مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:48 AM
فهرس العدد

كتاب الحفاية بتوضيح الكفاية للبيتوشي -عرض وتعريف(1) ____ الدكتور محسن إسماعيل محمد - طه صالح أمين آغا

لم تكن ذاكرة الزمن في القرن الثاني عشر من الهجرة ومطلع القرن الثالث عشر تزخر بذاك الكم الهائل من العلماء الذي حفظته لنا تلك الذاكرة في أيام عزّها في القرنين الثالث والرابع من الهجرة.

وكان من أبرز وألمع العلماء الذين سجلوا حضوراً واسعاً في ساحة العلم والمعرفة آنذاك، وخطوا بأقلامهم مكانة لا تنسى في ذاكرة الزمن: البيتوشي ت1211هـ)، ذلك العالم الذي خدم لغة القرآن بمؤلفات خالدة ما بقي للعلم محب.

واليوم أقدّم تعريفاً بأهم كتبه ألا وهو كتاب: الحفاية بتوضيح الكفاية، وهو كتاب -كما سترى عزيزي القارئ- يدور حول حروف المعاني، وهو موضوع لا تخفى أهميته في الدرس اللغوي قديماً وحديثاً.

ومن اللّه التوفيق.

اسم الكتاب:

شرح البيتوشي منظومته كفاية المعاني في حروف المعاني) شرحا مبسوطاً مفصلاً، وسماه الحفاية بتوضيح الكفاية)، ونصّ على هذا الاسم في خطبة الكتاب بقوله: "... ولما ثقفته بأنامل التقويم، وختمته بخاتم التتميم وصار حبلاً من مسد في جيد كل حسد سميته الحفاية بتوضيح الكفاية) ومن اللّه استمد البداية...(1) .

وأكد في شرحه الثاني صرف العناية) الشرح الأول واسمه: الحفاية بتوضيح الكفاية) وذلك بنقل خطبة الحفاية) بتمامها إلى صرف العناية)(2) .

معنى الحفاية):

وردت الحفاية) في المعجمات بمعنى: المبالغة في العناية بأمر، وكثرة السؤال عن حاله.

جاء في مختار الصحاح): "حفي" -بالكسر- حفوة) وحفية) وحفاية) بكسر الحاء في الكل. وحفي) به -بالكسر- حفاوة) بفتح الحاء، فهو حفي) أي بالغ في إكرامه والطافه والعناية بأمره(3) .

وفي اللسان): حفي) بالرجل حفاوة) وحفاوة)، وحفاية) وتحفى) به واحتفى): بالغ في اكرامه. وحفي) به حفاية): فهو حاف)، وتحفى) واحتفى): لطف به وأظهر السرور به، وأكثر السؤال عن حاله(3) .

قال الفرّاء: ويقال: فلان بي حفي)، إذا كان معنيّا.

وقال الجوهري: الحفيّ): العالم الذي يتعلم الشيء باستقصاء والحفي): المستقصي في السؤال"(4) .

دواعي تأليفه:

نص البيتوشي في تمهيد الحفاية) على أن منظومته الكفاية) نالت إعجاب الأدباء وفضلاء عصره، ووقعت في قلوبهم موقع الطلّ من أقاحي الربا، فطلب منه بعض الفضلاء أن يضع عليها شرحاً يبين فيه موادها، ويوضح مفادها، ويصرح بما لمح إليه من شواهدها.

قال البيتوشي: ".. طلب مني بعض فضلاء العصر، الهاصرين أغصان الفضل أي هصر، أن أضع عليها شرحاً.. فبادرت لما رأيت من وجوب طاعته، وحرمة مدافعته إلى وضع عجالة تكفلت بأداء ما أمر.."(5) .

زمن تأليفه:

ألّف البيتوشي منظومته الكفاية) سنة 1191هـ، ووضح شرحها الحفاية) في السنة نفسها، في الإحساء)، كما صرّح به في نهاية الحفاية) بقوله:"... تمت بإعانة اللّه هذه العجالة.. أول يوم من شعبان سنة ألف ومائة واحدى وتسعين في الإحساء) المحروسة مع تشتت الحال واشتغال البال"(6) .

منهج الكتاب

بنى البيتوشي كتابه الحفاية) على: تمهيد، وخطبة، ومقدمة في حد الحرف، وخمسة أبواب هي مواد الكتاب، ثم الخاتمة، وسنعرض فيما يأتي الكلام على ذلك كلّه بالتفصيل.

التمهيد:

أثنى البيتوشي في التمهيد على منظومة الكفاية) لما نالت من قبول الأدباء والعلماء وفضلاء عصره واستحسانهم، لأنها كما يقول: ".. سلكت في إنشاء أمثالها من الأفكار مهامه لم تدمثها الخطا، ومن الابتكار صحاصح ما اهتدت إليها القطا،، ورضت فيها من المعاني جيادا تجمح بذوى صهواتها.. مع ما أسست عليه قواعدها من السهل الممتنع، والسلاسة التي تدعو إلى حفظها كل مستمع.."(7) .

وأبان في التمهيد أن الإعجاب بها دفع بعض فضلاء عصره إلى أن يطلب منه وضع شرح عليها، فبادر البيتوشي بهذا الشرح إلى تلبية طلبهم.

ثم عرض فيه لمنهجه وطريقته في الشرح: ".. أبين فيه مرادها، وأوضح مفادها، وأرشد الطالبين إلى اقتناص شواردها، وأصرح بما لمحت إليه من شواهدها، وأوشح معاطفه بذكر أقسام أهملتها، وقيود أغفلتها.. تضمنت استطرادات تطرد تعب السهر عن مآقي أهل السمر، إلى نكات عربية، وأحاج نحوية، وعزوت غالب الأقوال إلى قائليها توخياً لثقة متناوليها.

وأوردت في شرح كثير من الأمثال بعد إيضاح ما فيه من الأشكال، وإعراب ما يخفى وجهه على الأطفال، أشعاراً، فيها اشعار بمطابقة مقتضى الحال، ليكون نسج الشرح والمتن على المنوال"(8) .

خطبة الكتاب:

وفيها تناول شرح أبيات خطبة المنظومة) التي تبلغ (43) بيتاً، وقد أسلفنا فيه القول، وهنا في الشرح استطرد المؤلف في بيان نوع من الترجمة الذاتية.

