|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:19 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
التراث و الانترنت ـــ الدكتور محمود الربداوي قد يبدو هذا العنوان، لأول وهلة، متنافراً متناقضاً؛ لأن ثُنائيته التي يتألف منها تجمع النقيضين؛ إذ مفهوم التراث تتراءى فيه العودة إلى القديم، والالتفاتة إلى الفكرية والثقافية المتراكمة عبر العصور، على حين، يجيء في الطرف الآخر من المعادلة أن (الإنترنِت) –والأصح عربيّاً –الشبكة العالمية، أنه ابن الحاضر، أو قل في قمة مستحدثات الحضارة، وما حملته لنا من (التكنولوجيا) أي التقانة، وهذا التنافر الظاهري ينطوي على تلاحم وتماسكٍ باطني داخلي، وتفسير ذلك أن الإنترنت، هذا المختَرع العجيب، هو ككل مختَرع عجيب فيه من الإيجابيات مثل ما فيه من السلبيات، وإن كانت إيجابياته تعادل أضعاف سلبياته، وفيه من حرية الاستعمال ما يجعل (المستعمِل) يتجوّل بين مجموعات غير متناهية من (الخيارات). لعل واحداً منها البحث عن قضايا التراث. وقضايا التراث مبثوثة ومغيَّبة في هذا الحشد الهائل من المعلومات (المخزَّنة) في هذا الجهاز العجيب، فقد تجدها في موقع لصحيفة يومية، أو يقودك إليها (محرِّك بحث) يصلك بمواقع تقبع في أطراف الدنيا شرقيها وغربيها، وإذا كنتَ من الذين يتقنون أكثر من لغة اتفتحتْ لك في هذا الجهاز آفاقٌ و(نوافذ) لا حصر لها، وبعدد ما عندك من اللغات تتفّتح أمامك نوافذ ومسارب تعين على الإحاطة، فتمكّنك من (الإبحار) في سياحة عالمية فكرية أو أدبية في قارّات الكون الخمس. فإذا كنتَ من عشّاق التراث أخذ بيدك (الورّاق) وأرشدك المهتمون بالوِراقة من عالم فسيح إلى عالم فسيح تطالع فيه على الشاشة عنوانات جمّة في الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافية والرحلات وعلم الحديث والتراجم والفلسفة وعلوم القرآن وعلوم اللغة وكتب الفقه وكتب العقيدة وكتب الطب وتفسير الأحلام والتصّوف والبيبليوغرافية وشرائح متعدّدة من المعارف المتنوِّعة. وهذه عنوانات كبرى، تندرج تحتها عنوانات أصغر فأصغر. فإن دخلتَ في فروع كتب الأدب مثلاً، طالعك كتاب الأغاني والبخلاء والبيان والتبيين والعقد الفريد وصبح الأعشى وغيرها من (الملفات والمجلدات). ولنفترض أنّك حاولتَ أن تدخل إلى كتاب الأغاني وأن تقلِّب أجزاءه التي تزيد على العشرين، أو تتصفح صفحاته التي تربو على خمسة آلاف وخمس مئة، وتنظر فيه صفحة تلو الصفحة، أو أنك تبحث عن شاعر معين أو خبرٍ يمتّ إلى الشعر أو الغناء بصلة؛ لأن استراتيجية تأليف الكتاب قامت على أصول غنائية بحتة يعيها الذين مارسوا قراءة الكتاب، أقول: لو أنك بحثتَّ عن طلبتك في ثنايا هذا الكتاب لأوقفك البحث عن (المادة) التي تريد استحضارها فإذا راقك خبر أو أبيات شعرية شدَّتْ اهتمامك عمدتَ إلى نسخ بُغيتك منه على صفحات (الطابعة) ووظّفتَ ما نسختَ في البحث الذي تشاء، أليست هذه الخدمة الجلى غير مسبوقة قبل اختراع هذا الجهاز؟ ألم تقل لنا كتب التراث إنّ الأصبهاني استغرق في تأليف الأغاني خمسين سنة؟ فها أنت ذا تقلِّب محتواه كله بخمسين ثانية. ألم تتذكّر معي كلمة ابن خلّكان التي يقول فيها: إن الصاحب بن عباد كان يستصحب في أسفاره حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب غيره لاستغنائه به عنها، وكتاب الأغاني –كما قلت لك –نقطة في بحر هذا الجهاز. والمساحات الإيجابية في هذا الجهاز أكثر من أن تُحصى، ودَعْكَ من المساحات السلبية، وخذ حذرك من أن تضيع وقتك ومالك في ولوج مواقع يرتزق أصحابها في ابتزاز الأطفال بالألعاب واستغلال عواطف المراهقين بالثرثرة ولَغْو القول وغير ذلك. لا أريد أن ألبس عباءة الوعّاظ والمرشدين، ولكن حسبي أن أقول لك إننا في مطلع الألفية الثالثة، هذه الألفية شعار المتحرر من الأمية فيها معرفة الحاسب والكومبيوتر، والإنترنت، والذي يجهل العلم بهما وبما يتبعهما من وسائل الاتصالات الحديثة هو جاهل لا بالإنترنت وحده، وإنما هو أميٌّ بأبجدية العصر، ينبغي له أن يعيد تأهيل نفسه وتحديث معلوماته، وعليه ألا يُقنع نفسه بأنه غدا في خريف العمر ويركن للوعة والاستكانة، ويكتفي بالقول إن قطار هذه الثقافة التقنية قد فاتني، بل عليه أن يقنع نفسه بالمقولة التي مؤداها أن طريق الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. فإذا أراد مواكبة العصر، ومعايشة الأحداث، والتفاعل مع المستجدات وأراد أن ينزع من فكره الأمية الثقافية، فليُقبِل على ثقافة العصر، وليكن شعاره القول المأثور: "إذا قامت القيامة وكان بيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها.". ملحوظة: ما بين قوسين مصطلحات حاسوبية مستعملة في المقال استعمالاً مجازياً معرَّباً، يعرفها ممارسو الحاسوب. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |