مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:48 AM
فهرس العدد
 

رأي في المسألة التراثية ___ د.محمد أحمد النابلسي1))

إن التراث هو القيمة المرجعية الأساسية للأمة. لذلك تعمل الأمم المستحدثة بصورة هجينة على اصطناع ومحاولة خلق تقاليد تشكل لها ماضياً يمكن مقارنته بالتراث. لذلك تشغل المسألة التراثية الأمم كافة بما فيها تلك التي تفتقر لما يمكنه أن يستوفي شروط مايسمى بالتراث. خصوصاً أن الاهتمام بالتراث يتجاوز أبناء الأمة كافة إلى غيرهم. فالسياح لاتكتمل زيارتهم لبلدٍ ما إذا هم لم يزوروا متاحفه ومعالمه الأثرية والتاريخية، حتى باتت متاحف بعض البلدان تلجأ إلى الاستعارة وعروض الإعارة والسرقة والاستيلاء ووضع اليد بل واصطناع المتاحف. على سبيل المثال فإن زوار المتحف القومي الأميركي ينقلون دهشتهم لعدم احتواء هذا المتحف على مايمكن تسميته بالآثار أو بالتراث. حتى إن مدخل المتحف يحتوي على مكتب بريد من طراز مجمعات رعاة البقر لما يمض عليه سوى بضعة عقود.‏

المسألة التراثية هي هاجس إذاً، وهي هاجس إنساني لايهم فقط الأمة صاحبة التراث بل يهم الإنسان عموماً الذي يعيش ثمار تراكمية المعارف في التراث الإنساني بحضارته المتعاقبة المختلفة. وتراثنا العربي هو جزء من أهم أجزاء هذا التراث الإنساني. لذلك تعرض هذا التراث للسرقة على عدة أصعدة. فقد ترجمت بعض مؤلفاته لينتحل مترجموها صفة المؤلفين، كما مارس الاستشراق صنوفاً عديدة من السلب الثقافي لهذا التراث. أما السرقة المباشرة فمثالها ما أورده محمد كرد علي في كتابه "خطط الشام" إذ يقول: من المصائب التي أصيبت بها كتب الشام، أن بعض دول أوروبا ومنها فرنسا وبريطانيا وهولندا وروسيا، أخذت تجمع منذ القرن السابع عشر كتباً من تراثنا تبتاعها من الشام بواسطة وكلائها وقناصلها والأساقفة والمبشرين من رجال الدين. وكان قومنا ولاسيما من اتسموا بشعار الدين ومن كان يرجع إليهم أمر المدارس والجوامع، بلغ بهم الجهل والزهد في الفضائل أن يفضلوا درهماً على أنفس كتاب. فخانوا الأمانة واستحلوا بيع ماتحت أيديهم أو سرقة ماعند غيرهم والتصرف به وكأنه ملكهم. وحدثني الثقة أن أحد سماسرة الكتب في القرن الماضي كان يغشى منازل بعض أرباب العمائم في دمشق ويختلف إلى متولي خزائن الكتب في المدارس والجوامع فيبتاع منها ماطاب له من الكتب المخطوطة بأثمان زهيدة. وبقي هذا سنين يبتاع الأسفار المخطوطة من أطراف الشام، ثم "رحل بها إلى بلاده فأخذتها حكومته وكافأته عليها".‏

بهذه الطرق وبغيرها انتقلت مخطوطاتنا التراثية إلى المكتبات الأجنبية. ثم تلت ذلك المشاريع الاستشراقية بتكاليفها المادية الهائلة. حتى بلغ الإنفاق الأجنبي على تراثنا مالن نتمكن يوماً من الوصول لإنفاقٍ موازٍ له. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن هذا الاهتمام الأجنبي ومقارنته ببعض المواقف العربية السلبية من هذا التراث؟.‏

فإذا استأهل التراث العربي كل هذه الجهود الأجنبية أفلا يستحق منا اهتماماً ولو بدرجات أدنى وقدرات أقل؟.‏

إن الجواب عن هذا السؤال والأسئلة التي يستتبعها ليس بالجواب السهل. ذلك أنه يرتبط بأساسيات المسألة التراثية وهي:‏