مقدمة الكتاب:

وفي المقدمة بحث حدّ الحرف، وأورد أقوال العلماء فيه، مع الرد على من أنكر ضرورة حد الحرف.

ويذكر في المقدمة أنه عقد للحروف خمسة أبواب على ترتيب أوضاعها، أي: الأحادي، فالثنائي.. إلى الخماسي(9) ..

أبوابه:

الباب الأول: في الأحادي(10) : وهو أربعة عشر حرفاً، جمعها في قولهم سألتموني بكشفها..) أوردها على ترتيبها في الهجاء: "أ، ب، ت... هـ، و، لا، ي" ويضم ثلاثة عشر مبحثاً، لأنه جمع السين والشين في مبحث واحد، وخاتمة عرض فيها لعلامات البناء.

الباب الثاني: في الثنائي: قال: "وهو ضربان: ضرب متفق عليه، وضرب مختلف فيه، والجميع ثلاثة وثلاثون حرفاً.. واكتفيت عن ذكر هي، وهم) ضميري فصل استقلالا بما ذكرته مما يشملهما وغيرهما من ضمائر الفصل في هو)"(11) . وقد أوردها على ترتيب حروف المعجم، مراعياً الحرف الثاني في ذلك.

ثم ختم الباب بخاتمتين، قال في الأولى: ذكرت هنا خاتمة تتعلق بالأحاديات والثنائيات، نقلتها من أدب الكاتب لابن قتيبة، تنطوي على فوائد مجموعة، وهي تختص بدخول من) على الحروف(12) وعرض في الثانية: دخول الباء) على الكاف)، ودخول حرفي على) والكاف) على حرف الكاف(13) .

الباب الثالث: في الحرف الثلاثي: قال: "ضربان: متفق عليه، ومختلف فيه، ولم أذكر نحن) وهما) وهنّ)، لما ذكرته في هو) ضمير الفصل."(14) . ذكر فيه ثلاثة وثلاثين حرفاً عدا ضمائر الفصل.

الباب الرابع: في الحرف الرباعي: قال: "وهو نوعان: متفق عليه ومختلف فيه، وجملته: عشرون حرفاً، ولم أذكر منها أنتم) الواقع ضمير فصل في نحو: إنكم أنتم الظالمون)(15) ، لما ذكرته في: هو) فراجع(16) .

ويضم الباب تسعة عشر مبحثاً، وخاتمة، وفي الخاتمة: قال: "هذه خاتمة للحروف الأحادية والثنائية والثلاثية والرباعية، في ما جاء منها: حرفاً، وفعلاً، واسما. وتتبعت ذلك فوجدت منه عشرين حرفاً، ذكرها السيوطي أوائل الفن الثاني من كتابه الأشباه والنظائر) إلاّ الهاء)(17) .

الباب الخامس: في الخماسي: قال: "وهو أربعة أحرف، واحد متفق على حرفيته وهو: لكن)، وثلاثة مختلف فيها، منها: أنتما)، وأنتن)، ولم أذكرهما لما ذكرته في هو) والثالث: الذي)(18) . ولهذا جاء الباب على مبحثين مبحث الذي) ومبحث لكن).

ويختتم (19) البيتوشي كتابه هذا بشرح أبيات خاتمة منظومته، ويبين فيها زمن تأليف هذا الشرح، وقد أسلفنا فيه القول.

ويرجو في الختام ممن يقع على هفوة أن يستره، ويسلك سبيل الإنصاف، ويسمح فيها بالتعويل على حسن التأويل، مستشفعاً بأحاديث نبوية في هذا الباب كقوله - صلى الله عليه وسلم-: إن من يتبع عورة امرئ يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)(20) .

وعلى الرغم من رجائه هذا، لمن يتبع عيوبه في هذا الكتاب، فنحن ماضون في بيان ما يبدو لنا من المآخذ والهنات والأخطاء لأنه من صميم عمل المحقق عند تقديم أثر من الآثار المخطوطة إلى الدارسين.

بعد العرض المجمل للأركان الأساسية التي بنيت عليها الحفاية) نأتي إلى بيان أبرز السمات التي توضح منهجه:

1-إن كل باب من الأبواب الخمسة يشتمل على مباحث، لكل حرف مبحث، يتكلم فيه البيتوشي على الحرف، يبين أقسامه، ومعانيه، ويذكر الخلاف في ذلك. وشدّ عن هذا ضمائر الفصل: هي، هم، نحن، هما، هنّ، أنتم، انتما، أنتنّ) فقد جمع كلها في الضمير هو) فجعله مبحثاً لتلك الضمائر جميعها. وقد أشار إلى إهماله تلك الضمائر في أبوابها، وأحال جميعها إلى مبحث هو) في الثنائي. وقد جمع السين والشين في مبحث واحد.

وأدخل في كل مبحث عناوين باسم تنبيه) أو فائدة) أو لطيفة) أو تتمة) أو خاتمة)، يذكر فيها معلومات متنوعة حول الموضوع، وقد يخرج عنه إلى موضوعات استطرادية، وقد يلي التنبيه الأول) تنبيه ثان) وثالث)، أو تنبيه استطرادي). وقد تأتي فائدة استطرادية) بعد فائدة)(21) .

2-اتبع الترتيب الهجائي في ذكر الحروف، أي على ترتيب حروف المعجم في الكتاب كله، وإنه وإن اعتمد على الجنى النائي إلاّ أنه قدّم متى) على منذ) بخلاف المرادي الذي قدّم منذ) على متى) مخالفاً ترتيب المعجم.

3-ذكر آراء العلماء، وناقش طائفة كبيرة منها، وحكم عليها بالترجيح والرد، كما رسم منهجه في مقدمة المنظومة، بترجيح رأي على رأي، ومخالفة رأي من الآراء(22) ، واصطنع أسلوب الجدل والحوار، وطريقة السؤال والجواب، يتصور أسئلة تطرح عليه، فيجيب عنها بأسلوبه: فإن قلت...) أو فإن قيل..)، ويرد عليها بقوله: قلت...) أو أجيب..) أو فالجواب..).

