مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:21 AM
فهرس العدد
 

أسس الفكر الجمالي عند التوحيدي ـــ د.عزت السيد أحمد

لقد نثر التوحيديّ نظريته الفنيّة والجماليّة بين كتبه نثر اللّؤلؤ بين حبّات العقد. ونحن لا ندّعي أنّه كان مدركاً أو قاصداً تأسيس نظريّةٍ، ولكنّنا نزعم أنّ ما قدّمه يكاد يرقى إلى مستوى نظريّةٍ إن لم تكن متكاملةً تماماً فإنّه لا ينقصها الكثير أبداً حتّى تمنح شرف التكامل.‏

إن مبحث الجمال في إطاره العامّ، علم الجمال، وفي إطاره الخاصّ، فلسفة الفنّ. شأنه شأن المباحث الأخرى، المختلفة والمتعدّدة، ينطوي على غير مستوىً وتصنيفٍ للموضوعات المعالجة. فلدينا أوّلاً ما يمكن أن نسميّه المستوى النّظري، ونحن ثانياً أمام المناهج أو طرائق البحث والمعالجة، ونجد أنفسنا ثالثاً بين الميادين الّتي تمتدُّ إليها يد هذا المبحث أو ذاك وتعالجها تبعاً لمنظوره ومناهجه وأدواته ومفاهيمه. وربما نجد أيضاً مستوياتٍ أخرى يرتبط كلٌّ منها بمادّة المبحث: كالنّظريّات؛ المبرهنات) والنّظريّات؛ المذاهب) والمستوى التّأريخيّ والفروع وغير ذلك.‏

يختصُّ الجانب النّظريّ بالوقوف على منطلقات العلم من مبادئ وأسس ومفاهيم، هذه الأمور التي تكون اتّفاقيّةً –على الأغلب الأعمّ- في علوم الطّبيعة، وخلافيّةً –على العموم- في العلوم النّظريّة. ففي علم الجمال نجد تبايناً شاسعاً في ترتيب هذه المبادئ والأسس والمفاهيم، وأولويّاتها وتسمياتها وأساليب التّعبير عنها والتّعامل معها، فنجد مثلاً: مفهوم الجمال وطبيعة الجمال، وخصائص الجمال وعناصر الجمال، ومعايير الجمال والقيم الجماليّة، واللّذّة الجماليّة والمعايشة الجماليّة والتّلقّي الجماليّ، والتّقويم الجماليّ والتّذوّق الجماليّ، والإبداع والإلهام والمحاكاة، والصّورة الجماليّة والصّورة الفنّيّة، والعلاقات بين مختلف المفاهيم والأفرع والميادين؛ مثاني وجموعاً، وغير ذلك الكثير الكثير من المسائل التي نجدها متفرّقة لدى الباحثين تبعاً لميولهم واهتماماتهم وانتباهاتهم وانتماءاتهم...‏

أمّا مناهج البحث فهي الطّرق أو السّبل الّتي ينتهجها البحّاثة إبّان تناوله مادّة بحثه ومعالجتها. وبديهيٌّ أن تتباين هذه المناهج بتباين موضوع البحث. وقد اختلف النّقّاد فيما إذا كانت مادّة البحث هي الّتي توجّه الباحث وتفرض عليه سلك طريقةٍ محدّدة، أو أنّ الباحث مخيّرٌ بين طرائق المعالجة. والحقُّ أنّنا مازلنا عاجزين، في علم الجمال عن الاتّفاق على منهجٍ محدّدٍ؛ واحدٍ أو أكثر في معالجة القضايا الجماليّة ومسائلها، بل لعلّنا لم نصل إلى منهجٍ واضحٍ في هذا الخصوص، للارتباط الوثيق الوشيج بين مادّة البحث وذاتيّة الباحث، خلاف معظم مباحث العلوم الاجتماعية الّتي قطعت أشواطاً طويلةً على هذا الطّريق، وإن اتّفقت مع علم الجمال في ذاتيّتها.‏

وتتّجه ميادين العلم إلى تطبيق أسسه النّظريّة على أفرعه المختلفة، أي أنّنا ننتقل هنا من المستوى النّظريّ والتّنظيريّ إلى المستوى التّطبيقيّ للعلم، فنجد لدينا على سبيل المثال –فيما يخصّنا- جماليّات الشّعر والنّثر والرّسم والنّحت والعمارة والرّقص والموسيقى... وغيرها من الفنون.‏

"إنّ انشغالنا بموضوعات الفنّ والجمال في التّراث العربيّ الإسلاميّ، ونوع حضور الاهتمام الجماليّ عند أبي حيّان التّوحيديّ، يحكمه سؤالٌ يبدو صعب المعالجة، على أكثر من صعيدٍ، وهو سؤالٌ قابلٌ لأن نصوغه بأكثر من طريقةٍ: هل توفّر لنا الثّقافة العربيّة الإسلاميّة إمكان إقامة جماليّاتٍ محدّدة الأسس، معيّنة المفاهيم، تكثّف الخبرة العربيّة الإسلاميّة، وأنماط التّذوّق المتراكمة عبر الزّمن، والتّفاعل واختلاف صيغ الأحكام؟ هل هناك إمكانٌ لالتقاط عناصر خطابٍ جماليٍّ يحتضن مقوّمات متخيّلٍ استقرّت في ثناياه رموزٌ هاجرت من أكثر من حضارةٍ ومن فضاءٍ ثقافيٍّ، لتجد تعبيرها البليغ في النّسق الدّلاليّ والرّمزيّ للّغة العربيّة؟"(1) .‏

من الصّعب القول بوجود مثل هذه النّظريّة بمعناها الاصطلاحيّ المعاصر عند كلّ من سبق ولادة هذا المصطلح(2) على يدي ألكسندر باومجارتن –Baumagarten، ولكنّ ذلك لا ينفي مطلقاً وجود معالم نظريّاتٍ متكاملةٍ، ولا يحول دون استنباط أمثال هذه النظريّات؛ سواء أكان ذلك في فكر الحضارة العربيّة الإسلاميّة وفلسفتها، أم في فلسفة الحضارة اليونانيّة. وانطلاقاً من ذلك يمكننا القول إنّ التّوحيديّ قد نثر ما يمكن أن نسميّه "نظريّته الفنّيّة والجماليّة" بين كتبه نثر اللؤلؤ بين حبّات العقد. وإن كنّا لا ندّعي أنّه كان يدرك أنّه يعرض لنظريّة فنيّةٍ وجماليّةٍ، ولا أنّه كان قاصداً ذلك، فإنّنا نسمح لأنفسنا الزعم مقدّماً بأنّ ما قدّمه أبو حيّان يكاد يرقى إلى مستوى نظريّة إن لم تكن متكاملةً تماماً فإنّه لا ينقصها الكثير أبداً حتّى تمنح شرف التكامل، ولذلك لم يكن نثر هذه الآراء والمواقف اعتباطاً ولا خبط عشواءٍ، ولا تقحيماً لآرائه الفنيّة بين طيّات كتبه كلّما سنحت له سانحةٌ، أو شاءت له مصادفةٌ أن يفعل ذلك.‏

خصوصيّة الفنّ‏

لم يكن من العسير على فيلسوفٍ جماليٍّ قديرٍ كبيرٍ، أن يدرك –وهو يرسي دعائم مهمةٍ لعلم الجمال العربيّ، كما يصرُّ الكثيرون(3) -أنّ أهمّ مزايا الفنّ وخصائصه أنّه صناعةٌ تقتصر على الإنسان وحده دون سائر المخلوقات، لأنّه يختصّ بسماتٍ لا تتوفّر إلاّ فيه. ويبيّن لنا كيف أنّ الفنّ محاكاةٌ للطّبيعة، ممّا يترتّب عليه ضرورةً أنّ الفنّ دون الطّبيعة كمالاً، وأنّ الطّبيعة فوق الفنّ؛ يقول في ذلك على لسان معاصره ومحدّثه أبي عليٍّ مسكويه:‏

"إنّ الطّبيعة فوق الصّناعة الفنّ)، وإنّ الصّناعة دون الطّبيعة، وإنّ الصّناعة تتشبّه بالطّبيعة ولا تكمل، والطّبيعة لا تتشبّه بالصّناعة وتكمل"(4) . والسّبب في ذلك "أنّ الطّبيعة قوّةٌ إلهيّةٌ ساريةٌ في الأشياء واصلةٌ إليها، عاملةٌ فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة، إمّا على التّمام، وإمّا على النّقص"(5) . ولعلّ هذا ما ذهب إليه أندريه جيد –André Gide الّذي "يعدّ كل شيء على وجه الأرض طبيعيّاً باستثناء الفنّ، فهو في نظره الشّيء الوحيد غير الطّبيعيّ، والمصطنع في هذه الحياة"(6) ، مع اختلاف أرضيّة التّفكير.‏

ويتابع مفكّرنا، في معرض التّمييز بين الإنسان والحيوان في مكانٍ آخر، قائلاً: "ذكر بعض الباحثين عن الإنسان أنّه جامعٌ ما تفرّق في جميع الحيوان، ثمّ زاد عليها وفضل بثلاث خصالٍ:‏