1-ماهية التراث.‏

إن التراث العربي لم يظهر فجأة مكتملاً إلى الوجود إبان عصر التدوين ليبدأ بعدها بعمليات التراكم المعرفي والإبداعي. فهذا التراث له جذوره في العصور السابقة للإسلام. التي من دونها لايمكننا أن نفهم هذا التراث أو أن نحدد ماهيته. من هنا تنبع الأهمية القصوى للأدب الجاهلي ولكل معلومة تاريخية عن عصر الجاهلية فالتدوين هو عصر تعلم الكتابة الذي تسبقه عصور تعلم القراءة والنطق وإصدار الصرخات العشوائية. المسبوقة بدورها بعصور التشكيل الأولي. وإذا كنا لانملك مايكفي من المعلومات عن تلك العصور فإن خيطاً حريرياً متيناً يربطنا بهذه العصور، وهو المتمثل بالنظام الرمزي الأساسي للأمة وهو اللغة. فاللغة بالنسبة للتراث هي حبة الرمل التي تتكون حوله اللؤلؤة مع مرور الزمن.‏

والواقع ان تحديد ماهية التراث العربي، ومن ثم تعريفه، يصطدم بجملة أفكار سابقة. في طليعتها تأتي الإيحاءات الاستشراقية التي تحول كل ماهو عربي إلى إسلامي، اذ يكفينا هنا التذكير بالإسهامات التراثية الفائقة للمسيحيين العرب لندرك سذاجة هذه الإيحاءات. وبهذا يسقط التعريف الضمني للتراث العربي والقائل بأنه: "جملة المواضيع التي تناولها الاستشراق بالدراسة". مع ذلك يبقى الخلط وارداً فعندما يذكر التراث العربي فإن الأنظار تتجه آلياً إلى العصر الإسلامي دون سواه من العصور العربية. هذا الخلط لايتأتى فقط عن إيحاءات الاستشراق بل يسهم فيه عاملان مقرران أولهما أن العصر الإسلامي هو العصر الذهبي للحضارة العربية وثانيهما هو أننا، نحن أصحاب هذه الحضارة، نركز على هذا العصر ونتجاهل غيره من العصور. عذرنا في ذلك أنه العصر الأغنى حضارياً والأوسع مجالاً سياسياً، على هذا الأساس تبرز تعريفات عديدة للتراث منها: "أنه مرادف للتراث الإسلامي حيث تذوب كافة الفوارق القطرية والعرقية في دولة الإسلام". أيضاً يسقط هذا التعريف لدى مراجعتنا للصراعات، ذات الطابع العرقي، داخل الدولة الإسلامية في حينه. كما نصادف تعريفات بالغة الحساسية لهذا التراث بحيث ينطوي بعضها على إدانة ذات طابع عدواني. وهي عدوانية تكمن وراء رفض بعضهم لكل محتويات هذا التراث. هذه العدوانية التي تقترب بسذاجة من الحيلة الدفاعية المتمثلة بـ "التوحد بالمعتدي" لغاية الوقوع في الأسر العقلي للاستشراق.‏

إن تحديد مفهومنا لماهية هذا التراث يقتضي بعض الشرح المدعوم بالأمثلة. كنا قد أشرنا إلى أن اللغة هي حبة الرمل التي تتكون حولها اللؤلؤة. بما يعادل إعطاء اللغة دور الأساس في البناء الحضاري. بما يطرح المسألة اللغوية كمسألة مركزية في الحضارة وفي تراثها. كما تزداد حيوية تأثير هذه المسألة في تراثنا نظراً للعمر المديد للغتنا العربية. هذه اللغة التي حافظت على بنيانها الدلالي- الفلسفي، دون تغييرات تذكر، مقابل اضمحلال، وزوال، لغات الحضارات الأخرى من الإغريقية إلى اللاتينية. أما العبرية فإنها تكاد تفقد أثرها في اللغة المتداولة في إسرائيل. من هنا اعتقادنا بأن اللغة العربية لم تحفظ لنا تراثنا فحسب بل إنها حالت دون تحويله إلى إرث لأنها أبقته على قيد الحياة. هذه ليست مغالاة إذا نحن نظرنا إلى المواقف القانونية والسياسية التي تعتمدها الدولة الفرنسية لحماية لغتها، حيث تسن هذه الدولة القوانين لمعاقبة من يستخدم كلمات إنجليزية. أما على الوجه الآخر للعملة فيبرز السؤال هل بالإمكان بناء حضارة أو مجرد دولة من دون لغة؟. الأجوبة عديدة وماثلة للعيان. فقد استعارت الولايات المتحدة اللغة الإنجليزية فاضطرت لاستعارة المنطلقات الإنجليزية في رؤية الآخرين ومعها الأسلوب الإنجليزي في تخيل الزمان والمكان. حتى أتت الولايات المتحدة ابنة شرعية للدولة صاحبة اللغة. من هذا الواقع جهد الفرنسيون لدعم انفصال مقاطعة كيوبيك عن كندا. من هذا المنطلق أيضاً فإن كل محاولات النيل من تراثنا وأمتنا كانت تمر بمحاولات النيل من اللغة العربية.‏