4-أشار إلى الكتب التي استقى منها آراء العلماء من النحاة واللغويين والبلاغيين وغيرهم مثل: الكتاب لسيبويه 180هـ)، والمقتضب للمبرد 186هـ) ورصف المباني للمالقي 502هـ)، وشواهد التوضيح والتسهيل لابن مالك 672هـ) سأذكر فيما بعد في مصادر الكتاب) في موضعه من هذه الدراسة جميع الكتب التي اعتمد عليها.

5-وقد يذكر آراء العلماء دون كتبهم، لأنه قد يأخذ آراءهم من غير كتبهم وقد يأخذ من كتبهم دون ذكرها لما للشهرة أو للاختصار، وربما استعمل عبارات عامة مثل: قال البصريون، والكوفيون، والمحققون، والمغاربة، وقوم من النحويين، وقوم، والجمهور، وبعض، أو بعضهم، وآخرون.

6-ذكر آراء عدد من العلماء لم يبلغوا درجة الشهرة منهم: أبو جعفر ابن زبير، ابن عجلون في شرح الشيبانية، ابن أبي العافية، أبو جعفر بن صابر من أهل المغرب، ابن أبي ربيع، جمال السرمري،وغيرهم(23) .

7-اتخذ نقله لآراء العلماء عدة أساليب منها: نقل نصا، أو تلخيصا، أو ما حاصله، أو بقوله: أخذا من عبارة..، مثال ذلك تلخيصه لقول ابن هشام بقوله: انتهى ملخصا)(24) ، أو ما حاصله) قال: "قال ابن هشام ما حاصله: "إنك إذا وقفت على الفسعل الماضي بالسكون، فالفتحة فيه مقدرة حتى لو وصل بعده لوصل بها(25) .

هذا تعبير البيتوشي عمّا فهمه من إنكار ابن هشام على من يخرج على الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة، ويترك الوجه القريب القوى(26) .

8-ويختم نقولاته من كتب الآخرين غالباً بقوله: انتهى).

9-استعان البيتوشي بنظمه في شرحه، لتلخيص معاني الحروف، أو جمع لغات مفردة من المفردات، أو عرض موضوع من الموضوعات، ليسهل حفظه وتذكره.

منها: تذييله لبيتين من نظم غيره في جموع القلة وفيه يختار مذهب الكوفيين:

وأثبتن غرفا) فيهنّ مع حجج

لأهل كوفة لابصريهم تفد(27) .

ومنظومة ما يكتسب الاسم بالإضافة(28) ، وبيت نظم فيه لغات الاسم(29) ومنظومة ما ليس له تعلق من أحرف الجر(30) ومنظومة في الأجوبة الثمانية جواب) الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والعرض والتحضيض والتمني والنفي والإشارة إلى الخلاف في الترجي(31) ، منظومة صيغ العموم أربعين صيغة)(32) ، منظومة ما جاء مؤنثه على فعلانة(33) ، منظومة أنواع النسب(34) أبيات من منظومة الكافي في العروض والقوافي(35) واستعان بمنظومات لغيره، كمنظومات المرادى وجمال السرمدى(36) .

10-ربط موضوعات الحفاية بعضها ببعض ربطا محكما عن طريق إشارته إلى ما مرّ وما سلف وما سيأتي وما هو آت من المباحث، ولا سيما في الموضوعات التي تتكرر دائماً، مثال ذلك: وصاح) مرخم صاحبي) وقد مرّ شذوذه(37) . وفي اسمية اذ ما) خلاف مرّ في إذ) وفي مهما) كلام سيجيء(38) . وأن) زائدة لوقوعها بعد لما) كما مرّ(39) ، وأن المصدرية) وسيجئ أنها قد تعمل(40) .

11-قد يخرج عن معاني الحروف إلى الاهتمام بمسائل نحوية ولغوية قليلة الورود في العربية، أو آراء نادرة للعلماء، يذكرها لإفادة المستزيد من الناشئة في النحو واللغة، مثال ذلك: ما أورده لتوجيه بعض من أقواله: قولي ما ناب عن همز) يجوز أن يكون مصدراً من "همزت الكلمة" إذا أتيت فيها بالهمزة وأن يكون مرخم همزة، وهو وإن لم يكن موضع الترخيم، إلاّ أنه ورد في أشعارهم على قلّة، قال امرؤ القيس:

وعمرو بن نرماء الهمام إذا غدا

بصارية يمشي كمشية قسورا

فحذف الهاء من قسورة)(41) .

وفي إيراده أمّل) بالتشديد في منظومته، يقول: وقولي أمّلا) بالتشديد وبالتخفيف بمعنى، ولا التفات إلى انكار أبي نزار لـ أمّل) مخففاً وإن لقب لجلالته بملك النحاة، فقد صرح به أجلة من علماء العربية وغيرهم قديماً وحديثاً منهم الخليل والجوهري وصاحب القاموس(42) . وفي باب الياء، يقول: يعد) بمعنى ظنّ، ويورد في ذلك قول ابن مالك "وهوماً أغفله أكثر النحويين"(43) .

12-عيّن مواقع النصوص في المصادر التي استقى منها ليعين القارئ على العودة إليها بيسر وسهولة، فهو مرة يذكر موضوع النص في بابه، أو يقول: وهو في أول الكتاب أو في أواخره، مثال ذلك: وذكر ابن هشام في "المغني" في آخر الباب السابع) منه ما هو صريح...(44) وقال: في أواخر المغني.. وكثيراً ما ينقل عن "الأشباه والنظائر" مع تعيين النص في الفن المأخوذ منه، مثلاً: في فن الألغاز والأحاجي، أو في "التبر الذائب في الأفراد والغرائب.." وغيرها.

13-عند ذكر مصادره لم يراع القدم والترتيب الزمني اللائق بالبحث العلمي، فهو يذكر ابن هشام قبل المرادى في أكثر الأحوال(45) ، وقد يقدم المرادى على ابن هشام(46) . وكذلك المصادر الأخرى.

14-جوّز لنفسه الاقتباس من القرآن الكريم في المعنى الخاص والعام بقوله: "وقولي وإنْ كُلاًّ لمّا)(47) - بكسران- اقتباس من القرآن الكريم، وذلك جائز كما هو مقرر في محله، وفيه الاكتفاء.. (48) .

