|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:20 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
فكرة الزمن فـي الدراسات العربية ـــ الدكتور حسين جمعة* ) ليس من مهمة هذا البحث أن يحيط بفلسفة الزمان ومرادفاته في الدراسات العربية القديمة ومناقشتها؛ ولا من مهمته أن يحيط بالمؤلفات كلها. وإن رام شيئاً من ذلك فإنما ليثبت أن الزمن موضوع ذاتي فكري وإنساني شغل الذهن العربي قديماً بقوة أعظم مما شغل الذهن البشري كله. ومن هنا لا يضيرنا أن نشير إلى بضعة أسماء يونانية وغربية انشغلت بالزمان على نحو ما؛ فمن قدماء اليونان أرسطو وهرقليطس وأفلاطون.. ومن مفكري الغرب المحدثين وأدبائه ونقاده نيوتن وكانت ومارتن هيدجر.. وبِرْغسون، وجان بياجيه، وغاستون باشلار، وولترستيس، وهانزميرهوف؛ وجين ليبرتي.. وقد تحوّل الزمن إلى قيمة فنية عظيمة في الرواية والمسرحية حتى صار عنصراً أصيلاً فيها؛ ثم جعله بعضهم بطلاً لرواياته مثل مارسيل بروست في روايته البحث عن الزمن المفقود).. كما استقلت فكرة الزمن بقدر كبير من الإيداع الروائي عند فرجينيا وولف، وجيمس جويس.. وصار مدار أبحاث عديدة منفردة (1) أو مجتمعة في كتاب واحد كما في كتاب فكرة الزمان عبر التاريخ)(2) . أما العرب فقد خلعوا على الزمن/الدهر من الصفات ما لم يقع لغيرهم من الأمم؛ فأخبارهم وأشعارهم؛ ثم مؤلفاتهم ومعجماتهم امتلأت بلغة موحية مثيرة عن الزمان ومصطلحاته وتأويلاتها الفلسفية والفكرية، فضلاً عمّا قيل عن الزمان في القرآن).. وإذا كان أبناء العربية قد تخلفوا عن ذلك في العصور الحديثة فهم يسعون من جديد للحاق بركب الآخر. ولعلّ القضية مع الزمن تبدأ تاريخياً – قبل – العصر الجاهلي ورواية أدبه؛ منذ وجود الجنس العربي على الأقل، الذي شهد تماهياً مع الزمن في الرقم والنقوش والشرائع كشريعة حمورابي.. ثم الشعر الذي تناقلته الذاكرة الفردية والجماعية على مدى الدهر حتى أسلمته إلى مرحلة التدوين. أي لمّا غَدت الأشكال الشفاهية للتراث القديم أشكالاً زمانية؛ علاماتها الصوت الذي طفقت موجاته الأثيرية تَعْبر حدود الزمان والمكان والمجتمع إلى الأجيال اللاحقة المتعاقبة في الزمن التاريخي المؤقت جاءت الكتابة لتحقق لـه صفة الزمن المطلق في الخلود.. فالرواية كانت تمثل الزمن المؤقت في الماضي؛ لأنها مرهونة بأفواه آخر من يتلقى النص؛ وربما مات وماتت معه زمانية الرواية فذهب النص ومات هو الآخر مع صاحبه؛ وهذا ما أثبته ابن سلام من قبل (3) ؛ وكأن الزمن الأخير زمن التاريخ الوحيد والمجهول.. أما الكتابة فقد اختزلت الموت والحياة، وكل شيء في الوجود وطبعت الشعر بطابع الديمومة والثبات؛ وكأنها أضحت على مستوى واحد ومماثل للزمن المطلق.. ولا شيء أدل على هذا من النقوش التي عثر عليها هنا وهناك ومنها نقش النمارة الذي خلد صاحبه بينما ماتت أسماء أخرى؛ فضلاً عن الأبنية والقصور والقبور(4) .. ولهذا كله فإن فلسفة التدوين والتوثيق؛ وشيوع ظاهرة الكتابة والتأليف عند العرب في القرن الثاني الهجري التي سبقتها الرُّقُم والنقوش قديماً، تجسد حقيقةً فلسفة الزمن المطلق. فالمؤلفات نقلت التراث – ومنه الشعر – من حالة الضياع والتشتت في الزمن الميقاتي المؤقت إلى حالة الوجود والثبات والديمومة والتوحد؛ فخلد حيّاً أبد الدهر وانتصر على الفناء والتناهي. ولعل هذا يعني أن الزمن النفسي العاطفي المعرفي والوجودي هو الذي فرض على العرب القدماء حالة الخوف على التراث من الزمن المؤقت الذي ينتهي بنهاية تراثهم؛ مما جعلهم ينقلونه إلى زمن الثبات والديمومة.. حين قيدوه بصحفهم ووضعوه بين يدي البشرية.. ومن ثم كانت مدوناتهم سبيلاً آخر ليس لمعرفة التراث وحده وإنما لإدراك أطوار النضج الحضاري الذي وصلوا إليه؛ بإدراكهم لفلسفة الزمان وأثره في دورة المعرفة والحياة. فنظرية الزمان لديهم استمدت أصالتها وصدقها وقوتها من ارتباطها العظيم بأغوار التراث، وما يتضمنه من قيم روحية ومادية ومعنوية معرفية.. ولهذا فكل دارس للتراث العربي وعصره وبيئته يدرك بجلاء أنه كان – ولا يزال – مصدراً ثرّاً لكثير من القضايا الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية والتربوية.. والأدبية والنقدية واللغوية والجمالية والفنية.. ويعد الشعر – ديوان العرب – أبرز أنماطه الزمانية التي تحدَّتْ فكرة الفناء والموت. وإذا كانت المقولات والدراسات قد كثرت عنه في القرنين الماضيين فإن القدماء ركزوا عنايتهم فيه قبل غيره؛ وكانت لهم حوله نظرات عديدة، منها ما يرتبط بالزمان.. ولا يزال هذا التراث يختزن أشياء كثيرة، تحدونا إلى التفكير فيه.. ولهذا خصصنا هذا القسم لمفهوم الزمن في الدراسات العربية القديمة بعد صدر الإسلام. فإذا كانت فكرة الزمان قد شغلت الإنسان القديم عامة والجاهلي خاصة؛ فإنها كانت مدار اهتمام النقّاد والأدباء والدارسين القدماء من العرب؛ وذكروها على غير وجه؛ وربما خصصوها بدراسات لا يشركها فيها فكرة أخرى. وقد كانت هذه الدراسات بمنزلة المقدمة الطبيعية لدراسات الحديثة؛ في الوقت الذي أثبتت أسبقية العرب في التأليف حول فكرة الزمان. وهذه الدراسات وتلك أُسست لما نحن مقبلون عليه؛ أما مفهوم الزمان وفلسفته في القرآن الكريم أو الحديث الشريف فهو يحتاج إلى دراسات خاصة. لهذا كله سنترك ما يتعلق بفكرة الزمان فيهما – وإن أشرنا إلى ما قاله بعض القدماء والمحدثين في بعض اتجاهاتها في العديد من الآيات والأحاديث – لنتوقف عند الآراء والدراسات التي تناولتها أكثر دراساتهم؛ إذ إنه من المتعذر على المرء أن يحيط بها مجتمعةً، ويبين أشكالها وما قيل فيها. ويبدو لنا أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) كان سباقاً إلى مفهوم الزمن النفسي والاجتماعي والمعرفي.. فتجاوز فيه ما نعرفه عن مفهوم الزمن الفيزيائي.. حين قرن الزمان بالناس، وأحوالهم في الحياة الدنيا. فكان بهذا في طليعة المبدعين المنظرين للزمن بصفته الاجتماعية. ومن ذلك قوله: "أيها الناس!! إنا قد أصبحنا في دَهْرٍ عنود؛ وَزَمنٍ كنود؛ يُعَدُّ فيه المحسن مسيئاً؛ ويزداد فيه الظالم عتواً؛ لا ننتفع بما علمنا، ولا نَسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحِلَّ بنا"(5) . فالإمام كرَّم الله وجهه) يشير إلى الزمن الجائر؛ فهو جائر لكفر الناس بالإيمان الصحيح.. وخروجهم عن العدل بغلبة الضلالة واستيلاء الباطل على العقول.. ولما ساد الجهل غدا المسيء محسناً؛ إذ غلب على أهل الزمان الرذيلة والفسق؛ وقد خرجت أعمالهم بمقتضى طباعهم، وظهر القبيح كأنه فعل حسن.. ولهذا نسبوا المحسن إلى الإساءة حسداً وطمعاً،.. فازداد الظالم ظلماً، وتجبراً. فلو كان هذا الزمان زمان عدل لما وصل الجور إلى ما وصل إليه وفق داعي الطباع النفسية الأَمَّارة بالسوء، لقوله تعالى: لقد استكبروا في أنفسهم وعَتَوْا عتوّاً كبيراً [الفرقان 25/21]. ومن ثم توجه إلى أهل العلم؛ باعتبار تقصيرهم.. فلم ينتفعوا بما يعرفونه من الحق والعدل والمعرفة.. وذلك يقف مع العمل به موقف الجسد من الروح يتكاملان ولا ينفصلان.. أما أهل الجهل فإنهم ركنوا إلى جهلهم؛ فلم يسألوا عن ألوان المعرفة والحق والعدل، لأنهم قتلوا الرغبة في ذلك. فقد ألهاهم زمن اللذات الحسية الحاضرة الممتدة؛ وكأنهم رضوا بما كان عليه أجدادهم القدماء الذين ضَلّوا عن سواء السبيل.. فمن انشغل بزمن اللذات ومصالح الدنيا خرج عن نظام العدل، ودخل في جور الزمان وما فيه من الضَّلالات والجهالات.. مما يجعلهم لقمة سائغة للوقوع في شر أعمالهم؛ كما تدل عليه عبارته "ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا". فعدم المبالاة والتدبر يؤدي إلى شر العواقب في آخر الزمان؛ زمان الجور. ويركز الإمام رضي الله عنه) على مفهوم الزمان الاجتماعي الذي خرج عن حده الفيزيائي والميقاتي؛ ومن ثم أصبح زمناً نفسياً مَعرفياً يرتبط مرة بالأزل الدنيا) ومرةً أخرى بالأبد الآخرة)(6) كقوله: [أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباعُ الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخر. ألا وإن الدنيا قد ولَّت حَذَّاءَ؛ فلم يبق منها إلاَّ صُبَابة.. ألا وإن الآخرة قد أقبلت ولكل منهما بنون](7) . ويظهر لي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه) قد حرص على بيان فكرة جور أهل الزمان وغلبة الفساد على أهله وعدم النجاة فيه إلا لمن كان من أهل الإيمان. فالإنسان يتعلق نفسياً بحدوث أمر ما في المستقبل، ويتوقع فيه الخير لا الشر في أموره الدنيوية والدينية باستدعاء مهلة الأجل وطول الأمل.. وهذا يستلزم الإعراض عن الحق لأنه يؤجل التوبة والعودة إلى الله، وهذا قمة الظلم والجور على النفس.. كما أنه مصداق لقوله تعالى في الكافرين: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهِهمُ الأملُ فسوف يَعْلمون الحجر 15/3). فالإمام نفذ إلى مفهوم الزمن الاجتماعي والنفسي وإن لم يعْزِلهما عن الزمن الموضوعي الذي جعله ظرفاً لكل شيء. وقد التقط عبد الله بن المقفع ت 12هـ/ 759م) فكرة فساد الزمن وجوره وطفق ينظّر لها تنظيراً معرفياً سياسياً واجتماعياً.. فانتهى إلى مفهوم الزمن الفلسفي المعرفي في رسالته المعروفة عن الراعي والرعية، ففي هذه الرسالة الموسومة باليتيمة قسَّم الزمن باعتباره النفعي الميقاتي، لا باعتباره الفيزيائي الموضوعي.. فهو لديه أربعة أقسام باعتبار أن "الزمانَ الناسُ.. فخيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية.. ثم إن الزمان الذي يليه أن يصلُحَ الإمام نفسه ويفسد الناس؛ ولا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم.. والزمان الثالث صلاح الناس وفساد الوالي؛ وهو دون الذي قبله.. وشر الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية، وتلك كارثة لم يتقادم عَهْدُ كونها.."