-بالعقل والنّظر في الأمور النّافعة والضّارّة.‏

-وبالمنطق لإبراز ما استفاد العقل بوساطة النّظر.‏

-وبالأيدي لإقامة الصّناعات، وإبراز الصّور فيها مماثلةً لما في الطّبيعة بقوة النّفس"(7) .‏

وهو بذلك يقترب كثيراً ممّا سيقف عليه جورج سنتيانا – Santayana بقوله: "حينما نعترف بالتّميّز الإنسانيّ باعتباره أساساً مشروعاً للمفاضلة، لأنّه لا غنى لنا عنه، فحينئذٍ نرتّب كلّ ما في الطّبيعة الفنّيّة من موضوعاتٍ حسب هذا المعيار بحيث نجعل منها نظاماً من القيم"(8) .‏

ممّا لاشكّ فيه أنّ للميزتين الأولى والثّانية دوراً كبيراً في الفنون، إلى جانب الأدوار الأخرى والأهمّ في ضروب الممارسة العمليّة في الحياة.‏

وحتّى لا نطلق العنان للتّأويل واستيلاد المعاني من هاتين العبارتين، يكفي أن نشير إلى أمرٍ على غاية الوضوح فيهما: ففي الفنون ماهو نافعٌ وماهو ضارٌّ، وبالعقل والنّظر، لا بالحدس الجمالي والفنّي، ندرك مثل هذه الأمور، وبالاستدلال والمحاكاة العقليّة نرسم ونخطّط لتجنّب الضّرر وتلافيه، والاستفادة ممّا يمكن الاستفادة منه من الفنون.‏

ويبدو جليّاً ما للمزيّة الثّالثة من أثرٍ فاعلٍ ومهمٍّ، يفصح عن ذاته بذاته في الفنّ، إنّه وبهذه الكلمات القليلة الواضحة المعنى، يميط السّجوف عن آليّة العمل الفنّيّ، فهو يبيّن كيفيّة انتقال الفنّ من القوّة إلى الفعل، أي من الحالة الكمونيّة التي يكون الأثر الفنّيّ فيها مجرّد فكرةٍ قابعةٍ في أعماق النّفس، ثمّ لتقدحها شرارة الإلهام، وتنتقل بها إلى حالة التّجسّد... هذا الانتقال يتّخذ الأيدي وسيلةً مباشرةً له. دون أن يفترق في ذلك بكبير بونٍ عمّا أكّده أوجست رودان –A.Rudan من "أنّ الفنّ ليس إلاّ شعوراً أو عاطفةً، ولكن بدون علم الأحجام والنّسب والألوان، وبدون البراعة اليدويّة، لابدّ من أن تبقى العاطفة- مهما كانت قوّتها- مغلولةً مشلولةً"(9) .‏

والحقيقة أنّ هذا الكلام مقبولٌ إلى حدٍّ بعيدٍ جدّاً، إذا نحن فهمنا أنّ المقصود من الأيدي هو المعنى اللّغويّ والحسّيّ وحسب، أمّا لو فهمنا منها أنّها الأداة الّتي تصوغ العمل الفنيّ بالصّورة الّتي يستقبلها المتلّقي، لما أمكننا تجاوز هذا المعنى إلى أبعد منه، فغير خافٍ أنّ اليد هي الّتي تصوغ فنون النّحت والتّصوير والعمارة والنّقش والعزف.... ولكن ثمّة فنونٌ لا تلعب اليد فيها إلاّ دوراً ثانويّاً، يمكن إغفاله في بعضها، كالشّعر على سبيل المثال، والغناء... على أن ذلك كلّه ليس لليد فيه سوى تشرّفها بكونها أداةً تجسّد إرادة النّفس الملهمة، وقد أشار الفيلسوف إلى ذلك. ولمثل هذا نفى سنتيانا- Santayana أن يكون "النّشاط البشريّ والفنّ قد نشأا مستقلّين عن أوجه النّشاط البشريّ الأخرى، بل إنّهما نشأا مترابطين لتحقيق قيمه الجماليّة والعمليّة والنّفعيةّ"(10) .‏

الفنُّ والإلهام‏

يذهب هيجل –Hegel إلى أنّ "الفنّ يكشف عن الإلهيّ، عن الاهتمامات الأكثر سحراً للإنسان، عن الحقائق الأكثر جوهريّةً للرّوح"(11) . وكأنّه يعلن من جديدٍ ما قال به مفكّرنا من أن "الإلهام مفتاح الأمور الإلهيّة"(12) بل هو قبسٌ من النّور الإلهيّ يبثّه الله في النّفس الإنسانيّة. هذا القبس تعكسه البديهة إلى مرآة الحسّ والواقع؛ إلى حالة التّجسّد، عكساً خلاّقاً يتجاوز ضروب القياس والاستدلال والاجتهاد والتّوقع، يقول الفيلسوف في ذلك: "البديهة تحكي الجزء الإلهيّ بالانبجاس، وتزيد على ما يغوص عليه القياس، وتسبق الطّالب والمتوقّع"(13) . وعلى هذا الأساس يرى صاحب الإمتاع والمؤانسة)) أنّ "مراتب الإنسان في العلم ثلاثٌ، تظهر في ثلاثة أنفسٍ: أحدهم ملهمٌ فيتعلّم ويعمل، وواحدٌ يتعلّم، وواحدٌ يتعلّم ويلهم"(14) . ليكون لدينا بذلك: مقتصرٌ على التّعليم التّلقائيّ أو الآليّ، ومتعلّمٌ بإلهامٍ، وملهمٌ يتعلّم ويعمل وهو المبدع، والنّفس المبدعة عند مفكّرنا هي أسمى النّفوس وأعلاها.‏

وقد ميّز التّوحيديّ بين الرّوح والنّفس، وخصوصيّة كلٍّ منهما، فرأى أنّ الرّوح؛ الجسم اللّطيف المنبثّ في الجسد، إنّما هي سبب الحياة في الإنسان والحيوان على حدّ السواء، أمّا النّفس فهي جوهرٌ إلهيٌّ خاصٌّ بالإنسان وحسب، وفي ذلك يقول صاحب الإمتاع والمؤانسة))، مبتدئاً بتعريف الرّوح بأنّها "جسمٌ لطيفٌ منبثٌّ في الجسد على خاصّ ما له فيه، فأمّا النّفس النّاطقة فإنّها جوهرٌ إلهيٌّ، وليست في الجسد على خاصّ ما له فيه، ولكنّها مدبّرةٌ للجسد، ولم يكن الإنسان إنساناً بالرّوح بل بالنّفس، ولو كان الإنسان بالرّوح لم يكن بينه وبين الحمار فرق"(15) .‏

الفنّ والحيوان‏

لمّا كان الإنسان إنساناً بالنّفس لا بالرّوح، والنّفس جوهرٌ إلهيّ يميّز الإنسان من الحيوان، والفنون تتّصل اتّصالاً وشيجاً بالجزء الإلهيّ في الإنسان فقد وقف التّوحيديّ حائراً أمام ظاهرةٍ تخترق هذه الحدود المرسومة، ذلك أنّه وجد أنّ بعض الحيوانات تبدو وكأنّها تتذوّق بعض ضروب الفنّ، -وثمّة دراساتٌ معاصرةٌ كثيرةٌ تدور في فلك الموضوع ذاته- ولم يستطع أن يخفي ما يشغله، فطرح سؤاله على محدّثه أبي عليٍّ مسكويه قائلاً: "ما سبب تصاغي البهائم والطّير إلى اللّحن الشّجيّ، وما الواصل فيه إلى الإنسان العاقل المحصّل، حتّى يأتي على نفسه؟"(16) . ولكنّه، وكما لم يجد في نفسه الجواب الشّافي، لم يجد عند أبي عليٍّ من الجواب ما يذهب عنه الحيرة.‏

وربّما كان هذا ما حَداهُ على التّمييز بين الإنسان والحيوان ، في غير مرّةٍ وغير كتابٍ، وتوسّع في ذلك مبيّناً الخصائص والسّمات التي امتاز بها الإنسان من الحيوان، معرّجاً على الفنّ –الصّناعة- أو ما اتّصل به في كلّ مرّةٍ.‏

يقول على سبيل المثال: "لمّا وُهب الإنسان الفطرة، وأُعين بالفكرة، ورُفد بالعقل، جمع هذه الخصال، وما هو منها لنفسه وفي نفسه، وبسبب هذه المزيّة الظّاهرة فضل جميع الحيوان، حتّى صار يبلغ مراده بالتّسخير والإعمال واستخراج المنافع منها وإدراك الحاجات بها، وهذه المزيّة له مستفادةٌ بالعقل، لأنّ العقل ينبوع العلم، والطّبيعة ينبوع الصّناعات. والفكر مشتمل منهما ومؤدٍّ بعضها إلى بعضٍ بالفيض الإمكانيّ، والتّوزيع الإنسانيّ، فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل، وصواب رويّة الفكرة من صحّة الطّباع، وصحّة الطّباع موافقة المزاج، وموافقة المزاج بالمدد الاتّفاقيّ والاتّفاق الغيبيّ"(17) .‏