فالاقتباس من القرآن الكريم مكروه عند عدد من العلماء، منهم الباقلاني، قال: "إن تضمين القرآن في الشعر مكروه"، وأئمة البيان جوّزوه، وجعلوه من أنواع البديع، وسمّاه القدماء تضميناً، والمتأخرون اقتباساً(49) .

وأذهب أنا إلى تحريمه إذا اقتبست الآية لغير معناها الذي أنزلت له، كما في اقتباسه لآية هاؤم اقْرَأوا كِتابِيَهْ)(50) ، ويعد هذا تحريفاً للكلم عن مواضعه والعياذ بالله، وهو تنزيل كلام اللّه منزلة لا يليق بها(51) .

15-تضمن ترجمة ذاتية) للبيتوشي، بخلاف تصانيفه الأخر، ولا سيما في التمهيد وخطبة الكتاب وخاتمته، ويعد هذا من السمات التي تميز أسلوب البيتوشي من غيره.

ستجد نتفا من ترجمته الذاتية مبثوثة في تضاعيف هذا الكتاب، وتجد شكواه من جور الزمان وحدثان الدهر، ومن الفقر والفاقة، وكلها ترجمة لنفسيته، ومثال ذلك: يقول في المنظومة:

"تصفعني الأيام صفعا صفعا

صفعا يفيض الدّمع شفعا شفعا

ولم يكن ذنبي إلاّ أدبي

لا عاش إلاّ عيشتي مؤدبي"

وفي الشرح يقول: لا عاش مؤدبي عيشة من العيشات إلاّ عيشة مثل عيشتي وذلك لأن تأديبه هو الذي أبرز قذالي للصفاع، فكأن الجزّار قال على لساني لما طلع على شأني:

والأرض قد ثقلت عليها وطأتي

إذ عمّها الادبار والإقبال

حّتام أمسحها فلولا أن لي

عينين قالْ الناس ذا دجال

ولقد رمى القاضي عبد الوهاب عن قوس حالي، وأصاب، لما قال يشكو تشتت الحال:

أطال بين الديار ترحالي

قصور حالي وطول آمالي

كأنني فكرة الموسوس ما

تبقى مدى لحظة على حال

ثم يقول بعد عودة الوعي والفهم الصحيح إليه من بعد طول الشكوى وتذمر من الدهر وتقلباته: وقد كنت قدْما أقضي العجب من شغف الدهر بتقديم الجهال الأراذل، وتأخير أهل الكمال الأفاضل، مثلما قال القائل:...

ولم أقف على سرّ تلك القضية.. إلى أن عثرت على سبب ذلك عثوراً لا عثرة يطلب منها الإقالة في قول من قال:..

فصرت كأني انشطت من عقال، أو شفيت من داء عضال، وأنشدت قول من قال:

رضينا قسمة الرزاق فينا

لنا علم وللجهال مال ‏

فان المال يفنى عن قريب

وإن العلم باق لا يزال(52)

وفي أبيات رائعة يدعو فيها البيتوشي على نفسه، مصوراً نفسيته في مرحلة المراهقة: "وقلت في أيام التصابي وغلوا" شبابي:

ليَ عين أزاحني اللّه منها

وفؤاد عدمته من فؤاد

تلك تغري بي الوشاة وهذا

في مطاوي الحشا كجمر الرّماد(53)

وقال في موضع آخر: "وقد غنّى كثير في هذا الوادي، مع تباين مراده ومرادى"(54) ، وقال في منظومته:

"بما جَنَتْ عيني كبدي احترقت

ومن خطيئات جَنَتْها أغرقت)

أي احترقت كبدي بسبب الذي جنته عيني من النظر إلى الوجوه الحسان، وأَغرقت فيَ بحر الدموع ومن خطيئات جنتها..، وقلت:

يا مولعا بهوى الأوتار والنّغمِ

وهائما بجباه الغيد واللّممِِ

مسرّة تنتج الأحزان عن كثبَ

لا خير في شبع يفضي إلى التخم"(55)

وقد أودع في قصيدته في وصف بيتوشي) ترجمة ذاتية) ذكر فيها أن بيتوش هي مسقط رأسه، وفيها ترعرع، وصوّر حياته فيها، ومعاناته، وطموحاته، وآماله في أصعب ساعاتها في ديار الغربة(56) .

في هذا الكتاب تجد ملامح بارزة من حياة البيتوشي وشخصيته ونفسيته وعلمه وثقافته لا تجدها في آثاره الأخرى، عدا صرف العناية) الذي هو مختصر لـ الحفاية).

16-ولع البيتوشي بالأحاجي والألغاز النحوية واللغوية والمعنوية، لذا نرى شرحه هذا قد امتلأ بألغازه والغاز غيره كالزمخشري والسخاوى وشرحه، وما أورده السيوطي في الأشباه والنظائر.

ولا يقصد من إيرادها شيئاً سوى تحقيق أهداف علمية أو نفسية لإمتاع قارئه وإغرائه بالاستمرار في متابعة مباحث كتابه، وتكون زاداً للطلاب في أسمارهم ومجالسهم.

ومثال ذلك: من ألغازه النثرية، قال البيتوشي: وفي نحو لا أبالك) على القول بأن اللام) هي الجارة لا المضاف، ألغزت بقولي: "ما اسم مضاف كما قد يعزى إلى سيبويه، وليس يعمل في ما عدا مضافاً إليه، أجب فلا زلت تهدى من في ضلال وتيه.."(57) ومن ألغازه الشعرية:

إنا هجرنا فيك طعم الكرى

هل ان ترى في حالنا في المنام(58)

يا اماما على علا

ه أو لو الفضل أجمعوا

أي حرف من الحرو

ف يثنى ويجمع(59) .

17-ترجم البيتوشي لجمع من أفذاذ علماء العربية، ليكون القارئ على علم بأقطاب النحو العربي وأعلامه الذين صنعوا النحو بعبقريتهم الفذة. وهو الأهم: سيبويه ت180هـ)، النضر بن شميل ت204هـ)، قطرب ت206هـ)، الفراء ت207هـ)، الأخفش ت211هـ أو 225هـ)، أبو عمرو الجرمي ت 225هـ)، الزجاج ت 311هـ)، أبو جعفر النحاس ت338هـ)، الفارسي ت377هـ)، ابن جني ت392هـ)، ابن بابشاذ ت469هـ)، ابن السّيد الطليوسي ت521هـ)، الزمخشري ت538هـ)، ابن مالك ت672هـ)(60) .