من أوائل هذه المعادلات نذكر محاضرة المستر ولكوس في القاهرة 1892) وفيها: ".... إن السر في تخلف المصريين وعجزهم عن الابتكار يكمن في اعتمادهم اللغة العربية....". إن الموضوعية العلمية تجيب بأن اعتماد اللغة العربية أو اللغة الأم بالنسبة لأي شعب من الشعوب) لايمكنه أن يكون مصدراً للتخلف والعجز عن الابتكار. من الدلائل على ذلك ارتفاع نسبة الانتحار بين شعب بريتانيا الفرنسية عندما اضمحلت لغتهم مما جعلهم يحسون بفقدان الهوية والتكامل الذاتي. في المقابل فإن الانغلاق الثقافي في عصر الاتصالات هو المعوق الرئيسي للتطور. فالحفاظ على الهوية العربية والتمسك بلغتها يجب ألا يصرفنا عن الانفتاح على اللغة الإنجليزية بوصفها، مرحلياً، أداة اتصال عالمية الانتشار.‏

بعد هذه الأمثلة المختصرة يمكننا أن نقول إن اللغة هي عنصر الخلق الأساسي للحضارة التي تحولها إلى كائن حي يموت بموت الحضارة التي نسجتها. لكن اللغة العربية تمكنت من الاستمرار ككائن حي فأبقت بذلك على العناصر الحضارية العربية من دول وكيانات تعتمد العربية كلغة أم للدول والجماعات الناطقة بالعربية مع مايرافق هذا الوجود من استمرارية طقسية لتراث الحضارة العربية. هذه الاستمرارية هي المدينة للإسلام لأنه هو الذي حفظ للغة العربية حياتها. أما ماتبقى فإنه مسألة لغة سائدة تمكنها سيادتها المرحلية من تحقيق المغريات لاعتماد نظامها الفكري بصورة شمولية تمكنها من تصديره للشعوب الأخرى. ولعل الولايات المتحدة من الأمثلة المعاصرة على ذلك. حيث لاتوجد حضارة أميركية وإنما هناك نظام حضاري من بناء مجموعات عرقية مختلفة. مع التأكيد على ليبيرالية الحضارة العربية في القرون الهجرية الأولى. هذه الحضارة التي لم تفرض نظامها الفكري والاعتقادي فرضاً مباشراً أو غير مباشر عن طريق فرض التغيرات الجيوبوليتيكية أو افتعال الحروب أو حتى تشويه حضارات الآخرين وتزييفها.‏

ماهو التراث إذاً؟. إن التعريف الذي نقترحه، انطلاقاً مما عرضناه أعلاه للتراث، هو التالي: "هو تجارب السلف التي تصل إلينا من خلال الآثار التي تركوها في المكتبات والمخطوطات والمرويات وفي المقابر والمتاحف أو غيرها من المنشآت. مع التركيز على ماتحافظ عليه هذه الآثار من استمرارية فكرية وإنسانية تجعلها مؤثرة".‏