وفي معرض توضيحه لطبيعة الإلهام يقارن بين الإنسان والحيوان من باب ما لكلٍّ منهما منه فيرى أنّ الحيوان، بما هو جنسٌ، كلُّه ملهمٌ، غير أنّ إلهام الحيوان الأعجم إلهام غريزةٍ، فيما الإنسان يزيده بالعقل؛ الاختيار، ولذلك أمكنه الإبداع في الفنّ وغيره ممّا هو أشرف وأسمى، وفي لك يقول: "لمّا كان الحيوان كله يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرةٍ قائمةٍ، وكان الإنسان يتصرّف فيها بالاختيار، صحّ له من الإلهام نصيبٌ حتّى يكون رافداً له في اختياره، وكذلك يكون النحل أيضاً، صحّ له من الاختيار قِسْطٌ في إلهامه حتى يكون ذلك معيناً له في اضطراه. إلا أنّ نصيب الإنسان من الإلهام أقلّ كما أنّ قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر، وثمرةُ اختيار الإنسان إذا كان معاناً بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى، وأرفع من ثمره غيره من الحيوان إذا كان مرفوداً بالاختيار، لأنّ قوّة الاختيار في الحيوان كالحلم، كما أنّ قوّة الإلهام في الإنسان كالظّلّ"(18) .‏

ومن ثم فقد "جعل التّوحيديّ من الفنّ أو الصّناعة ظاهرةً إنسانيّةً تتوقف على القوّة النّاطقة الّتي يتمتّع بها الموجود البشريّ، فلابدّ إذن من أن نفرّق بين عمليّة إبداع الفنّ وعمليّة تذوّقه، ما دام الحيوان لا يشترك معه في العمليّة الأولى. ومعنى هذا أن أبا حيّان لا يرى مانعاً من نسبة الانفعال الجماليّ إلى الحيوان بينما نراه يختصّ الإنسان، دون سواه من باقي الكائنات، بالقدرة على إبداع الجمال واستحداثه"(19) .‏

الموهبة والإبداع‏

ولكن، هل يعني هذا أنّ الإبداع الفنّيّ باستطاعة كلّ إنسانٍ ما دام خاصاً بالجزء الإلهيّ في الإنسان، وهذا الجزء الإلهيّ موجودٌ عند كلّ إنسانٍ؟‏

لقد انتبه التّوحيديّ إلى أنّ الإبداع الفنّيّ محصورٌ بأصحاب المواهب الفنيّةً نوعاً ما، وليس هذا فحسب بل إنّ أصحاب المواهب الفنيّة أنفسهم على تباين في درجات الإبداع، وذلك تبعاً للمخزون المعرفيّ والتّجريبيّ لدى الفنّان، بل لقد أدرك تمام الإدراك أمراً على غايةٍ من الأهميّة، وهو أنّ الإبداع الفنّيّ مختلفٌ عن أيّ عملٍ آخر من حيث إنّ الفنّان ليس بمقدوره أن يبدع في أيّ وقتٍ شاء وأريد منه ذلك، وإنّما هي سبحاتٌ من الإلهام تتنزّل على النّفس من غير سابق موعدٍ، ولذلك فإنّ كلّ إبداعٍ فنّيٍّ لا ينبثق من هذه السبحات، ولا يستنير بهديها، يتّعثر ويزلُّ. أو لم يقل الفرزدق "انا أشعر تميمٍ عند تميمٍ، وربّما أتت عليّ ساعةٍ ونزع ضرسٍ أسهل عليّ من قول بيتٍ"(20) ؟! يقول فيلسوفنا في ذلك:‏

"إنّ الكلام صلفٌ تيّاهٌ، لا يستجيب لكلّ إنسانٍ، ولا يصحب كلّ لسانٍ، وخطره كثيرٌ، ومتعاطيه مغرورٌ، وله أرنٌ(21) كأرن المهر، وإباءٌ كإباء الحرون، وزهوٌ كزهو الملك، وهو يستهّل مرّةً ويتعسّر مراراً، ويذلّ طوراً ويعزّ أطواراً؛ ومادّته من العقل، والعقل سريع الحؤول خفيُّ الخداع؛ وطريقه على الوهم، والوهم شديد السّيلان، ومجراه على اللّسان واللّسان كثير الطّغيان؛ وهو مركّبٌ من اللّفظ اللّغوي، والصّوغ الطّباعيّ، والتّأليف الصّناعيّ، والاستعمال الاصطلاحيّ، ومستملاه من الحجا، ودَرْيُه(22) بالتّمييز؛ ونسجه بالرّقّة... وبهذا البون يقع التّباين ويتّسع التّأويل"(23) .‏

إنّ هذه الموهبة، وهي قوّةٌ كامنةٌ في النّفس، هي أساسُ الإبداع الفنّيّ، ولا تحقّق للإبداع من دون الموهبة، ولابدّ لكلّ موهبةٍ من صقلٍ وتوعيةٍ وتنميةٍ، ويكون ذلك بإغناء التّجربة وزيادة المعرفة وتوجيهها، وقد ضرب التّوحيديّ لنا في لك مثلاً سماعهم غلاماً يغنّي جعل الأصحاب يترنّمون طرباً، فقال أحدهم: "لو كان لهذا من يخرّجه ويعنى به، ويأخذه بالطّرائق المؤلّفة(24) والألحان المختلفة، لكان يظهر أنّه آيةٌ، ويصير فتنةً، فإنّه عجيب الطّبع، بديع الفنّ"(25) . وهذا ما يمكن اشتقاق معناه أيضاً من قوله في الإمتاع والمؤانسة)): "الإنسان بين طبيعته وهي عليه، وبين نفسه وهي له، كالمنتهب المتوزّع، فإن استمدّ من العقل نوره وشعاعه قوي ماهو له من النّفس، وضعف ماهو عليه من الطّبيعة، وإلاّ فقد قوي ماهو عليه من الطّبيعة وضعف ماهو له من النّفس"(26) .‏

والحقيقة أنّ التّوحيديّ كان قد ذهب فيما سبق أن ذكرنا إلى أنّ "الطّبيعة فوق الصّناعة؛ الفنّ)، وأنّ الصّناعة دون الطّبيعة"(27) فكيف يقبل هنا أن يجعل الطّبيعة الموهبة) خاضعةً للصّناعة؟!‏

وبمعنى آخر: إنّ صقل الموهبة –وهي من الطّبيعة- إنّما يتمّ بالصّناعة. وهذا يعني احتياج أو خضوع الطّبيعة إلى الصّناعة، وهذا يتناقض مع ما ذهب إليه أبو حيّان في الإمتاع والمؤانسة))(28) ، فكيف كان ذلك؟‏

الحقيقة أنه ليس من تناقضٍ البتّة في هذا الموضوع، ولعلّ في هذا أيضاً ما يؤكّد وحدة نظريّة التّوحيديّ في الفنّ، وتكاملها، وأنّ الآراء والمواقف التي يوردها إنّما تشكّل خلاصة رأيه وموقفه، وهي بالتّالي ليست مجرد آراءٍ عارضةٍ كان مفكّرنا منها بمثابة الجامع والمفنّد، ودليلنا على ذلك أنّه لمّا عرض لرأيٍ يتخالف مع رأيٍ سابقٍ له –كما يبدو من ظاهر القول- وقد علم أنّ كلا الرّأيين صائبٌ، بيّن سبب نشوز الخاصّ عن العامّ، فقال على لسان أبي سليمان:‏

"إنّ الطّبيعة إنّما احتاجت إلى الصّناعة في هذا المكان لأنّ الصّناعة هنا تستجلي من النّفس والعقل، وتملي على الطّبيعة، وقد صحّ أنّ الطّبيعة مرتبتها دون النّفس، تقبل آثارها وتتمثّل أمرها، وتكمل بكمالها وتعمل على استعمالها، وتكتب بإملائها وترسم بإلقائها، والموسيقى حاصلٌ للنّفس موجودٌ فيها على نوعٍ لطيفٍ وصنفٍ شريفٍ، فالموسيقار إذا صادف طبيعةً قابلةً ومادّةً مستجيبةً وقريحةً مواتيةً، وآلةً منقادةً أفرغ عليها بتأييد العقل والنّفس لبوساً مؤنّقاً، وتأليفاً معجباً، وأعطاها صورةً معشوقةً وحليةً مرموقةً، وقوّته في ذلك تكون بمواصلة النّفس النّاطقة، فمن هنا احتاجت الطّبيعة إلى الصّناعة، لأنّها وصلت إلى كمالها من ناحية النّفس النّاطقة بوساطة الصّناعة الحادثة الّتي من شأنها استجلاء ما ليس لها، وإملاء ما يحصل فيها، استكمالاً بما تأخذ وكمالاً لما تعطي"(29) .‏