18-ولم يترك أسماء القبائل دون ترجمة أو تعليق، انظر مثلاً: وخزاعة: حي من الأزد سمّوا بذلك لتخزعهم، أي انقطاعهم عن قومهم وإقامتهم بمكة(61) . وسليم: وهو كزبير: أبو قبيلة من قيس عيلان بالمهملة، وأبو قبيلة من جذام(62) . ستصادف خلال النص أسماء قبائل عربية، علّق عليها البيتوشي تعليقات متنوعة.

19-أتى بألفاظ مساعدة على زنة الأسماء والمفردات التي يوردها ليجنب القارئ الوقوع في خطأ قراءتها، ومثال ذلك كثير، منها: عمرو بن قميئة كسفينة)، وخزاعة كفلانة)(63) .

20-ولا يذكر علما من الأعلام الاّ ويؤكد على صحة قراءته، وذلك بضبط الكلمة عن طريق الكتابة لا التشكيل، مثال ذلك: البطليوسي: بفتح الموحدة والمهملة، والمثناة التحتية بين واو ولام ساكنتين وبمهملة بعدها ياء النسبة وابن برهان: -بفتح الموحدة-(64) وغيرهم.

21-تطرق إلى ذكر كل صغيرة وكبيرة خارجة عن حروف المعاني، ولا يتركها دون تعليق أو تعقيب، إتماماً للفائدة، وتوضيحاً للمتعلمين لأن غرضه تعليمي بحت، لذا نراه يولي التذكير والتأنيث) اهتماماً بالغاً في الكتاب كلّه، وله منظومة في المؤنثات السماعية) ارجع إليها إن شئت ضمن مؤلفاته في هذه الدراسة.

-نراه يعلل تأنيثه لفعل مسند إلى اسم مذكر كـ سليم)، بقوله: "وذهبت في تأنيثه إلى القبيلة، ويورد شواهد شعرية على ذلك زيادة في البيان"(65) .

-وفي تفسير "النوى" في قول الشاعر:

......................

أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا

يقول: "النوى: الوجه الذي ينوبه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير، قاله الشّمني في حاشية المغني تبعاً لما في الصحاح، ولم يتعرض في القاموس للتأنيث(66) .

-وقد استطرد في تذكير وتأنيث ألاّ) في منظومته:

ألاّ) بتشديد وفتح مهمل

وحرف تحضيض وليس يدخل

وليس منها الحق ألا تعلوا

عليّ وأتوني فإنّي أهل"

إلى معالجة التذكير والتأنيث بشواهد من آى الذكر الحكيم، والأحاديث، والأشعار، ما ينبئ عن حرصه في بيان كل ما هو مجد في تقديمه للقارئ وللناشئة في هذا الفن، وجاء بـ تنبيه) لبيانه ومعالجته خير معالجة: قال فيه: "وقولي: ألاّ) بتشديد وفتح مهمل": بتذكير ضمير ألاّ) ذهاب إلى إرادة الحرف). وقولي فيما بعد: وليس منها الحق: بالتأنيث ذهاب إلى إرادة الكلمة) ومثل هذا كثير في كتب المتقدمين والمتأخرين ونظير ذلك...(67) .

راجع التنبيه) تجد ما يشفي الغليل في هذا الموضوع، وأورد منظومة في "ما جاءت من المؤنثات على فعلانة)(68) .

22-عني البيتوشي بالحدود البلاغية والعروضية واصطلاحاتها. وامتلاء كتابه بها، كالجناس اللاحق والجناس المضارع، والاستعارة، ومراعاة النظير، وبراعة الاستهلال، والتذييل والإيطاء في العروض، ولزوم ما لا يلزم.

مثال ذلك: قال: "وبين أخشى) وأعشى): الجناس المضارع): وهو أن يختلف اللفظان بحرف واحد مع تقارب المخرج.."(69) . وقد أورد مذاهب العلماء في تفسير الاستعارة بالكناية بصورة مفصلة(70) .

وفي العروض حدّ التذييل) وشرحه على نهجه شرحاً وافياً(71) . ويذكر الايطاء) من تعريفه في ثمانية أبيات من منظومته الطويلة في العروض والقوافي الكافي في علمي العروض والقوافي..)(72) .

23-يهتم بالمسائل اللغوية، فكان لها نصيب وافر في هذا الكتاب، فما من مفردة في بيت من أبيات منظومته أو في شواهده تحتاج إلى نوع من التفسير أو الشرح إلاّ فسّرها وشرحها وعزز قوله بشواهد وأمثلة. مثال ذلك: تعرضه لذكر مثلثات الأسماء ولغات المفردات:

-نظمة لغات الاسم) الواردة في العربية في بيت واحد:

اسم، سمّ، سما مثلثات

سماه السّمات منقولات(74) .

-ذكره في اللغات الواردة في المفردات، يقول مثلاً: المزحلقة -بالقاف والفاء- (74) .

-إيراده آراء العلماء في جواز أمّل) بالتشديد والتخفيف، يقول: "وقولي أمّلا) بالتشديد وبالتخفيف بمعنى، ولا التفات إلى إنكار أبي نزار لـ أمل) مخففاً وإن لقب لجلالته بملك النحاة، فقد صرّح به أجلّة من علماء اللغة وغيرهم قديماً وحديثاً، منهم الخليل بن أحمد، والجوهري، وصاحب القاموس.. وقال بعض المعمرين:

والمرء يأمل أن يعيش

وطول عيش قد يضرّه

وجاء مأمول) في بانت سعاد). وقال المعري وهو من علماء العربية:

ومن العجائب أن يسيّر آمل

مدحا ولم يعلم بها المأمول(75)

-ويولي المعاني المتعددة الصيغ اهتماماً، كما في تفريقه بين معنى صيغتي رقبته) وراقبته) قال: "رقبته": انتظرته، وأما راقبته): فهو بمعنى: حرسته(76) .