2-القضية التراثية‏

ينطوي تراث الإنسانية على تحديد القيم الإنسانية المشتركة التي تحدد بدورها ملامح الهوية الإنسانية. لذا فإن التراث الإنساني لايفرق بين حضارة أو محطة زمانية وأخرى. بل هو يستلهم تجارب البشرية عبر العصور ويستعير هذه التجارب من مختلف الحضارات والعصور. حتى إن بعض هذه التجارب، المنقولة عن طريق الأساطير والمرويات والمخطوطات، تتكرر لدى أكثر من حضارة. إن اهتمام الإنسانية بتراثها وتفرع هذا الاهتمام إلى فروع واختصاصات مثل الانثروبولوجيا والاركيولوجيا وغيرها) ليس بالاهتمام العبثي. عن هذا الاهتمام تتفرع ضرورة قيام كل أمة بالحفاظ على تراثها ودراسته لأن في ذلك دعماً لإسهامها في تراث الإنسانية وحؤولاً دون تزوير التاريخ الإنساني عن طريق تزوير تراث إحدى الأمم أو تجاهله.‏

إضافة إلى أن تراث الأمة يتوزع على فئتين. الأولى تجارب إنسانية مشتركة وقابلة للتعميم توضع في خدمة التراث الإنساني) والثانية تجارب ذات خصوصية حضارية يلاحظها التراث الإنساني إضافة إلى تحديدها لهوية الأمة وأبنائها. بهذا يكون التراث ودراسته قضية ثلاثية البعد. فأما بعدها الأول فهو إنساني وأما الثاني فهو أممي وأما الثالث فهو علمي بحت.‏

إن الفصل بين هذه الوجوه الثلاثة للتراث يقتضي إسهام كل فروع العلوم الإنسانية في دراسة هذا التراث.‏

3-التزييف في التراث العربي.‏

يتعلق التزييف في تراثنا ببواعث وأهداف مختلفة يمكننا تصنيفها وتوزيعها على الخانات التالية:‏

أ-أخطاء الرواة سواء أكانت مقصودة أم غير مقصودة.‏

ب-الأسباب الدينية وتقسم إلى:‏

1-الصراع بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى.‏

2-الصراع بين المذاهب والفرق الإسلامية.‏

3-الترسبات الحضارية التي انتقلت مع أصحابها إلى الإسلام.‏

4-الأسباب السياسية -الإسلامية.‏

ج-الصراعات الحضارية وبدورها تقسم إلى:‏

1-الشعوبية قديمة ومحدثة).‏

2-الاستشراق كوجه استعماري).‏

3-الأخطاء اللغوية.‏

د-الانتحال بأنواعه التالية:‏

1-نسبة المؤلفين العرب لأنفسهم ماليس لهم ثبتت ندرتها).‏

2-نسبتهم ماهو لهم إلى غيرهم لإعطائه وزناً).‏

3-قيام غيرهم بنسبة أعمالهم إليه الأمثلة الموثقة أصبحت كثيرة).‏

4-أن ينسب لهم زوراً مالم يرد على ألسنتهم ولا في كتاباتهم.‏

هـ-القراءات الانتقائية في الاتجاهين:‏

1-قيام العرب بانتقاء مايرونه مناسباً وتجاهل غير المناسب.‏

2-قيام المستشرقين بانتقاء مايرون فيه إدانة حضارية للعرب وتجاهل غيره.‏

و-القراءة المزيفة والتفسيرات الخاطئة للنصوص التراثية.‏

فإذا راجعنا هذه البواعث وحاولنا استعراض الأمثلة حول كل باعث منها فإننا سنجد أنفسنا نستعرض التاريخ الشامل للأمة العربية. مع مايتخلل هذا التاريخ من نسايات فترات تاريخية منسية) بدءاً بنساية العصر الجاهلي وماقبله وانتهاءً بالنسايات التي تعود إلى أجزاء مفقودة من تراثنا المسروق أو الموؤود بجهلنا. في المقابل فإننا نحتاج إلى محو هذه النسايات كي نتمكن من ترسيخ توازن شخصيتنا العربية دون أية حاجة للتوحد بالآخرين.‏

4-خطاب الجنون في التراث العربي‏

يتركز اهتمامنا بالتراث في ميدان اختصاصنا وهو حقل الدراسات النفسية. وتقويم التراث من الناحية العلمية يهتم أول ما يهتم بتحديد العوامل الآتية:‏