ويعود التّوحيديّ ليؤكّد من خلال هذا النّصّ أيضاً آليّة الإبداع اللاآليّة؛ وأعني بذلك جملة الشروط والمعطيات الواجب تحقّقها بدءاً من الموهبة والإلهام كما يقول الفيلسوف، وصولاً إلى التهيّؤ والحالة النّفسية الّتي يعيشها المبدع، والظّروف المناسبة لهذا الإبداع "فالموسيقار إذا صادف طبيعةً قابلةً ومادّةً مستجيبةً، وقريحةً مواتيةً وآلةً منقادةً..." (30) .‏

ولكن، ما المعيار الّذي يتيح لنا الوقوف على المقدرة الإبداعيّة، ومدى التّماسك البنائيّ في الأثر الفنّيّ، ورصانته، وقدرته على النّفاذ إلى القلوب؟‏

لقد عقد التّوحيديّ مقارنةً بارعةً رائعةً بين ضربين إبداعيين –ولعلّ التّقسيم من قبيل التّقسيم النّظريّ- الضّرب الأوّل هو الذي يتّخذ الإلهام مستنداً ومصدرا، والضّرب الثّاني هو الذي يستند إلى الرّويّة العقليّة، وقد بيّن من خلال هذه المقارنة محاسن كلٍّ منهما وعيوبه؛ مستقلاً حيناً، وحيناً مرتبطاً بالآخر، "على أنّ بلاغة الأسلوب، ومتانة الإبداع تتمثّل عند التّوحيدي دائماً في التّوفيق بين الإلهام والرّويّة العقليّة"(31) .‏

يقارن التّوحيديّ بادئ الأمر في مقابساته بين البديهة؛ أساس الإلهام، والرّويّة العقليّة، فيرى أنّ "البديهة أبعد –من الرّويّة- من معاني الكون والفساد، وأغنى عن ضروب الاجتهاد والاستدلال، والرّويّة ألصق بكمال الجوهر وأشدّ تصفيةً للطّينة من الكدر"(32) .‏

"والبديهة قدرةٌ روحانيّةٌ في جبلّةٍ بشريّةٍ، كما أنّ الرّويّة صورةٌ بشريّةٌ في جبلّةٍ روحانيّة"(33) .‏

ثمّ يعقد في الإمتاع والمؤانسة)) مقارنةً بين الضّربين الإبداعيّين اللذين ينعكسان عن الإلهام والرّويّة العقلية فيقول:‏

"إنّ الكلام ينبعث في أوّل مبادئه إمّا عن عفو البديهة، وإمّا عن كدّ الرّويّة، وإمّا أن يكون مركّباً منهما، وفيه قواهما بالأكثر والأقلّ؛ ففضيلة عفو البديهة أن يكون أصفى، وفضيلة كدّ الرّويّة أنّه يكون أشفى، وفضيلة المركّب منهما أنّه يكون أوفى. وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقلّ، وعيب كدّ الرّويّة أن تكون صورة الحسّ فيه أقلّ، وعيب المركّب منهما بقدر قسطه منهما: الأغلب والأضعف، على أنّه إذا خلص هذا المركّب من شوائب التّكلف، وشوائب التّعسف، كان بليغاً مقبولاً رائعاً حلواً. تحتضنه الصّدور، وتختلسه الآذان، وتنتهبه المجالس، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس"(34) .‏

ولعلّ التّوحيديّ أدرك تعقّد العلاقات التي تقوم عليها بنية الإنسان –الإنسان العامّ والخاصّ- ممّا حداه على محاولة إمساك الطّرف المقابل، المناقض للحالة الطّبيعيّة، "فقد يجوز –كما يقول أبو حيّان- أن تكون صورة العقل في البديهة أوضح، وأن تكون صورة الحسّ في الرويّة ألوح. إلاّ أن ذلك من غرائب النّفس ونوادر أفعال الطّبيعة، والمدار على العمود الذي سلف نعته، ورسا أصله"(35) .‏

الفنُّ والمحاكاة‏

ولكن، لابدّ أن نتساءل الآن: إذا كان الفنّ وليد الإبداع الذي يقود إليه الإلهام فما مادّة الإبداع؟ أهي من محض وحي الإلهام؟ مع قطع النّظر عن الصّور المختزنة في الذّاكرة، والخيالات التي تقود الواقع إلى أبعاد أخرى مختلفة. أم هي تقليدٌ للواقع ومحاكاةٌ له؟‏

لقد كان الاتّجاه السّائد في تلك الفترة، ومنذ عهود الفلسفة اليونانيّة، ذاهباً إلى أنّ الفنّ لا يعدو أن يكون محاكاةً لمختلف ظواهر الطّبيعة ومجالاتها، وإن تباينت الآراء في الحكم على جماليّة هذه المحاكاة بين ماضٍ في أنّها "نسخٌ مشوّهةٌ عن الطّبيعة"(36) ومؤكّدٍ إمكانيّة مضاهاتها الطّبيعة جماليّاً(37) . ولقد اتّفق التّوحيديّ مع هذا الاتجاه السّائد الذي يؤكّد أنّ الفنّ ليس إلاّ محاكاةً للطّبيعة، وهذه المحاكاة قاصرةٌ عن اللّحاق بالأصل؛ لتباين الصّانع وتفاوت القدرات التي أوتيت للإنسان من صنعه وصانع الطّبيعة، ويؤكّد رأيه في ذلك بقوله: "وأبين ما سمعته في هذا الحديث أنّ الطّبيعة فوق الصّناعة، وأنّ الصّناعة دون الطّبيعة، وأنّ الصّناعة تتشبّه بالطّبيعة ولا تكمل، والطّبيعة لا تتشبّه بالصّناعة وتكمل، وأن الطّبيعة قوّةٌ إلهيّةٌ ساريةٌ في الأشياء واصلةٌ إليها، عاملةٌ بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة"(38) . ولمثل هذا كان "نموذج الفنّ الجميل عند كانتْ –Kant هو الجميل الطّبيعيّ لا الجميل الذي يصنعه الفنّ"(39) . بينما ذهب بنديتو كروتشه –B.Croce إلى أنّ "الطّبيعة خرساءٌ، والفنّان هو الذي ينطقها، وليس الفنّ في نقل الطّبيعة ومحاكاتها كما هي"(40) .‏

ولما كان أبو حيان غير ميّال إلى قبول إمكان مضاهاة الفنّ للطّبيعة فقد استنكر على أبي عليٍّ مسكويه زعمه "أنّ الأمر حقٌّ وصحيحٌ، وأنّ الطّبيعة لا تمنع من إعطائه –ذلك أنّ- الصّناعة شاقّةٌ، والطّريق إلى إصابة المقدار عسرةٌ، وجمع الأسرار صعبٌ وبعيدٌ، ولكنّه غير ممتنع"(41) –على ما يرى مسكويه. ويردُّ أبو حيّان على هذا الزّعم؛ زعم إمكان تفوّق الفنّ على الطّبيعة –بتبيان "أنّ الصّناعة بشريّةٌ مستخرجةٌ من الطّبيعة التي هي إلهيّةٌ ولا سبيل لقوّةٍ بشريّةٍ أن تنال قوّةً إلهيّةً بالمساواة. –ولذلك لم يجز أن تكون الصّناعة مساويةً لها، ولكن إذا كان الأمر –بالتّشبيه والتّقريب والتّلبيس، فيمكن أن يكون بالصّناعة شيءٌ كأنّه ذهبٌ أو فضّةٌ، وليس(42) هو في الحقيقة، لا ذهبٌ ولا فضّةٌ"(43) . ليتقارب بذلك، إلى حدٍّ كبيرٍ، مع ما ذهب إليه ريمون باير- Raymond Bayer بقوله: "ليست حقيقة العمل الفنّي سوى كونه أداةً فعّالةً تقتادنا إلى الواقع عن طريق بعض المقولات الوجدانيّة"(44) .‏

المعايشة الجمالية‏

ونتساءل الآن: ما الذي كان يقصده التّوحيديّ من احتضان الصّدور للأثر الفنّيّ واختلاس الآذان له؟ ولماذا يصرُّ مفكّرنا على أنّ الفنّ الحقيقيّ هو "ما أدّى المعنى إلى القلب في حسن صورة اللّفظ"(45) ؟.‏

بديهيٌّ أنّ الأثر الفنّيّ لا يعدُّ كذلك ما لم يتّسم بما يفضل به غيره من الآثار أو موضوعات الحياة والطّبيعة الأخرى؛ فالشّعر ما كان ليعدّ أثراً فنّيّاً لولا افتراقه عن الكلام العاديّ، وما كان ليعدّ أرفع من النّثر لولا اختصاصه بما يفضل به النّثر. والشّعر والنّثر شأنهما شأن غيرهما من الفنون؛ فيهما الرّفيع وفيهما الوضيع، فليس كلُّ الشّعر سواءً، ولا كلُّ النّثر سواء، ولا التّصوير... (46) وبالتّالي: ليس كلُّ الشّعر يجد إلى القلب مدخلاً بالدّرجة ذاتها. وهذا ما حدا التّوحيديّ على تأكيد مفهومه في طبيعة الجمال من حيث إنّه علاقةٌ بين الذّات والموضوع.‏