-حظي غريب اللغة بنوع من العناية، من خلال إيراده منظومتين له، نظم في إحداهما أنواع صيغ العموم والتي بلغت أربعين صيغة)، قال: "وقد كنت نظمت صيغ العموم كلها أو جلّها في أبيات أحببت أن أوردها هنا لتميز بها بين التنصيص على العموم وتوكيد العموم:

تقول ما بالدّار تؤمرى

وابن، ظفر، وتدمرى

ذبّي، الكرّاب، والدّورى

طؤرى، الحدرج، والطورى(77)

والثانية في أنواع النسب، من حيث الهجنة والأصالة، مع شرح كل نوع، وقد جاء بالمنظومة هذه بسبب ورود اسم من الأسماء الدالة على نوع من النسب في شاهد من شواهده، فأورد أنواع النسب مع شرح كل نوع ثم نظمها كلها في ثلاثة أبيات، مثال ذلك: "يقال: رجل مذرع- بالذّال المعجمة والراء المشددة المفتوحة- لمن أمّه أشرف من أبيه، كأنه سمي بالرقمتين في ذراع البغل، لأنهما أتتاه من ناحية الحمار.. الخ ويقول في المنظومة:

محيوس، المذرع، العنبقي

نزيع، المقرّف، والفلنقي(78)

-الإشارة إلى ما تحتمله المفردات من المعاني، ومثال ذلك: الزعم): استعماله للحق والباطل، قال: "والزّعم) مثلث الفاء- مصدر زعم، إذا قال قولا محتملاً للحق والباطل، وغلب استعماله في الباطل، كقوله تعالى هذا للّه بزعمهم)(79) ومن استعماله في الحق قول أبي طالب يخاطب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم:

ودعوتني وزعمت أنّك صادق

ولقد صدقت، وكنت ثمّ أمينا(80)

-عني بما هو شاذ من المصادر، بقوله: "قولي في التبيان) أي في الكلام، وهو مصدر جاء بكسر التاء شاذا، ويفتح، ولا نظير له في المصادر غير التلقاء) كما في القاموس، إلاّ أنه جعل التلقاء) اسم مصدر، ومنهم من ثلث، فعد التنضال) مصدر ناضله: إذا رماه بالسهام(81) .

-قد يذكر عند تفسير مفردة وشرحها، مجموعة من العبارات الواردة في بابها، وكل ذلك لتزويد الناشئة بذخيرة وافية من التعابير الفصيحة لكل معنى، ومثال ذلك قوله:

"وأشرق) من شرق) -كعلم- شرقاً- محركة-: إذا غصّ بالماء، يقال شرق بالماء، وغصّ بالطعام، وجرض بالريق، وشجي بالعظم، وباب الكل واحد"(82) .

وقوله:

"يا منجدا): منجدا: من أنجد) إذا أتى نجدا، أو خرج إليه كـ أتْهم)، وأغرق)، وأيمن) وأشأم) وأغار)(83) .

-اهتم بالفروق اللغوية بين المفردات، وقد أبدع في خاتمة الكتاب عندما رجح استعمال مفردة على أخرى، لأنها مطابقة لمعناها الحقيقي ولمقتضى الحال، وهو ترجيح لفظ التمام) على الكمال)، ويدل على براعة الختام، قوله: "ولا يخفى ما في لفظ تمت) من براعة الختام، ومثله في ذلك: الكمال) والختام) والاتمام)، وكل ما يؤدي مؤداها، وفرقوا بين التمام) والكمال)، فقيل: الاتمام) لإزالة نقصان الأصل، والاكمال) لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل. فلا يقال لآخر الكتاب مثلاً: هذا كمال الشيء عبارة عن جميع أجزائه، بل يقال: هذا تمام الكتاب)"(84) .

24-أسلوب شرحه:

إن مادة كتاب الحفاية) في حروف المعاني، ولكن المؤلف استطرد من هذا الميدان إلى الكلام على بعض الموضوعات استطرادا، والاستطراد شائع في كتب العرب: أدبها، وتأريخها، ولغاتها، وغيرها، وهو مما تعاب به هذه التآليف في مناهجها، لأنه مِن وضع الشيء في غير موضعه، إلاّ أن البيتوشي له عذر في ذلك، بأنه ألفّه لأطفال الفن، فجاء بكل ما يفيدهم من خلال شرح
مفردات منظومته.

وقد يكون الاستطراد عند مسألة بعينها، فيخرج عنها لمناسبة عارضة إلى مسألة أخرى، يمعن في شرحها، ويستمر فيه إلى أن ينسى موضوعه الأصلي، ثم يعود إليه بعد ذلك مستدركاً، ولا يخلو كلامه حيث كان من فوائد وتوجيهات، ولا بد من القول فيه، خشية أن يكون في كلامه شيء من اللبس أو الغموض وإن كان كلامه فيه عرضياً، لا أصلياً.

وقد يربك القارئ في أول وهلة، ولكن سرعان ما يتعود طريقته الممتعة التي لا تترك القارئ يمل مباحثه المطولة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: وهو يعرب كلمة الأثافي) في بيت من المنظومة، ثم يأتي بثلاثة شواهد من الأبيات الشعرية لتعزيز قاعدة نحوية، ثم يذكر تتمة ما يتعلق بـ الأثافي) من حيث المعنى فيفصل ثم يورد شاهدا من ثلاثة أبيات (85) . وخروجه المفاجئ من موضوعات حروف المعاني إلى إيراد شواهد معنوية لتوضيح معنى ورد كما في إدرار الدّموع فيأتي بشاهدين لامرئ القيس والمتنبي على ذلك(86) .

هذه هي طريقته لا يترك شيئاً يستعصي على القارئ إلاّ ويعالجه ويشبعه شرحاً معززاً بالشواهد القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، والأبيات الشعرية والألغاز النحوية له ولغيره.

-ومع أن كتاب الحفاية يعد من أطول شروحه لمنظومته الكفاية) إلاّ أنه يصف مباحثه بـ العجالة)، قال: "اعلم أن الكلام على تحقيق أقسام اللاّم يؤدي إلى أطناب لا يليق بهذه العجالة(87) . وفي الفاء العاطفة) كلام طويل لا يليق بهذه العجالة(88) . وإلاّ) للاستثناء، وهذا هو معناها المشهور، وكتب النحاة متكفلة بتوضيح أقسامها وأحكامها، فلا تطيل هذه العجالة ببسط ذلك(89) .