أ-حجم المادة العلمية الموثقة الباقية منه.‏

ب-مدى المعاصرة والإسهام الراهن لهذه المادة العلمية.‏

ج-مقدار الأثر الذي يمارسه التراث راهناً في حضارة الأمة.‏

د-فعالية محتواه في الإسهام بتطور العلوم.‏

والواقع أن أياً من هذه العوامل لم يحدد بعد بالدقة الكافية. كما يضيق المجال بنا لعرض التقديرات المعروضة والمنشورة حولها. لذا سنعمد إلى متابعة مفهوم الجنون في تراثنا منذ الجاهلية إلى اليوم. فإذا بدأنا بالعصر الجاهلي فإننا نجد محدودية ضوابط الحياة الغريزية المسؤولة عادة عن القلق وخصوصاً لجهة الجنس والحياة الجنسية، إذ إن قيم المجتمع الجاهلي كانت قيماً رجولية مقياسها مدى فعالية الرجل في دعم استمرارية قبيلته. فكانت تساميات الجاهلية تتعلق بالفروسية والشجاعة والكرم والقدرة على التحمل الجسدي والفحولة، فإذا ماعدنا إلى مرويات العصر الجاهلي وجدنا أن الاضطرابات النفسية في حينه اقتصرت على الهيستيريا لدى النساء وعلى إدمان الخمر والحمق من طول معاشرة النساء ومخالطتهم، وبمعنى آخر فإن العصر الجاهلي قد اشتكى ودوّن من الاضطرابات النفسية تلك التي تشكل إعاقة للرجل عن القيام بالأدوار التي يطلبها منه مجتمعه القبلي.‏

وباعتمادنا معايير التقويم المعروضة أعلاه نلاحظ أن حجم المادة الموثقة من تراثنا الجاهلي ضئيل جداً. لكنه يتمتع بجرعة من الراهنية والمعاصرة تجعله يمارس تأثيراً مستديماً ومستمراً إلى اليوم. وفيه تحتل قيم الجاهلية مكانة بارزة في جهاز القيم العربي المعاصر. في حين أصبحت الممارسات الغريزية -الجاهلية موضع تحريم ديني واستنكار اجتماعي. فلو أننا راجعنا مفهوم الجنون في العصر الجاهلي لوجدناه معرفاً على النحو التالي: إنه العجز عن التكيف مع الواقع الاجتماعي -القتالي والانسياق المبالغ وراء ممارسات تفقد الشخص قدرته على الدفاع عن قبيلته وعن مكانتها.‏

بالانتقال إلى العصر الإسلامي الأول نجد أن المشركين قد عملوا على إلصاق تهمة الجنون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه. فلما انتشر الإسلام وجدنا تصنيفاً خاصاً للاضطراب العقلي إذنلحظ ثلاث فئات: 1-الممسوسين من الجن و2-الحمقى و3-المجاذيب.‏

مع العصر الأموي ومع اتساع الفتوحات الإسلامية دخلت تعديلات عديدة على الحياة الاجتماعية اليومية وانتقلت إليها بعض العادات الاجتماعية المنقولة عن مجتمعات أخرى. في حينه بدأت بالظهور حاجة المنقطعين عن الواقع للادعاء بأنهم نسخة عن إحدى الشخصيات الهامة على غرار ادعاء بعض المرضى المعاصرين بأنهم نابليون أو هتلر... الخ) وتمركزت ادعاءات المرض في ذلك العصر حول النبوة فكثر مدعوها. حتى إذا جاء العصر العباسي وازداد تعقيد الحياة الاجتماعية وطرح موضوع الدين طرحاً فلسفياً فبدأ مفهوم الجنون يتخذ طابعاً شديد التعقيد حتى بات شديد الشبه بمفهومنا المعاصر للجنون.‏

