مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:19 AM
فهرس العدد
 
التقطيع النظمي و التمفصل الدلالي ـــ د. يوسف إسماعيل(*)

التقطيع النظمي و التمفصل الدلالي ـــ د. يوسف إسماعيل(*)

"قراءة في إيقاع القصيدة المملوكية"

           المقدمة:

تجري العملية الشعرية في مستويي اللغة معاً: الصوتي والدلالي. ويدخل النظم، بوصفه أحد المقومات الشعرية، في تقسيمات الدرس والتحليل، ضمن المستوى الصوتي، إلا أنه لا يوجد إلا كعلاقة بين الصوت والمعنى. وتتشكل هذه العلاقة من خط مناقض لما هي عليه في النثر؛ أي إن الشعر يقوم برصف "سلاسل من الكلمات المختلفة صوتياً، غير أن العروض يلصق فوق خط الاختلاف الدلالي سلاسل من التماثلات الصوتية"([1]) في حين تسير التماثلات الصوتية في النثر باطراد مع تقدم الفكرة، ويتحدَّد هذا على مستوى الشعر في أمرين:

الأول : التعارض بين الوقفة العروضية والوقفة الدلالية.

الثاني : التعارض بين مستويي الإنشاد: التعبيري (الدلالي) وغير التعبيري (الصوتي)؛ فالصوت بطبيعته الرجعية يخلق خللاً في التوازي بين الصوت والمعنى، حيث يكون النظم معاكساً للمعنى في مساره.. وهذا يعني إما إنشاداً يأخذ بالمسار الطولي ويتعامل مع الوقفات الدلالية، وإما إنشاداً يأخذ بالمسار الرجعي، الصوتي، ويتعامل مع الوقفات النظمية.

ذلك ما نسميه بالتقطيع النظمي والتمفصل الدلالي، وبشكل أوضح، إن التقطيع النظمي، هو: "الوحدات التي تقسم النص وزنياً أو توازنياً، وهي: البيت والشطر والقرينة الترصيعية. أما التمفصل الدلالي فيعني الوحدات التي ينقسم إليها النص دلالياً سواء كانت ذات استقلال كامل أو نسبي"([2]).

درس النقاد العرب ذلك تحت باب "التضمين" في مباحث ائتلاف المعنى مع الوزن وعيوب القافية وألوان البديع، وكانوا يقصدون الحديث عن درجات الترابط والتمفصل بين وحدات البيت الواحد، أو بين البيت وأخيه؛ فاستقبحه أغلبهم صراحة([3]). واستحسنه بعضهم([4]). وانطلق الطرفان من رؤيتهم لوحدة البيت واستقلاله النسبي. وقد عبّر البلاغيون عن ذلك فيما أسموه "حسن النسق" وهو أن تأتي "الأبيات من الشعر متتاليات متلاحمات تلاحماً سليماً مستحسناً، والمستحسن من ذلك أن يكون كل بيت إذا أُفرد قام بنفسه، واستقلّ معناه بلفظه، وإنّ ردفَه مجاوره صار بمنزلة البيت الواحد، بحيث يَعتقد السامع أنهما إذا انفصلا تجزّأ حسنهما، ونقص كمالهما، وتَقسّم معناهما، وهما ليسا كذلك، بل حالهما، في كمال الحسن وتمام المعنى مع الإفراد والافتراق، كحالهما مع الالتئام والاجتماع"([5]).

قوي اتجاه المستحسن للتضمين بعد القرن الخامس الهجري وتحوّل التضمين إلى صنعة بلاغية تقوم بوظيفة جمالية، كالتتميم والتبيين والاكتفاء والجمع مع التفريق والجمع مع التقسيم.. إلخ. ثم تطوَّر الموقف إلى حدود تقليص العيوب. يقول ابن رشيق:

"كلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدة من القافية كان أسهل عيباً"([6]).

ويرى السّكاكي :-626هـ" أن التضمين المعدود في "العيوب هو تعلّق معنى من آخر البيت بأول البيت الذي يليه، على نحو قوله: [متقارب].

وَسَائِلْ تَمِيْماً بِنَا وَالرِّبَابَ

 

وَسَائِلْ هَوَازِنَ عَنَّا إِذَا مَا

لَقَيْنَاهُمُْ كَيْفَ نَعلُو لَهُمْ

 

بِبِيْضٍ نُفَلِّقُ بَيْضاً وَهَاماً([7])

فعلَّقه بالقافية([8]) وجاء بعد السكاكي ابن الأثير "-637هـ" ليدافع عن التضمين محتجاً بوروده في القرآن، "ولو كان عيباً لما ورد في كتاب الله عز وجل [بالإضافة إلى وروده في الشعر العربي]، قد استعمله العرب كثيراً، وورد في شعر فحول شعرائهم"([9]).

ولأن العلاقة بين التقطيع النظمي والتمفصل الدلالي مرتبطة بالفاعلية الشعرية أولاً، فهي واحدة من القضايا النقدية التي أطِّرت بمجموعة كبيرة من المعايير النقدية، وفصَّل النقّاد في فروعها وشرحها، وبقي الشعر بعيداً عن ذلك يشكّل نفسه ضمن نسيجه الخاص، يتلافى العيوب الشعرية التي يشير إليها ذوق الشاعر، ويلجأ إلى التضمين والاستقلال وفق متطلبات التجربة الشعرية.

المتن:

للوصول إلى الصورة الشاملة لتلك العلاقة في الشعر المملوكي قمنا بإجراء إحصاء لنوعي التضمين: الداخلي والخارجي وفروعهما، قياساً بحجم المادة الشعرية، فاخترنا نسبة "10%" من شعر ستة دواوين([10])؛ أي 2129 بيتاً، ثم قسَّمنا العدد على الشعراء، كل وفق نسبة كثافته الشعرية بالنسبة إلى الدواوين، فالبُوصِيري مثلاً، يحتل نسبة 14.37 قياساً ببقية الشعراء؛ فاخترنا من شعره النسبة عينها؛ أي 314بيتاً. ولكي يكون الأنموذج مستوعباً لكثافة الأغراض الشعرية أيضاً عند الشاعر الواحد، وفي الدواوين الستة، اخترنا تلك النسبة من الأغراض الشعرية التي قال فيها البُوصِيري، ومن كل غرضٍ العدد الذي يتوافق ونسبة كثافته بالنسبة إلى الأغراض الأخرى؛ أي إنه لما كانت نسبة قصائد المدح عند البوصيري 36.77 قياساً ببقية الأغراض الشعرية عنده، فقد اخترنا النسبة نفسها من مدحه، ولكن بمقياس عام واحد، طُبِّق على جميع الشعراء، وهو 10% فقط.

يحقق الأنموذج بذلك – في رأينا – شموليةً على مستويين: الأُفقي والعمودي. فمن خلاله نستطيع الوصول – بشكل تقديري – إلى نسبة كثافة ظاهرة التضمين وفاعليتها الشعرية في الشعر المملوكي بشكلٍ عام. كما نتلمس حجم الظاهرة في الأغراض الشعرية، وعند كل شاعر.

وفي خطاطة مراتب الاستقلال والتضمين، قسمنا العلاقة بين التقطيع النظمي والتمفصل الدلالي إلى علاقتين: خارجية وداخلية. واقتصرنا في الإحصاء على الفقرات الرئيسة في تينك العلاقتين، وذلك لعدم قدرتنا على القيام بتطبيق إحصائي لكل ما طرحه النقد العربي من تفريعات على نسبة كبيرة من الشعر المملوكي فذلك يحتاج إلى جهد لا ندعي القدرة عليه في حدود بحثنا وغايتنا منه، كما أنه موضع بحث مستقلّ يمكن الخروج منه بنتائج تهمّ الدراسات حول الشعر العربيّ القديم بشكل عام.

فعلى مستوى العلاقة الخارجية التي تربط البيت بتاليه، وقفنا عند نوعين رئيسين من التضمين، هما: الاقتضاء والإسناد.

يرصد العنصران طبيعة العلاقة بين النظم والدلالة على المستويين: الدلالي والنحوي. أما بقية أنواع التضمين الخارجي، فهي صورة من العنصرين المذكورين، دخلت في حقول علوم متعددة، كالبديع والعروض، وسيشملها، دون تخصيص كل نوع من الأنواع الرئيسة في الإحصاء التطبيقي. وأهملنا تضمين المجاز؛ لأنه لم يحقق كثافة شعرية تستحق الوقوف عندها.

أما على مستوى العلاقة الداخلية، فقد تمَّ رصد أربعة محاور رئيسة؛ الأول: استقلال القرائن الترصيعية. والثاني: تماسك الشطرين دلالياً. والثالث: استقلال الشطر دلالياً. والرابع: الاستقلال الصناعي.