(8) ولعل ابن المقفع يبين ما هو عليه زمانه من حال الراعي والرعيَّة، وبهذا أسس لمفهوم الزمن التاريخي السياسي الاجتماعي؛ إذ قرن الزمان بالسلطان والناس. وبهذا قدم لنا مفهوم الزمن الفيزيائي بصورة جديدة مجازية؛ ومن ثم أسس في رسالته فكرة الدراسة التطبيقية لمفهوم الزمن المعرفي؛ وفكرة التأليف المتخصص في فكرة الزمن وأثره. ومن هنا جاء من بعده ليفتحوا باب التأليف عن الزمن في كتب خاصة. ويعد أبو علي محمد بن المُسْتَنير، المعروف بقُطْرُب ت206هـ/821م) السابق في هذا الاتجاه؛ حين ألَّف كتابه الأزمنة وتلبية الجاهلية)(9) . وتحدث فيه عن تسمية السماء والشمس والقمر والنجوم في إطار زمني مستشهداً بأقوال وأشعار السابقين لـه.. ثم تناول أسماء الليالي في ابتداء الهلال إلى آخر الشهر.. وعرض لمنازل لقمر، وساعات الليل والنهار كما في قوله: "يقال: الليلة؛ ليلتكَ التي أنت فيها. والبارحة: الليلة الماضية قبلها.. وأما القابلة فلما استُقبل بعد ليلتك التي أنت فيها، وكأنها مأخوذة من الاستقبال.. وليس في الليالي من تسمية ما في الأيام إلا ما ذكرنا(10) . وقد أوضح بدقة مفهوم الزمن الحاضر والماضي والمستقبل بألفاظه التي تدل عليه، وعرض بين يديه شواهد شعرية؛ منها قول نُصَيْب(11) : وإني حُبستُ اليومَ والأمسِ قبلَه ببابِك حتَّى كادتِ الشمس تَغْربُ "وأما غَدٌ) فليومك الذي يستقبل، وبعد غد لليوم الذي بعده، والذي يليه اليوم الثالث. وقالوا في غَدٍ، في مَثَل لهم: غَدْواً إنضاجُها وطيبُ لحمِها)، يريد: غداً؛ فأظهر الأصل"(12) ثم استشهد بقول لبيد بن ربيعة(13) : وما الناسُ إلاّ كالديار وأَهلُها بها يومَ حَلُّوها وغَدْواً بلا قعُ ثم ذكر أسماء الأيام في عهده وفي العصر الجاهلي، وختمها بأسماء الشهور؛ ومن ثم انتقل إلى تلبيات العرب.. ومن قوله في ذلك "فالمُحَرَّم سُمّي المحرم لأنه حُرِّم فيه القتال. وصَفَر: كانوا يخرجون فيه إلى بلاد يُقال لها: الصَّفَريَّة يمتارون منها. وربيع الأول والآخر لارتباع القوم والمقام.. وجمادى الأولى والآخرة: بجمود الماء فيها. وكانا يسميِّان: شيْبانَ ومِلْحانَ.."(14) فالزمن لديه لم يعد مجرد حركة فيزيائية للفلك تدل على وقت ما، قلَّ أم كثر، انقطع أم اتصل، بل غدا لـه وجه معرفي اجتماعي. فقارئ الكتاب يلحظ أنَّ الحديث لم يكن حكراً على الزمن أو على تحديد مفهومه الفيزيائي الميقاتي وإنما اتخذ عند قطرب وجهاً اجتماعياً، ومنه استمد كثيراً من تسمياته.. وحين حَدَّد الزمن بأقسام ثلاثة كان يعتمد في ذلك على ما اختزنه من معارف العرب وأشعارهم وتجاربهم.. وبهذا ظهرت فكرة تقسيم الزمن مما خبره العرب وأدركوه عن عيان؛ وسموه بأسمائه الخاصة به لديهم.. وليست قادمة من اليونان أو غيرهم كما يراه بعض الباحثين.. ولعلّ التأثير اليوناني يظهر في فلسفتهم لفكرة الزمان من بعدُ. ويؤيدنا في هذا كله أشعار العرب وما ظهر من مؤلفات عن الزمان في عصر قطرب وما بعده(15) . ونذكر منها كتاب ابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري) على سبيل المثال وهو الأنواء في مواسم العرب) فضلاً عن كتابه أدب الكاتب) الذي خصص فيه فَصلاً كاملاً للحديث عن الزمان؛ باعتبار الزمان الاجتماعي لحياة التبدي عند العرب. وقد أفاد ابن قتيبة، المولود ببغداد سنة 213هـ/828م) والمتوفى فيها 276هـ/ 889م) في نتاجه كله ولا سيّما كتابه الأنواء)، من خبرات المتقدمين، ومن أشعار العرب؛ فضم فيما ضمّه إليه كلاماً على الأزمنة وفُصولها "والأمطار وأوقاتها، واختلاف أسمائها في الفصول، وأوقات التبدّي لتتبع مساقط الغيث وارتياد الكلأ، وأوقات حضور المياه؛ وما أودعته العرب أسجاعها في طلوع كل نجم من الدلالات على الحوادث عند طلوعه، وعن الرياح وأفعالها، وتحديد مهابّها، وأوقات بوارحها.. وأمارات خصب الزمان وجدوبته؛ إلى غير ذلك"(16) . وكان كلما تحدث عن النجوم والأنواء ربطها بمقياس زماني محدد عرفه العرب في أحوالهم وأيامهم، كما نراه في قوله: "والشمس تقطع السماء في سنة، وتقيم في كل بُرْج شهراً؛ وفي كل منزل من المنازل التي ذكر ثلاثة عشر يوماً. والقمر يقطع السماء في كل شهر، ويقيم في كل برج ليلتين وثلثاً؛ وفي كل منزل ليلة. ويستمر إذا كان الشهر ثلاثين يوماً ليلةً تسع وعشرين، ويستسر إذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً ليلةَ ثمانٍ وعشرين"(17) . فالزمن الاجتماعي باعتباره صورة محملة بطبيعة حياة مجتمع ما وعاداته، يتجاوز مفهوم الحدث الزمني التاريخي ليغدو فكرة زمانية اجتماعية أبعد من الطبيعة الموضوعية للزمن، تعي الواقع وتعبر عنه. لهذا ليس هناك من شك في "أن فكرتي الزمان والتاريخ ليستا أصيلتين في فطرة الإنسان.. كما أن الأفكار عن الزمان ليست عالمية أو مُوحَّدة. فلكل من اللغات المختلفة والحضارات المتباينة طرائقها المتمايزة تماماً في تصوير الزمان. مثال ذلك لغة هنود أمريكا من قبائل الهوبي التي تفتقر افتقاراً واضحاً إلى الصيغ الزمنية المتمايزة للدلالة على الماضي والحاضر والمستقبل، ولهذا يعيشون في حاضر لغوي دائم"(18) بينما أثبتت لغة العرب أنها لغة زمانية تعبر عن الأوقات كلها تعبيراً ميقاتياً في الوقت الذي يتحوّل فيه التعبير الزماني إلى شكل مجازي.. وهذا يدل على أن الوعي بالتزامن والتعاقب لم يكن استجابة طفولية لديهم وإنما كان وعياً لكل ما يدور حولهم، إذ غدا ذا دلالات اجتماعية ومعرفية ومكانية طبيعية عميقة، وإن لم يتجاوز الحسي إلى الذهني المجرّد حتى الآن. فالزمن غدا كما عبّرت عنه الدراسات العربية القديمة المبكرة قياساً للعمر ومدة البقاء؛ في الوقت الذي صار تجربة اجتماعية مادية ونفسيّة تنطوي على وعي لتعاقب الأحداث؛ ميلاداً وموتاً وربطها بالزمن الطبيعي.. دون أن ينسى العرب مفهوم الزمن التاريخي لحظة واحدة.. وفي ضوء ذلك اهتدوا إلى دورة الزمن التي لا تتشكل في بداية ولا نهاية وأطلقوا عليها مفهوم الدهر.. ثم تغير المفهوم الزمني الدائري بفعل العقائد الدينية؛ وبفعل الدراسات الفكرية والأدبية.. المتأثرة بالثقافة الوافدة في عصر ابن قتيبة وما بعده. ولعل من أهم الدراسات العربية القديمة التي جعلت الزمان بعداً موضوعياً فنياً قبل أن يكون زمناً تاريخياً واجتماعياً ما قدمه لنا أبو علي المرزوقي ت 421هـ/ 1030م) في كتابه المشهور الأزمنة والأمكنة).. فإذا كان ابن قتيبة قد حرص على التمسك بثقافة القدماء ومعاينة ما قالوه مما حجب عنه فكرة تحليل الأشعار والأسجاع التي جاءت في كتابه فإن المرزوقي جهد في البحث عن المعاني المرتبطة بالزمان في شرحه للعديد من الشواهد الشعرية.. فضلاً عن العنوان الذي يحمل وعياً ناضجاً للزمن يذكرنا بوعي قُطْرب) له.. وحين لوَّح قطرب بفكرة المكان في إطار تلبية الجاهليين) وربطها بالزمان فإن المرزوقي صرح بفكرة الربط بين الزمان والمكان في العنوان.. وانطلق من أُحادية الزمان والمكان إلى التعددية مقتدياً بما فعله قطرب) ولكنه كان يدرك منذ البداية ما هو مقدم عليه كما توضح خطبة كتابه. فقد أحسّ المرزوقي بذاتية الزمان في المكان.. ويمشي الزمان الذاتي الفني بمقدار ما يجري في المكان من بواعث التأثير فيقول: "فترى ذكر الزمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم، ومشرع الروح لأفئدتهم، ومستمد لذاتهم، ومشتكى أحزانهم. به يكشف البلوى ويستنزل المطر، فليسوا بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن والمطر.."(19) . فالمرزوقي لم يكتف بالربط بين الزمان الحضوري الوجودي والمكان، وإنما ربطه بالزمن التاريخي والنفسي ثم الفكري الذي يدور بين ظهرانيه.. ثم عضده بالشعر القديم بمثل ما شفعه بآراء الفلاسفة والمتكلمين ممن عرفهم أو قرأ عنهم، وناقشهم في ذلك. فهو كتاب يدور حول الزمان بلا شك، ولا ينقطع عن مفهوم المكان، ولكنه زمن أدبي فني شمولي في وقت واحد كما يستدل عليه من الباب الحادي والخمسين الذي خصّه بذكر التاريخ وابتدائه والسبب الموجب له، وما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه). ومما ورد فيه قوله: "تاريخ كل شيء في اللغة غايته ووقته الذي انتهى إليه.. وقال آخر: بل هو إثبات الشيء.. فأما العرب فكانوا يؤرخون بالنجوم قديماً وهو أصل، ومنه صار الكتاب..". ثم قال: "وكانت العرب تؤرخ بكل عام يتّفق فيه أمر جليل مشهور متعارف كتأريخهم بعام الفيل؛ وفيه ولد النبي ) وكان ذلك في السنة الثامنة والثلاثين من ملك كسرى أنو شروان"(20) . ومن ثم تحدث عن وقائع وأحداث أرخ بها العرب، وذكر منها عام الخُنان) وأيد قوله بشعر النابغة الجعدي؛ وهو(21) : فَمَنْ يكُ سائلاً عنّي فإني من الفتْيان في عام الخُثَانِ مضت مئةٌ لعامِ ولدتُ فيه وعشرٌ بعد ذاك وحِجَّتان فقد أبقت صروفُ الدهر مني كما أبقت من السيف اليماني فالمرزوقي نفذ إلى الزمن التاريخي المعرفي الماضي، في الوقت الذي نفذ منه إلى الزمن الذهني بالاعتماد على الشعر والقرآن والحديث والأخبار والمعارف والفلسفة.. فكل ما وقع في أبواب كتابه الستين الممتدة على ثلاثة وتسعين فصلاً في جزأين اثنين.. قائم على مفهوم زمن عقلي منضبط على مقدمات ونتائج تتدرج من التنظير إلى التطبيق.. وكأنه ما جعل فكرة الزمان وربطها بالمكان إلا من أجل غاية واحدة وهي دفاعه عن عقيدة الإسلام الصحيحة. ولهذا وضع الجزء الأول للتنظير في فكرة الزمن واستدل على ذلك بالمأثور من القول وبالقرآن والحديث الشريف؛ ومن ثم كان يقويها بالأدلة العقلية.. ليدحض كل انحراف أو ضلال عنها.. وكأني به يرى فكرة الزمن المعرفي والذهني أفضل دليل على صحة العقيدة التي أرساها الإسلام في تاريخ البشرية. ومن هذا قولـه بعد أن تكلّم على حَدّ الزمان عند بعض المعتزلة: "اعلم أن العبارة عن الوقت قد حصلت من القديم تعالى، ولا فلك يدور ولا شمس في البروج تسير. وعبر أيضاً عن أوقات القيامة؛ فمرّة قال تعالى: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة المعارج 70/4)؛ ومرة قال تعالى في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون السجدة 32/5)؛ وقال تعالى: خلق السموات والأرض في ستة أيام هود 11/7).. فجميع ذلك أجرى لأوقات موقّتة لمعانٍ قدرها الله تعالى على أحوال رتبها، ومراتب صورها.."