إنّ العلاقة بين الذّات والموضوع، بين الإنسان والأثر الفنّيّ، بمفهومها الأوسع والأشمل هي ما نسميّه بالمعايشة الفنّيّة أو الجماليّة. ولعلّ هذا المبحث الجماليّ هو الأكثر أهميّةً وتشويقاً بين المباحث الجماليّة، بل إنّ فيكور باش –V.Basch يضيّق دائرة علم الجمال حتّى يجعلها حاصرةً للتّذوّق الفنّيّ وحسب(47) ، إذ على الرّغم من كلّ المحاولات في وصف المشاعر أو الحالة التي يكون فيها الإنسان حين المعايشة الجماليّة، فإنّها تظلّ متساميةً على الألفاظ التي نكأد في استجداء دقائقها ومرهفاتها لتصوير هذه المشاعر، وتظلّ محتفظةً بالغموض الجليل الذي يلفّها وتعجز الكلمات عن جلوه. فعندما "يقف المرء مشدوهاً أمام منظرٍ طبيعيّ خلاّبٍ؛ كبضع شجيراتٍ تشابكت أغصانها مظلّلةً ينبوع ماءٍ تنداح تموّجات تدفّقه أنصاف دوائر رقراقةٍ برّاقةٍ كقوس قزح. أو يستمع مترنّماً طرباً إلى موسيقى عذبةٍ يشعر أنّها تراقص روحه، أو تستمدُّ نسج أنغامها من نسغ أحاسيسه. أو يقرأ إحدى الرّوايات الرّائعة بتروّي الرّؤوم وشغف المشوق، فلا يلبث أن يجد نفسه وكأنّه أحد شخوص هذه الرّواية؛ يفرح لفرحهم ويستاء لاستيائهم، وربّما تأخذه النّشوة حيناً فيهمُّ بالتّدخّل وتغيير الحدث... ولكن لا مجال للتّدخّل"(48) . فكيف يمكن أن توصف مثل هذه المشاعر؟! إنّها مسألةٌ صعبةٌ؛ جدّ صعبةٍ، ولعل من أطرف محاولات هذا الوصف ما أسدى به أنيس منصور بقوله: "عندي سببٌ وجيهُ لكي أستمع إلى البرامج الموسيقيّة، فإنّني أترك نفسي لمن يضع لي جناحين في ذراعي، ولمن يلغي الجاذبيّة الأرضيّة من حولي، ولمن يفتح رأسي فتطير منها الأفكار كعصافير وحشيّةٍ في كلّ اتّجاهٍ، ولمن يغرس دبّوساً في رأسي كما يغرسونه في أشجار الصّمغ بعيداً عن أعصابي وكأنّها في ماءٍ باردٍ وأحسُّ كأنّني خلعت جسمي تماماً كما يخلع الإنسان ملابسه فأنسلخ إذ أتسلّل من جسمي وهو سجن العمر... مع الموسيقى أكون شيئاً آخر، لا أكون أنا وإنّما أصبح غيري؛ أحسن وأصحّ وأكثر حريّةً... وأعرف بالضّبط ما هو وجه الحسن والصّحّة والحريّة التي أنعم بها، ولكن من المؤكّد أنّني أخفّ فقد تخفّفت من الذي كنت فيه..." (49) .‏

جدليّة العلاقة الجماليّة‏

لعلّ التّوحيديّ ثاني من استطاع الوقوف على جدليّة العلاقة الجماليّة، بعد أبي عثمان عمرو بن بحرٍ الجاحظ(50) ، وقوف ضليعٍ بكنه الجمال وحقيقته، خبيرٍ بأسراره ومساربه، فقدّ هذه العلاقة بصيغتها الفلسفيّة قدّاً مؤنّقاً مؤتلقاً، وهاهو ذا يتساءل في الهوامل والشّوامل)) عن طبيعة الجمال تساؤلاً صريحاً يكشف من خلاله عن مدى إدراكه لهذه الحقيقة، فيقول: "ما سبب استحسان الصّورة الحسنة؟ وما سبب هذا الولع الظّاهر؟... –ويتابع مستفسراً: أهذه كلّها من آثار الطّبيعة؟ أم هي من عوارض النّفس؟ أم هي من دواعي العقل؟ أم هي من سهام الرّوح؟ أم هي خاليةٌ من العلل جاريةٌ على الهذر؟ وهل يجوز أن يوجد مثل هذه الأمور الغالبة والأحوال المؤثّرة على وجه العبث، وطريق البطل؟"(51) .‏

يبدو جليّاً ما في هذه التّساؤلات من دلالاتٍ معاصرةٍ، نتعامل معها الآن، في طبيعة الجمال، فيتساءل: هل الجميل جميلٌ لأنّه بطبيعته كذلك؟ أي لأنّه يتّصف كموضوعٍ بالصّفات الجماليّة المستقلّة تمام الاستقلال عن ذواتنا. ثمّ ينتقل إلى الطّرف المقابل تماماً، فيقول: أم هي عوارض النّفس؟ وهذا هو الجانب الذّاتيّ، أي إنّ طبيعة الجمال هي صفاتٌ نخلعها على المواضيع باختلاف أحوال النّفس وعوارضها. ثمّ يتابع تساؤلاته ببراعة المتبصّر الخبير، متنقّلاً بين أحوال الذّات والموضوع وعوارضهما.‏

ولكن أين يقف التّوحيديّ من ذلك؟‏

لعلّ في طرح هذه التساؤلات دون الميل إلى أحد الجانبين أو إغفال الجانب الآخر أو محاولة طمس معالمه، ما يكفي للتّدليل على تفهّمه لهذه الصّلة وأهمّيتها.‏

ولكنّه، ما دام قد وقف على هذه العلاقة، ما كان ينبغي له تجاوزها دون تحديد موقفه منها، وهذا ما قرّره صاحب الهوامل والشّوامل فعلاً، فيعرّف الجمال بأنّه "كمالٌ في الأعضاء، وتناسبٌ في الأجزاء، مقبولٌ عند النّفس"(52) . وليس أبلغ من هذا في الدّلالة على قوّة تلازم العلاقة الماثلة بين الموضوع –من حيث ضرورة اتّصافه ببعض الخصائص؛ الّتي هي المكوّنات الجماليّة، الممكن وصفها بالثّبات؛ بصورةٍ أو بأخرى –والّذات بأحوالها المتباينة من حينٍ إلى آخرٍ، ومفاهيمها المختلفة؛ هذه الذات التي نستطيع وصفها بالحيويّة والحركيّة. "فالتّوحيديّ، على لسان مسكويه، يرى أنّ بين الطّبيعة والنّفس حواراً مستمراً، فالطّبيعة تتلقّى أفعال النّفس وآثارها، لذلك فإنّها عندما تشكّل صور الهيولى- أي المادّة الأوليّة للأشياء- فإنّها تجعل هذه الصّور وفق رغبة النّفس وحسب استعدادها لقبول هذه الصّور"(53) .‏

إنّ وقوف أبي حيّان التّوحيديّ على هذه الحقيقة بصيغتها النّاجزة هذه التي تأخذ بعين النّظر اختلاف أذواق النّاس لأسبابٍ شتّى، ودور ذلك في الأحكام الجماليّة وتباينها حتّى على الأثر الجماليّ الواحد، يكون قد فرض نفسه رائداً فعليّاً ثانياً للنّظرية الجدليّة(54) في تحديد طبيعة الجمال، والتي يدّعي جلُّ المفكّرين أنّها لم تنشأ إلاّ مع مطالع القرن التّاسع عشر على يدي المفكّر الرّوسيّ تشرنشفسكي -Tchernichowsky(55) ، أو ربّما في أواخر الثّامن عشر كإرهاصاتٍ أوّليّةٍ على أيدي ديدرو -Dkderot(56) ، وهردر Herder(57) ، وشيلر -Schiller(58) .‏

والحقُّ أنّ فيلسوفنا لم يتوقفّ عند تحديد هذه العلاقة التي تجاوز بها سابقيه، وكثيراً جدّاً من لاحقيه، ولفترةٍ طويلةٍ من الزّمن، بل استرسل في سبر أغوار هذه العلاقة، واستقصاء ما تنطوي عليه من معانٍ ودلالاتٍ جماليّةٍ، فقد انطلق من حيويّة العلاقة وحركيّتها بين الذّات والموضوع في تحديد طبيعة الجمال ومقاييسه، ليصل من خلالها إلى ما نسميه اليوم بالمعايشة الجماليّة، والمعايشة الفنيّة، وهو وإن لم يكن أوّل من أثار هذا الموضوع إلاّ أنّه أوّل من أسبغ عليه ببراعته، ومقدرته البلاغيّة لبوساً موشّحاً برونق العلم وألق البهاء، مازلنا نمتح من معانيه ومفاهيمه وحالي وشيه في التّعامل مع هذا المبحث الجماليّ حتّى اليوم.‏