إن العلاقتين: الخارجية والداخلية، تدخلان – على الرغم من افتراقهما درسياً – في إطار علاقة الاقتضاء والافتقار؛ لأن التضمين الداخلي علاقة بين قرينتين أو جملتين أو شطرين؛ فكل قسم يرتبط بالقسم الآخر بدرجة ما. ففي استقلال الشطرين دلالياً نجد أن الشطر الأول مستقل عن الشطر الثاني، وبه يتم معنى البيت والوقوف عليه؛ إلاَّ أنه يقتضي الثاني ويفتقر الثاني إليه. ونجد في تماسك الشطرين دلالياً افتقار أول البيت إلى قافيته. وهذا ينضوي تحت تضمين الإسناد الداخلي. كما يشمل الاقتضاء الاستقلالَ الصناعي، من خلال مفهوم "الإيغال" حيث لا يمكن الوقوف قبل إشباع الوزن. وبذلك يكون في البيت اقتضاء بين الجملة التامة وما أُضيف إليها، وافتقار الجملة المضافة إلى الجملة التامة.

1-العلاقة الخارجية:

1/1-تضمين الاقتضاء: هو "أن يكون في الأول – أي البيت – اقتضاء للثاني، وفي الثاني اففتقار إلى الأول"([11]) ويمثَّل لذلك بقول امرئ القيس على الطويل([12]):

وَتَعْرِفُ فِيِهِ مِنْ أَبِيْهِ شَمَائِلاً

 

وَمِنْ خَالِهِ وَمِن يَزِيْدٍ وَمِنْ حُجُرْ

سَمَاحَةَ ذَا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفَاءَ ذَا

 

وَنَائِلَ ذَا، إِذَا صَحَا وَإِذَا سَكِرْ

إلاَّ أن التبريزي "-502هـ" عَدّ العلاقة في الاتجاهين علاقة اقتضاء، "فيكون الثاني يقتضي الأول كاقتضاء الأول للثاني"([13]) أي إن الأول يتطلب الثاني باعتباره زيادة مع إمكان الاستغناء عنه، فهو وحده كاف، وانضمام الثاني إليه أكف منه، والحَالُ نفسه ينطبق على الثاني عند التبريزي.

إن العلاقة بين البيتين علاقة دلالية، إذ يقوم البيت الثاني بالشرح والتفصيل، دون أن يرتبط مع الأول برابط نحوي ظاهر، وإنما يرتبط به برابط معنوي في تفسير الشمائل التي يتصف بها كل من أبيه وخاله.. إلخ. وهذا يعني أن البيت الأول يحتاج إلى البيت الثاني للتوضيح والتبيين، وليس للتأسيس، واستكمال الوحدة الدلالية، بينما يحتاج الثاني إلى الأول احتياج تأسيس وبناء يستقيم عليه، ولا شكّ أن الفارق بين الأمرين لا يسمح بوضعهما في خانة واحدة، ولذلك يبدو موقف التبريزي أقرب إلى الصواب.

وعلى خلاف ذلك اتفق أصحاب الموقفين في تقويمهما لهذا المستوى من التضمين.

يقول ابن هارون تعقيباً على بيتي امرئ القيس: "فليس هذا بمعيب عندهم – أي العرب – وإن كان مضمناً؛ لأن التضمين لم يحلِّل قافية الأول، مثل قوله: "إني شهدت لهم"([14]) وقد يجوز أن يوقف على البيت الأول"([15]) ويقول التبريزي: "ومن التضمين ضرب آخر، يكون البيت الأول منه قائماً بنفسه، يدل على جمل غير مفسَّرَة، ويكون في البيت الثاني تفسير تلك الجمل، فيكون الثاني يقتضي الأول، كاقتضاء الأول له.. فهذا ليس بمعيب"([16]).

يُعيد العمري ذلك الحسن إلى التوازن الإيقاعي الذي تخلقه بعض صور تضمين الاقتضاء، حيث ترجع المقابلة بين محتوى القرائن في الاقتضاء المؤدي إلى تقسيم نظمي ترجيعي لتلعب دورَ منشِّطٍ للفاعلية الشعرية، كما أن التقسيم الدلالي الذي يلاحَظ في "الجمع مع التفريق" و"الجمع مع التقسيم" يؤدي أيضاً إلى التوازن الإيقاعي. والصورتان نتاج تفاعل بين الموازنة الصوتية والمقابلة الدلالية بشتى صورها([17]).