-ترك المؤلف بعض معاني الحروف لأنه كما يقول: قد تكفلت بها كتب النحاة، ولا أخص بالذكر إلاّ ما هو محل الخلاف".

هذا ما قاله في معاني النون)، فترك المعاني الثلاثة الأولى، نون التوكيد، والتنوين بأقسامه، ونون الوقاية، ولكن خصّ نون الإناث) بالذكر لكونها محل الخلاف(90) . أو يتركها لشهرتها، كما أهمل معنى المجاورْة لـ عن) لشهرتها، و"هو أشهر معانيها، ولذا لم أذكره في النظم"(91) .

-لقد فسّر البيتوشي ووجّه أعراب جلّ أبيات المنظومة، وبعض ما استشهد هوبه، أو غيره من النحاة، كما عرض لتفسير كل ما مثل به، ويلاحظ أنه يذكر فيما عرض لإعرابه كل الأوجه المحتملة فيه، وينبه على الصائب منها، وبذلك يعد كتابه هذا تطبيقات في أوجه الإعراب لتعليم الناشئة، ولا سيّما في تكراره تلك الأعاريب غالباً إلى نهاية المطاف، وهذا الأسلوب خير الأساليب التي يتبعها المدرسون لتمكين المادة العلمية في نفوس التلاميذ، مثال ذلك اعرابه بيت المنظومة:

.................

إن نفعت ذكرى الفتى

ذكرى: اسم للتذكير، وألفه للتأنيث: فاعل نفعت، والفتى: يحتمل أن يكون فاعلا) للذكرى، وأن يكون مفعولا لها(92) .

وقال في إعراب: ... يا قلب...): : وقلب): إما مبنى على الضم بناء يا جبال أوبي(93) ، أو بناء يا غلام -بالضم- في يا غلامي، وقرئ به قل رب احكم)(94) ، وربّ السّجن أحبّ إليّ)(95) ، وأما مبني على الفتح) كما قالوا: يا غلام، في يا غلاما، أصله: يا غلامي، وإما على الكسر) والأصل: يا قلبي(96) .

-لم يلتزم بترتيب معين لذكر أمثلته وشرحها، فهو مرة يأتي بالأمثلة ثم يشرحها، ومرة يشرحها وفيما بعد يذكر الأمثلة، وكثيراً ما يشير إلى ذلك، فمثلاً يقول: "تقدم مضمون هذه الأبيات في الشرح مفصلاً فراجع"(97) ، وفي قوله: "ذكر شرح هذين البيتين في أول أقسام لولا)).

-وفي شرح وتفسير المفردات قد يبدأ بمفردات البيت الثاني قبل البيت الأول ثم فيما بعد يعود إلى مفردات البيت الأول، كما في كلمة ما أحراه) في البيت الثاني، وعدى) في البيت الأول(99) .

-وقد يتحدث في مبحث حرف عن حرف آخر قبل أن يأتي مبحثها، فإذا جاء مبحثها لا يتحدث عنها إلاّ قليلاً، ويحيل القارئ إلى موضع شرحها سالفاً، كما في وى): "والمعروف فيما أسلفناه، في وا) من أنها اسم فعل بمعنى أعجب)(100) .

-تمعقه في شرح الأبيات، وبيان مقاصدها، كما يتجلى في قوله في تفسير البيتين الآتيين:

علّ صروف الدّهر أود ولاتها

يدلننا اللّمّة من لمّاتها

"وفي نفسي من تحقيق معنى البيتين شيء، ولم أعثر على من أوفاهما حقهما"101).

-التكرار سمة من سمات أسلوبه في الشرح، وهو من أنجح أساليب المدرسين، لقد كرر أعاريب كثيرة على طول الكتاب، وكرر لغات القبائل، كتكرار لغة خزاعة في كسر اللام من المضمر، ولغة ربيعة في الوقف على المنصوب بالسكون. وكرر ضبط اسم ابن السيّد البطليوسي102)، ولا غير في كل ما كرره وأعاده لأنه كما يقول في منظومته وفي منهج هذا الكتاب إنه ألفه لأطفال الفن، وكل ما يؤلف لهم أسلوبه يتغير عمّا ألفناه من كتب النحو عامة.

-عند تعداده لأقسام حرف من الحروف، قد لا يجمع جميع الأقسام في موضع واحد، ولا يرقم كل الأقسام بل يرقم القسم الأخير، كما فعله في أقسام ما) الاسمية واكتفى بشرح غير المشهور كعادته، كـ النكرة غير الموصوفة، والمعرفة التامة) دون المشهورات، مثل: الموصولة والشرطية والاستفهامية، وأشار خلال ذلك إلى قسم شرحه آنفاً، وفيما بعد دون ترقيم الأقسام الستة يقول: والسابع) من أقسام ما) الاسمية هو ...) وهذا ما يؤخذ عليه في أسلوب شرحه لأنه لو اتبع الترقيم وجمع الأقسام في موضع واحد كان أفضل وأوضح.

-الإطناب في شرح معنى لفظة واحدة ترد في المنظومة أو في مثال أو شاهد كلفظة حل) 103)، والاستطراد من إعراب لفظة إلى أحكام جمعها، والتفصيل فيه كما في لفظة الأماني): أماني) منصوب بـ رميت)، وألفه للاطلاق، وهو جمع أمنية لما يتمناه الإنسان كالأحاجي والأحجية، وياؤه في الأصل مشددة، لكن قد تخفف هنا كما قالوا: ريّا الخلاخل) في الخلاخيل، وبالتخفيف قرأ غير الجمهور، جمع على أفاعل، ولم يعتد بمد المفرد، قال أبو حاتم: كل ما جاء من هذا النحو مما واحده مشدد، فلك فيه التشديد والتخفيف، بل قال النحاس: الحذف في المعتل أكثر"104).

شواهد الكتاب

وشّح البيتوشي كتابه بآيات من الذكر الحكيم، وفقرات من الحديث النبوي الشريف، وأقوال الصحابة، وبالجيد الرائع من الشعر القديم، وأقوال العرب، لتكون شواهد تدعم رأيه وتؤيده وتدخل المتعة والرغبة إلى نفوس قرائه.