(22) . ولما انصرف في الجزء الثاني إلى بقية الأبواب كان يصل بين معانيها وما ورد لها من الشعر القديم والمعاصر لـه.. ومن ثم يذكر البيت والبيتين والثلاثة، وربما أورد مقطعة أو قصيدة من القصائد التي توضح جوانب عديدة من هيئات الزمان وحدوده ومعانيه.. وهذا ما لم نجده عند غيره من قبل. ويمكن للمتأمل في كتاب "الأزمنة والأمكنة" أن يلحظ تأثره في منهج أصحاب الاختيارات الشعرية فينقل منهم، الشعر الذي يرد في صفة الزمان.. كما نراه في الباب الرابع والعشرين في شدة الأيام ورخائها..) والسادس والعشرين والسابع والعشرين في أسماء القمر وصفاته./ وفي ذكر أسماء الهلال) والسابع والثلاثين في ذكر الرواد وحكاياتهم..) والتاسع والثلاثين في السير والنعاس..) ثم في الباب السابع والأربعين في صفة طول الليل والنهار) فضلاً عمّا يتصل بالحنين والشوق والشكوى من الهرم والكبر.. إذ نجد كثيراً من أشعار هذه الأبواب في ديوان حماسة أبي تمام، وفي حماسة الشاعر البحتري – على سبيل المثال – (23) . ولست الآن في معرض الحديث عن فكرة الزمان في الكتاب منهجاً ومادة بشكل مفصل – إذ يستحق من الباحث دراسة خاصة لأهمية ذلك – ولكنني في هذا المقام أوضح أن المرزوقي كان مبدعاً في إبراز الزمان الموضوعي المعرفي الذي سافر إلى الزمان التاريخي؛ وتوقف عن أزمان ميقاتية عديدة؛ بمثل ما كشف عن علاقة الزمن الذاتي بالطبيعي والاجتماعي.. فكتاب "الأزمنة والأمكنة" بيّن لنا دقة إدراك المرزوقي لفكرة الزمان في ضوء التجربة الذاتية.. فالزمن لديه إحساس واعٍ في ضوء تجارب الماضي وخبراته ومعارفه. وبهذا حقق لنا الهدف من التأليف في هذا الموضوع؛ إذ استطاع أن يثبت أن الزمان الذي يستوعب الكون والتاريخ والجغرافية لا يمر إلاّ في إطار حركة الذات المعبرة عن الزمن المعرفي والنفسي.. وهي حركة امتداد الزمن الواعي من الحاضر إلى الماضي، ومن ثم الرجوع إلى المستقبل.. فالزمان ينساب في كل شيء باطراد العلائق الجوهرية التي تقع في أعراض المكان والوجود وحوادثها..(24) . ولهذا كله فحين يلجأ إلى الشعر القديم الجاهلي لم يكن هذا لديه لتفضيله إياه وإنما باعتبار سبقه الزمني الذي تبنى عليه دلالة الأطوار الزمنية حتى عصره.. وهذا عكس ما رأينا عند بعض القدماء من النقّاد اللغويين الذين نبع لديهم المثال الأعلى للزمن من الماضي لا من الحاضر أو المستقبل؛ بل إنهم رأوا أنه ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين(25) وهذا ما سنوضحه حين نتحدث عن مؤلفات النقّاد الأدباء.. التي أشارت إلى فكرة الزمن بكل دقة ووضوح. وقبل أن نشير إلى جملة من الدراسات التي تناولت فكرة الزمن لا بدّ لنا من أن نبين مدى إفادة المرزوقي من فكرة الزمن عند النحويين؛ ولا سيّما عند سيبويه. فالزمن عند سيبويه ماض وحاضر) والسياق هو الذي يحول طبيعته إلى المستقبل.. كقوله تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم النساء 4/142) فالفعل يخادعون) يفيد التجدد مرة بعد مرة، فلم يقيد بالزمن الحضوري لصورة المضارع.. ولهذا كله فالزمان لديه ظرف للأفعال بصورتها تلك ثم تحول على يد النحويين المتأخرين إلى ماض وحاضر ومستقبل من جهة حدوث فعل ما..(26) . وإذا كان غرض الدراسة لا يتجه إلى بيان مفهوم الزمن النَّحْوي؛ فإن تلك الإشارة كافية لتنقلنا إلى عناية بعض النقّاد واللغويين والأدباء العرب بمفهوم الدلالة اللغوية لمفهوم الزمن وكل ما يدل عليه من ألفاظ أو يشترك معه في الدلالة الزمانية كالدهر، والوقت والحين، والمدة؛ والأزل والسرمد والأمد والأبد والقِدم.. فقد حظي مفهوم الزمن أو الدهر وما يتعلق بهما بأبواب مستقلة عند كثير من علماء اللغة في القرن الثالث الهجري وما بعده.. ويبدو لي أن ابن قتيبة كان أحد المتقدمين في هذا الاتجاه حين خصص باباً للزمان في كتابه أدب الكاتب)، ثم تبعه العديد من الدارسين في هذا المنهج(27) . ومن هنا يمكن أن نشير إلى اثنين من أصحاب معجمات الموضوعات التي تناولت مفردات الزمن والدهر ودلالاتها؛ الأول: الثعالبي ت 429هـ/1038م) في كتابه فقه اللغة وسر العربية)، وكان يدعم كل معنى بما يراه من شعر أو مثل.. ومما جاء في باب الأزمنة والرياح وأسماء الدهر ونعوت الأيام) قوله: "الدَّهْر: الأُبْضُ، وجمعه آباض. قال رؤبة: في حقبة عشنا بذاك أُبْضا) وعشنا بذاك هِبةً من الدهر، أي حِقْبة، وسَبَّةً من الدهر؛ وسَبْتاً، وبُرهةً، مثله. والحَرْس، والمُسْند، والأزلم كلها بمعنى الدهر. الجِزَع والحِقَب: السنون، واحدتها حِقْبة، والحُقُب: ثمانون سنة؛ ويقال: أكثر، وعِوَض دهر. ويقال: يدا الدهر: يريد الدهر، قال الأعشى: يدا الدهر حتى تلاقي الخيارا)، والسبت: الدهر"(28) . والثاني:ابن سِيْدَه ت458هـ/1066م) الذي أفاد من السابقين لـه في المنهج وفي معاجم الموضوعات، من مثل صنيع أبي هلال العسكري ت 395هـ/1004م) في كتابه التلخيص في معرفة أسماء الأشياء).. وغيره.. فقد كان كتاب المُخَصَّص) لابن سيده دقيقاً في تقسيم الأبواب، ومحيطاً بمعاني كل باب؛ ولافتاً لأطوار الدلالة التاريخية على نحو كثير.. فقد خصَّ السِّفْر التاسع) منه بكل ما يتعلق بالأنواء والنجوم وأسماء الزمان والدهر وصفاتها.. ومنه قوله: "الدهر: مدة بقاء الدنيا إلى انقضائها. وقيل: "دهرُ كلِّ قومٍ زمانُهم. والنسب إلى الدهر دُهري – على غير قياس -.. رجل دُهريُّ – بضم الدال – قديم؛ ودَهريّ – بفتحها – لا يؤمن بالآخرة.." ثم روى عن ابن السِّكِّيت ت 244هـ/857م) قوله: "زمن وأزمان وزَمان وأَزمِنة.. أَزْمَنْتُ بالمكان: أقمت فيه زماناً.. ومنه اشتقت الزَّمانة؛ لأنها حادثة عنه، يقال: رجل زَمِن، وقَوْم زَمْنَى.."(29) . فهذه الطريقة ذات اتجاه زمني دلالي تاريخي، تقدم المصطلح الزماني ومعناه في دلالته المعنوية التاريخية وهي تختلف عن الاتجاه الثاني الذي تناوله بعض اللغويين في إطار تطوري دلالي زماني لموضوع ما؛ كما هو عليه كتاب خَلْق الإنسان) للأصمعي ت216هـ/831م). وفيه يؤيد معاني الدلالة الزمانية بالشعر والآراء والأخبار والقرآن والحديث، وكذا هو خَلْق الإنسان) لأبي محمد ثابت بن أبي ثابت أحد علماء القرن الثالث الهجري. فحين تحدث عن تطور أعمار الناس فرّق في التسمية الزمانية بين الرجل والمرأة؛ ومما نقله عن بعض الناس في عمر الرجل قولهم: "ما دام الولد في بطن أمه فهو جَنين، فإذا ولدته سمي صبياً ما دام رضيعاً؛ فإذا فُطم سُمِّي غلاماً إلى سبع سنين؛ ثم يصير يافعاً إلى عشر سنين؛ ثم يصير حَزَوَّراً إلى خمس عشرة سنةً؛ ثم يصير قُمُلاًّ إلى خمس وعشرين.. ثم يصير عَنَطْنطاً إلى ثلاثين.. ثم يصير صُمُلاًّ إلى أربعين.. ثم يصير كَهْلاً إلى خمسين.. ثم يصير شيخاً إلى ثمانين.. ثم يصير بعد ذلك هِمّاً فانياً كبيراً،" ثم ذكر أطوار عمر المرأة.. وكان قد أورد آراءً أخرى في ذلك(30) . فالزمن هنا يحمل بعداً تاريخياً تعاقبياً مُتدرجاً، ولكنه لا ينفصل عن وجهه الاجتماعي. ويشبهه في الوعي الزمني التاريخي الاجتماعي ما ورد عن الفرق بين عمر الرجل والمرأة في كتاب أبي هلال العسكري الحسن بن عبد الله ت 395هـ/ 1004م) الفروق في اللغة). وفيه خصّ الفرق بين الزمان والدهر) وما يتصل بهما بباب منه، وكان من قبل قد تحدث ببابه السادس عن الفرق بين القديم والعتيق؛ والباقي والدائم. ومما قاله: "الفرق بين الدهر والمُدَّة أن الدهر جمعُ أوقات متوالية مختلفة كانت أو غير مختلفة. ولهذا يُقال: الشتاء مُدَّة؛ ولا يقال: دهر.. والزمان.. يقع على كل جمع من الأوقات، وكذلك المُدَّة؛ إلا أن أقصر المُدَّة أطول من أقصر الزمان.." ثم فرق بين الوقت والميقات فقال: "الميقات ما قُدِّر ليعمل فيه عمل من الأَعمال. والوَقْت: وَقْتُ الشيءِ؛ قَدَرَه مُقَدِّر أو لم يقدره؛ ولهذا قيل: مواقيت الحج.."(31) . وبهذا يتضح لنا أن فلسفة الزمان والدهر عند اللغويين لم تتجه إلى دلالة المعنى الصرف؛ والتفريق فيما بينهما من هذه الجهة.. أو ما يتعلق بالألفاظ المرادفة لكل منهما.. بل لحظ اللغويون التطور الدلالي لمعنى الزمن التاريخي واستعماله؛ كما لحظوا الفروق الدقيقة في تسميات الأشياء وارتباطها بالزمن الاجتماعي.. ولهذا لم يسوقوا معنى الدهر أو الزمان أو غيرهما إلا ذكروا الأدلة عليه.. وتكفي هذه الإشارة السريعة إلى فهم اللغويين للزمن؛ وهي إشارة ذات قيمة كبرى في هذا المقام لتنقلنا إلى إشارة أخرى في الكتب التاريخية.. وإذا كانت قصص الأنبياء عليهم السلام) في القرآن الكريم قد أرخت لسيرتهم؛ فإن محمد بن إسحاق بن يسار 85-151هـ/704-768م) يُعد أوّل من ألَّف كتاباً متكاملاً في سيرة المصطفى) وإن قيل: هناك سبعة وعشرون مؤرخاً سبقوه في كتابة التاريخ(32) . فالزمن التاريخي الميقاتي الماضي؛ أصبح زمناً معرفياً فنياً على يديه؛ ثم انتقل من الزمن الفيزيائي إلى زمن الثبات والديمومة.. فابن إسحق جعل الزمن نسقاً تاريخياً تعاقبياً في إثبات الحوادث التي ترتبط بسيرة المصطفى؛ ولكنه جعله زمناً فنياً مترابطاً في آن معاً.. وبنى المعلوم على العلة، واللاحق على السابق.. ولهذا فقد أثبت في بداية الكتاب النسب الشريف لرسول الله ) ثم مضى إلى التعريف بجده عبد المطلب وتوقف عند نذره بذبح أحد أبنائه، ووقع النذر على عبد الله والد سيدنا محمد.. ثم أخذ يسرد علينا سيرته الكريمة.. بعد تزويج أبيه عبد الله وقد فُدي نذر عبد المطلب بذبح عظيم.. ثم مولد الرسول) والأخبار المتعلقة به؛ مثل حديث تُبَّع، ثم مقتلهَ. وحديث الفيل..(33) . وبهذا انتقلت السيرة التاريخية من تصور الزمن التاريخي القديم إلى مفهوم الزمن الممتد بثبات كتابة السيرة النبوية وديمومة قراءتها. وإذا كان ابن هشام ت204هـ) قد هذّب سيرة ابن إسحق؛ فإن كتب المغازي والأيام قد أخذت تظهر مشكلة في طياتها عنصر الزمان الفني التاريخي بفلسفة التفسير والتحليل والعرض الوصفي للأحداث التاريخية.. ككتاب النقائض) وأيام العرب) لأبي عبيدة. وبهذا كله ولدت كتب التاريخ التي لا تنفصل عن فلسفة الزمن التاريخي الميقاتي والمعرفي (34) . ومن الكتب ما حمل اسم الزمان عنواناً لـه مثل كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان..) للمسعودي ت 346هـ)(35) . فلو تأملنا عنوان هذا الكتاب الذي يفيد بإسناد الفعل إلى حوادث الزمان على المجاز في الهلاك والتدمير والموت لأدركنا المفهوم الفكري الفلسفي للزمن/ الدهر فيه وفي الكثير من المؤلفات العربية. وهو لا يقلّ عمقاً عمّا لدى اليونان وغيرهم من كتب تعرضت لفلسفة الزمان.. علماً أن العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة قد حركت أذهان القدماء وحفزتهم إلى معرفة فلسفة الدهر/ الزمان، وما يتصل بها من آراء ومفاهيم اعتقادية دينية مرتبطة بهما..