في ذلك العصر بلغ الاهتمام بالموضوع حدود تأليف الكتب حول أخبار الحمقى والمجانين فقد كانت هذه الأخبار موضوع تندر وتسلية لدرجة أن بعضهم كان يدعي المرض يتحامق) لتحقيق غاياته. فمنهم من تحامق لينال غنى أوهبة أو حتى ليجد طعامه. ومنهم من تحامق لينجو بنفسه من مأزق مع السلطة. في المقابل فإن بعض المرضى الفعليين كان يظن أن تركيز هذيانه على النواحي الدينية يجعل هذيانه مقبولاً ويجعله يحظى بالعطف والتفهم. أما ادعاء النبوة فقد اختفى بسبب العقوبات الرادعة ليحل مكانه هذيان المهدوية ادعاء المريض بأنه المهدي المنتظر) أو ادعاء الزهد والتصوف. وهذا الادعاء الأخير لم يبلغ ذروته إلا في العصر اللاحق لنهاية العصر الذهبي للعباسيين. أما الجنون بالمعنى الذهاني أو المرض العقلي كما يعرف اليوم) فقد حمل مسمى مس الجن لغاية الفترة الأولى من العصر العباسي. ثم تم تغيير هذه النظرة على يد الأطباء العرب الذين تمكنوا من تبيين وتحديد علاقة أمراض الدماغ واضطراباته بالمرض العقلي الذي صنفوه إلى مالينخوليا وعشق واضطرابات إدراك وسلوك ناجمة عن أورام الدماغ أو اضطراباته وإلى عته ولادي. ولو نحن راجعنا تعريف المالنخوليا في كتب التراث لوجدنا أنها مقسمة إلى عدة أشكال عيادية تجمع أهم الذهانات المعروفة اليوم وأكثرها انتشاراً الاكتئاب والهوس والفصام والفصام الهذائي. وعن التفريق بين الاعتقاد الشعبي بمس الجن وبين النظرة العلمية نورد هذه المقولة لابن سينا إذ يقول في نسبة المالنخوليا إلى الجن: "ونحن لانبالي من حيث نتعلم الطب أن ذلك يقع عن الجن أولا يقع" بعد أن نقول: إنه إن كان يقع من الجن فيقع بأن يحيل المزاج إلى السوداء، فيكون سببه القريب السوداء، ثم ليكن سبب تلك السوداء جناً أو غير جن".‏

بذلك يتجنب ابن سينا الدخول في متاهات النقاش الذي لايجدي نفعاً في العلاج والذي لايزال مطروحاً. أما عن التقويم العلمي لتراثنا النفسي ولخطاب الجنون فيه) فإن العودة إلى عوامل التقويم المعروضة أعلاه تبين لنا مدى أصالة هذا التراث وتأثيره على الراهن العلمي العالمي. فعلى الرغم من تبعثر مخطوطاتنا التراثية وتوزعها على مكتبات العالم، -وعلى الرغم من عدم الاهتمام بتحقيق جزء من أهم المخطوطات في تراث الإنسانية من حيث الدراسات الإنسانية في حقل النفس البشرية، فإن التراث النفسي العربي له حضوره القوي الذي أتاح له ممارسة آثار فاعلة في الفكر الطبي -النفسي الحديث. إذ إن أحداً لاينكر إسهام هذا التراث وفعاليته في دفع تطور العلوم وحفاظه على معاصرة العديد من منطلقاته الفكرية العلمية التي سجلت السبق العلمي في عصرنا الراحل ولاتزال. تكفينا في هذا المجال الإشارة إلى ماسجله تراثنا من سبق في علاج الأمراض النفسية بالأدوية العشبية. فقد كان العرب سباقين لاستخدام الأفيون والحشيش في علاج الاضطرابات العقلية راهناً تجري أبحاث في بلدان عديدة لاختبار هذه العلاجات). كما استخدموا نباتات ست الحسن وكف الثعلب التي لاتزال مستخدمة إلى اليوم وإن تراجع استخدامها. واستناداً إلى حفاظ تراثنا على معاصرته اقترحنا في مؤتمر "نحو علم نفس عربي" العودة إلى تراثنا النفسي- الدوائي وتنويره بالمعطيات الصيدلانية الحديثة. وأعطينا مثالاً على ذلك إمكانية الجمع بين نبات ست الحسن وبين أحد المهدئات النفسية البسيطة، بحيث يستطيع المريض الاستغناء عن تناول هذه المهدئات بجرع كبيرة ويتجنب بذلك احتمالات اعتياد العقاقير الكيماوية. فإذا كنا عاجزين عن تحويل مثل هذه المشاريع فإن ذلك لاينتقص من معاصرة تراثنا بشيء.‏

