كل واحد من أعضائه باق على فضيلته، أعني أن يكون يفعل فعله الخاص على ماينبغي)أهـ.

وكان "ابن رضوان" منسجماً في حياته وعمله مع هذه القوانين الأخلاقية التي يطالب الطبيب بأن يتميز بها ويطبقها، وكتب في (شرف الطب وأدب الطبيب) وهو يعلمنا في سيرته بكيفية تعلّمه الطب وفي ذلك يقول:

(إنه لما كان ينبغي لكل إنسان أن يتخير أليق الصنائع وأوفقها له، وكانت صناعة الطب تتاخم الفلسفة -طاعة الله عز وجل، وكانت دلالات النجوم في مولدي تدل على أن صناعتي الطب (!!)، وكان العيش عندي بالفضيلة ألذ من كل عيش، أخذت تعلم صناعة الطب وأنا ابن خمس عشرة سنة)_ عيون الأنباء ص561-.

من هذه الشهادة الذاتية نرى كيف كان الشاب "ابن رضوان" ينظر بقدسيّةٍ إلى صناعة الطب، حتى ليخال نفسه -وهو الذي عمل في صناعة التنجيم أيضاً- مختاراً أو منذوراً ليدخل عالم الفضيلة، عالم الطب ويروي "ابن رضوان" سيرته في تعلم هذه الصناعة النبيلة ويقول:

(..... أخذت في تعلم صناعة الطب والفلسفة، ولم يكن لي ما أنفق منه فلذلك عرض لي مشقة في التعلم وصعوبة، فكنت مرة أتكسب بصناعة القضايا وبالنجوم ومرّة بالتعليم إلى السنة الثانية والثلاثين، فإنني اشتهرت فيها بالطب...) عيون الأنباء ص561-.

وهذا ماينقله إلينا أيضاً "القِفطي"- عاش في أواسط القرن السابع الهجري- في كتابه "أخبار الحكماء" حيث ترجم لـ "ابن رضوان" فيقول:

(وكان في أول أمره منجماً يقعد على الطريق ويرتزق بطريق التحقيق على عادة المنجمين، ثم قرأ شيئاً من الطب وشيئاً من المنطق)- تاريخ الحكماء ص443-444-.

وقد كتب "ابن رضوان": (النافع في تعليم الطب) ضمّنه خبرته وقدم نصائحه العملية للطبيب ولطالب الصنعة، وكيفية التعامل مع المريض إن كان من الخاصة أو العامة، كما قدّم وصفاً للامتحان الذي يجب أن يطبّق لاختيار الطبيب وضرورة فحص الجسم عضواً عضواً.. ومن سيرته الذاتية يحدثنا عن نفسه وفلسفته المهنية ويقول:

(.... أتصرف كل يوم في صناعتي بمقدار ما يغني.... وأجتهد في حال تصرفي في التواضع والمداراة، وغياث الملهوف وكشف كربة المكروب وإسعاف المحتاج، وأجعل قصدي في كل ذلك الالتذاذ بالأفعال، والانفعالات الجميلة... وألزم الصمت وكف اللسان عن معايب الناس... ولا أتسلفِ إلى أن أضطر ذلك. وإن طلب مني أحد سلَفاً وهبته منه ولم أرد منه عوضاً، ومابقي من يومي بعد فراغي من رياضتي صرفته في عبادة الله سبحانه... وأتدبر مقالة أرسطاطاليس في التدبير... الخ).

هذا الموقف العلمي الدقيق والنبيل في تعامل الطبيب مع المريض وواجباته المعرفية والمسلكية، لايقتصر على هذا الطبيب الحكيم أو ذاك فحسب، وإنما كان الروح السائد والغالب على الصنعة والذي تراقبه أيضاً الجهات الرسمية، ومن واجبات المحتسب، حسب نظام الحسبة الذي يرمي إلى مراقبة الغش وقمعه، ومراقبة أصحاب الصنائع والحرف ويقتصر عمل المحتسب بما يتعلق بالغش والتدليس -الشيزري: (نهاية الرتبة في طلب الحسبة)-.