ينسجم هذا التعليل مع طبيعة التضمين، بوصفه علاقة بين التقطيع النظمي والتمفصل الدلالي، أي علاقة إيقاعية في جوهرها، متناقضة مع السرد الدلالي الذي يفرضه النثر. وبذلك يدخل هذا المبحث في المستوى الإيقاعي، إلاَّ أنه لا يسوّغ وحده ذلك الاستحسان؛ لأن التوازن الإيقاعي ليس خاصية مرتبطة بهذا النوع من التضمين، وإنما موجود في ألوان بديعية أخرى، كما أنه صفة شعرية، يبحث عنها الشاعر، ولا يطلبها بمفردها. يُضاف إلى ذلك أن النقد العربي القديم انطلق في معاييره النقدية من المعيار الأكبر الذي وضعه المرزوقي – أي عمود الشعر – ومن تصوّر النقاد لبناء القصيدة العربية، وعلاقة البيت بأخيه؛ فكانوا يستحسنون أن يكون كل بيت إذ أفرد قام بنفسه، وإذا اجتمع مع محاوره زاد بهاء وحسناً([18]). وفي إطار ذلك الذوق الجمالي لم يعيبوا تضمين الاقتضاء، لأنه يربط الأول بالثاني برابط دلالي. ويجوز الوقف عليه، ويقوم بنفسه، وبالتالي فهو يستقل نسبياً عن القصيدة، لأن البيت فيه لا يقوم بنفسه لافتقاره إلى سابقه، كما أن علاقة الارتباط بين البيتين تكون دلالية ونحوية، وهذا ما يمنع أي استقلال نسبي يمكن أن يقدم للبيت خصوصية دلالية.

إن العلاقة الإيقاعية بين النظم والدلالة، التي تحكم التضمين، تلعب دوراً هاماً في الشعر بشكل عام، والمملوكي بشكل خاص، لأن نزوع الأخير إلى الإيقاع جعل نسبة التضمين فيه لا تتجاوز 2.30 توزعت على الأغراض الآتية بالتتابع، بحسب درجة الكثافة الشعرية.

 

الغرض

النسبة

1

الحماسة

27.27

2

الفخر

8.10

3

الوصف

5

4

المجون

4.76

5

الهجاء

4.76

6

الإخوانيات

4.44

7

الدين

2.18

8

المدح

1.72

تخضع هذه النتائج لنسبة الكثافة الشعرية التي يحققها كل غرض، فالمدح مثلاً يشكل 54.74 من الشعر الذي طُبِّق عليه الإحصاء بينما يشكل الوصف مثلاً 2.8، وبالتالي فإن تلك النتائج جاءت وفق توزيع الشعر ونسبة كثافته، أُفقياً وعمودياً.

تبين الملاحظة هيمنة تضمين الاقتضاء على شعر الحماسة، وجاء المدح في الرتبة الثانية. ومن المعاينة يتبين أن الحماسة والفخر – وهما يحتلان النسب المرتفعة – تطغى عليهما روح الانفعال، ومن تلك الروح تترابط الأبعاد الدلالية دون أن تمنع الوقف، كما تجوز متابعة السرد، وهذا ينسجم مع الاقتضاء لأنه يعطي التجربة الشعرية حيويتها من حيث قدرة البيت على استيعاب الجملة، من دون خلق قطيعة نهائية مع البيت الثاني، بل إن الأخير قد يحقق حالة الافتقار إلى الأول في شعر الحماسة والفخر.

وعمودياً، يحتل الشعراء المراتب الآتية في الجدول، من حيث هيمنة تضمين الاقتضاء:

 

الشاعر

النسبة

1

الشاب الظريف

6.94

2

صفي الدين الحلي

4.74

3

ابن الوردي

2.79

4

البوصيري

2.55

5

ابن نباتة

0.46

6

ابن حجر العسقلاني

0.11

ينفرد الشاب الظريف بالرتبة الأولى ويليه الحلي، بينما يتساوى ابن الورديّ والبوصيريّ، ويقترب ابن نباتة من درجة الصفر عند العسقلاني. وتعود تلك الفوارق، على ضآلة نسبتها، إلى هيمنة الإيقاع على كل شاعر؛ فالعسقلاني هو أكثر الشعراء ميلاً إلى استقلال البيت وبالتالي فهو يحقق درجة متقدمة على المستوى الإيقاعي في هذا الموقع.

1/2-تضمين الإسناد: عده ابن الأثير معيباً، وقال في تعريفه: "يقع في بيتين من الشعر أو فصلتين من الكلام المنشور على أن يكون الأول منهما مسنداً إلى الثاني، فلا يقوم الأول بنفسه ولا يتم معناه إلا بالثاني"([19]) أي إن البيتين مرتبطان ارتباطاً قوياً على المستويين: الدلالي والنحوي وكل منهما يفتقر إلى الآخر، ولا يتم إلا به، وقد سمّاه قدامة "المبتور" وهو "أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتمه في البيت الثاني"([20]) وبذلك يتم الفصل بين المسند والمسند إليه في العلاقة النحوية، أي بين المضاف والمضاف إليه، وبين الفعل والفاعل، وبين اسم كان وخبرها، أو بين القَسم وجوابه.. إلخ.