5-في مواجهة الإشكالية التراثية.‏

إن مواجهة إشكالية المسألة التراثية بجوانبها المعروضة أعلاه، والتي تمثل ماأتيح لنا إدراكه من هذه الإشكالية، تقتضي جملة خطوات قد تلخصها أوتطرحها للنقاش اقتراحاتنا التالية:‏

أ-الإسهامات الأكاديمية: إن مهمة الجامعات العربية يجب ألا تقتصر على تهيئة طلابها لاستيعاب الإنتاج العلمي الحديث. بل إن هذه المهمة يجب أن تتضمن إعدادهم للإسهام في اللحاق بركب التطورات العلمية الحديثة وأيضاً للعمل الجاد على الإفادة من ذخائر تراثنا العلمي. لذا نقترح أن تفرض الجامعات على طالب الدراسات العليا في العلوم النفسية الطب والدراسات النظرية) أن يرافق بحثه تحقيق أحد النصوص التراثية أوتجربة أحد الاقتراحات التراثية العلاجية المتعلقة مباشرة بموضوع أطروحته. مع مايقتضيه ذلك من توفير النصوص التراثية لهؤلاء الطلاب.‏

ب-إنشاء مراكز للبحوث التراثية: ويفضل أن تتبع هذه المراكز للجامعات وأن تلحق بها، بحيث تشارك كل كلية من كليات الجامعة في تحقيق التراث وإعادة تحقيقه وتنويرها على ضوء المعطيات المعاصرة. كل كلية وفق اختصاصها.‏

ج-دعم مراكز البحوث التراثية القائمة والمنشورات المهتمة بالموضوع وتشجيعها مثل: معهد المخطوطات العربية ومجلة التراث العربي ومركز جملة الماجد للثقافة والتراث.. الخ. مع مدّ يد العون والمساعدة إلى المشاريع الجديدة في المجال.‏

د-وضع خطط وهيكليات منهجية في ميدان تحقيق التراث ونشره وانتقاء مواده، بحيث نتجنب تكرار نشر العمل التراثي الواحد لدى عدة ناشرين، حيث يعتمد هذا الانتقاء حالياً مبادئ الكسب المادي السهل ويتوجه بصورة انتقائية نحو المواضيع الدينية، فيكون ذلك على حساب المواضيع والأزمنة التراثية الأخرى.‏

هـ-يجب ألا يغيب عن بال الباحثين في تراثنا العربي حقيقة أن انتشار لغة ما واعتماد غير متكلميها لها لايتم إلا بإثباتها لقدرتها على إنتاج وسائل التسلية واعترافها بالحاجات الإنسانية. فإذا عدنا إلى اللغة العربية لاحظنا أن لسطوتها في زمن القرون الوسطى) بعدين أولهما ديني معروف وثانيهما قدرتها على إنتاج التسلية إلى جانب عطائها العلمي والفكري. هذا وتتضح لنا أهمية التسلية من خلال اهتمام الأجنبي البالغ الجمهور بمواضيع مثل "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" و "آداب الرحلات"... الخ.‏

خلاصة القول إن العلاقة الجدلية بين ثقافتنا وتراثنا وحضارتنا لايمكنها أن تتوضح وأن ترسو على أسس صحيحة إذا نحن لم نهتمّ بالمتوافر بين أيدينا من عناصرها بحثاً وتحقيقاً وتنويراً. فإذا أردنا إرساء خصوصية شخصيتنا العربية فعلينا أن نتجنب التركيز على الماضي، وأن نعمل على استحضار الماضي لندرك عناصره المؤثرة في صنع الحاضر وإمكانية استغلال هذه العناصر في سبيل حاضر أكثر إيجابية وأكثر وفاء لوعينا الجماعي.‏

1)) أستاذ الأمراض النفسية والعقلية -رئيس تحرير مجلة الثقافة النفسية المتخصصة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244