(36) ومن تلك الآيات قوله تعالى: وقالوا: ما هي إلاّ حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علمٍ؛ إن هم إلا يظنون" الجاثية 45/24). واختلف الدارسون حول معنى الدهر في هذه الآية؛ فرأى القرطبي أن الآية تدل على إنكار الجاهليين للبعث والآخرة، لأنهم يؤمنون بقدرة الدهر على فعل ذلك. ثم يسوق رأي عكرمة وهو معاكس تماماً، فالمقصود بالدهر هو الله؛ مستدلاً على ذلك بما ورد في الحديث القدسي: [يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر..](37) . وفي الحديث الشريف: [لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر](38) باعتباره تعاقب أزمان غير منتهية. ومن ثمّ انْقسم الناس، فالدهريون والكفار يؤمنون بالدهر؛ لما يأتي به من حودث، والمؤمنون يؤمنون بأن الله هو الذي يسبب الفعل الواقع في الدهر. وقد عالج ابن قتيبة هذه القضية مستنداً إلى قول رسول الله): [لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصايب، ولا تنسبوها إليه؛ فإن الله عز وجل؛ هو الذي أصابكم بذلك؛ فإذا سببتم؛ وقع السب بالله عز وجل]. ثم مثّل لذلك برجلين سيّدٍ اسمه زيد) وعبدٍ لـه اسمه فتح)؛ فأمر زيد عبده فتحاً "أن يقتل رجلاً فقتله؛ فسب الناس، فتحاً، ولعنوه. فقال لهم قائل: لا تسبوا فتحاً؛ فإن زيداً هو فتح. يريد أن زيداً هو القاتل؛ لأنه هو الذي أمره؛ كأنه قال: إن القاتل زيد؛ لا فتح. وكذلك الدهر تكون فيه المصايب والنوازل، وهي بأقدار الله عز وجل"(39) . أما عبد القاهر الجرجاني ت471هـ/ 1079) فقد ذهب في تفسير الدهر إلى المجاز. فقال: "وإنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة كنحو ما قاله المشركون وظنّوه من ثبوت الهلاك فعلاً للدهر. فإذا سمعنا نحو قوله: أشاب الصغير وأفنى الكبيــ ـر كرُّ الغداة ومَرُّ العشي وقول [ذي] الإصبع: أهلكنا الليل والنهار معا والدهر يغدو مصمِّماً جَذَعا كان طريق الحكم عليه المجاز.." ثم قال معلقاً على أبيات مشابهة لما قاله أبو النَّجْم العجلي: "فهذا على المجاز وجعل الفعل لليالي ومرورها؛ إلا أنه خفي غير بادي الصفحة"(40) . وجاء في اللسان: "قال أبو عبيد: قوله؛ فإن الله هو الدهر مما لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن المُعَطِّلَة يحتجون به على المسلمين؛ قال: ورأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحتج بهذا الحديث؛ ويقول: ألا تراه يقول: فإن الله هو الدهر؟ قال: فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر؟ وقد قال الأعشى في الجاهلية: استأثر الله بالوفاء وبالـ ـ حمد ووَلَّى المَلامةَ الرَّجُلا قال: وتأويله عندي أن العرب كان شأنها أن تذمَّ الدهر وتسبه عند الحوادث والنوازل تنزل بهم من موت أو هرم؛ فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر؛ وقد ذكروا ذلك في أشعارهم وأخبر الله تعالى عنهم بذلك في كتابه العزيز ثم كذبهم؛ فقال: وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا.. قال عز وجل: وما لهم بذلك من علم؛ إن هم إلا يظنون"(41) . هذه هي تفسيرات ثلاثة للآية الكريمة تؤكد تطور مفهوم الزمن/ الدهر بين الجاهلية والإسلام؛ ومن ثم تزيل التوهم عن الوجه غير الحق في معرفة معنى الدهر.. وعلى هذا فإن كلمة رسول اله ) : [لا تسبوا الدهر]؛ على تأويل: "لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى؛ لأنه الفاعل لها؛ لا الدهر؛ فهذا وجه الحديث. قال الأزهري: وقد فسّر الشافعي هذا الحديث بنحو ما فسَّره أبو عبيد؛ فظننت أن أبا عبيد حكى كلامه"(42) . وبذلك كله اتضح الفرق بين مفهوم الدهر باعتباره ظرفاً خلقه الله لحدوث الفعل كائناً ما كان، وبين مفهوم الذات الإلهية.. فهما ليسا واحداً.. وهذا ما لم تدركه المسيحية أو غيرها من قبل، وأدركه المسلمون؛ ثم ناقشه الغربيون في القرن السابع عشر دون إشارة إلينا. وقد يعتقد كثير منا أن مفهوم الدهر في بعض الدراسات القديمة أخذ يتجه اتجاهاً يكاد يغاير مفهوم الزمن.. لأن عدداً غير قليل منها يرى أنهما ليسا واحداً؛ ولو وقع أحدهما موقع الآخر.. فيها،(43) بيد أن ذلك ليس مطرداً ولا عاماً. وبهذا فإن مفهوم الزمن/ الدهر لم يعد يقتصر على الدلالة القديمة؛ وإنما بدأ يتأثر بالتأمل؛ وبالآراء الكثيرة الوافدة. ولهذا يرى مسكويه أن الدهر ليس من الزمان ولا الحين ولا الوقت؛ فهو أخَصّ بالأشياء التي ليست في زمان ولا في حركات الفلك. فنسبة الزمان إلى الأمور الطبيعية كنسبة الدهر إلى الأمور غير الطبيعية أو ما فوقها. فالدهر شمولي كوني، متحرر من حركات الفلك(44) . فالدهر عند فلاسفة المسلمين ومفكريهم غدا باطن الزمان؛ وليس الزمان ذاته؛ كما يقول علي ابن محمد الجرجاني 740-816هـ): "الدهر هو الآن الدائم الذي هو امتداد الحضرة الإلهية؛ وهو باطن الزمان؛ وبه يتحد الأزل والأبد"(45) أما الزمان فهو "مقدار حركة الفلك الأطلس عند الحكماء؛ وعند المتكلمين: عبارة عن متجدد معلوم يُقَدَّر به متجدد آخر موهوم؛ كما يقال: آتيك عند طلوع الشمس؛ فإن طلوع الشمس معلوم ومجيئه موهوم؛ فإذا قُرن ذلك الموهوم بذلك المعلوم زال الإيهام" (46) والأبد "هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل؛ كما أن الأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي؛ مُدَّة لا يتوهم انتهاؤها بالفكر والتأمل البتة؛ وهو الشيء الذي لا نهاية له"(47) . ثم أكدّ هذا التعريف في موضع آخر وعرَّف الأزلي بقوله: "الأزلي: ما لا يكون مسبوقاً بالعدم. واعلم أن الموجود أقسام ثلاثة لا رابع لها؛ فإنه إما أزليّ وأبديّ؛ وهو الله سبحانه وتعالى؛ أو لا أزلي ولا أبديّ؛ وهو الدنيا، أو أبدي غير أزلي؛ وهو الآخرة، وعكسه محال؛ فإن ما ثبت قِدمُه امتنع عدمه"(47) . فالزمن وتعاقبه لم يعد إلا نموذجاً للحياة والطبيعية.. ولم يعد متماهياً في الذات الإلهية باعتباره الفيزيائي الموضوعي.. فالزمن الموضوعي متناهٍ يبدأ وينتهي؛ فهو زمن خطّي مستقيم؛ بينما الله تعالى غير متناهٍ في البدء والنهاية؛ فهو أزلي سرمدي أبدي.. إنه يمثل الزمن الدائم المطلق باطراد من دون علاقة بأي شيء، فهو غير قابل للتغير أو الفناء، أو التحول.. إنه يبقى على ما هو عليه.. ولعل هذا المفهوم الجديد للزمن المطلق والزمن المستقيم يختلف كل الاختلاف عمّا رأيناه في الدراسات السابقة القديمة في القرن الثاني الهجري، وعمّا عرفناه في مفهوم الجاهليين.. فالفعل الزماني يقع في قدرة الخالق اللازماني.. أو ما يعرف اليوم بالزمن المطلق لا الزمن الدائري الذي يبدأ بنقطة ثم يرجع إليها؛ كمن زعم نشأة الأرض من العدم ثم تعود إلى العدم. ونقول: إن لكل أمة تصوراً عن الزمن، وقد يختلف هذا التصور في إطار التطور التاريخي للزمن المعرفي والاجتماعي.. وربما يتخذ أشكالاً عديدة في الأمة الواحدة، ولدى جيل من أجيالها.. وقد يتنوع بتعدد الأنماط الثقافية والفكرية والفنية والأدبية.. على كثرة المصطلحات في مفهوم الزمن وأنواعه. ولهذا نذكر بأن مسيرة الزمن الإنساني في الديانة المسيحية واليهودية منذ نشأة الخلق حتى نهاية الكون مرتبطة بالإله؛ وكأن الفعل الإنساني متداخل بقضاء الله.. وهذا ما يمكن أن نراه في قول القديس أغسطين: "الله السرمدي الصمد خلق العالم في الزمان، وجاء خلق العالم مع الزمان وليس في الزمان"(48) . وبمعنى آخر هناك تطابق في الزمان الإلهي والإنساني وهو زمن خطي؛ إذ أضحى "أحادي البعد مطرداً متتابعاً فريداً لا رجعة له؛ وأضحى الزمن غائياً. وقدر الإنسان – مسيرة الحاج قُدماً نحو غاية مقدسة – قضى بها الله بسابق مشيئته، وكشفت عنها النبوءة مقدماً. ثمّة خط مستقيم يحدد مسيرة البشرية منذ الخطيئة الأولى إلى التوبة النهائية"(49) . وقد ثار العقل الأوربي على مفهوم الزمن الخطي في الديانة المسيحية واليهودية؛ وظهر لـه أعلام كثيرون منذ القرن السابع عشر... وأدرك هؤلاء بوعي كامل جوهر المفارقة الزمانية بين الأزمان الماضية والحاضر... وقضوا على الفكرة القائلة بأن الماضي أفضل من الحاضر... ثم قضَوا على فكرة الزمن الخطي. ويعدُّ السير توماس بروان ت 1635م) من أهم المفكرين الأوربيين الذي نظّر لفكرة الزمن الدائري- المطلق، والزمن الخطي؛ فأحدث ثورة في فهم الزمان؛ عبر كتابه الشفاء الديني)... ورأى أن الله "هو الذي خلق الزمان" وهو منفصل عن الزمن الإلهي أو الذات الإلهية؛ إذ صار التاريخ يقع في تدبير الله ومشيئته، لكن الإنسان هو الذي يصنعه؛ كما يفهم من قول جون دن: "نحن ننظر إلى الله في التاريخ، أو ننظر في الواقع إلى الأشياء التي صنعت، ووضعت تحت أعيننا، ومن ثم فإن ذلك الجلال الإلهي، وتلك الدهشة المقدسة تعني بالنسبة لنا أكثر مما كانت تعنيه بالنسبة إلى أي دين آخر"(50) . وإذا كان العلماء المحدثون في أوربا أمثال كبلر، وفرنسيس بيكون) قد كشفوا عن أخطاء أرسطو وبطليموس) في فلسفة الزمن؛ وإذا كانت هذه الفلسفة قد تطورت بعيداً في القرن التاسع عشر على يد بعض المفكرين مثل هردر وسان سيمون وأوجست كونت)(51) فإنهم أغلقوا عيونهم وأذهانهم عمّا قدمه العرب والمسلمون من مفاهيم وآراء حول ماهية الزمن وأشكاله،.. وقدرتهم المتميزة على تحليل الزمن الديني الخطي للخلق والزمن الأزلي السرمدي الأبدي المطلق) لذات الإلهية.. ولكنهم لم يسموه بالخطي. وهذا يعني أن العرب المسلمين بعد القرن الثاني الهجري قد أدركوا بوضوح ماهية الزمن الدائري، والزمن الخطي المستقيم على نحو ما؛ وإن كانت فكرة الزمن الخطي حديثة نسبياً ظهرت في أوربا أواخر القرن السادس عشر؛ كما رأينا. فالزمن الخطي يبدأ بنقطة ويسير في خط مستقيم حتى النهاية.. فهو يسير باتجاه محدد. فقد يكون من المستقبل إلى الحاضر، أو الماضي، أو من الحاضر إلى الماضي ومن ثم يرجع، أو قد يبدأ بالماضي في سلسلة متكررة من الدورات والأحداث المتعاقبة.. وحين يتحرك سهم الزمن إلى المستقبل فإنه يقوم على مفهوم التنبؤ النابع من التصور الذهني، والحَدْس النفسي(52) مما يجعل الزمن يدخل في مفهوم التخيل، أو الزمن المتخيل. وهنا لا بأس أن نشير إلى فكرة في عدد من آراء المذاهب الإسلامية؛ لأنها ذات قيمة كبرى في طبيعة الدورة الحضارية للأمم في فهمها للزمان؛ ولعلها تبين لنا مدى ما قدمه العرب المسلمون في مفهوم الزمن المطلق والزمن الخطي.. ويمكن أن نقبس آراء سريعة للمعتزلة والصفاتية والمرجئة.. للدلالة على ذلك. فالمعتزلة يعتقدون "بأن الله تعالى قديم؛ والقدم أَخَص وصف ذاته؛ ونَفوا الصفات القديمة أَصلاً؛ فقالوا: هو عالم بذاته؛ قادر بذاته؛ حيٌّ بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعانٍ قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخصّ الوصف لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه مُحْدَث مخلوق؛ في محلّ. وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه"(53) . فأصحاب الاعتزال يرون أن الله – سبحانه – وحده الذي يستحق صفة الأزلية والأبدية؛ فهو خالد بذاته؛ على حين أن كل ما يتعلق بمخلوقاته على ما هو عليه الآن معادنَ ونباتاً وحيواناً وإنساناً) غير خالد ولا أزلي؛ لأنه مخلوق يتغير ويتبدل، وينتقل من زمن أولي الدنيا) إلى زمن نهائي الآخرة) والدنيا والآخرة يجريان بأمر الله.. بحكم ما قرره لمخلوقاته.. لهذا فكل فعل للمخلوق حركة؛ والحركة مبدأ تغير وتبدل.. وانتقال؛ أما القِدم فهو مبدأ ثابت.. وفي ضوء هذا التصور للمفهوم الزمني نظروا إلى فكرة خَلْق القرآن؛ أي أن الله باعتباره قديماً لا يشركه أحد في هذه الصفة؛ ثم "إن الله خلق القرآن في اللوح المحفوظ؛ ولا يجوز أن ينقل؛ إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة؛ وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ؛ وذلك فعلنا وخلقنا"(54) . ولعل الحديث عن فكرة الزمان وفلسفتها في آراء المعتزلة وما أثر عنهم من مؤلفات تحتاج إلى دراسة مستفيضة؛ مما يدعونا إلى الاكتفاء بما أثبتناه والإشارة إلى نقطتين اثنتين: الأولى: تعبر عن مدى تأثر الفكر المعتزلي بالفكر اليوناني وفلسفته؛ فالزمن المرتبط بالحركة والتغير مفهوم أرسطي صرف؛ فهو لديه "متعلق بالحركات الجسمية الفعلية؛ أي متعلق بالصيرورة"(55) . ولكن المعتزلة خاصة والعرب المسلمين عامة استطاعوا أن يخرجوا بنظرات دقيقة لم يعرفها أرسطو ولا غيره من اليونانيين، كما لاحظنا.. إذ غاصوا فيها بعيداً؛ فانتهوا إلى مفهوم الزمن المطلق الذي ليست لـه هيئة ولا تحده حدود.. الثانية: عادت فكرة الزمن المرتبطة بالحركة للظهور من جديد في أوربا؛ وأصبح الزمان "يفسر على أنه بُعْد كلي أو بُعد أساسي، يمكن أن تقاس عليه الخصائص الفيزيائية الأخرى كالحركة – مثلاً – فانفصل الزمان عن مضمونه الفيزيائي"(56) .. ولو دقق المرء في مفهوم الفَصل بين الحركة الزمانية باعتبار مضمونها الفيزيائي؛ وبين كونها دائمة ثابتة لأيقن أن المعتزلة قد أدركوا ذلك تماماً في مفهوم القِدَم) الدال على الأَزلية؛ ومفهوم المحدث: المخلوق) الدال على الحركة المتغيرة.. فالقدم بالمفهوم الزمني يدل على الزمن المطلق؛ لأنه قائم بذاته، ولم ينشأ من العدم ولن ينتهي إلى العدم؛ بينما المُحْدَث ينتقل ويتغير، لأنه يبدأ بنقطة ما فإذا لم يرجع إليها قضي أمره؛ كما هو عليه خَلْق القرآن. فالمعتزلة يركزون على الزمن المطلق لينفوا الصفات عن الله، ويجعلونها للزمن المُحْدَث؛ بينما أثبت أكثر السلف الصفات لله؛ حتى "سمي السلف صفاتية، والمعتزلة مُعَطِّلة. فبالغ بعض السلف في إثبات الصِّفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات. واقتصر بعضهم على صفات دلَّت الأفعال عليها وما ورد به الخبر؛ فافترقوا فرقتين: -فمنهم من أوّله على وجه يحتمل اللفظ ذلك. -ومنهم من توقف في التأويل"(57) . وبهذا كله كانت فكرة الصفاتية إلغاء الزمن المحدث من فكرة القدم) أي من الزمن الأزلي لأن الصفات في الله تعالى "أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال هي هو؛ ولا هي غيره؛ ولا: لا هو؛ ولا: لا غيره. والدليل على أنه متكلم بكلام قديم ومُريد بإرادة قديمة أنه قام الدليل على أنه – تعالى – ملك؛ والملك لـه من الأمر والنهي؛ فهو آمر ناهٍ؛ فلا يخلو إما أن يكون آمراً بأمر قديم؛ أو بأمر محدث. وإذا كان محدثاً فلا يخلو: إما أن يحدثه في ذاته، أو في مَحلّ، أو لا في محل.. فتعين أنه قديم؛ قائم به صفة له"(58) .. وبهذا فالصفاتية من السلف يختلفون عن اليهود في مسألة التشبيه الصِّرْف؛ إذ لا يأخذ المسلمون الأوائل بالتفسير الظاهري للفظ. وأيَّاً كان الأمر؛ فإننا نتبين أن الصفاتية أثبتت هي الأخرى فكرة الزمن الأزلي السرمدي الأبدي لله وصفاته معاً، وعبرت عن ذلك بمفهوم القدم الذي يملك كل شيء.. إنه مفهوم الزمن المطلق الثابت.. ثم دار حول هذا اختلاف مثير بين الصفاتية يمكن أن يكون مدار بحث خاص(59) . أما المرجئة فقد قامت أصلاً على فكرة زمانية، وهي التأخير الزماني لأي فعل من أفعال العبد من الدنيا الزمن الأزلي) إلى الآخرة الزمن الأبدي) ثم إن الله تعالى الذي يجسد الزمن المطلق الأزلي السرمدي الأبدي) هو الذي يحكم على أعمال كل مخلوق.. وتعتمد المرجئة في هذا على قوله تعالى: أرجه وأخاه الأعراف 7/111 والشعراء 26/36) "أي أمهله وأخّره"(60) . فزمن الفعل التاريخي لشخص ما؛ أيّاً كان ميقاته الأزلي غدا مرتبطاً بالزمن الأبدي يتجه إليه بشكل مستقيم، وبه الجزاء. وكل من يتحدث عن فكرة الزمن في الدراسات العربية القديمة لا يمكنه تجاهل التجربة الصوفية في هذا الشأن. وتعد ممارسة التجربة الذاتية والدينية والعرفانية عند المتصوفة تجربة نفسية زمانية؛ لأنها تسمو بالجسد إلى مستوىً نفسي متحرر من الزمن الوجودي والموضوعي والميقاتي والتاريخي لينساب في الزمن المطلق؛ إنه زمن الذات المتحررة من كل شيء حسي.. وإن اتكأت عليه.. ففكرة الزمن الصوفي إنما هي رحلة معاناة في المجاهدة والخلوة والذكر.. لكشف حجاب الحس والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب المشاعر والحس إدراك شيء منها.. إذا بقي مرتبطاً ببنية زمانية ومكانية محددة.. أما المتصوف فهو قادر على تجاوز تلك البنية ليتحد بصفة الزمن المطلق..(61) باعتبار أحوال المتصوفة. ولذلك يمكن أن يكون الشعر القديم قد حفل بموضوعات صوفية تنطوي على جوانب دينية زهدية.. ولكنه لا يتركز حول فكرة الذات الزمانية المتحررة من كل قيد في الزمان الموضوعي والوجودي، وفي الزمان الطبيعي/ المكان.. فالزمن الصوفي يغدو شعوراً يصدر عن تحقيق الذات في الزمن المطلق اللانهائي. ومن هنا تصبح الرموز الصوفية في أشكالها وأنواعها دلالات معنوية للزمن المطلق المجسّد للذات الإلهية؛ لأن الصوفي "يتكلم من حيث وقتُه، ويجيب من حيث حالُه، ويشير من حيث وَجْدُه"(62) . ولهذا يتداخل الزمن المطلق للصوفي بالزمن النفسي باعتباره شعوراً ذاتياً بالزمن الموضوعي على هيئات عاطفية حسية. فالزمن المطلق في المفهوم الصوفي قد يماثل الزمن المثالي في الفكر اليوناني؛ ولكنه يتجه فيه اتجاهاً آخر مرتبطاً بالحركة الدائمة المتعاقبة التي لا تهدأ. وهذا ما يمكننا أن نستمده من تصوّر سَهْل بن عبد الله التُّسْتَري ت283هـ) حين سعى إلى تحطيم سكون الزمان وتوقفه في حالة الغيبة المؤقتة التي يجسدها نوم الإنسان، مما جعله يقول: "مولاي لا ينام، وأنا لا أنام"(63) . تلك صورة واحدة من مفهوم الزمن عند المتصوفة؛ إذ حفلت دراساتهم الكثيرة بنمط متفرد من الرؤية الزمانية تدعو الباحثين إلى تأملها ملياً.. ولعل الأيام تسعفنا بدراستها لننتقل – هنا – إلى إشارة أخيرة للكتب النقدية والأدبية. وليس هناك شك في أن تصور الزمن أو الدهر في مؤلفات المؤرخين والفلاسفة واللغويين والمفسرين.. قد ارتبط بتصورات عقلية تاريخية أو دينية.. وبمعنى آخر فإن مفهوم الدهر/ الزمن صدر لديهم عن مفهوم تجريدي ذهني وميقاتي على شدة تأثره بما يعرف اليوم بالزمن المعرفي أو الثقافي. أما مفهوم الزمن في كتب النقد والأدب والتراجم(64) فقد جمع بين الزمن المعرفي الاجتماعي والميقاتي من جهة وبين الزمن النفسي الذي سيطر على أذهان المؤلفين من جهة أخرى.. وأيَّاً ما يكن موقفهم من الزمن وطريقة الإفادة منه في مؤلفاتهم فقد أعلنوا للبشرية كلها أنهم كانوا السباقين إلى التأليف في هذا الميدان. ويعد محمد بن سلام الجمحي 139-231هـ/ 754-854م) أول من فتح باب الكلام على فكرة الزمن وقيمتها الفنية والنقدية؛ في كتابه طبقات فحول الشعراء). فوضع مقدمة لـه عالجت فيما عالجته قديم الشعر والشعراء؛ ثم وضع مقياس تقدم الشاعر الزماني التاريخي واحداً من مقاييسه في تصنيفه لطبقات الشعراء؛ وفي تقديم شاعر على شاعر في طبقته أحياناً.. إذا اجتمعت في شعر الشاعر الجودة والكثرة في عدد القصائد الجياد.. شرط صحة نسبتها إليه. ولذلك كله أسقط شعر عاد وثمود، لطول الدهر والأمد البعيد بينهم وبين اللسان العربي(65) ثم تحدث عن أولية الشعر عند العرب في الجاهلية، وصحح بضعة منه للعَنْبر بن عمرو، وسعد ومالك ابني زيد مَنَاة، ودُوَيد بن زيد، وأَعْصُر بن سعد؛ والمستوغر بن ربيعة وزهير بن جَنَاب الكلبي، وقبلهم كان جَذيمة الأبرش.. ثم بيَّن ريادة المهلهل بن ربيعة التغلبي في تقصيد القصائد(66) . ومن بعدُ؛ وضع الجاهليين في عشر طبقات؛ وأدخل فيهم بعض المخضرمين؛ تبعاً لمنهج تكامل المقاييس، ثم وضع الإسلاميين في طبقات عشر أُخر، وأدخل فيهم أيضاَ بعض المخضرمين.. طبقاً لمنهجه، ليصبح الزمن مفهوماً نقدياً معرفياً، فضلاً مفهومه التاريخي. وقد يكون المقياس الزماني مختلاً في بعض الأحيان.. فعلى سبيل المثال رأينا أوس بن حجر في الطبقة الثانية من الجاهليين، على الرغم من سبقه التاريخي للنابغة وزهير والأعشى وكلهم في الطبقة الأولى بعد امرئ القيس..(67) بيد أن هذا لم يلغ الفكرة النقدية للزمن التاريخي؛ بل عززها بالزمن المعرفي. ثم جاء الإمام أبو حاتم السجستاني: سهل بن محمد بن عثمان 160-250هـ/ 776-864م) فألّف كتابه المعمرون والوصايا) فجمع شعراً على منهج غير معروف قبله في أغراض الشعر الجاهلي (68) واختاره للطاعنين في السن وما يلقونه في عمرهم المديد، وقد شفَّ الكِبر أجسامهم، وذهب الضَّعف بأحلامهم ثم خصّ به المعمرين في العصر الجاهلي غالباً وبعض المعمرين من صدر الإسلام ممن زادت أعمارهم على مئة سنة، وربما عشرين ومئة، فكان كتاب تراجم يدور على الزمن التاريخي، وكتاب معارف في آن معاً. وإذا كان كتاب أبي حاتم لم يحوِ المعمرين كلهم فإنه يظل ذا قيمة تاريخية كبرى في اتجاهات عدة؛ منها فيما نشير إليه من أسبقيته في التأليف في هذا النمط الفريد المستند فقط إلى عنصر الزمن التاريخي، الممثل بطول العمر المديد للشخص؛ - وطول عمره كاف ليضعه أبو حاتم في مُصَنَّفه – ولكنه عنصر غير معزول عن الزمن المعرفي. أما في القسم الثاني الوصايا) وإن اعتمدت على كبار السن غالباً ومن حنكتهم الأيام والليالي فلم يكن عمله مبتكراً كما في المعمرين). فهو مسبوق بوصايا للأصمعي ت 216هـ/ 831م) في كتابه تاريخ ملوك العرب الأولين) (69) . وكان من منهجه إذا ذكر الرجل المعمر أن يتبعه بالأقاويل والأشعار التي تؤيد مذهبه؛ ومن هذا ما ذكره عن المُعافر بن يَعْفُر بن مُرّ الذي كان بعد لقمان، وسَطِيح وزاد عمره على ثلاثين قرناً فلما حضره الموت "حفروا لـه حفيرة، وبنوا لـه بيته، يعني قبره) فأخذ صخرة فكتب فيها: أنا المُعافر بن يَعْفُر بن مُرْ ولست من ذي يَمَنٍ بِقُرْ لكنني مُضَريٌّ حُرٌّ يقول: لست منهم ذا أصل، يقول: أنا يماني الدار. وأنشد لطرفة: فتناهيتُ وقد صابت بِقُرْ فوجد في زمن سليمان بن داود فكشف عنه فوجد فيها في الحفيرة) ووجد عنده الكتاب"(70) . ولسنا – الآن – في صدد توثيق الخبر؛ وإنما في صدد الفكرة التي بُني عليها الكتاب فهي فكرة زمانية خالصة، فالوصايا صدرت عمن حنكتهم التجارب وخبروا الزمن طويلاً. وفي صميم حركة رواية الشعر وتدوينه انبثقت فكرة زمانية نقدية أخرى؛ فكل قديم مكرم مقدم؛ وكل محدث ساقط مرذول.. ولهذا كان التقدم الزمني كافياً عند أبي عمرو بن العلاء 70-154هـ/689-770م) – مثلاً – ليقدم الشاعر ولو كان المتأخر أجود شعراً من سابقه، وكانت عامة أخباره من أعراب أدركوا الجاهلية..