يمكن القول: إن الشعر المملوكي تحاشى الوقوع في تضمين الإسناد المعيب، وحافظ على الاستقلال النسبي للبيت؛ فقد انخفضت نسبة الإسناد إلى درجة متدنية بلغت 0.98 من الشعر وانحصرت النسبة في شعر الحلي تقريباً، ثم تلاه البُوصِيري. وتوزعت النسبة على الأغراض، كما في الجدول الآتي:

 

الغرض

النسبة

1

الهجاء

9.52

2

الإخواليات

7.4

3

الوصف

5

4

المجون

4.76

5

الرثاء

1.02

6

الغزل

1

7

المدح

0.08

إن تتبع مواطن التضمين الإسنادي في الشعر المملوكي يبين أن الوقف النظمي في آخر البيت يخترق أقوى درجات الارتباط النحوية، ومن ذلك قول صفي الدين الحلي (على الوافر)([21]):

لَسَيْري في الفلا واللَّيلُ داج،

 

وكري في الوغى والنَّقْع داجِنْ

وحملي مرهَف الحدَّيْن ضام

 

لحامله وجودُ النصر ضامن

وهزي ذابِلاً للخيل مار،

 

يلين ببزه صَدراً وَمارن([22])

وخطوي تحت راية ليث غاب،

 

بسطويه لصرف الدهر غابن

وركضي أدْهَم الجلباب صاف،

 

خفيف الجري يوم السِّلم صافنْ

شديد البأس ذا أمر مطاعٍ،

 

مضارب كل قرمٍ، أو مطاعنْ

أحب إليَّ من تغريد شادٍ،

 

وكأس مُدامة من كف شادنْ

فَصَلت الأبياتُ بين المبتدأ والخبر بالحديث المفصَّل عن ماهية المحبَّب إلى نفس الشاعر، والتقدير: "لسيري في الفلا والليل داج" أحب إلي من تغريد شادٍ غير أن الجملة الداخلية ترتبط بالجملة الابتدائية بالعطف، على الشكل الآتي: "سيري وكري وحملي وهزي وخطوي وركضي" أحب إليَّ من تغريد شاد" لم يتضح المعنى إلا في البيت السابع.

كما أن المعاني الداخلية الناتجة من العطف ارتبطت دلالياً ونحوياً بالبيت الأخير؛ مما جعل هذه الأبيات وحدة متماسكة، كأنها مفرغة إفراغاً، وهذا يتناقض مع استقلال البيت ووحدته، ولكنه لا يعدم المؤيدين. فهذا ابن طباطبا يرى أن الشعر إذا أُسِّس كفصول "الرسائل القائمة بنفسها وكلمات الحكمة المستقلَّة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه"([23]).

ومما يجب الوقوف عنده في مثل هذا الترابط دخول الأبيات في توليد المعاني وارتباطها دلالياً بصيغة السرد، وفي هذا تتجاوز الجملة الدلالية إطار الوزن العروضي؛ وحتى لا يقع الشاعر في النثرية، ولكي يحافظ على التوازن الإيقاعي، يعمد إلى مجموعة من الموازنات الصوتية لتعويض النص ما فقده من جراء خرق التقطيع النظمي الوحيد الدلاية، وضرورة الوقف وإتمام المعنى في نهاية البيت. ومن صور ذلك التعويض نتلمس صور الترصيع الصرفي الآتية:

نجد الموازنة الصرفية في الأبيات على أكثر من محور، أُفقياً وعمودياً.

أفقياً: يتكون البيت الأول من تقابل صرفي وتواز نحوي؛ مما يخلق تجانساً إيقاعياً تعويضياً:

ل

سيري

في

الفلا

و

الليل

داج

و

كري

في

الوغى

و

النقع

داجن

حرف

مجرور

حرف

مجرور

حرف

مرفوع

وصف

نلاحظ التقابل بين القرائن الصرفية جميعها في الشطر الأول والشطر الثاني، ويدعم ذلك التقابل التوازي النحوي في المواقع بين القرائن الصرفية وروابطها في الشطرين، كما نجد ذلك التقابل في نهاية كل شطر، مما يخلق تصريعاً مع القافية في كل بيت.

 

 

نلاحظ تماثلاً في المجموعة "1" وهي في موقع المقاربة مع القرينة "1" على مستوى العدد.