أوّلاً: بين الفنّان والأثر الفنّي‏

ولعلّ الحديث عن العلاقة بين الفنّان وأثره أوّل ما يسترعي الانتباه، لأنها ترافق الأثر الفنّيّ في كلّ مراحله؛ منذ الممهّدات المهيّئة لانقداح شرارة الإلهام بفكرته، وتبلورها شيئاً فشيئاً حتّى انسكابها في قالبها الفنّيّ. دون أن يعني ذلك أنّ ثمّة آليّةً معيّنةً تتواتر على أساسها مراحل الأثر الفنّيّ سالفة الذّكر.‏

والحقيقة أنّ التّوحيديّ قد أسهب وأطنب كثيراً في شرح هذه المراحل خلال حديثه عن الإلهام والموهبة، والشّروط، والظّروف اللاّزمة الضّرورية، والنّافلة العرضيّة التي تتيح للموهبة، أو للذّات المبدعة، أن تفصح عن مكنوناتها.‏

وكذلك الحالة النّفسيّة للفنّان، وشروط الفنّ الحقيقيّ، وقد سبق الحديث؛ تلميحاً أو تصريحاً، في بعض ذلك وربّما يكفي أن نشير إلى تلك العبارات البليغة التي وصف بها فيلسوفنا حال الفنّان بعيد اكتمال أثره الفنّيّ التي يقول فيها:‏

"فإذا صنع الصّانع تمثالاً في مادّته موافقةٌ فقبلت منه الصّورة الطّبيعة تامّةً صحيحةً؛ فرح وسرّ وأعجب وافتخر، لصدق أثره وخروج ما في قوّته إلى الفعل موافقاً لما في نفسه، ولما عند الطّبيعة"(59) . وبعض هذا ما ذهب إليه جوته –Goethe بقوله: "شخصيّة الفنّان هي كلُّ شيءٍ في الفنّ والشّعر"(60) .‏

هكذا يكشف لنا التّوحيديّ عن بعض المشاعر التي تختلج في أعماق الفنّان حين ينظر إلى أثره الفنّيّ وهو متجسّدٌ في صورته التي انتهى إليها، ولاسيما "أنّ الوصول إلى إدراك مشاعر الفنّان [في(61) ] أثناء الإبداع أمرٌ بالغ الصّعوبة، ومن ناحيةٍ أخرى لا يمكن سؤال الفنّان عن مشاعره [في] أثناء الإبداع، أي؛ كيف أحسّ بما أحسّ، وكيف شعر بما شعر"(62) .‏

كلماتٌ أربعٌ تلك التي أوجز بها هذه الحالة، وإنّك لتشعر أنّها تتزاحم وتتسابق، وتتآلف وتتعانق، وهي وإن قلّت تنمُّ على معانٍ كثيرةٍ، بل إنّ كلّ كلمةٍ توجز لنا حالةً من حالات الفنّان –بغضّ النّظر عن تآلفها معاً على النّحو الحقيقيّ لما هي عليه حالُ الفنّان؛ فالفرح والسُّرور يعبّران عن النّشوة أو اللّذّة الجماليّة التي تمتلك كيان الفنّان وتسري فيه سريان الدّم في أوعيته، ولعلّ هذه النّشوة حين تملكها الإنسان هي التي تنزع به إلى الاتحاد بالأثر الفنّيّ في ضربٍ جدّ راقٍ من ضروب المعايشة الجماليّة، على نحوٍ أشدّ ما يشبه الفناء الصّوفيّ، حيث تتجرّد النّفس عن مادّتها، وخاصّ ما لها، لتتسامى باتّحادها بالذّات الإلهيّة على النّحو الذي وصفه الحلاج بقوله(63) :‏

أنا من أهْوى ومنْ أهْوى أنا‏

نحْنُ رُوحان حللْنا بدنا‏

فإذا أبْصرْتني أبْصرْتهُ‏

وإذا أبْصرْتهُ أبْصرْتنا‏

ومثْلُ رأي مُفكّرنا هُو ما عبّر عنه جورج سنتيانا –Santayana بقوله: "اللّذّة عنصرٌ جوهريٌّ من عناصر الفنّ؛ لذّةٌ محمّلةٌ بالمعاني، عامرةٌ بالدلاّلات. إنّ اللّذّة التي تقترن بهذه الخبرة إنّما هي مظهرٌ لتوافق الطّبيعة والعقل، أو الانسجام بين عالم الظّواهر وعالم المطلق"(64) .‏

ولا يفوت التّوحيديّ أن يصف هذه الحالة بمرصّع ألفاظه فيقول: "إنّ من شأن النّفس إذا رأت صورةً حسنةً متناسبة الأعضاء في الهيئات والمقادير والألوان وسائر الأحوال، مقبولةً عندها، موافقةً لما أعطتها الطّبيعة، اشتاقت إلى الاتحاد بها، فنَزَعتْها من المادّة، واستثبتتها في ذاتها، وصارت إيّاها"(65) ، "ولذلك يلاحظ أنّ العاطفة الجماليّة أقدر من غيرها على تحقيق التّمازج الرّوحيّ، حتّى لتشبه في ذلك اندفاعات الحبّ الخالص"(66) . إذ إنّ الحسن أو الجمال كما يقول سنتيانا –Santayana- ولا يختلف في قوله عن التّوحيديّ ولا يفترق عنه –هو "تلك اللّذّة المتجسّمة في صميم الموضوع، أو تلك المتعة الباطنة في صميم الشّيء الملائم، بشرط ألاّ ترتبط هذه اللّذّة أو المتعة بحاسّة واحدة من حواسّنا، وكما أنّ الحقيقة هي تضافر الإدراكات الحسّيّة أو تآزرها فإنّ الجمال هو تضافر اللّذّات"(67) .‏

أمّا الإعجاب فغير خافٍ افتتان الفنّان بأثره الفنّيّ، ولاسيّما أنه ابتدعه من ذاته، وليس من عجبٍ أن نسمع الفنّان يصف أثره الفنّيّ بأنّه بعض ذاته، أو بعض كيانه، بل إنّ كثيراً من الفنّانين من يشبّه إبداعاته بأولاده، أو يقرنها بعضها ببعض، وهذا ما عبّر التّوحيديّ بإعجاب الفنّان بما يبدع، والإعجاب يتبع الفرح والسّرور إثر تجسّد أثره ورؤيته النّور. وبهذا المعنى ذاته قال ابن خلدون: "إنّ الإنسان مفتونٌ بشعره، إذ هو نبات فكره واختراع قريحته"(68) . وإن كان الفرق بينهما أنّ الأخير كان يحذّر من انخداع الفنّان بما يبدع لأنّ الإنسان مفتونٌ باختراع قريحته، أمّا التّوحيديّ فقد سبر أسباب الإعجاب فوجدها ماثلةً في صدق الأثر وخروج ما في القوّة إلى الفعل موافقاً لما في نفس المبدع، ولما عند الطّبيعة.‏

ويتبع الإعجاب الافتخار الذي يأتي نتيجةً طبيعيّة للمشاعر السّابقة من حيث ما أوجبها، والذي أوجبها صدق التّعبير في هذا الأثر، وحقيقيّته، وانبثاقه من أعماق النّفس معبّراً عمّا يختلج في أعماقها، موافقاً لها.‏

ثانياً: بين المتلقّي والأثر الفنّي‏

أمّا عن علاقة المتلقّي بالأثر الفنّيّ فيبدو أنّ التوحيديّ لم يفرق بين الفنّان والإنسان العاديّ في النّزوع إلى الاتّحاد بالأثر الفنّيّ حين الاتّصال به، بيد أنّه أشار إلى أنّ "التّذوّق الفنّيّ يتطلّب شروطاً مشابهةً تماماً لشروط الإبداع الفنّيّ. والحكم على عملٍ فنّيّ ليس أمراً سهلاً، بل هو معقّدٌ يحتاج إلى قوّة إبداعيةٍ لدى المتذوّق تساعد على الحكم الصّحيح، هذه القوّة الإبداعيّة هي نوعٌ من الاعتدال بين المزاج والأعضاء والشّكل واللّون والحسّ"(69) .‏

"فأمّا الاستحسان العرضيُّ والجزئيُّ –أي ما يستحسنه شخصٌ ما بحسب مزاجٍ ما- فهو أيضاً لأجل نسبةٍ ما، ولكنّه يصير شخصيّاً، والأمور الشّخصيّة لا نهاية لها، فلذلك لا تنحصر تحت صناعةٍ، ولا لها قانون"(70) ، ذلك أنّ الفنّ بوصفه تعبيراً –كماي قول سنتيانا –Santayana الذي عدّ التّعبير ثالث عناصر الجمال أو مقوّماته- يمثّل "مجموعة التأثيرات الانفعاليّة التي تضفي على المضمون الجماليّ لأيّ عملٍ فنّي دلالةً وجدانيةً خاصّةً، تختلف باختلاف الذّكريات والارتباطات التي تتولّد في ذهن المتذوّق لهذا العمل"(71) .‏