القرآن الكريم:

لقد حظيت آي الذكر الحكيم بنصيب وافر من الاستشهاد، بلغ عددها في الحفاية) 830) آية قرآنية كريمة.

استشهد البيتوشي بآي الذكر الحكيم لمعاني الحروف، وأعمالها، واهمالها.. فيأتي كثيراً ما بموضع الشاهد من الآيات لأجل الإيجاز والاختصار، وقد يوردها بتمامها. وقد سها في ضم آيات متشابهة بعضها إلى بعض من غير قصد، ونسي أحرف العطف من صدر الآيات، وقد أثبتّ نصوصها كما هي في المصحف الكريم، وأشرت إلى مواضع السهو وما هو جدير بالإشارة، وسيجد القارئ الكريم تلك في الحاشية.

كان البيتوشي عالماً بالقراءات القرآنية، كما ذكرت ذلك في ثقافته)، لذلك امتلأ كتابه هذا بوجوه القراءات لكثير من القراء.

وقد لا يعزو القراءات إلى أصحابها، مثال ذلك: "زيادة الباء في اسم ليس. كقراءة بعضهم ليس البر بأن تولّوا..)150)"، وفي موضع آخر151) يذكر إجازة ابن مالك أن تكون الكاف ومخفوضها مجازاً ومضافاً إليه، على اضمار مبتدأ كما في قراءة بعضهم على الذي أحسن)152)، أي برفع أحسن)153).

وربما يعول على قراءات غريبة وشاذة لم أقف عليها في كتب شواذ القراءات ولا في غيرها.

الحديث النبوي الشريف:

استدل البيتوشي بالأحاديث النبوية الشريفة بعد القرآن الكريم في دعم آرائه النحوية، وفي معاني الحروف وتعزيز ما ذهب إليه، سواء ما أورده هو وما نقله من آراء النحاة السابقين.

لقد بلغت الأحاديث) التي استشهد بها في مواضع الكتاب أكثر من (100) حديث، وقد أعجب بابن مالك في الاستشهاد بالحديث، ولهذا نقل كثيراً من كتابه: شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح.

الشعر:

عزز البيتوشي آراءه ودعمها بالشواهد الشعرية الفصيحة والرائعة، فاورد في كتابه هذا ما يزيد على 930) تسعمائة وثلاثين بيتاً من الشعر والرجز، و142) مائة واثنين وأربعين من أنصاف الأبيات، و(84) أربعة وثمانين بيتاً من أشعاره، من بين منظومة وأبيات شعرية.

وقد استشهد في دعم الآراء النحوية ومعاني الحروف بشعر الشعراء الأقدمين الجاهليين والإسلاميين الذين يوثق بعربيتهم، أما غيرهم كالمتنبي والمعري وآخرين بعدهم، فقد استشهد بشعرهم استئناسا لا لدعم قاعدة، أو استشهاداً لتوضيح معاني المفردات أو للتذوق الأدبي.

وغالباً يعزو الأبيات إلى قائليها كما ذكره في منهجه وطريقته في التمهيد كما أسلفنا، ويعزو إنشادها إلى النحاة، مثل: أنشد سيبويه.. وأنشد الفّراء.. وأنشد الكسائي..

فشواهده هي شواهد النحاة واللغويين الذين سبقوه، والذين نقل عنهم من البصريين والكوفيين وغيرهم.

ولم تكن الشواهد التي أوردها لدعم آراء نحوية فحسب، بل أورد الكثير منها في توضيح معنى من معاني مفردات منظومته أو في شرح الصور المجازية التي تضمنتها.

الأمثال وأقوال العرب:

وقد أورد في الحفاية) ما يزيد على (12) اثني عشر مثلاً وقولاً من أمثال وأقوال العرب في دعم الآراء والمعاني التي أتى بها في المنظومة وشرحها.

موقفه من البصريين والكوفيين:

للبيتوشي آراء كثيرة منها ما وافق البصريين، ومنها ما وافق الكوفيين، ومنها ما وصل إليه باجتهاده وبصيرته، وقد عكف على آراء البصريين والكوفيين والمتأخرين، فانتخب من الآراء البصرية، ومن الآراء الكوفية والثالثة من المتأخرين، ويبدو جليا ميله الظاهر إلى البصريين في ما رجحه وصوّبه وما انتصر له. وهو في كل هذا اختط لنفسه منهجاً قائماً على الانتخاب والاختيار كغيره من النحاة المتأخرين.

q

n هوامش البحث:

1-الحفاية ق 2 أ.

2-انظر: صرف العناية، ص4

3-مختار الصحاح حفا)

4-اللسان حفا)

5-الحفاية ق 2 أ

6-نفسه ق 382 ب

7-نفسه ق 1 ب

8-نفسه ق 2 أ

9-نفسه ق 29 ب

10-نفسه ق 130 أ

11-نفسه ق 107 ب

12-نفسه ق 237 أ

13-نفسه

14-نفسه ق 241 أ

15-الأنبياء 51: 65

16-الخفاية ق 303

17-في الأشباه والنظائر 2/6 يقول السيوطي: إنها: ثمانية عشر) حرفاً في حين يذكر لنا عشرين) حرفاً، ومن ضمنها الهاء) التي استثناها البيتوشي من مجموعة السيوطي سهواً منه.

18-الحفاية ق2 371 أ

19-نفسه ق 382 ب

20- نفسه ق 382 ب

21- انظر: الحفاية: على سبيل المثال ق 9 ب، ق42 أ، ق46 أ، 79ب، 80أ، 17 ب، 101ب، 115ب، 116أ، 247أ.

22- الكفاية، ص5، الحفاية 25ب

23- الحفاية: ق38أ، 46أ، 134أ، 142أ، 297أ، 371أ

24- نفسه ق 127 ب

25- نفسه ق 140أ

26- انظر: المغني 710

27- الحفاية ق10أ

28- نفسه ق 44أ

29- نفسه ق 45 ب

30- نفسه ق 55 ب

31- نفسه ق 94 أ

32- نفسه ق 214 ب

33- الحفاية ق236 ب

34- نفسه ق247

35- نفسه ق 368 ب

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244