فهي تماثلها من حيث ترتيب الحركات والسكنات وتزيد عليها، من حيث العدد بحركة تمثلت في المجموعة "1" بالحرفين "خ. ش" وتقع المجموعة "1" في موقع المقاربة مع القرينة "2" على مستوى التدريب لانتقال الحركة الأولى في المجموعة إلى الموقع الرابع في القرينة.

بتلك الموازنات الصوتية المتنوعة استطاع الشاعر أن يحوِّل المقطع الشعري إلى قطع موسيقية يشدّها التوازن أُفقياً وعمودياً، بما لا يسمح للتسلسل الدلالي بتحطيم البنية الإيقاعية للمقطع على الرغم من خرقه التقطيع النظمي ووحدة البيت الموسيقية. وفي الصورة الهيكلية الآتية ما يوضح ذلك:

تشكل الخطوط الداخلية والإشارات ترصيعاً صرفياً أو تجنياً وأشكالاً أخرى من الموازنات الصوتية التي دخلت في جسد القصيدة، وجعلتها قطعة متلامحة موسيقيا.

عمودياً: يوشّح الترصيع أوائل الأشطر، ونهاياتها، كما يوشِّح القافية بتطريز عام.

وفي الحشو نجد الترصيع في الاتجاه العمودي في الأبيات "1-2-3-4-5-6".

بين النقع والنصر والدهر والسلم ترصيع صرفي، لتقابل الصيغ الصرفية في المواقع. ويقع ترصيع تقطيعي بين "صدراً" و"قرم" على الصيغة الوزنية "فعلن".

2-العلاقة الداخلية:

2/1-استقلال القرائن الترصيعية: إن البيت وحدة كبرى تحتوي على وحدات صغرى مستقلة استقلالاً نسبياً، يتحقق في مستوى الترابطين: النحوي والدلالي. إذ يمكن أن تستقل كل قرينة بذاتها لتكون فصلة من جملة كبرى، رابطها معنوي. ويسمي ثعلب "-291هـ" هذا النوع بـ "الأبيات الموضَّحة" وهي "ما استقلت أجزاؤها وتعاضدت فصولها، وكثرت فقرها، واعتدلت فصولها، فهي كالخيل الموضَّحة"([24]). ويُعرِّف قدامة الترصيع بشكل أكثر دقة، إذ يعده من نعوت الوزن "وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به، أو جنس واحد في التصريف"([25]). والسجع وشبهه يتسعان للتقطيع النظمي والتساوي الكمي؛ لأن الذي يسجع هو القرائن المتساوية أو المتعادلة، وهي عند قدامة المتوازية صرفياً.

ويفرِّق قدامة بين الترصيع والتجنيس بالمادة الأساس التي تكوِّن كلا منهما: فالأول متماثل في الصورة؛ أي في الشكل، وهي عنده الصوائت، والثاني متماثل في المادة، أي الصوامت([26]). ويعني ذلك أن الترصيع هو تكرار الصوائت في الدرجة الأولى، بينما يقع التجنيس في تكرار الصوامت أساساً، ولا يتحقق ذلك إلا من الفضاء الذي يقع فيه الترصيع، أي من خلال التناظر والموقع وبروز الصيغة الوزنية.

ويتضح ارتباط الترصيع بالصوائت، كعنصر جوهري بشكل أوضح عند السجلماسي([27])، فهو يفرِّق بين "التصريف" و"المعادلة" بالمادة؛ أي الصوامت، وبالصورة، أي الصوائت، يقول معرِّفاً "المقاربة" التي يتفرع عنها التصريف والمعادلة: "المقاربة.. إعادة اللفظ الواحد بالنوع مرتين فصاعداً.. وهو جنس متوسط تحته نوعان: أحدهما التصريف، والثاني: المعادلة، وذلك أنه إما أن يعيد لفظين فصاعداً، متفقي المادة فقط دون الصورة، وهذا هو التصريف، وإما أن يعيد لفظين متفقي الصورة، دون المادة، وهذه هي المعادلة"([28]) ويدقق في تعريف المعادلة إذ يقول: هي "إعادة اللفظ الواحد بنوع الصورة فقط في القول بمادتين مختلفتي البناء مرتين فصاعداً، وهذا النوع هو جنس متوسط تحته نوعان، أحدهما الترصيع، والثاني الموازنة"([29]).

يتقدم الترصيع الصرفي في إحصاء المادة المدروسة في الشعر المملوكي بنسبة 17.19 وزِّعت على الأغراض الآتية، وفق درجة التدريب، ونسبة كثافة وجود كل غرض في المجموع الشعري العام الذي طبق عليه الإحصاء.