والذي ينبغي أن يعلم "أنّ كلّ مزاجٍ متباعدٍ عن الاعتدال تكون له مناسباتٌ نحو أمورٍ خاصّةٍ به، ويخالفه المزاج الذي هو منه في الطّرف الآخر من الاعتدال حتّى يستقبح هذا ما يستحسن هذا"(72) ، لأنّ الأثر أو التّعبير كما يرى سنتيانا "ينفذ إلى مجال الشّعور الجماليّ من خلال عمليّة الاستثارة الوجدانيّة، لا من خلال عمليّة الإدراك الحسّيّ المباشر"(73) . فالمتعة "عند التّوحيديّ لا تخطب ولا تقتنص لمجرّد التّلهّي وتزجية الوقت، بل لأنّها عربون البعد الجماليّ بوصفه البعد الأجدر والأبقى"(74) .‏

وتلعب معايشة الأثر الفنّيّ –فيما يرى أبو حيّان- دوراً كبيراً في حياة المرء، وعلى سبيل المثال: "الغناء معروف الشّرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النّفع في معاينة الرّوح، ومناغاة العقل، وتنبيه النّفس، واجتلاب الطّرب، وتفريج الكرب، وإثارة الهزّة، وإعادة العزّة، وإذكار العهد، وإطهار النّجدة، واكتساب السّلوة؛ وما لا يحصى عدده"(75) . "فكأنّ الجمال يصل بيننا وبين الأشياء من جهةٍ، ويصل بيننا وبين المبدع الفنّيّ من جهةٍ ثانيةٍ، كما أنّه يصل بيننا وبين جميع الذين يتأثّرون به مثلنا"(76) . ومن غير حاجةٍ إلى التّركّح في التّأويل نجدنا هنا مباشرةً أمام وظائف الفنّ عند شارل لالو –Ch.Lalo التي حدّدها بخمسٍ هي؛ التّسلية، وتطهير الأهواء، والفعاليّة الفنيّة، والتّحسين، والتّقوية(77) . ولكنّ أبا حيّان لم يقبل تحديدها لأنّها فيما يعتقد "ممّا لا يحصى عدده".‏

والذي تجدر الإشارة إليه هنا أنّ الغناء ضربٌ من ضروب الفنّ، ينسحب حكمه على غيره من الفنون بصورةٍ أو بأخرى، ومن ذلك جملة التّأثيرات التي يستطيع أن يحدثها في الذّات المتلقيّة، "وكلّ ذلك راجعٌ إلى نسبةٍ صحيحةٍ أو فاسدةٍ، وصورةٍ حسنةٍ أو قبيحةٍ، وتأليفٍ مقبولٍ أو ممجوجٍ، وذوقٍ حلوٍ أو مرٍّ، وطريقٍ سهلٍ أو وعرٍ، ومتناولٍ بعيدٍ أو قريبٍ"(78) .‏

ثبت المراجع‏

1-المراجع العربية والمعربة‏

*الإحساس بالجمال: جورج سنتيانا –ترجمة؛ الدّكتور مصطفى بدوي- مكتبة الأنجلو المصريّة- القاهرة- د.ت.‏

*الإمتاع والمؤانسة: أبو حيّان التّوحيدي –تحقيق؛ أحمد أمين وأحمد الزّين –دار مكتبة الحياة- بيروت- د.ت‏

*انهيار دعاوى الحداثة: عزت السيد أحمد –دار الثقافة- دمشق- 1995م.‏

*الاهتمام بالجمال عند التّوحيدي: محمد نور الدّين أفاية –ضمن مجلّة؛ فصول –القاهرة- المجلد 14- العدد 3.‏

*بديع الكسم: عزت السيد أحمد –وزارة الثقافة- دمشق- 1994م.‏

*البصائر والذّخائر: أبو حيّان التّوحيدي –تحقيق وتعليق؛ أحمد أمين والسّيد أحمد صقر- الجزء الأوّل –لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر –القاهرة- 1373هـ/ 1995م.‏

*التّربية الجماليّة: بديع الكسم –ضمن مجلة ؛ المعلم العربي –العدد 4- شباط- 1950م.‏

*التّوحيدي بين العلم والمعرفة؛ دراسة في قيمة العلم عند أبي حيّان التّوحيدي: أحمد عبد الفتّاح البري –ضمن مجلّة؛ فصول –الهيئة المصريّة العامّة للكتاب –القاهرة- مج14-العدد 3- خريف 1996م.‏

*تجربة الوجود والكتابة عند التّوحيدي: سالم حميش –ضمن مجلّة؛ فصول –الهيئة المصريّة العامّة للكتاب –القاهرة- مج14- العدد 3- خريف 1996م.‏

*الحدس الفنّي عند أبي حيّان: عفيف بهنسي –ضمن مجلّة؛ فصول –الهيئة المصريّة العامّة للكتاب- القاهرة –ج14- العدد3- خريف 1996م.‏

*ديوان الحلاّج: الحلاّج –تحقيق؛ كامل مصطفى السيي –دار آفاق عربية- بغداد –ط2، 1984م.‏

*الشّعر والشّعراء: ابن قتيبة –دار الكتب العلميّة –بيروت- 1985م.‏

*علاقات الفن الجماليّة والواقع: تشرنشفسكي –ترجمة؛ يوسف حلاق –وزارة الثّقافة- دمشق- 1983م.‏

*علم الجمال المعلوماتي: عزت السيد أحمد –دار الثقافة- دمشق- 1994م.‏

*فلسفة الفن عند التّوحيدي: عفيف بهنسي –دار الفكر- دمشق- ط، 1987م.‏

*فلسفة الفن في الفكر المعاصر: زكريا إبراهيم –مكتبة مصر- القاهرة- 1966م.‏

*فلسفة الفن والجمال عند ابن خلدون: عزت السيد أحمد- دار طلاس- دمشق-‏

1993م.‏

*فلسفة جورج سنتيانا: إبراهيم مصطفى إبراهيم –دار النّهضة العربيّة- بيروت- 1994م.‏

*الفن في العصر الحديث: جان ماري شيفر –ترجمة؛ الدكتور فاطمة الجيوشي- وزارة الثّقافة –دمشق- 1996م.‏

*القيم الجماليّة والأخلاقيّة عند الجاحظ: عزت السيد أحمد –رسالة ماجستير نوقشت في جامعة دمشق عام 1994م.‏

*كورديون: أندريه جيد –ترجمة رمسيس عوض- ضمن مجلة: القاهرة –القاهرة- العدد 1962.‏

*مبادئ علم الجمال: شارل لالو –ترجمة؛ خليل شطّا- دار دمشق –دمشق-1982م.‏

*المقدّمة: ابن خلدون –دار السعادة- القاهرة- د.ت.‏

*المقابسات س): أبو حيان التّوحيدي –تحقيق وشرح؛ حسن السّندوبي- المطبعة الرّحمانيّة- القاهرة –1347هـ/ 1929م.‏

*المقابسات ح): أبو حيان التوحيدي –تحقيق محمد توفيق حسين- بغداد 1970م.‏

*مواقف: أنيس منصور –ضمن جريدة: الأهرام –عدد 14/7/1983م.‏

*الموسيقى؛ تعبير نغمي ومنطق: عزيز الشوان –الهيئة المصريّة العامّة للكتاب –القاهرة- 1986م.‏

*الهوامل والشّوامل: التّوحيدي ومسكويه –تحقيق أحمد أمين والسّيد أحمد صقر- القاهرة- 1370هـ/ 1951م.‏

2-المراجع الأجنبية:‏

-Basch, V: Essais D,Esthétique, de Philosophie, et de Gittvératur. Alcan. Paris. 1934.‏

-Osborne, Harold: Aesthetics and Criticism. A Pelican Book. Londn. 1955.‏

-Berlin, I: Vico and Gerder; Two Studies in the History of Ideas. London. 1979.‏

-Ugrinsky, A: Friedrich von Schiller and the Drama of Human Existence. London. 1988.‏

-Reed, T.J: Schiller. Oxford. 1991.‏

(1) الاهتمام بالجمال عند التّوحيدي، محمد نور الدّين أفاية- ضمن مجلّة؛ القاهرة –المجلد 14- العدد 3- 115— 116.‏

(2) ناقشنا هذه الفكرة في دراسة لنا عن مصادر فكر التّوحيدي الجماليّ.‏

(3) من أمثال الدّكتور إبراهيم الكيلاني والدكتور زكريا إبراهيم والدّكتور عفيف بهنسي وغيرهم.‏

(4) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي –ج2- ص39‏

(5) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص39.‏

(6) كورديون، أندريه جيد –ترجمة رمسيس عوض- ضمن مجلة: القاهرة- العدد 162- ص103- 105.‏

(7) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص230- 231.‏

(8) فلسفة جورج سنتيانا، إبراهيم مصطفى إبراهيم- ص54.‏

(9) فلسفة الفن في الفكر المعاصر، زكريا إبراهيم- ص5.‏

(10) فلسفة جورج سنتيانا، إبراهيم مصطفى إبراهيم –ص51.‏

(11) الفن في العصر الحديث، جان ماري شيفر –ص12.‏

(12) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- 146.‏

(13) المقابسات س)، أبو حيّان التوحيدي –ص238.‏

(14) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج1-134.‏

(15) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص113.‏

(16) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص230- 231.‏

(17) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج1- ص144- 145.‏

(18) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج1- ص145.‏

(19) التّوحيدي بين العلم والمعرفة، أحمد عبد الفتّاح البري –ص96- 97.‏

(20) الشّعر والشّعراء، ابن قتيبة –ص31.‏

(21) الأرَن، بالتحريك: النّشاط؛ أرنَ يأرنُ أرناً وإراناً وأريناً. لسان العرب: أرن.‏