وهو يدل بالتأكيد على المستوى الرفيع الذي وصلت إليه صنعة الطب في عصر ازدهار الأمة والذي هو جزء من سطوع شمس الحضارة على أكبر دولة امتدت مساحتها أوسع من أية امبراطورية عرفها التاريخ، والتي تحدثت عنها الدكتورة "سيغريد هونكِه" في كتابها المترجم خطأ بـ (شمس العرب تسطع على الغرب) والذي عنوانه الصحيح هو:

(شمس اللّه فوق الغرب) فتأمل!

n مراجع البحث:

أهم المراجع الأجنبية (الألمانية خاصة):

1- (أطباء العين العرب) للعالم الشهير يوليوس هيرشبيرغ (J.Hirschberg) بمساعدة لبيرت (J.Lippert) وميتفوخ (E.Mittwoch) صدر في لايبزغ -ألمانيا (Leipzig) عام 1094م.

2-(الطب في الإسلام) المستشرق الألماني م أولمان (M.Ullmann) -وهو إهداء شخصي إلي بخط المؤلف- ويشكل القسم الأول من المجلد المتمّم السادس للفصل الأول حول الطب في الشرق الأدنى والأوسط، وذلك ضمن (موسوعة الشرق) التي أصدرها قديماً (ب شبولر- B.Spueler)، وصدرت هذه النسخة من الكتاب في ليدن وكولن (كولونيا) عام 1970م.

3- الكتاب المترجم المعروف تحت عنوان (شمس العرب تسطع على الغرب) وهو في الأصل (شمس الله تسطع على الغرب) للباحثة د.سيغرد هونكه (Dr. S.Hunke) صدرت الترجمة العربية عن دار الآفاق الجديدة بيروت -الطبعة السادسة 1981. ونقلها فاروق بيضون وكمال دسوقي.

4-كتاب خمس رسائل لابن بطلان نشره (ماكس مايرهوف) M.Meyerhof وشاخت (Schacht) عن المناظرات الطبية -الفلسفية بين ابن بطلان وابن رضوان -صدر بالإنكليزية) في القاهرة عام 1937م.

أهم المراجع العربية:

1-(عيون الأنباء في طبقات الأطباء) -تأليف ابن أبي أصيبعة، شرح وتحقيق د.نزار رضا. من منشورات دار مكتبة الحياة بيروت -1965م.

2- الجزء الثاني من الكتاب أعلاه نقله أمرؤ القيس بن الطحان وصدر عن المطبعة الوهبية الطبعة الأولى عام 1299هـ= 1883م في طبعة حجرية (وهو موجود في مكتبتي).

3- (الطبيب العربي علي بن رضوان) -د.سلمان قطاية- المؤسسة العربية للدراسات والنشر -بيروت الطبعة الأولى -عام 1983م.

4-(تاريخ العلوم في الإسلام) تأليف أنور الرفاعي، دار الفكر -لبنان 1393هـ= 1973م.

5-(العلوم عند العرب) تأليف محمد إبراهيم الصبحي- صدر عن مكتبة النهضة مصر ومطبعتها -من دون تاريخ الأصدار-.

6-(الطب عند العرب)- حنيفة الخطيب- الأهلية للنشر والتوزيع بيروت (1986)م.

7-(الموجز في تاريخ العلوم عند العرب) تأليف د.محمد عبد الرحمن رحبا -دار الكتاب اللبناني بيروت- الطبعة الثالثة (1981)م.

8-(تاريخ مختصر الدول)- تأليف غريغوريوس الملطي المعروف بابن العبري- بيروت (1958)م.

9-(تاريخ الحكماء)- جمال الدين القفطي -لايبزغ/ ألمانيا (1903)م.

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244