 

الغرض

النسبة

1

الحماسة

36.36

2

الحنين

28

3

المدح

21.36

4

الغزل

21

5

الهجاء

19.04

6

الوصف

15

7

الدين

13.7

8

الرثاء

9.23

9

الفخر

8.67

10

المجون

4.76

11

الإخوانيّات

4.44

تندرج نسبة الكثافة بين الحماسة والإخوانيات بفارق 31.92 إذ يأتي شعر الحماسة في الرتبة الأولى بفارقٍ بينه وبين الحنين في الرتبة الثانية، قدره 8.36. ويساوي تقريباً المدح والغزل، ويحتلان الرتبة الوسطى بين الحماسة وبقية الأغراض، إلا أنهما ينضمان إلى الحماسة والحنين والهجاء في القسمة الكبرى التي تقسم الأغراض إلى قسمين من حيث مستوى الرتب.

وعلى المستوى العمودي يدخل الشعراء الثلاثة الأوّلون أي الشاب الظريف وابن نباتة والعسقلاني – في رتب متقاربة قياساً بالبُوصِيري وابن الوردي والحلي.

ويحتل الشاب الظريف الرتبة الأولى بفارق 10.71 عن الرتبة الثانية. ويرتبط هذا بتقدم الغزل في التدريب السابق؛ لأن الغزل يشكل 43.31 من شعر الشاب الظريف:

 

الشاعر

النسبة

1

الشاب الظريف

34.72

2

ابن نباتة

24.01

3

العسقلاني

22.29

4

البوصيري

14.64

5

ابن الوردي

12.58

6

الحلي

6.2

يمكننا حصر النتائج بثلاثة مستويات ترصيعية:

1-التشطير الترصيعي: يقول فيه العسكري: "هو أن يتوازن المصراعان والجزآن، وتتعادل أقسامهما مع قيام كل واحد بنفسه، واستغنائه عن صاحبه"([30]) ويتم فيه توازن الألفاظ والأبنية أي مقابلة كل لفظ بلفظ آخر. وأن تكون الألفاظ المتوازية موقعياً ذات صيغ متجانسة.

يقول البوصيري على الخفيف([31]):

وَلِحُكْمٍ مِنَ الزَّمَانِ انْتِهَاء

 

وَلِحُكْمٍ مِنَ الزَّمَانِ ابْتِدَاءُ

صور التقابل الموقعي:

تقابل موقعي

و

ل

حكم

من

الزمان

انتهاء

 

و

ل

حكم

من

الزمان

ابتداء

تواز نحوي

رابط

حرف

مجرور

حرف

مجرور

مرفوع

يتم بين الشطرين الاستقلال المعنوي والتقابل الترصيعي على مستوى الصيغ الصرفية، ويدعم ذلك التقابل التوازي النحوي بين الحروف والأسماء؛ كما يقوم التجنيسُ بفاعلية كبيرة في خلق التقابل بين الشطرين، على الرغم من عدم اشتراط النقّاد الصنعة التجنيسية في الشطر.

2-التجزئة: "هي أن يكون البيت مجزّأً ثلاثة أجزاء أو أربعة"([32]) ويقوم التقسيم على عدد تفعيلات البيت، فإن كان سداسياً قُسِّم إلى ثلاثة أقسام، وإن كان ثمانياً قسم إلى أربعة أقسام، وتقع الوحدات الترصيعية على الوحدات العروضية. يقول الحلي (على البسيط)([33]):

بِبَارِقٍ خَذِمٍ فِي مَأْزقٍ أَمَمٍ،

 

أَوْ سَائِقٍ عَرِمٍ فِي شَاهِقٍ عَلَمِ([34])

قُسم البيت إلى أربعة أقسام:

قابلت كل وحدة ترصيعية وحدة عروضية، وجاءت الوحدات الترصيعية على الشكل الآتي:

تتطابق الكلمات الثلاث في صيغة صوتية واحدة "فاعل" وتدخل "مأزق" معهما في الترصيع التقطيعي "فاعلن"

ويتضح الترصيع الصرفي في الجزء الثاني من القرائن على مستوى الوحدات الأربعة:

ويتم التوازي الموقعي للترصيع الصرفي على مستوى البيت:

ببارق خذم،

في مأزق أمم

أو سائق عرم،

في شاهق علم

1 2

3 4

5 6

7 8

أ

ب

ج

بدمشق

تتوازى المواقع "1-3-5-7" والمواقع "2-4-6-8".

ويترابط البيت بالتوازي النحوي، القوي للترابط الترصيعي:

ب

بارق

خذم

في

مأزق

أمم

أو

سائق

عرم

في

شاهق

علم

رابط

مجرور

صفة

حرف

مجرور

صفة

لا تختلف "سائق" عن "بارق" في الموقع النحوي باعتبار الجر، وإن اختلف إعرابهما لفظاً، إذ تكون اسماً معطوفاً على بارق، والمعطوف يتبع المعطوف عليه في الحركة والحالة الإعرابية، كما يرتبط البيت بالتوازن التجنيسي في خمسة مواقع:

ببارقٍ

خذمٍ

في

مأزقٍ

أمم

أو سائقٍ

عرمٍ

في

شاهقٍ

علمِ

3-المقطَّع: يدل على تساوي القرينة مع التفعيلة، ويسميه ابن أبي الإصْبَع "-654هـ" ب "الموازنة"([35]) وذلك لتساوي الكلمات في التسجيع والتجزئة، يقول ابن الوردي على الكامل([36]):

فضّيّةٌ

وسنيةٌ

ونديةٌ

أرجاؤُها

ورِياضُها

وقُصورُها

متفاعلن

متفاعلن

متفاعلن

متفاعلن

متفاعلن

متفاعلن

تساوت في البيت القرينة – وهي كلمة واحدة – مع التفعيلة. كما ارتبطت الكلمات بالتسجيع، وتعادلت القرائن بالترصيع الصرفي.

تشمل المستويات الثلاثة "التشطير الترصيعي والتجزئة والمقطَّع" صور الترصيع وتوازيها مع العناصر الشعرية الأخرى، ودرجات اتساقها مع المستوى العروضي. وهي جميعها تشكل علامة بارزة في الشعر المملوكي بسبب كثافة حضورها.


(*) مدرس في كلية الآداب -  جامعة حلب

([1])-بنية اللغة الشعرية 92.

([2])-تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية في الشعر 228.

([3])-مثل، قدامة والصولي "-335هـ" وابن رشيق "-456هـ".

([4])-مثل، ابن قتيبة "-276هـ" والمبرد "-285هـ".

([5])-تحرير التحبير 425.

([6])-العمدة 1/171.

([7])-الرِّباب: خمس قبائل هي: ضبة ونور وعُكْل وتَيْم وعَدي، اجتمعوا فسموا الرباب، كانت إقامتهم مجاورة لبني تميم في الدهناء، وقد وقعت بينهم وبين هوازن معركة فانتصروا بها – معجم قبائل العرب 2/415.

([8])-مفتاح العلوم 576.

([9])-المثل السائر: 1/203.

([10]) -هي: ديوان الشاب الظريف، وصفيّ الدين الحلّي، وابن الوردي، والبوصيري، وابن نباتة، وابن حجر العسقلاني.

([11]) -الموشح 40-41.

([12]) -الديوان 113.

([13]) -الكافي في العروض والقوافي 166.

([14]) -من قول النابغة الذبياني: (الوافر):

وَهُمْ وَرَدُوا الْجِفَارَ عَلَى تَمِيْمٍ

 

وَهُمْ أَصْحَابُ يَوْمِ عُكَاظ إِنِّي

شَهِدْتُ لَهُمْ مَوَاطِنَ صَادِقَاتٍ

 

أَتَيْتُهُمُ بِودِّ الصَّدْرِ مِنِّي

الديوان 253.

([15]) -الموشح 40-41.

([16]) -الكافي في العروض والقوافي 166.

([17]) -تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية في الشعر 234.

([18])- تحرير التحبير 425.

([19]) -المثل السائر 3/201.

([20]) -نقد الشعر 222.

([21]) -الديوان 52-53.

([22]) -مارٍ: من مَرَن يمرُن مرونة، وهي لينٌ في صلابة. البز: السلاح. المارن: الأنف وقيل طرفه.

([23]) -عيار الشعر 126.

([24])-قواعد الشعر 57.

([25])-نقد الشعر 40.

([26])-نفسه 162-163.

([27])-هو أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري السجلماسي، كان حيّاً سنة 704هـ وجُهل تاريخ وفاته، انظر: المنزع البديع، المقدمة 48.

([28])-المنزع البديع 498-499.

([29])-نفسه 506.

([30]) -الصناعتين 411.

([31]) -الديوان 16.

([32]) -البديع في نقد الشعر 62.

([33]) -الديوان 695.

([34]) -خَذِم: سريع. أَمَمٍ: يسير.

([35]) -تحرير التحبير 386.

([36]) -الديوان 139.

 

يتبـــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244