(22) دريه: أي دريانه وعلمه، درى الشّيء دَرْياً ودِرْياً ودِرْيةً ودِرْياناً ودرايةً: علمه. لسان العرب: دري.‏

(23) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج1- ص9- 10.‏

(24) المؤلّفة؛ غير مضبوطة في النّصوص المحقّقة، ومعناها بفتح اللام وتشديدها: المكملّة، وهو الأقرب. والمؤلّفة؛ بتسكين الهمزة وكسر اللام: اسم الفاعل من الألف، وهو غير مستبعد، ولاسيما أنّه يحقّق السّجع أيضاً.‏

(25) المقابسات س)، أبو حيّان التّوحيدي- ص163-. وفي ح) ص101.‏

(26) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج1- ص146.‏

(27) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص39.‏

(28) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص39.‏

(29) المقابساتس)، أبو حيّان التّوحيدي –ص163.‏

(30) المقابساتس)، أبو حيّان التّوحيدي- ص163.‏

(31) فلسفة الفن عند التّوحيدي، د.عفيف بهنسي –ص23.‏

(32) المقابسات س)، أبو حيّان التّوحيدي –ص238- 239.‏

(33) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص142.‏

(34) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص132.‏

(35) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص132.‏

(36) انظر على سبيل المثال: -M.W: Encylopedia of Lierature. P. 764.‏

وانظر أيضاً: -Diderot: Essai Sur La Peinture. P. 461.‏

وكذلك: -Harold Osvorne: Aesthetics and Criticism. P. 83- 84.‏

(37) انظر على سبيل المثال: -M.W: Encyclopedia of Literature. P. 583.‏

وانظر أيضاً: -H.Osborne: Aesthetics and Criticism. P. 61.‏

(38) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص39.‏

(39) الفن في العصر الحديث، جان ماري شيفر –ص60.‏

(40) الحدس الفنّي عند أبي حيّان، د.عفيف بهنسي –ص112.‏

(41) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص39.‏

(42) وليس هو في الحقيقة لا ذهبٌ ولا فضّةٌ) هكذا وردت العبارة في النّصّ المحقّق وفي الأصل الذي رجعنا إليه وهو نسخةٌ مصوّرةٌ عن المخطوط الموجود في مكتبة طوب قبو سراي) موجودةٌ في دار الكتب المصريّة. ولكنّ المعنى لا يستقيم بتكرار النّفي: ليس ولا، وأغلب الظّنّ أنّ ليس أو لا الأولى زائدة، فبحذف إحداهما يستقيم الكلام، لتغدو العبارة: وهو في الحقيقة، لا ذهب ولا فضّة) أو وليس هو في الحقيقة ذهباً ولا فضّةً).‏

(43) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيّان التّوحيدي- ج2- ص39- 40.‏

(44) فلسفة الفن في الفكر المعاصر، زكريا إبراهيم –ص367.‏

(45) البصائر والذّخائر، أبو حيّان التّوحيدي –ص140.‏

(46) انهيار دعاوى الحداثة، عزّت السيّد أحمد –ص107 حتّى 109.‏

(47) V.Basch: Essais D’Esthétidque, de Philosophie, et de Littvératur.‏

(48) علم الجمال المعلوماتي، عزت السيد أحمد –ص72.‏

(49) مواقف، أنيس منصور –ضمن جريدة: الأهرام –عدد 14/7/1983م. نقلاً عن: عزيز الشوان: الموسيقى؛ تعبير نغمي ومنطق –ص69.‏

(50) القيم الجماليّة والأخلاقية عند الجاحظ، عزت السيّد أحمد –رسالة ماجستير نوقشت في جامعة دمشق عام 1994م.‏

(51) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص142.‏

(52) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص140.‏

(53) فلسفة الفن عند التّوحيدي، د.عفيف بهنسي –ص69.‏

(54) ثمّة ثلاثة اتّجاهات كبرى، في تاريخ الفكر الجمالي، يحاول كلٍّ منها أن يقدم تفسيراً لطبيعة الجمال؛ فقد ذهب فريقٌ، فريق الاتّجاه الموضوعي، إلى أنّ الجمال صفاتٌ عينيّةٌ ماثلةٌ في الموضوع المدرك، مستقلّةٌ عن العقل أو الذّات التي تدركها، ومن أهمّ من يمثّل هذا الاتّجاه أفلاطون –Plato وليبنتز- Leibnitz. وذهب فريقٌ آخر، فريقُ الاتّجاه الذّاتي، إلى أنّ الجمال ظاهرةٌ إنسانيّةٌ محضةٌ، يفهمها كلُّ إنسانٍ لظروفه النّفسيّة والزّمانيّة والمكانيّة التي ربّما لم ولن يتّفق فيها اثنان، واستناداً إلى ذلك قالوا: "لا مناقشة في الأذواق"، ومن أبرز ممثّلي هذا الاتّجاه المغالطون –Sophism وتولستوي –Tolstoy. ووقف الفريق الثّالث؛ فريق الاتّجاه الجدلي، بين الاتّجاهين فرأى أنّ الجمال والقيمة والجماليّة يتحدّدان على ضوء العلاقة بين الذّات والموضوع؛ الموضوع بمختلف خصائصه الشّكليّة والضّمنيّة والذّات بكلّ ما تحمله من نوازع وميول وأهواء وظروف زمكانيّة، ومن أهم ممثّلي هذا الاتجاه إلى جانب من ذكر في المتن نجد في فكرنا العربي الجاحظ وابن خلدون. لمزيد من التّفصيل في ذلك انظر: طبيعة الجمال، عزت السيّد أحمد –مجلة المعرفة- ص29- 42. وكذلك: علم الجمال المعلوماتي –ص17- 335، وفلسفة الفن والجمال عند ابن خلدون –ص95- 102.‏

(55) جدلية العلاقة الجماليّة هي محور أطروحة تشرنشفسكي لنيل درجة الماجستير وعنوانها: علاقات الفن الجماليّة والواقع.‏

(56) Diderot: Essai Sur La Peinture.‏

(57) J.G. Herder: Reflections on the Science and Art of the Beautiful. See: Merriam Webster’s Encyclopedia of Literature. P 538- 539. And: Berlin: Vico and Herder; Two Studies in the History of Ideas.‏

(58) See: A. Ugrinsky: Friedrich von Schiller and the Drama of Human Existence. And: T.J. Reed: Schiller.‏

(59) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص140-141.‏

(60) الموسيقى تعبير نغمي ومنطق، عزيز الشوّان –ص25.‏

(61) غير موجودة في الأصل وكذلك التّالية.‏

(62) الموسيقى تعبير نغمي ومنطق عزيز الشوّان –ص34.‏

(63) ديوان الحلاّج –ص77.‏

(64) فلسفة جورج سنتيانا، إبراهيم مصطفى إبراهيم –ص47. الشّاهد مأخوذ ببعض التّصرف عن كتاب زكريا إبراهيم: فلسفة الفنّ في الفكر المعاصر –ص77.‏

(65) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص141.‏

(66) التّربية الجماليّة، بديع الكسم –ضمن مجلة؛ المعلم العربي- العدد 4- شباط- 1950م. وكذلك عند: عزّت السيّد أحمد: بديع الكسم –ص118.‏

(67) فلسفة الفنّ في الفكر المعاصر، زكريا إبراهيم –ص77. أصل الشّاهد من كتاب سنتيانا: الإحساس بالجمال –ص61. بتصرّف زكريا إبراهيم.‏

(68) المقدّمة، ا بن خلدون –ص575. وانظر كذلك:‏

فلسفة الفن والجمال عند ابن خلدون، عزت السيد أحمد –ص140.‏

(69) فلسفة الفن عند التوحيدي، د.عفيف بهنسي –ص68.‏

(70) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص142.‏

(71) فلسفة الفنّ في الفكر المعاصر، زكريا إبراهيم –ص86.‏

(72) الهوامل والشوامل، التّوحيدي ومسكويه –ص142.‏

(73) فلسفة الفنّ في الفكر المعاصر، زكريا إبراهيم –ص86.‏

(74) تجربة الوجود والكتابة عند التّوحيدي، سالم حميش –ص65ز‏

(75) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي- ج2- ص136.‏

(76) التّربية الجماليّة، بديع الكسم –ضمن مجلة؛ المعلم العربي –العدد 4- شباط- 1950م. وكذلك عند: عزّت السيّد أحمد: بديع الكسم –ص117- 118.‏

(77) مبادئ علم الجمال، شارل لالو –ص33/36.‏

(78) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي –ج2- ص138- 139.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244