(71) .. فالزمن القديم خيار الأزمان لقدمه تاريخياً قبل تقدمه الفني. ثم غدت فكرة القديم والجديد فكرة زمانية فنية نقدية في أذهان الأدباء يختلفون حولها؛ حتى جاء ابن قتيبة 213-276هـ/ 828-889م) فقدم حلاً منطقياً لها في كتابه الشعر والشعراء) فقال: "ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّ به قوماً دون قوم؛ بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر؛ وجعل كل قديم حديثاً في عصره، وكُلَّ شَرَفٍ خارجيةً في أوله. فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يُعَدُّون مُحَدَثِين. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هَمَمْتُ بروايته. ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بَعْدَهم لمن بَعْدَنا كالخُرَيْمي والعَتَّابي والحسن بن هانئ وأشباههم. فكل مَنْ أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يَضَعْهُ عندنا تأخر قائله أو فاعله، ولا حداثة سِنِّهِ، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه"(72) . إذاً؛ وجدنا ابن قتيبة يلغي المقياس الزماني في تفضيل الشعراء بعضهم على بعض؛ وقد سبق لـه القول: "ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختاراً لـه سبيل مَنْ قلَّد، أو استحسن باستحسان غيره؛ ولا نظرتُ إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره؛ بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كُلاً حظَّه ووفرت عليه حقه"(73) . وأيَّاً كان رأي ابن قتيبة وقيمته النقدية فإنه لم يلغ فكرة الزمنية في الشاهد النحوي الذي توقّف فيه اللغويون عند الشاعر ابن هَرْمة، نحو 150هـ/ 776م). وهذا يعني أن صحة اللغة ونقاءها مرتبطة بفكرة الزمان التاريخي والمعرفي والاجتماعي.. مما أعطى الزمان قيمته الكبرى، وأبقى على ماهيتها في الشاهد الشعري القديم، ومن ثم الشعر القديم كله لأنه يمثل ذروة النقاء اللغوي العربي قبل أن تنحرف ألسنة القوم ولغتهم ويدخلها لَحْنٌ كثير.. وهذا كله أكدته دراسات النقّاد والأدباء ممن جاء بعد ابن قتيبة، وأفادت منه ومن غيره كابن رشيق في كتابه العمدة)(74) . ونكتفي من القديم بهذا، لنقول: إن الزمن فرض ذاته بقوة على ذهن النقّاد والأدباء واللغويين والمؤرخين والمفكرين.. وما زالت لـه هذه القوة المهيمنة حتى الساعة.. وفي ضوء ما تقدم نرى أن فكرة الزمن ذاتها – وإن اتجهت إلى المعاصرة أو الحداثة – ما زالت أكثر اتصالاً بالزمن المعرفي الاجتماعي التاريخي.. لأنه يضم حجماً عظيماً من الخبرات والمعارف.. لم يصل إليه العصر المتأخر على عظمة ما أنتجه من معرفة وخبرات نتيجة للتطور السريع والمذهل في أنواع النشاط الإنساني كافة.. ولذلك كله تظل فكرة الأصالة والمعاصرة فكرة زمانية توجه الكثير من الدراسات الإنسانية والنقدية والأدبية والفكرية.. ولعلّ هذه الفكرة هي التي قادت إلى إنتاج عدد من الدراسات الحديثة عن التراث القديم عامة والجاهلية خاصة. فالزمن من جهة الفن أو الأدب أو النقد يحمل معنى آخر يتباين من معنى الظاهرة الزمنية الفيزيائية.. فالزمان يمضي ولكنه يصبح ذا خصائص فيما يجري فيه منذ الأزل وإلى الأبد.. فالزمن المطلق الحقيقي ينساب تلقائياً دون أن يرتبط بشيء آخر، ولذلك يتصف بالديمومة والثبات في الجوهر، أما الزمن المتحوّل فهو الذي يتصف بالخصائص سواء أكان فيزيائياً كالليل والنهار، والأسبوع والشهر.. أم كان من نوع آخر كالزمن الاجتماعي والطبيعي.. والخطي.. الكائن في سياق الزمن الموضوعي.. ولهذا فإذا وقع شيئان اثنان في زمن واحد قيل عنهما متزامنان.. وقد يكون سير أحدهما أبطأ من الآخر.. ولو سافرنا إلى الزمن القديم مرة أخرى لنتوقف عند أبي العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان التوخي 363-449هـ/ 973-1057م) لوجدنا لـه تصانيف كثيرة تحمل كثيراً من الأبعاد الزمانية.. وربما لم نجد تآليف أخرى تزامنت معها؛ وشاكلتها على هذا النمط من التصور الزمني، ونخص منها رسالة الغفران) (75) . فرسالة الغفران تحمل أبعاداً زمنية متعددة حين تنتقل من الأزل إلى الأبد على جناح الزمن الذهني المتخيّل.. وترسم ذلك كله في إطار أبعاد مكانية وفكرية وذاتية.. تتجول في أزمان الشعراء والأدباء الماضي ثم الحاضر.. فالزمان يعبر المكان والذات إلى التاريخ الماضي) ويتحرك به نحو المستقبل.. أي أن المعري كان يستجلب أحد الشعراء من الماضي، أو ابن القارح من الحاضر بتاريخه كله، ثم يمضي بأي منهما إلى الآخرة؛ فإما الجنة وإما النار؛ ليقيم حواراً معه يبين فيه سبب وصوله إلى هذا المكان أو ذاك.. وبهذا يصبح للأبدية معنى يتفق مع أفعال الأزلية؛ وهذا ما عرف بالزمان الخطي في الديانات السماوية فالإنسان يعيش بين بداية العالم بداية الزمان – الأزل) ونهاية العالم نهاية الزمن – الأبدية).. وعلى الرغم من هذا المقياس الزماني الذي استخدمه المعري في رسالة الغفران) فإنه ما أدخل أحداً من أشخاص رسالته في الجنة أو النار إلا بمشيئة الله.. فضلاً عن أعماله وأقواله التي قام بها في الزمان الأزلي الدنيا). وفي ضوء ذلك كان الزمن لديه زمناً مدروساً ودقيقاً؛ ولم يكن نهباً للفوضى أو نهباً للمصادفات الزمانية التي يسندها بعض الباحثين إلى الكون أو الطبيعة.. وبمعنى آخر كان زمان رسالة الغفران) زماناً ذهنياً متخيلاً مبنياً على افتراضات دينية وسلوكية لحاضر الشخصيات وتاريخها.. ولهذا أصبح الماضي تاريخاً حيَّاً في الزمن المستقبلي الافتراضي المتخيّل المدروس بعناية من قبله.. وهذا عينه ما يقوم عليه الزمن في القصة أو المسرحية في عالم اليوم.. مما يجعلنا نقول: إن أبا العلاء كان سبَّاقاً لمفهوم التنبؤ الزمني الاستقبالي الذي شهدته آداب الغرب وفلسفاتها.. وقد يقول قائل: إن الزمن لا رجعة فيه؛ ولا يمكن لأحداثه أن تعود كما هي.. ونقول: لا شكّ في أن الزمان ينساب إلى المطلق وإن انتهت حياة الأشخاص بالموت ولكن أحدنا قد يعيد بذاكرته؛ أو بشريط مسجل – كما يحدث اليوم – كثيراً من أحداث الزمن الماضي.. ويعيد بناءها وفق زمن ذهني متخيّل.. وهذا ما فعله أبو العلاء وسبق إليه.. ونحن نتحرك في الزمن الماضي إذا استحضرنا أحداثه وذكرياته.. ومن هنا سافر أبو العلاء إلى الوراء وجلب من الماضي أحداث رسالته أو لنقل قصته أو مسرحيته، ومضى فيها إلى الأمام إلى المستقبل.. فكان عمله الفنيّ عملاً إبداعياً لا نظير له.. إلا في قصة الإسراء والمعراج التي وردت في القرآن الكريم(76) . فعمله الفني ليس مجرّد خيال إبداعي قصصي أو مسرحي؛ ولكنه اختراق بديع لأنواع الزمان؛ ولأحداثه.. سافر في الزمن القديم ليسأل عن مدى تأثيره في الزمان الحاضر والمستقبل.. إنه وثبة ذاتية زمانية خيالية ذهنية مبدعة؛ تتجاوز الحركة الفيزيائية والتاريخية للزمن.. وهذه الوثبة الزمانية التي دلَّت على وعي أبي العلاء للعالم اللامتناهي قدَّمت مستوى أعلى من الكتابة في مفهوم الزمن.. ولا شيء أدل على ذلك كله من إدخال أبي العلاء النابغتين في الجنة وقدر رجعا شابين يسيران معاً ويتحادثان "كلُّ واحد منهما على باب قصرٍ من درّ، قد أعفي من البؤس والضُّر. فيسلم عليهما ويقول: من أنتما – رحمكما الله؛ وقد فعل -؟ فيقولان: نحن النابغتان: نابغة بني جَعْدة، ونابغة بني ذبيان. فيقول – ثبت الله وطأته -: أما نابغة بني جعدة فقد استوجب ما هو فيه بالحنيفية؛ وأما أنت يا أبا أُمامة: فما أدري ما هيّانك – أي جَهتُك – فيقول الذبياني: إني كنت مقراً بالله، وحججت البيت في الجاهلية". ثم أنشد لـه أبياتاً من داليّته المعلقة تثبت قوله، ثم قال على لسانه: "ولم أدرك النبي ) فتقوم الحجة عليَّ بخلافه. وإن الله تقدَّست أسماؤه – عز ملكاً وجلَّ – يغفر ما عظم بما قَلَّ"(77) . فالزمن الأثيري الذي ذهب إليه هو زمن الأبديّة المبني على الزمن الذهني المعرفي المتخيل عند أبي العلاء المعري.. وهو تصور يختلف عن تصور الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب 163-255هـ/ 780-869) (78) للزمن كما هو عليه في كتاب البخلاء).. إذ أصبح وجود الإنسان وجوداً تاريخياً اجتماعياً يعبر عن جملة من العادات والقيم التي يؤمن بها مجتمع من المجتمعات أو فردٍ ما.. ولا ريب في أن رؤية الجاحظ لم تكن رؤية سكونية للزمن الاجتماعي.. ولا سيّما حين أسرف في تصويره الساخر للبخل والبخلاء.. ومن هنا اختلف الحدث الزمني عنده عمّا نجده عند المؤرخ الطبيعي.. ومن ثم لم يعد زمناً فيزيائياً.. فقد غدا بُعْداً يُفَسَّر في ضوئه جملة من الإيحاءات والدلالات.. على اختلاف قصص البخلاء بالحجم طولاً وقصراً (79) ، إذ فيها الحكاية والأقصوصة والقصة؛ كما هو مفهومها عند المحدثين اليوم، فضلاً عن الخواطر الطريفة القائمة على المواقف المضحكة والساخرة التي خبرها بثقافته وساق بعضها بأسانيدها كقوله: "حدثني محمد بن حسان الأسود؛ قال: أخبرني زكريا القطَّان؛ قال: كان للغزَّال قطعة أرض قُدَّام حانوتي. فأكرى نصفها من سمَّاك، يسقِط عنه ما استطاع من مؤنة الكِراء. قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل، وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه؛ فكان أكثر دهره يأكله بلا أَدم، فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جُوافة بحبَّة، وأثبت عليها فَلْسَاً في حسابه. فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة فمسحها على وجه الرغيف، ثم عضَّ عليه. وربما فتح بطن الجوافة فبطَّن جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة. فإذا خاف خاف أن يُنهكها ذلك، وينضم بطنُها طلب من ذلك السمَّاك شيئاً من ملح السمك.. فحشا جوفها لينفخها، وليُوهم أن هذا هو ملحها الذي مُلِّحت به. ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها، وأخذ من طرف الأرنبة ما يُسيغ به لقمته. وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخرها لقمة؛ ليطيّب فمه بها، ثم يضعها في ناحية. فإذا اشترى من امرأة غَزْلاً أدخل تلك الجُوافة في ثمن الغزل – من طريق إدخال العُروض – وحسبها عليها بفَلْس؛ فيسترجع رأس المال، ويفضل الأدم"(80) . ونحن لن نتوقف عند إبداع الجاحظ في القصة ونسجها نسجاً فنياً شائقاً ومحكماً على أحسن ما تكون الأقصوصة اليوم.. وإنما نشير إلى أن هذه الأقاصيص الواقعية قد امتلكت عناصر البنية القصصية كلها بما فيها عنصر الزمان.. فقد رجع إلى الوراء الماضي) وفق أسلوب السرد والتداعي قال، وكان.. وكان.. فكان..) ثم استعمل الأفعال التي تدل على المضي ليفيد ثبات الحدث ووقوعه في لحظة ما من الزمن التاريخي.. ليوم من أيَّام الغَزَّال البخيل.. ولكنه زمن مملوء بالإيحاءات النفسية والاجتماعية، والفنية المثيرة.. إنه زمن قصصي سبق به الجاحظ ما يزعمه الغرب اليوم من أسبقية في بناء الفن القصصي.. وما صدق. إنه زمن فني متدرج يقوم على ترتيب الحوادث التي توصل إلى الهدف منها؛ ويحمل مفارقة لطيفة ساخرة إن لم تكن بشعة من موقف البخيل والبخل.. وحين حاول أن يظهر هذا الهدف كان يقف عند الأشياء المادية التي تحقق لـه ذلك المكان بأبعاده الثلاثة، والسمك والملح والجُوافة والرغيف، والغزل..) ثم يصوّر بشكل مضحك كيفية قضم البخيل لطرف الجُوافة.. نتيجة غلبة الشهوة عليه، ولكن بخله يمنعه من أن يتجاوز ذلك.. فالأشياء التي تتخذ أشكالاً مكانية في زمن ما أصبحت تمثل نمطاً من القيم التي يؤمن بها هذا البخيل ولا يتزحزح عنها.. ومن ثم يغدو جزءاً من مجتمع ما تسود فيه جملة من السلوكيات.. ذلك هو فَهْم الجاحظ لكينونة الزمن الاجتماعي الواقعي.. وهو الذي أشار إلى انتصار الإنسان على التناهي والفناء بالآثار التي تركها، ومنها المعابد والنقوش.. وغير ذلك(81) . هكذا كانت إشاراتنا إلى الدراسات التي تناولت الزمن والأزل والدهر سريعة مجتزأة، ولم تُغْن بالإحاطة بها.. لأنها ترغب في بيان قيمة الزمن وأثره في الإنجازات المعرفية؛ وبيان مدى ما قدَّمته لديوان العرب.. فالإحاطة بالمؤلفات التي تناولت الزمان لا يمكن أن تستوعبه صفحات.. فهي بحاجة إلى استقصاء دقيق يفيد من حضارة العرب القدماء في بابل وآشور وماري وإيبلا.. والبحرين والفاو وسيناء وينفتح على العصور التالية؛ ليُحيط بها كاملة ابتداء من أول كتاب ألف في الأزمنة وتلبية الجاهلية) لقطرب سنة ت 206هـ)، ومروراً بالفُصول لتي خُصصت للزمان في بعض الكتب الأخرى كالمخصّص والعقد الفريد وأدب الكاتب ونهاية الأرب وصبح الأعشى.. وبالإشارات الأخرى الكثيرة إلى الزمن عند عدد من الكتّاب كأبي فيد السدوسي ت 200هـ) (82) والأصمعي ت 216هـ) وابن الأعرابي ت 232هـ) والمبرد ت 285هـ) وأبي حنيفة الدينوري ت 282هـ) وابن دريد ت 321هـ) وابن النديم ت 438هـ).. وغير ذلك حتى العصر الحديث.. وهي إذ تقوم بذلك لا تنقطع عن فلسفة الزمان عند الأمم الأخرى القديمة والحديثة؛ غرباً وشرقاً. ولا يسع الباحث في هذا المقام إلاَّ أن يذكر بأن الدراسات الفكرية والفلسفية واللغوية والتاريخية قد اتجهت إلى فلسفة الزمان ودلالته اللغوية، وتطورها الفكري وتحولاته إلى حد كبير وهام، فضلاً عن أنها ألمَّت بجوانب عديدة من الزمن الميقاتي التاريخي.. كما أنها عالجت الزمن الذهني المجرد غير المنقطع عن الزمن الوجودي والممثل بالدهر/ الكون في إطار من الرؤية الذاتية والفردية المبدعة التي سبقت كثيراً مما لدى الغرب اليوم. وطالما افترقت هذه الدراسات عن الدراسات النقدية والأدبية التي جعلت الشعر خاصة والأدب عامة مادة أصلية لها.. فالدراسات الأدبية للشعر الجاهلي مثلاً تتعلق كثيراً بالزمن الذاتي النفسي؛ والواقعي التاريخي الميقاتي؛ والوجودي الكوني؛ والزمن المطلق.. المعبر عن الخلود.. وبالزمن المعرفي والمجسّد للثقافة بكل اتجاهاتها.. وبالزمن الطبيعي المرتبط بالمكان؛ ومنه الأطلال.. وأخيراً؛ نقول: اتجهنا إلى العديد من الدراسات النقدية والأدبية التي ارتبطت بالشعر، وهي الأهم عندنا.. لأنها دخلت إلى تحليل الزمن من وجهة نظر فنية أدبية لتجعله عنصراً من عناصر العمل الفني؛ وحولته إلى شكل ذاتي؛ قبل أن يكون شكلاً موضوعياً.. فهو يوحي بالفرح والأمل والسعادة.. أو يَشِي بالقلق والاضطراب والحزن والخوف؛ في الوقت الذي يُعالج فيه فكرة من الأفكار.. إنه الزمن النفسي والمعرفي والميقاتي في آن واحد.. بينما ظلّ مفهوم الدهر في الفكر العربي القديم ومؤلفاته زمناً نسبياً متعلقاً بلحظات زمانية محددة؛ إذا استثنينا الشعر منه، علماً أن الدراسات القديمة لم تتفق على مفهوم واحد لذلك. حواشي (1) من أمثلة الكتب التي دارت حول فكرة الزمن: الزمان والأزل – ولترستيس) والزمن – جين ليبرتي) وجدلية الزمن – غاستون باشلار) والزمن في الأدب – هانز ميرهوف) وانظر تجليات الدهر العربي 241 وبعد والملل والنحل 181-182. (2) ضم كتاب فكرة الزمان عبر التاريخ) سبعة أبحاث عُرضت بسبعة فُصول تاريخ الزمان – وري بورتر) والأرض السابحة في الفضاء – ريشارد نوكس) ومن المزولة الشمسية إلى الساعة الذرية – كريس مورجان) وزمان الجسم – إي. دابيلو. جي فيبس) والزمان المتحول – إيين نيكلسون) وقياس الزمان الماضي – برايان جون) والزمان نهباً للفوضى – كولن ولسون). (3) انظر طبقات فحول الشعراء 25-26- وكذلك أدرك الجاحظ فكرة الخلود في الكتابة؛ انظر الحيوان 1/47 و69 و72-75. (4) انظر الحيوان 1/68-69 و 72-73 والعصر الجاهلي 112-118. (5) شرح نهج البلاغة 1/173. (6) انظر – مثلاً – المصدر نفسه 2/196-197. (7) المصدر السابق 1/218. (8) جمهرة رسائل العرب 3/49-50. (9) انظر تاريخ الأدب العربي – بروكلمان 2/140. (10) الأزمنة وتلبية الجاهلية 31. (11) المصدر السابق 32. (12) المصدر السابق 33. (13) شرح ديوان لبيد 169 والمصدر السابق 33. (14) الأزمنة وتلبية الجاهلية 37-38. (15) انظر على سبيل المثال الأيام والليالي والشهور؛ للفَرّاء: ت 207هـ) والأيام والليالي؛ لابن السكيت: ت244هـ) والأزمنة والأنواء؛ لابن الأجدابي أبو إسحق إبراهيم بن إسماعيل: ت 470هـ/1077م). (16) الأنواء في مواسم العرب 6. (17) المصدر السابق 132. (18) فكرة الزمان عبر التاريخ 8. (19) الأزمنة والأمكنة ¼-5. (20) انظر المصدر السابق 2/267-268. (21) شعر النابعة الجعدي 160-161 والمصدر السابق؛ مع اختلاف يسير في الرواية 2/269). (22) الأزمنة والأمكنة 1/141 وانظر فيه – مثلاً – 144 – 153. (23) انظر مثلاً: شرح ديوان الحماسة – المرزوقي – باب السير والنعاس 820 والحماسة للبحتري - باب فيما قيل في غلبة الزمان 115 واختلاف الليل والنهار 132 وانظر فيه 138 و 145 و 148و 152 فيما يحض البقاء والدهر. (24) انظر مثلاً: الباب الأول في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم الله تعالى على خلقه في آناء الليل والنهار).. وكيفية ربط ذلك بذكر الأنواء وذكر معتقدات العرب فيها).. وقد حوى تسعة وعشرين فصلاً 1/20-136. أما الباب الثاني فقد ورد في ذكر أسماء الزمان والمكان ومتى تسمى ظروفاً؛ ومعنى قول النحويين الزمان ظرف الأفعال) وفيه أربعة فصول 1-136-153. (25) انظر الشعر والشعراء 1/76-77. (26) انظر مثلاً: الإنصاف في مسائل الخلاف 1/237 وما ورد في الباب الثاني للأزمنة والأمكنة) 1/136 وانظر أمثلة من ذلك في الكتاب لسيبويه 1/12؛ وفيه يقول: "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الاسم، وبنيت لما مضى؛ ولما يكون ولم يقع وما هو كائن لم ينقطع. فأما بناء ما مضى فذهب وسمع ومكث وحُمد، وأما ما لم يقع فإنه قولك آمراً: اذهَبْ واقتُلْ واضْرِب، ومخبراً: يَقْتل ويضرب، ويُقْتَل ويُضرب. وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كَائن إذا أخبرت. فهذه الأمثلة التي أُخذت من لفظ أحداث الأسماء، ولها أبنية كثيرة ستُبّيَّن إن شاء الله". وانظر فيه 1/84 وبعد.. وكتابنا في جمالية الكلمة) 54-57و80. وأما ظرف الزمان الحقيقي فهو أوسع عند سيبويه من ظرف المكان، وعدد ظروف الزمان أيضاً أكثر؛ فالزمان هو النّاس؛ انظر الأزمنة والأمكنة 1/136 وهو الذي سبق إليه ابن المقفع، راجع حاشية (8) . (27) هو باب معرفة ما في السماء والنجوم والأزمان والرياح) 85-97 من أدب الكاتب)؛ وانظر مثلاً الكتب التالية: 1-العقد الفريد؛ لابن عبد ربه ت328 هـ). 2-التلخيص في معرفة أسماء الأشياء؛ لأبي هلال العسكري ت 395 هـ - 1004م). 3-صبح الأعشى في صناعة الإنشا؛ للقلقشندي. 4-نهاية الأرب في معرفة أخبار العرب؛ للنويري. (28) فقه اللغة وسر العربية 351. (29) المخصص مج2 سفر 9/62-63 وانظر أدب الكاتب 599. (30) كتاب خلق الإنسان لأبي محمد) 28-29، وانظر فيه 1-28؛ (31) الفروق في اللغة 263-264 وانظر فيه الباب السادس 110). (32) انظر تاريخ الأدب العربي – بروكلمان 3/10-11 ومقدمة سيرة ابن إسحق يج). (33) انظر سيرة ابن إسحق 1 و 10 وبعد. (34) انظر على سبيل المثال الكتب التالية: 1-المغازي: للواقدي ت 207 هـ). 2-فتوح الشام: للواقدي ت 207 هـ). 3-النقائض: نقائض جرير والفرزدق، شرح أبي عبيدة معمر بن المثنى ت 210 هـ). 4-فتوح البلدان: للبلاذري ت 279هـ). 5-تاريخ الرسل والملوك للطبري؛ الموسوم بتاريخ الطبري ت 310 هـ). 6-الكامل في التاريخ؛ لبن الأثير ت 638 هـ). (35) من الكتب التي صرحت بأسماء الزمان في عنواناتها: 1-أيام العرب؛ لأبي عبيدة معمر بن المثنى. 2-مروج الذهب في أخبار من ذهب؛ للمسعودي. 3-الآثار الباقية عن القرون الخالية للبيروني ت 440 هـ). 4-آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني ت 680 هـ). 5-بدائع الزهور في وقائع الدهور؛ للحنفي محمد بن أحمد ت 930 هـ). (26) انظر مثلاً: الأنعام 6/29 والمؤمنون 23/33 و37. (37) الجامع لأحكام القرآن 16-170-171 وانظر تجليات الدهر العربي 254-255. 38-39) تأويل مختلف الحديث 208-209 وانظر تفصيل ذلك في بعض الكتب والأبحاث التي ناقشت ذلك مثل الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم) للدكتور حسام الألوسي وبحث الدكتور إمام عبد الفتاح الزمان في القرآن)، وبحث الأستاذ كاظم فتحي الراوي ألفاظ الزمان بين اللغة والقرآن). (40) انظر أسرار البلاغة 337-338. 41و 42 و43)انظر لسان العرب دهر) وزمن). (44) انظر الهوامل والشوامل – لمسكويه – 31. 45 و46 و47)انظر التعريفات –140 و152 و21 و32 – على الترتيب وانظر فيه 110 و113 و119 و157. 48 و49 و50 و51)انظر فكرة الزمان عبر التاريخ 18 و19 و25-28 و168 وبعد. (52) انظر المصدر السابق 18-22. 53 و54)انظر الملل والنحل 21 و30 على الترتيب. 55 و56)فكرة الزمان عبر التاريخ 42. 57 و58 و59)الملل والنحل – 39 و40 و41 وما بعد؛ على الترتيب. (60) انظر الملل والنحل 60 واللسان – رجا – وكتابنا قراءات في أدب 57 –62. (61) انظر مقدمة ابن خلدون 470. (62) اللمع للسراج أبو نصر 107. (63) اللمع 367 وانظر طبقات الصوفية 206 وبعد. (64) لعل من أحسن كتب التراجم الدالة على الزمان؛ كتاب ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. 65 و66 و67)انظر – على الترتيب – طبقات فحول الشعراء – المقدمة 11، - و26 و39 و51 و97. (68) انظر تاريخ الأدب العربي – بروكلمان – 2/159. (69) انظر مقدمة المعمرون والوصايا) ق – وتاريخ الأدب العربي – بروكلمان 2/150. (70) المعمرون والوصايا 6. (71) انظر الشعر والشعراء 62-63 و 74-76 ووفيات الأعيان 3/466 وتاريخ الأدب العربي – بروكلمان – 2/129. (72) الشعر والشعراء 63. (73) المصدر السابق 62. (74) انظر – مثلاً – العمدة: باب ذكر الوقائع والأيام 2/199-220؛ وباب ذكر منازل القمر والأنواء 2/252-257. (75) انظر الأعلام 1/157. (76) انظر سورة الإسراء 17/1 وما بعدها والمعارج 70/4. (77) رسالة الغفران 201-203. (78) انظر الأعلام 5/74. (79) انظر بعض الحكايات في البخلاء 37 و58 و66 و142. (80) البخلاء 120. (81) انظر الحيوان 1/72-73 وراجع حاشية 3 و4) مما تقدّم. (82) انظر تاريخ الأدب العربي بروكلمان) 2/129 و150 و159. المصادر والمراجع 1-الآثار الباقية من القرون الخالية – البيروني – طبعة مؤسسة الخانجي بمصر – د/ت. 2-آثار البلاد وأخبار العباد – القزويني – طبعة صادر – بيروت – د/ت. 3-أخبار الزمان ومن أباده الحدثان – المسعودي – دار الأندلس – بيروت - ط5/1983م. 4-أدب الكاتب – ابن قتيبة – حققه محمد الدالي – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط2 1996م. 5-الأزمنة والأمكنة – المرزوقي – دار الكتاب الإسلامي – القاهرة – د/ت. 6-الأزمنة والأنواء لابن الأجدابي – تحقيق د.عزة حسن – مطبعة دار سمير – دمشق – 1964م. 7-الأزمنة وتلبية الجاهلية لقطرب – تحقيق حاتم الضامن – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط2 –1985م. 8-أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني – تصحيح محمد رشيد رضا – دار المعرفة – بيروت – 1978م. 9-الأعلام للزركلي – دار العلم للملايين – بيروت – ط 7 –1986م. 10-ألفاظ الزمان بين اللغة والقرآن – كاظم فتحي الراوي – مجلة آداب المستنصرية – عدد 4 – سنة 1979م. 11-الإنصاف في مسائل الخلاف – أبو البركات الأنباري – المكتبة التجارية الكبرى – القاهرة – مصر – ط4 – 1961م. 12-الأنواء في مواسم العرب – ابن قتيبة – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1988م. 13-أيام العرب قبل الإسلام – لأبي عبيدة – جمع الدكتور عادل جاسم البياتي – عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية – بيروت – ط1 – 1987م. 14-الأيام والليالي والشهور – للفرّاء – تحقيق إبراهيم الإبياري – بيروت – ط2- 1980م. 15-البخلاء – للجاحظ – حققه طه الحاجري – دار المعارف بمصر – ط 6 – 1978م. 16-بدائع الزهور في وقائع الدهور – ابن إياس الحنفي – منشورات المكتبة العربية – مطبعة بغداد – د/ت. 17-تاريخ الأدب العربي – بروكلمان – نقله إلى العربية د. عبد الحليم النجّار – دار المعارف بمصر – ط2 – 1969م. 18-تاريخ الرسل والملوك – المعروف بـ تاريخ الطبري) – ابن جرير الطبري – تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – دار المعارف بمصر – ط 4 – 1979م. 19-تاريخ ملوك العرب الأولين – المطبوع بعنوان تاريخ العرب قبل الإسلام) – للأصمعي تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين – مطبعة المعارف – بغداد – 1959م. 20-تأويل مختلف الحديث – ابن قتيبة – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1 – 1985م. 21-تجليات الدهر العربي – د. مسعود بوبو – مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق – مج76- الجزء 2 نيسان/ 2001م. 22-التلخيص في معرفة أسماء الأشياء – لأبي هلال العسكري – تحقيق د. عزة حسن – مجمع اللغة العربية بدمشق 1969م طبعة مصورة عنها بدار صادر – بيروت – 1993م). 23-التعريفات – للشريف الجرجاني: علي بن محمد – تحقيق إبراهيم الإبياري – طبعة دار الكتاب العربي – بيروت – ط 3 – 1996م. 24-الجامع لأحكام القرآن – للقرطبي – دار الكتاب العربي – القاهرة – 1967م. طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية). 25-جمهرة رسائل العرب – أحمد زكي صفوت – المكتبة العلمية – بيروت – لبنان – د/ت. 26-الحماسة – للبحتري – ضبطه وعلّق حواشيه كمال مصطفى – المكتبة التجارية الكبرى – القاهرة – ط 1- 1929م. 27-الحيوان – للجاحظ – تحقيق عبد السلام محمد هارون – نشر المجمع العلمي العربي الإسلامي – بيروت 1969م. 28-رسالة الغفران – للمعري – تحقيق بنت الشاطئ – دار المعارف بمصر – 1977م. 29-الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم – د. حسام الآلوسي – مطبوعات المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – ط 1 – 1980م. 30-الزمان في القرآن – د. إمام عبد الفتاح إمام – مجلة الثقافة العربية الليبية – عدد 4 سنة 3 – نيسان 1976م – ص 42 وما بعد. 31-الزمان والأزل – ولترستيس – ترجمة د. زكريا إبراهيم – مطبوعات المؤسسة الوطنية – بيروت/ ومؤسسة فرنكلين – نيويورك –1967م. 32-الزمن – جين ليبرتي – تغريب الدكتور سيد رمضان هدارة – سلسلة كيف ولماذا – مطبوعات دار الشروق – بيروت القاهرة – د/ت. 33-الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام – عبد الإله الصائغ – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1976م. 34-الزمن في الأدب – هانز مَيْرهوف – ترجمة د. أسعد رزوق – مراجعة عوضي الوكيل – مطبعة سجل العرب – القاهرة / 1972م. 35-سيرة ابن إسحاق – تحقيق محمد حميد الله – مطبعة محمد الخامس – فاس – المغرب – 1976م. 36-السيرة النبوية لابن هشام – تحقيق مصطفى السقا ورفيقيه – دار إحياء التراث العربي – بيروت – د/ت. 37-شرح ديوان الحماسة – لأبي علي المرزوقي – نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون – مطبعة لجنة التأليف – القاهرة – ط 2 – 1967م. 38-شرح ديوان لبيد بن ربيعة – تحقيق د. إحسان عباس – الكويت – ط 2 – 1984م. 39-شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – دار الأندلس – بيروت – ط 3- 1983م. 40-شعر النابغة الجعدي – منشورات المكتب الإسلامي بدمشق – ط 1 –1964م. 41-الشعر والشعراء – ابن قتيبة – تحقيق أحمد محمد شاكر – دار المعارف بمصر – ط2 – 1966م. 42-صبح الأعشى في صناعة الإنشا – القلقشندي – وزارة الثقافة والإرشاد القومي – القاهرة – نسخة مصورة عن طبعة بولاق – مصر – 1913م). 43-صحيح البخاري – لأبي عبد الله؛ المشهور بالبخاري – دار إحياء التراث العربي – بيروت – د/ت. 44-طبقات الصوفية – للإمام أبي عبد الرحمن السُّلَمي – تحقيق نور الدين شريبه دار الكتاب النفيس – حلب – سورية – ط 2 – 1986م. 45-طبقات فحول الشعراء – لابن سلام الجمحي – شرح محمود محمد شاكر – مطبعة المدني – القاهرة – 1974م. 46-العصر الجاهلي – الدكتور شوقي ضيف – دار المعارف بمصر – ط 7 – 1976م. 47-العقد الفريد – لبن عبد ربه – ضبطه أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الإبياري – مطبعة لجنة التأليف – القاهرة – 1965م. 48-العمدة – لابن رشيق – تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد – دار الجيل – بيروت - ط 4 – 1972م. 49-فتوح البلدان – للبلاذري – علّق عليه رضوان محمد رضوان – دار الكتب العلمية – بيروت – ط 10- 1989م. 50-فتوح الشام – لأبي عبد الله الواقدي – مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر – ط 4- 1966م. 51-الفروق في اللغة – لأبي هلال العسكري – منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت – لبنان – ط2- 1977م. 52-فقه اللغة وسر العربية – للثعالبي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – د/ت. صورة عن الطبعة المصرية – 1341هـ/ 1923م). 53-في جمالية الكلمة – د. حسين جمعة – اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2002م. 54-قراءات في أدب العصر الأموي – د. حسين جمعة – منشورات جامعة دمشق – 1992م. 55-فكرة الزمان عبر التاريخ – ترجمة فؤاد كامل – سلسلة عالم المعرفة – الكويت – عدد 159-1992م. 56-الكامل في التاريخ – ابن الأثير – دار صادر – دار بيروت – بيروت – 1965م. 57-الكتاب – لسيبويه – تحقيق عبد السلام محمد هارون – عالم الكتب – بيروت – د/ت. 58-كتاب خَلْق الإنسان للأصمعي ضمن الكنز اللغوي) تحقيق أوغست هغنر – بيروت – 1903م. 59-كتاب خَلْق الإنسان – لثابت بن أبي ثابت – تحقيق عبد الستار أحمد فراج – مطبعة حكومة الكويت – طبعة ثانية مصورة – 1985م. 60-لسان العرب – لابن منظور – دار صادر – بيروت – 1955-1965م. 61-اللمع – لأبي نَصر السراج – نشرة نيكلسون – لندن – 1916م. 62-المخصص – لابن سيده – تحقيق لجنة إحياء التراث العربي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – د/ت. 63-مروج الذهب ومعادن الجوهر – للمسعودي – تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد – مطبعة السعادة بمصر – ط 4 – 1964م. 64-المعمرون والوصايا – للسجستاني – تحقيق عبد المنعم عامر – دار إحياء الكتب العربية – لصاحبها عيسى البابي الحلبي – القاهرة – 1961م. 65-المغازي للواقدي – تحقيق الدكتور مارسدن جونس – عالم الكتب – بيروت – د/ت. 66-مقدمة ابن خلدون – دار إحياء التراث العربي – بيروت – ط 4- د/ت. 67-الملل والنحل للشهرستاني – تقديم وتعريف د. حسين جمعة – دار دانية – دمشق – وبيروت – ط1 – 1990م. 68-منهاج البلغاء وسراج الأُدباء – حازم القرطاجني – تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة – دار الغرب الإسلمي – بيروت – ط 2-1981م. 69-النقائض – لأبي عبيدة معمرة بن المثنى – اعتناء المستشرق الإنكليزي بيفان – دار صادر – بيروت – د/ت صورة عن طبعة ليدن – 1905م). 70-نهاية الأرب في فنون الأدب – للنويري – تصحيح أحمد الزين – وزارة الثقافة والإرشاد القومي – القاهرة – د/ت. 71-النهاية في غريب الحديث والأثر – لابن الأثير الجزري – تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي – القاهرة – 1963م. 72-وفيات الأعيان وأنباء وأبناء الزمان – لابن خلكان – تحقيق الدكتور إحسان عباس – دار صادر - بيروت – 1994م. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |