مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:22 AM
فهرس العدد
 
الظاهرة القرآنية وامتيازها من فنون القول ـــ د. أحمد محمد ويس(*)

الظاهرة القرآنية وامتيازها من فنون القول ـــ د. أحمد محمد ويس(*)

"فإذا كان الكلام كلُّه صعباً، وتمييزه شديداً، والوقوع على اختلاف فنونه متعذّراً – وهذا في كلام الآدميّين – فما ظنُّك بكلام ربِّ العالمين؟!"

الإمام الباقلاني

توطئة

لا مراء في أن ما أوجده القرآن الكريم من تغيير في حياة الناس وفي أفكارهم كان أمراً يجل عن التحديد والوصف، وإن كان من السهولة أن يشاهد ويحسّ. ومن ثم فحين يصف بعضهم القرآن بأنه "الحدث" كما فعل بلاشير([2])، أو أنه "الظاهرة" كما فعل مالك بن نبي([3])، فهذا لا يقوم إلا ببعض حقه في الوصف. وربما كان من أجدر الأوصاف أنه "دستور"([4]) وإن جَلَّ عن الدساتير.

ومانرومه في هذا البحث هو أن نتبيَّن، ضمن ما حددّناه لأنفسنا من حيّز، موقعَ هذه الظاهرة الفريدة – لغويَّاً – بين الظواهر اللغوية الأخرى وتجليّات امتيازها من حيث المصدر، ومن حيث المستوى الموسيقى، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي، ومن حيث الوظيفة والتلقي.

القرآن وموقعه من أجناس القول:

نزل القرآن )بلسان عربيّ مبين( [الشعراء 195] في أمّة كان من أَهم ما أتقنته من الفنون فنُّ القول وبلاغةُ اللسان، وذلك ما يسجّله القرآن، فهو )كتابٌ فًصّلت آياتُه قرآناً عَرَبيَّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُون( [فصلت 3]. وعلى الرغم من ذلك فإن القرآن أحدث وقت نزوله لمن نزل فيهم ذهولاً وارتباكاً أدّى بكثير منهم إلى أن يحاروا في وصفه وفي أمر انتمائه إلى ما يعرفون من أجناس القول، ومن ثم فقد كانت الحيرة واقعة أيضاً في وصف الداعي لهذا القرآن والمبلغ له وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمرّة يوصف بأنه ساحر أو يوصف بأنه مسحور، وأُخرى هو شاعر أو كاهن، وتارة مجنون. وهي أوصاف تدلُّ على مَبْلغ ما اعتراهم من حَيرة واختلافِ رأي. وكل هذا سجَّله القرآن عليهم في آيات كثار معروفة.

على أنهم إذا كانوا قد تشبثوا باديَ الرأي بالعناد والمكابرة فلم يُقرُّوا بِصدق القرآن كما لم يقروا بعجزهم عن مثله حين تحداهم فكانوا )إِذَا تُتْلَى عَلَيهم آيَاتُنا قَالُوا قَد سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا..(([5])؛ أقول: فإن القوم ما لبثوا أن أظهروا إحساسهم بجلال القرآن وأقروا بأنه ليس من جنس الكلام الذي يعهدون، وهو ما يسجّله القرآن الكريم عليهم: )وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّل هَذَا الْقُرْآنُ على رَجل من القريَتيْنِ عَظِيم( [الزخرف 31].

وقد حفظت لنا بعض الكتب أخباراً عن أشخاص بأعيانهم أفصحوا عن موقف نقديّ من القرآن، أعني موقفاً مائزاً له من غيره. وربما كان وصْف الوليد بن المغيرة أشهر ما يذكر في هذا الشأن. فقد ردّ على زعم من زعم أن القرآن شعر بأنه قاس القرآن على أقراء الشعر هزجه ورجزه وكذا كذا فما وجده يشبه شيئاً من ذلك([6]). ومن هذا القبيل أيضاً رواية أخرى رويت عن ابن المغيرة ودارت بينه وبين قريش حين أتى إليهم يقول: "إن الناس يجتمعون غداً بالموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فهم سائلوكم عنه فماذا تردون عليهم..؟ فقالوا: مجنون يخنق. فقال: يأتونه فيكلّمونه فيجدونه صحيحاً فصيحاً عاقلاً، فيكذبونكم..! قالوا: نقول هو شاع. قال: همُ العرب، وقد رووَا الشعر، وفيهم الشعر، وقولُه ليس يشبه الشعر، فيكذّبونكم! قالوا: نقول هو كاهن. قال: إنهم لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهنة، فيكذبونكم..! ثم انصرف إلى منزله، فقالوا: صبأ الوليد – يعنون أسلم – ولئن صبأ لا يبقى أحد إلا صبأ"، وبلغت الوليدَ مقالةُ قريش فيه، فأتاها "فقال: أتزعمون أني صبأت..؟ ولعمري ما صبأت، إنكم قلتم محمد مجنون، وقد ولد بين أظهركم لم يغب عنكم ليلة ولا يوماً، فهل رأيتموه يخنق قط..؟ فكيف يكون مجنوناً ولم يخنق قط..؟ وقلتم شاعر، وأنتم شعراء، فهل أحد منكم يقول ما يقول..؟ وقلتم كاهن، فهل حدثكم محمد في شيء يكون في غد إلاّ أن يقول إن شاء الله! قالوا: فكيف تقول يا أبا المغيرة..؟ قال: أقول هو ساحر. فقالوا: وأيّ شيء السحر..؟ قال: شيء يكون ببابل، من حَذَقه فَرَّق بين الرجل وامرأته، والرجل وأخيه،.. أفما تعلمون أن محمداً فرّق بين فلان وفلانة زوجته، وبين فلان وابنه، وبين فلان وأخيه، وبين فلان ومواليه، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم ولا يأتيهم..؟ قالوا: بلى، فاجتمع رأيهم على أن يقولون إنه ساحر، وأن يَردوا الناس عنه بهذا القولِ"([7]). ومثل هذا النص يكشف بجلاء إدراك قريش أن هذا القرآن ذو خطر، وأن له امتيازاً من سائر الكلام، ومن ثمّ فقد عَجزت عن تصنيفه. والاحتياز والعجز عن التصنيف معضلتان أحسّ بهما من كان له بالمعضلات علم؛ وهو الوليد، ومن ثمة فقد راح يستبق وقوع المحظور، ويدعو قريشاً إلى أن توجد لهذه المعضلة تفسيراً مقنعاً، ومن الواضح أن ما قدّموه من حلول كان منقوضاً عند الوليد حلاً بعد آخر، ونقضُه هو ما زاد في حيرة القوم واضطرابهم بدليل أنهم ما لبثوا أن أرسلوا في إثر الوليد، حين تركهم، كي يتأكدوا من موقفه، إذ بدا لهم كأنما هو قد أسلم، ولكنّ الرجل لم يسلم، وراح يُعيد ما كان بدأه من تفنيد ما زعموه مُبطلاً إيّاه ومبيِّناً أنه لا يقوى دليلاً على التكذيب، فهو وإن كان واحداً من المكذبين لم يشأ أن يكون التكذيب من دون سند، فوجود السند إن لم يتسنَّ له حقاً أن يدحض النبوة فلا أقل من أن يشكك فيها، فكانت تهمة السحر هي التهمة. وما يهمنا في هذا السياق هو أن الوليد استرعى انتباههم إلى أن القرآن لا يشبه الشعر الذي زعموه. وهم وغيرهم يدركون كيف يكون الشعر.. فهل أتى أحد أيّ أحد من الشعراء بمثل هذا الكلام..؟ فلو قد أتى لاحتملت الشبهة. فأمّا وأن الوليد قد عمد كما رأينا في نص سابق إلى أن يختبر إن كان ثمّة شبهة و تشابه بين القرآن والشعر، فلجأ إلى مقايسة القرآن بظاهر الشعر فظهرت نتيجة مقايسته سالبةً، فمعنى هذا إذاً أن الشبهة زائفة، وإذا فليَبحث لهم عن مخرج مقنع، وما كان ليختار تهمة السحر اعتباطاً من دون تفكير لو لم يشعر حقاً بأن للقرآن تأثيراً في النفوس يشبه تأثير السحر من حيث إن المرء – وهو هنا الوليد – لا يملك إلا أن ينقاد وإلا أن يتأثر، فإذا ما اختار بعد هذا التأثرِ أن يكابر ويعاند ويذكر صدق الكلام المبلَّغ فهذا أمر لا يناقض أن التأثر واقع. وتلك حقيقة يدل عليها ما اعترف به عتبة بن ربيعة – وقد كان من سادة قريش وحلمائها – حين جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يغريه أن يكون له ما شاء من مال أو سؤدد أو ملك، لقاء أن يَعْدِل عن مضيّه في دعوته، فكان أن قرأ عليه رسول الله الآيات الأولى من سورة فصلت "فلمّا سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال له: قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس قالوا: ما وراءك..؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهره على العرب به، فملكه ملككم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك بلسانه..! قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم"([8]). وإذا ما جاز لنا أن نربط بين النصين قلنا إنّ وصية الوليد بن المغيرة لقومه قد آتت أُكلها، فها هم أولاء يستعلمون ما لقنهم إياه من وصف.

وما كان قاله الوليد بن المغيرة عن أقراء الشعر ورد شبيه له على لسان أُنَيْس أخي أبي ذرّ الغفاري، فقد روى أبو ذرّ في حديثه عن سبب إسلامه أنه قال: "قال لي أخي أُنَيْس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث [أي أبطأ]، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلاً يقول إن الله تعالى أرسله، فقلت: فما يقول الناس فيه؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن. قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، قال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون"([9]). وتكمن أهمية هذا الخبر وخبر الوليد الذي ذكر فيه أقراء الشعر في أنهما لم يكتفيا بالنظرة التذوقية، بل عمدا إلى الروز والاختبار والتمحيص والموازنة، وهذه كلّها يمكنها أن تكشف عن مكامن الشبه والاختلاف. وقد غدت الموازنة هذه فيما بعدُ ديدن الدارسين، وكان أن استعملها الجاحظ مثلاً فنبّه على بعض من عناصر اختلاف القرآن عن الشعر فقال فيما يرويه السيوطي عنه: "سمَّى الله كتابه اسماً مخالفاً لِما سمَّى العربُ كلامهم على الجملة والتفصيل؛ سمَّى جملتَه قرآناً كما سمَّوا ديواناً، وبعضَه سورة كقصيدة، وبعضَها آية كالبيت، وآخرَها فاصلة كقافية"([10]).

على أنه إذا كان الرأي منعقداً على أن القرآن ليس بشعر لأن الله قد نفى هذه التسمية عنه، فهل يكون من النثر إذاً..؟ الحق أن القرآن لم ينف عن نفسه أن يكون نثراً، ربما لأن مفهوم النثر لم يكن موجوداً، ولكنه نفى عن نفسه ضرباً داخلاً في النثر هو سجع الكهان حين أكّد أنه ليس بقَوْل كاهنٍ. بيد أن سجع الكهان خبا وانقرض ولم يعد له في الثقافة العربية مكان يذكر، وصار النثر مفهوماً واسعاً مقابلاً للشعر، وليس له صلة كبيرة بسجع الكهان. وإذاً فلا حرج على النقّاد إن هم عدوا القرآن نثراً، وهذا ما كان من بعضهم إذ أكد أبو عابد الكرخي فيما ينقله عنه أبو حيان التوحيدي: "أن الكتب القديمة والحديثة النازلة من السماء على ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع اختلاف اللغات كلها منثورة"([11]). ويقول المرزوقي (ت 421 هـ): "جعل الله معجزته من جنس ما كانوا يولعون به وبأشرفه، فتحداهم بالقرآن كلاماً منثوراً لا شعراً منظوماً"([12]). ويقول ابن الأثير: "إن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم وإنما اتصل بالمثنور"([13]). لكن هناك من نبه على أن القرآن وإن اعتبر من المنثور، هو من طراز خاص. وهذا ما كان من ابن خلدون حين قال: "والقرآن وإن كان من المنثور إلاّ أنه خارج عن الوصفين؛ فليس يسمَّى مرسلاً مطلقاً ولا مسجعاً، بل تفصيل آيات"([14]).

ومع أن القرآن كثيراً ما اتُّخذ سنداً قويَّاً لأنصار النثر باعتبار أن القرآن نثر لا شعر، إن من القدماء مع ذلك من أخرجه من أن يكون شعراً أو نثراً. وهذا ما نبّه عليه أبو عثمان الجاحظ حين قال: ".. فليس يعرف فروق النظم، واختلاف البحث والنَّثر إلا من عرف القصيد من الرجز، والمزدوج من المنثور، والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العَجْز العارض الذي يجوز ارتفاعه، من العجز الذي هو صفة في الذات، فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام"([15]). وهذا ما نجده أيضاً عند القاضي عبد الجبار في قوله: "وكذلك أجرى الله تعالى حال القرآن ليكون وجه الإعجاز فيه أبين، فخصّه بطريقة خارجة عن نظمهم ونثرهم"([16]). وإلى قريب من ذلك ذهب الرماني([17]) والباقلاني([18]) والنهشلي([19]) والدهلوي([20]). ولعلّ طه حسين هو أشهر المحدَثين ممن أُثرت عنه هذه الفكرة وذلك حين قال: "إن القرآن ليس نثراً، كما أنه ليس شعراً، وإنما هو قرآن، ولا يمكن أن يسمى بغير هذا الاسم"([21]). وكان هذا الرأي منه في سياق إنكاره أن يكون للعصر الجاهلي نثر فني بحجة افتقاد الشواهد على هذا النثر([22]).

الامتياز في المصدر

ربّما كان من تحصيل الحاصل أن اختلاف المصدر بين القرآن من جهة وسائر ما سواه من كلام من جهة أخرى، من شأنه أن يقود إلى كثير من أوجه الاختلاف الأخرى. وكان اختلاف المصدر ماثلاً في رؤية القدماء حين راحوا يقارنون بين كلام الخالق وكلام المخلوق. وقد يقال: إن مجرد مثول هذه الحقيقة في الأذهان كفيل بأن يعطي الأفضليّة لكلام الخالق مما قد يوقع "الموضوعية" في مأزق الاعتقاد السابق. وهذا ما دعا بعضَ المعاصرين متعللين بالموضوعية إلى دراسة القرآن، لا باعتباره كتاباً مقدّسّاً سماويّ المصدر، ولكن باعتباره نصّاً واقعيّ المنشأ والمصدر قابلاً للتفكيك والنظر([23]) على نحو مما صنع بعض التفكيكيين حين أعملوا مباضعهم في "النصوص المقدسة"([24]). وربما لا يعنينا كثيراً ههنا مناقشة آراءٍ تزعم أن القرآن صُنعٌ من صنع الرسول، وذلك ما جهد كثير من المستشرقين في ترسيخه تصريحاً أو تلميحاً([25]).

ولكن ثمة مشكلاً آخر قديماً أثير حول ماهية ارتباط القرآن بقائله وهو الله. وذلك مشكل أثاره المعتزلة حين ذهبوا إلى أن مبدأ التوحيد يتحقق بالاعتقاد بأن الله قديم بذاته. فأمّا صفاته فليست كذلك؛ إذ لا يجوز أن يكون ثمة أكثر من قديم واحد، وعلى هذا راحوا يتأولون الصفات تأوُّلاً عقليَّاً يتفق والتنْزيه الذي رمَوا إليه "فإذا كان الله" عالماً فهو عالم بتلك الذات الإلهية نفسها، لا بأن تكون صفةُ "العلم" قائمة وحدها ولها من الأزلية ما للذات، قائلين في ذلك إنه لو كانت الصفات مشاركة للذات في القدم لشاركتها في الألوهية، وفي ذلك كثرة وتعدّد لا يستقيم معهما توحيد"([26]). وهكذا وقفوا عند صفة "الكلام" فرأوا أنها ليست صفة أزلية لله، بل إن كلام الله هو "عبارة عن أصوات وحروف يخلقها الله في غيره فتصل إلى النبي عن طريق ملك ونحوه"([27]). ثم إنهم قالوا: إن "القرآن نوع من الكلام الذي يخلقه الله، وإنما سمي كلام الله لأنه خَلْق الله من غير واسطة، وهذا هو الفرق بينه وبين كلامنا". وقد استدل المعتزلة على رأيهم في خلق القرآن بجملة أدلة منها مثلاً قوله تعالى: ]الله نَزّلَ أَحْسَنَ الحديث كتاباً مُتَشابهاً[ [الزمر ـ 23]. وقوله تعالى: ]ومَنْ أَصْدَق من الله حَديثاً[ [النساء ـ 87]. فهم يقولون إنه تعالى وَصَفَ القرآن بأنه حديث، والحديث لابد أن يكون حادثاً([28]). ومن ثَم فهو مخلوق. وفي القرآن من هذا المعنى كثير، كقوله تعالى: ]ما يَأْتِيَهم من ذكْرِ ربِّهم مُحْدَث إلاَّ استَمْعَوهُ وهم يَلْعبون[ [الأنبياء ـ 2].

ويبدو أن قول المعتزلة "بخلق القرآن" هو  ما أدى بالنظّام (ت 231هـ) إلى القول بـ"الصّرفة" تفسيراً لعلَّة عجز العرب عن معارضته؛ فأنْ يكون القرآن مخلوقاً فهذا يَلزم عنه ألاَّ يختلف كثيراً في نظمه وتأليفه عن كلام البشر، وألا يختلف عن كلامهم فهذا معناه أن في مقدورهم أن يأتوا بمثله لولا أن الله صَرَفهم عنه، فهو إذاً إنما كان معجزاً بهذا الصرف. وهكذا قرر النظّام أن "النظم... مقدور عليه لولا أن الله منع منه"([29]). ولكن النظَّام لم ينفِ أن القرآن حجة للنبي r فهو إن كان زعم "أن نظم القرآن وتأليفه ليسا بحجة للنبي r وأن الخلق يقدرون على مثله" فإنه أقر بأنَّ الحجة في القرآن تكمن في وجه آخر هو "مافيه من الإخبار عن الغيوب"([30]). أي أن الإعجاز ليس إعجازاً لغويّاً.

ويبدو أن النظام والمعتزلة عامة لمَّا انتهوا إلى أن القرآن مخلوق هان عليهم أن يتخفّفوا من الحذر في إطلاق  مقولة أن النظم مقدور عليه من قبل الخلق، ولئن لم يُتَحْ لهم مثله فليس لعجز ذاتيّ فيهم، بل لأن الله سلبهم القدرة عليه، ولو قد أتيح لهم المجال لكانوا أتوا بمثل القرآن.

وقد تابع النظَّامَ في القول بـ"الصِّرفة" غيرُ واحد من المعتزلة([31])، ومن غير المعتزلة أيضاً([32])، لا بل إن بعضهم قد اجترأ فمضى إلى أبعد مما قاله النظّام، وهو عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى المردار (ت 226هـ) فقال: "إن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وبما هو أفصح منه"([33]).

والحق أن قول النظام بـ"الصرفة" كان سبباً مهمّاً في إثارة الأذهان للتفكير في مصادر إعجاز القرآن وأسراره، وإذا كان النظام قد جعل الإعجاز في "الصرفة" نفسها فإن هناك تفسيرات أخرى للصرفة وردت عند بعض المعتزلة: منها مثلاً ما ارتآه الجاحظ من أن الصرفة إنما هي باب من أبواب التدبير الإلهيّ. ولكي يشرح ذلك لجأ إلى التمثيل فقال: "ولو أن رجلاً عَلِمَ يقيناً أنه لا يخرج من بيته يومَه ذلك، كان محالاً أن تدعُوَه نفسُه إلى الخروج، مع علمه بأنه لا يفعل"([34])، فعلى هذا النحو أدرك العرب أنهم عاجزون عن مضاهاة القرآن فلم يكن ذلك منهم، وإنما كان العجز تدبيراً إلهيّاً كيلا تكون المضاهاة لو حصلت سبباً في تشكيك الناس، يقول: "ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن تحدّاهم الرسول بنظمه. ولذلك لم نجد أحداً طمع فيه. ولو طمع فيه لتكلّفه، ولو تكلف بعضُهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الأعراب وأشباه الأعراب، والنساء وأشباه النساء، ولألقى ذلك للمسلمين عملاً، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب، ولكثر القيل والقال".([35])ويرى الجاحظ أن المعارضة لو حصلت فربما كان لها أن تثير بعض التشكيك، وهنا يستدل بما صنعه مسيلمة حين زعم أنه يُوحى إليه فراح يعارض بعض آيات القرآن. ويعقب الجاحظ على ذلك بقوله: "فقد رأيت أصحاب مسيلمة... إنما تعلقوا بما ألف لهم مسيلمة من ذلك الكلام الذي يعلم كل من  سمعه أنه إنما عدا على القرآن فسلبه، وأخذ بعضه، وتعاطى أن يقارنه. فكان لله في ذلك التدبيرُ الذي لا يَبلغه العباد ولو اجتمعوا له"([36]). والفارق بين النظّام والجاحظ فارق بيّن؛ ذلك بأن الجاحظ دافع عن روعة البيان القرآني هذه الروعة التي رآها ماثلة في بديع نظمه، بل إنه رأى أن هذا النظم هو دليل صدقٍ على أن القرآن كتاب مُنْزَل، يقول: "وفي كتابنا المنزل الذي يَدُلّنا على أنه صدق، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به"([37]). ومن المعروف أن الجاحظ هو أول من ألّف كتاباً في نظم القرآن ضاع فيما ضاع من تراث الجاحظ، ولكنه أشار إليه وبيّن أن موضوعه هو "الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه"([38]).

وإذا كان النظّام والجاحظ على اختلاف ما بينهما قد نسبا أمر الصرفة إلى الله تعالى فإن القاضي عبد الجبار لم يعلّقها بقوة خارجية، بل هي عنده متعلقة بالنَاس أنفسهم فهم لم يكونوا ممنوعين مصروفين بقوة خارجية، لأنه لو ثبت ذلك لكان الصرف هو المعجزَ لا القرآنُ، بيد أنهم أدركوا أمام روعة القرآن أنهم عاجزون عن مضاهاته فانصرفت همتهم عن المعارضة. وهكذا يؤكد عبد الجبار: "أن دواعيهم انصرفت عن المعارضة لعلمهم بأنها غير ممكنة،.... ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعاً لمعرفتهم بأنها متعذرة عليهم"([39]). ولعل مما يؤكد كلام عبد الجبار هذا الخبر النادر الذي رواه  ابن رشيق ومفاده أن قريشاً "لمَّا أرادات معارضة القرآن، عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب البُرِّ، وسلاف الخمر، ولحوم الضأن، والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم. فلمّا سمعوا قول الله عز وجل: ]وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي ماءَكِ ويا سَمَاءُ أَقْلِعِي وغِيْضَ المَاءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَت عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْداً للقَوْمِ الظَّالمين[ [هود ـ 44]. يئسوا مما طمعوا فيه وعَلموا أنه ليس من كلام مخلوق"([40])، فمثل هذا الخبر يشير إلى أن قريشاً عَقَدَت العزم على معارضة القرآن ، بل راحت تُعِدُّ لها علّها تقدر عليها، ولكنها عندما سمعت الآية القرآنية تلك يئست من نجاحها، وكأن هذا الخبر يشير أيضاً، فَضلاً عما رأيناه فيه، إلى أمر كان الباقلاني قال به وهو: "أن إعجاز القرآن هو في بعض القرآن أظهر، وفي بعضه أدقُّ وأغمض"([41])، ومن ثمة فقد كانت الآية المذكورة هي الفيصل الذي أقنطهم وأوقعهم في قاع اليأس. ثم يعرض عبد الجبار، وهو في خضم نقاشه أمر الصرفة، لسؤال قد يرد في الأذهان ومُفاده أنه: "إن قال قائل: لو كانوا يقدرون على المعارضة، وانصرفت هممهم ودواعيهم، أكان يكون دلالة على النبوة؟ قيل: لو صح ذلك لكان يدل على نبوته r؛ لأن العادة لم تجر بانصراف دواعي الجمع العظيم عن الأمر الممكن، مع التقريع والتحدي والتنافس الشديد([42])". ويبدو جلياً أن تفسير عبد الجبار للصرفة قد فرَّغها من المضمون الذي حمَّلها إياه النظّام، فكأن هذه الصرفة غدت في مفهومها الأخير من باب تحصيل الحاصل.

ولكن عبد الجبار لا يتخلى مع ذلك عن سمته الاعتزاليّ، فهو يردّ على من ينتقص من القرآن بأن ينسبه إلى محمَّد r، ويجعلَه من وضعه بالقول: "إن مجرد ثبوت خروج القرآن عن مقدور البشر كما قد مضى هو في ذاته دليل الإعجاز مهما كان مصدره؛ فالحال أنْ "لا فرق أن يكون القرآن من قِبَل الرسول عليه السلام، أو من قبل الله تعالى في كونه معجزاً؛ لأنه إن خصه تعالى بقدْر من العلم لم تجر العادة بمثله في أهل الفصاحة، حتى أمكنه إيراد  ماله هذه الرتبة فهو معجز، كما أن فعله تعالى كذلك مع ما فيه من انتقاض العادة معجز، وكذلك فتمكين الملك من إلقاء ذلك معجز، لو كان من فعل الملك أو غيره، كما أنه تعالى لو أعلم ما يجري مجرى الغيوب لكان أيضاً معجزاً. فالحال في كل ذلك لا يختلف. وقد قال شيخنا أبو هاشم [الجبّائي] في القرآن: إنه، وإن خُلق قبل ميلاده r، فهو دلالة نبوته"([43]). وواضح أن المعتزلة ـ وقد عطَّلوا الصفات عن الله ونفوا عنه صفة الكلام ـ لم يجدوا حرجاً في القول بأن القرآن كلام الله أحدثه، أي خلقه في بعض الأجسام المخصوصة، وهي: اللوح المحفوظ، وجبريل، والرسولr ([44]). وقد ابتدأ الله خلق القرآن في اللوح المحفوظ أولاً، ثم نقله جبريل من ثم إلى الرسول.

وعندما ترك أبو الحسن الأشعريّ (ت 330هـ)، مذهب المعتزلة كان ممّا خالفهم فيه القول بخلق القرآن، وكان أن أثبت رأي أهل السنة في "أن القرآن كلام الله غير مخلوق....[وأنه] لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق"([45]). ويرى بعض المحدثين أن الأشعريّ فرق بين نوعين من الكلام، الأول هو الكلام النفسيّ القائم بذاته تعالى وهذا أزليّ قديم لا يتغير بتغير العبارات. والثاني هو الألفاظ التي تدل على الأول وهي حادثة مخلوقة وهي في حالة القرآن ألفاظه المقروءة والمكتوبة([46])، ولكن الشريف الجرجاني كان يرى أنَّ أبا الحسن الأشعري يقول بقدم الكل لفظاً ومعنى، وينقل عنه قوله: إنه "لا يجوز  أن يقال إن شيئاً من القرآن مخلوق، لأن القرآن بكماله غير مخلوق([47]).

ويذهب الباقلاني ـ وهو أشعري ـ إلى  "أن الكلام الحقيقيّ هو المعنى الموجود في النفس لكنْ جعل عليه أمارات تدل عليه"([48])؛ فتارة تكون باللسان وتارة بالخطوط المصطلح عليها بين أهل كل خط، ومعنى ذلك أن الحروف والأصوات هي دلالات على الكلام الحقيقي([49]). وقد يُفْهَم من هذا التقسيم أن الحروف غير الكلام، ولكن الباقلاني ينبه على وجوب العلم بأن "كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة... على الوجه الذي هو مكتوب في اللوح المحفوظ"([50])، وينبه أيضاً على أن القرآن المكتوب في مصاحفنا ـ وإن كان هو نفسه الكلام المكتوب في اللوح المحفوظ ـ لكن "اللوح [هو] غير أوراق مصافحنا، [كما] أن الخط الذي فيه هو غير الخطوط التي في مصافحنا، والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا"(6). ثم هو يشير إلى وجوب "أن يعلم أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة لكن بواسطة، وهو القارئ"([51]).

والباقلاني في كلامه على القرآن يلح كثيراً على التفريق بين القراءة وهي فعل للقارئ وبين المقروء وهو القرآن؛ فالأولى مادامت فعلاً للقارئ فهي تتعدد، أما المقروء وهو القرآن فهو كلام الله الذي لايختلف ولا يتغيّر([52]).

ثم يأتي كلام للباقلاني يخيّل إلى المرء من أول نظرة أن فيه لبساً مّا، فهو بعد أن يقول: "ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل على قلب النبي r نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال"([53])، يأخذ من ثم في بيان ما يتضمنه هذا القول من أمور يجب الاعتقاد بها، وهي  أربعة [هكذا رآها وعند التفصيل تبيّن أنها خمسة]: منزِّل ومنزَّل ومنزَّل عليه ومنزول به ونازل، فالمنزِّل هو الله تعالى، والمنزَّل هو كلام الله تعالى القديم الأزليّ، والمنزل عليه قلب النبي r، والمنزول به هو اللغة العربية التي تلا بها جبريل، والنازل على الحقيقة قول جبريل عليه السلام يدل على ذلك قوله تعالى: ]إنه لَقَوْلُ رسُولٍ كَريمٍ. وماهو بقولِ شاعرٍ قَليلاً ما تُؤْمِنُونَ. ولا بقول كاهنٍ قليلاً ما تَذَكَّرون[. [الحاقة 40 ـ 42]. وقوله تعالى: ]إنّه لَقولُ رسولٍ كريمٍ. ذي قُوّة عند ذي العَرشِ مَكِين[. [التكوير 19 ـ 20]. ويعلق الباقلاني على هذه الآيات بأن "هذا إخبار من الله تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى قول جبريل([54]) لا قول شاعر ولا قول كاهن... فحصل من هذا أن الله تعالى علم جبريل عليه السلام القرآن، وجبريل عليه السلام علم نبينا r"، ويؤكد هذا أيضاً قوله: "إن جبريل عليه السلام عَلم كلام الله وفهمه، وعلّمه الله النظم العربي الذي هو قراءته، وعلم هو القراءة نبينا r، وعلم النبي rأصحابه"([55]). وأمَّا مكمن اللبس فهو في قوله: "والنازل على الحقيقة قول جبريل عليه السلام"، وفي قوله: "إن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى قول جبريل"؛ إذ يمكن أن يوهم هذا القول بأن القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ لم يكن بالنظم العربيّ، ولكن الله لما أراد أن ينزل باللسان العربيّ علّم جبريل النظم العربيّ فقرأه به، وبلغة المعتزلة أَقْدَره على أن يترجم كلام الله الحقيقي إلى نظم عربي. لكن هذا الفهم ينبغي أن يُستبعد بما قاله الباقلاني نفسه من "أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة... على الوجه الذي هو مكتوب في اللوحِ المحفوظ". وأما أن الآية تقول: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين"، وتعني بالرسول جبريل فإن نسبة القول إليه ليست إلا على أنه ناقل، فالمفسرون يقولون في هذه الآية: إنه لقول مرسِلِ رسولٍ كريم([56])، وكذا الشأن في الآية الأخرى، ولا يمكن أن يكون التأويل إلا على هذا النحو، أي على أن ثمة حذفاً في الآيتين، فالقول هو قول الله تعالى من دون شك، ونسبته إلى جبريل أو إلى النبي نسبة مجازية، ولو لم تكن مجازية لاقتضى ذلك وجود قائلين للقرآن: جبريل والنبي، فثبت أن القائل الحقيقيّ هو الله تعالى.

وبالجملة فيمكن القول إن الأشاعرة وسائر أهل السنة والجماعة يعتقدون اعتقاداً جازماً بأن القرآن هو كلام الله على الحقيقة لا المجاز نزل به جبريل على قلب النبي r فأدَّاه بلفظه كما أنزل عليه([57])، ومن ثم فقد كان لفظه مقدّساً يُتَعبَّد بتلاوته. وقد كان هذا الاعتقاد ماثلاً في أذهان القدماء حين راحوا يَمِيزون بين كلام الخالق وكلام المخلوقين، فالخالق لمَّا كان متّصفاً بالكمال وبالجمال فإن كلامه لابد أن تكون له الصفات نفسها، في حين أن كلام الخلق يعتريه ما يعتريهم من نقص وضعف وتغير والتواء. ومهما يكن فيه من كمال وجمال، فإن ذلك لا يعدو أن يكون نسبيّاً ومقيّداً.

وهكذا كان القرآن هو المثال اللغويّ الذي يتأثره الأدباء، وهو المعيار الذي إليه يحتكمون حين يختلف الناس في الأساليب. ومن هذا القبيل مثلاً احتكام عبيد الله بن قيس الرُّقيَات إلى القرآن حين أنشد عبد الملك بن مروان قصيدته التي يقول فيها:

إن الحوادث بالمدينة قد

 

أوجعنَني وقَرَعْنَ مروتيَهْ

وجَبَبْنَني جَبَّ السَّنام فلم

 

يتركْنَ ريشاً في مناكبِبَيهْ

"فقال له عبد الملك: أحسنت لولا أنك خنثت في قوافيه، فقال: ما عدوت كتاب الله: (ما أَغْنَى عنِّي ماليَهْ. هَلَكَ عنِّي سُلطانِيَه)"([58]). ومثل هذا الاحتجاج يشير إلى تأثر الشاعر بأساليب القرآن تأثراً مقصوداً؛ إذ إن الشاعر يريد أن يتحسر على نحو ما في الآيات من تحسر.

وإذا كان ابن قيس الرقيات قد رام أن يتأثر أسلوب  القرآن فإن من القدماء من دفعه تنزيهه لكلام الله عن أي محاولة للتقريب بينه وبين غيره من الكلام كأن يقارَن مثلاً بالشعر أو يقارن الشعر به، وقد كان الأصمعي من هؤلاء وكان شديد التأله "لا يفسِّر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن"([59]). ولعل مرد هذا إلى اعتقاده بأن من شأن ذلك التفسير أن يكون ذريعة إلى القول بوجود شبه بين القرآن والشعر، فيقع في المحظور من حيث لم يُرِد ذلك، ولاسيما أن الأصمعي عاش في عصر بدأت فيه بوادر انحراف كقول الجعد بن درهم بخلق القرآن وقوله إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً([60]). ولعل الأصمعي، بامتناعه عن تفسير أي شعر يوافق تفسيره شيئاً من القرآن، يصدر عن تنزيه للقرآن بحيث يظل له مكانه الذي يقصر دونه كل مكان.

ويكمن أن يسلك ابن حزم مع الأصمعي في هذا الأمر، فهو أيضاً قد دعا، وإن على نحو آخر، إلى ألا يقايس القرآن بشيء من كلام المخلوقين ولو كانت المقايسة في درجات الجودة، إذ مادام أن القرآن ليس من جنس كلام المخلوقين؛ فالمقايسة في رأيه باطلة([61]).

لكنّ من القدماء في المقابل من لم يجد حرجاً في أن يلجأ إلى هذه المقايسة في سبيل تبيان إعجاز القرآن وتبيان مزاياه، وهذا يشبه سواء بسواء تفسيرهم  غريب القرآن بالشعر، وهي طريقة في التفسير نبَّه عليها في وقت مبكر عبد الله بن عباس حين قال: "إذا اشتبه عليكم شيء من القرآن فاطلبوه في الشعر"([62]). وتلك دعوة كانت حافزاً لمن جاء من بعدُ من مثل أبي عبيدة (ت 204هـ)، الذي يذكر أنه ألف كتابه "مجاز القرآن" لبيان أن الله تعالى "إنما كلّم العرب على قدر كلامهم"([63])، وكذلك كان صنيع ابن قتيبة حين ألف كتابه "تأويل مشكل القرآن".

أما المبرد فإنه حين يناظر بين نماذج من كلام العرب ونماذج من كلام الله تعالى أو كلام رسول الله r يعلن أن الفرق في المنزلة بين الكلامين كبير جدّاً، بل هو يعلن أن القرآن هو الأنموذج الأوحد، والقول الذي هو مُنْبَتّ، ومن ثمة كانت المعايير التي يوصف على أساسها الكلام البشريّ عاجزة عن أن تبلغه أو أن تحيط بكنهه([64]). وإذا كان كلام البشر قد يعترض عليه أو قد يعارض فإن قول الله "لا اعتراض عليه ولا معارضة له".([65])

ولعل الموازنة بين القرآن كلام الله وبين سائر أشكال التعبير البشريّ لم تتضح بمثل ما اتضحت عند الباقلاني، وقد كانت غايته من موازنته أن يثبت إعجاز القرآن وتفوقه ومفارقته وخروجه على كل كلام، وطبيعيّ أن يصل إلى مثل هذه الغاية مادام يدرك سلفاً أنه إنما يقارن بين الكلام الصادر عن الربوبية والكلام البشري الذي له أن يستفيد من اتصاف البشر بالنقص وَصْفَاً له. ولعل الباقلاني ههنا يشبه المبرد  في نظرته التي ألمحنا إليها آنفاً، غير أنه يطيل في الأمر ويتسع ولا يعلن رأساً ـ كما أعلن المبرد ـ عجْزَ المقاييس البشرية عن اكتشاف الإعجاز، وإنما هو يعمد إلى المقايسة، ويتجه بالخطاب إلى من يريد أن يعرف موقع القرآن من بقية الكلام فيقول: "فإن أراد أن يقرب عليه أمراً، ويفسح له طريقاً، ويفتح له باباً ليعرف به إعجاز القرآن فإنا نضع بين يديه الأمثلة، ونعرض عليه الأساليب، ونصوِّر له صور كل قبيل من النظم والنثر، ونُحْضِرُه من كل فن من القول شيئاً يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق رعايته، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك استدراك الناقد، ويقع له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية الطالع عن الإلهية... [وبين طرف]  من الشعر المجمع عليه، فنبين وجه النقص فيه، ونَدُلُّ على انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه"([66]).

ولكن الباقلاني قبل أن يُقِيم هذه الموازنة بين القرآن والشعر يدعو من يريد أن يعرف روعة النظم القرآني أن يوازن بين القرآن وكلام النبي r ليعرف الفرق بين الكلامين. وهكذا نجد الباقلاني يعرض طرفاً من خطب الرسول وكتبه إلى بعض الملوك([67])، ويقرر من ثم أن "بين الكلامين بوناً بعيداً، وأمداً مديداً، وميداناً واسعاً، ومكاناً شاسعاً"([68]).

فأما مرد ذلك فهو "أن نظم القرآن من الأمر الإلهيّ، وأن كلام النبي r من الأمر النبويّ"([69]). فإذا كانت المفارقة بين القرآن وكلام النبي عليه الصلاة والسلام على هذا النحو من الاتساع فلا غرو أن تكون أكبر وأعظم بين القرآن والشعر، وهذا إذا تدبره المرء كان لزاماً عليه أن يحكم "بواجب من اليقين وثلج الصدر بأصل الدين"([70]).

ثم لم يَزَل الباقلاني يسرد الخطب والمحاورات لمشاهير خطباء الصدر الأوّل([71]). ويعقّب بعدها بأن الغاية من سردها هو أن يتأملها المرء، وإذ ذاك "سيقع [له] الفضل بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، و[يعلم] أن نظم القرآن، يخالف نظم كلام الآدميين"([72]). ولا فرق عند الباقلاني بين أن يكون كلام الآدميين نثراً أو شعراً؛ لأن كل ذلك مهما علا لا يبلغ بحال بلاغة القرآن، ولكي يسد الباقلاني أي باب للشبهة ـ ولاسيما ممن قد يَظُن أن الشعر هو الجدير بأن يقارَن به القرآن على اعتبار "أن معظم براعة كلام العرب في الشعر"([73]) ـ نراه يعمد إلى شعر امرئ القيس وإلى معلقته خاصة باعتبارها حازت القبول عند الناس وباعتبار أن بعضهم رأى إمكانية أن يعارض القرآن بها زاعماً أنها أبلغ([74]). غير أن الباقلاني لا يَسَعُه أن يقبلها مادام أن الأمر أمر مقارنة بينها وبين نظم القرآن، وهو لا يخفي هجومه عليها من أول سطر في نقده ومن أول بيت فيها. ويستفيض في إظهار العيوب فيها حتى كأنما هو تفكيكيّ قد سبق التفكيكيين، لأن جُل همِّه قد انصرف إلى بيان العيوب. وكان أن خلص من ذلك إلى أن القصيدة "تتفاوت في أبياتها تفاوتاً بيِّناً في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه... ولا سواءٌ [بين] كلام يُنحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ويختلف اختلاف الأهواء، ويكثر في تصرفاته اضطرابه، وتتقاذف به أسبابه، وبين قول يجري في سبكه على نظام، وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد، وفي صفائه على باب، وفي بهجته ورونقه على طريق..."([75])وهكذا يصف الباقلاني من أراد أن يعارض القرآن بشعر امرئ القيس بأنه "أضلُّ من حمار باهلة، وأحمق من هبنّقة"([76]).

ويدرك الباقلاني أن تهمة التحامل ربما لحقت به في نقده لشعر امرئ القيس([77])، ومن ثم نراه يبين أن النقد لم يكن منصرفاً إلى شعر امرئ القيس خاصة، وإنما هو نقد يمكنه أن ينصرف إلى شعر كل شاعر مادام أن الشاعر بشر والبشر مفطورون على النقص، وهيهات لمن اتصف بذلك أن يقاس كلامه بكلام من له الكمال كل الكمال، وعلى ذلك فلن يكون البحتريّ أوفر حظّاً من امرئ القيس، على الرغم من تفضيل الكتّاب إياه على أهل عصرهِ، بل وعلى الرغم من ادعاء "من يدّعي له الإعجاز غلوّاً....".([78]) ـ فالبحتريّ يمكن أن يكون في أشعر شعره هدفاً للنقد، وهو ما صنعه الباقلاني حين اختار من شعره قصيدته التي يقول فيها:

أهلاً بذلكمُ الخيالِ المُقبلِ

 

فَعَلَ الذي نَهواهُ أوْ لم يَفْعَلِ([79])

فالقصيدة، مع كل مافيها من ديباجة حسنة ورونق مليح كما يقول([80])، تنطوي على كثير من مواطن الخلل يستطرد الباقلاني في كشفها لكي ينتهي كما انتهى من قبلُ إلى القول: "هيهات أن يكون المطموع فيه كالميئوس منه، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر".([81]).

ويقف الباقلاني في أثناء ذلك على طائفة كبيرة من الآيات القرآنية مبيِّناً مافيها من روعة النظم والأداء وحسن التصوير والبيان وثراء الدلالات، وكلها مزايا تؤكد "ورودها عن الإلهية، ودلالتها على الربوبية"([82])، ولا يمكن أن تكون "من الكلام الذي تَعْلَق به الهمم البشرية، وتحوم عليه الأفكار الآدمية"([83]).

والحق أن الباقلاني في كل ما ذكره كان مقوداً بعقيدة إيمانية واثقة من أن كلام الله تعالى كلام: ]لا يَأْتِيْهِ الباطلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تنزِيلٌ من حكيمٍ حَميدٍ[([84])، فهو إذاً في منأى عن أن يُتَصوَّر فيه نقص أو خلل، وهو معجز بجملته وبتفصيلهِ، وعلى ذلك فإن الطريقَ مسدودة لمن يريد أن يظن غير هذا الظن إلا أن يكون جاهلاً أو جاحداً، فأما الجاهل فلا يُعتد برأيه، وأما الجاحد فإنه لا يفوِّت فرصة للطعن إن أمكنه، ويشير الباقلاني إلى أن من الملاحدة من "قدح في نظم القرآن وادعى عليه الخلل في البيان وأضاف إليه الخلل في المعنى واللفظ"([85])، ويشير إلى أن أهل الأدب والمتكلمين قد ردوا على تلك المطاعن فكفوا وشفوا. ويختتم كلامه السابق بحديث أراد به أن
يتضمن فيما يتضمن الرد على تلك الشبهات، وهو قوله
r: "فضْلُ كلام الله على سائر الكلام
كفضل الله على خلقه"([86]).

ومن دلائل هذا الفضل عجز الخلق عن مثله. والعرب الذين نزل القرآن بلغتهم هم أقدر الناس على تقدير هذا العجز والإحساس به، وهم أقدر الناس أيضاً على تذوق أسراره والتيقن من حقيقة إعجازه، فأمَّا الأعجميّ "فلا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالاً، وكذلك من لم يكن بليغاً"([87]). إن الذي يمكنه أن يستفتى في إعجاز القرآن في رأي الباقلاني هو "البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الإتيان بمثله"([88]). وقد ثبت عند الباقلاني أن المعارضة لم تتم ممن يحوز مثل هذا الوصف من البلغاء سواء من أهل عصر النبي r، أو من أهل سائر الأمصار، ولو كانت معارضة لكانت من كفار قريش الذين تحداهم القرآن بأن يأتوا بسورة من مثله فما فعلوا تيقناً منهم بالعجز، وأما ما قيل من أن التاريخ يشير إلى محاولات في معارضة القرآن فإن أحد دارسي القرآن من المعاصرين وهو محمد عبد الله دراز رأى أن من قام بهذه المحاولات لا يعدو أن يكون إمّا "عاقلاً استحيا أن يتم تجربته فحطم قلمه ومزق صحيفته، أو ماكراً وجد الناس في زمنه أعقل من أن تروج فيهم سخافاته، فطوى صحفه وأخفاها إلى حين، أو طائشاً برز بها إلى الناس فكان سخرية للساخرين ومثلاً للآخرين"([89]).

وهكذا كان راسخاً في تاريخ الفكر الإسلاميّ النظرُ إلى القرآن باعتباره كلاماً فارق كلام المخلوقين من حيث إنه صادر عن خالق الخلق ولا يُتَصوَّر لكلامه إلا أن يكون كاملاً([90]). وكان من مظاهر إجلال النقاد والبلاغيين القدماء لهذا القرآن أنه كان دافعاً لهم لكي يصححوا قواعد بلاغية كانوا قرّروها حتى إذا ما تبيّن لهم أن القرآن ورد بخلافها تركوها إلى اعتماد مافي القرآن. ومن هذا القبيل ماكان من ابن الأثير بعد أن قرر قاعدة ثم وجد القرآن يرد بخلافها فقال: "غير أن القرآن أحق أن يتبع وأجدر بأن يقاس عليه، لا على غيره، والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره"([91]). ومثل هذا قوله تعقيباً على مثال آخر: "وقد كان هذا هو المذهب عندي حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه، وحينئذٍ عدت عمَّا كنت أراه وأقول به".([92])

الامتياز في المستوى الموسيقي

ولئن كان للشعر العربي موسيقا واضحة وأوزان محددة يروزها علم العروض ولئن كانت هذه الأوزان هي على ما قال أبو عثمان الجاحظ الأمر المعجز لذلك الشعر فإن القرآن الكريم حاز الإعجاز وإن لم يستعمل موسيقا الشعر وأوزانه. وعلى الرغم من أن قريشاً نسبت القرآن إلى الشعر فيما نسبت فإن النسبة ماكانت لتَثْبُت للامتحان؛ إذ إن اثنين على الأقل ممن عاصروا نزول القرآن وهما الوليد بن المغيرة، وأنيس الغفاري نَفَيَا أن يكون القرآن يطابق أقراء الشعر.

بيد أن قريشاً حين نسبت القرآن إلى الشعر لم تكن لتنطلق من فراغ، بل أحسّت بأن لهذا القرآن إيقاعاً واضحاً يقارب في وضوحه إيقاع الشعر، ومن ثم خُيّل إليها أن من الممكن أن يسمّى شعراً فيَبْطُل بذلك كونه قرآناً منزلاً، فيه من المضمون مالا يعرفه الشعر. أقول: كان ذلك أمنية عزيزة جهدوا لتحقيقها لولا أن الوليد بن المغيرة أقنطهم منها وسدَّ عليهم باباً ظنُّوه مفتوحاً.

لم يختر القرآن أن يكون موزوناً على نحو ما للشعر من وزن مع أن بعضهم قد رأى في بعض آيات القرآن  صلة ببعض بحور الشعر([93]). واتخذها من شاء مطعناً للقول بأن في القرآن شعراً. ولكن هذا المطعن لم يثبت أمام التمحيص، فقد رأى الجاحظ أن هذا المقدار الضئيل الذي وجد في القرآن متقاطعاً  مع بعض أوزان الشعر لا يصح أن يُتَّخذ حجة للقول بأن في القرآن شعراً، وذلك "أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم، ورسائلهم، لوجدت فيها مثل: مستفعلن مستفعلن كثيراً، ومستفعلن مفاعلن، وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعراً. ولو أن رجلاً من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات. وكيف يكون هذا شعراً وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام"([94]). ولاشك أن القدماء قد أهمهم هذا المطعن ووجدناهم يفندونه كما صنع الجاحظ ويضيفون، بتأثير منه، شرطاً آخر للشعر هو القصد أو النية، إذ أن البيت الواحد عندهم وماكان على وزنه لا يكون شعراً كما أن ماكان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما فليس بشعر([95]). وأضاف الباقلاني أن "من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقِصر، والسواكن والحركات، فإن خرج عن ذلك لم يكن موزوناً كقوله:

ربَّ أخٍ كنتُ به مُغْتبطاً

 

أَشُدُّ كفِّي بِعُرا صحبته

تمسّكاً منِّيَ بالودّ لا

 

أحسبُهُ يَزهَدُ في ذي أملِ

تمسّكاً منيَ بالودّ ولا

 

أحسبُهُ يغيِّر العهدَ ولا

يَحُولُ عنه أبداً

 

فخابَ فيه أملي

وقد علمت أن القرآن ليس من هذا القبيل، بل هذا قبيل غير ممدوح، ولا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكراً"([96]). وإذ ينبه الباقلاني على أن القرآن خارج عن الوزن يشير إلى أن "فائدته تتم بالخروج منه.  وأمَّا الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه"([97]). ولعل الباقلاني عنى بقوله هذا أن القرآن الكريم غير محتاج إلى وزن الشعر لكي يتم له تأثيره، فهو قد أثّر في النفوس ويؤثّر من دون موسيقا الشعر ووزنه، على حين أن قسطاً غير هيِّن من تأثير الشعر يعود إلى وزنه فإذا ما فقد الوزن انتقص التأثير وربما اضمحل.

بيد أن استغناء القرآن عن الوزن ليس مما يعني افتقاده للإيقاع والنغم، بل إن له موسيقاه الخاصّة الممزوجة بحروفه والمحكمة البديعة التي تزيد على ما في النثر والتي هي موسيقا نصِّيَّة نابعة من نسيجه اللغويّ منضافاً إليها صلاحيته لقبولِ التنغيم والتجويد والتغني مما يَظهر في حسن الأداء الصوتيّ هذا الذي ندب الله إليه في مثل قوله: ]ورتِّل القُرآنَ تَرتيلاً[([98]). والترتيل قراءته جهراً في تؤدة بحيث تستبين حروفه وتظهر حركاته فيكون ذلك حافزاً على إمعان التفكير فيه وفهمه. وهي قراءة لها أصولها المعروفة في علم التجويد. ومن الأحاديث التي تدعو إلى تحسين الصوت بالقرآن قوله r: "ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن"([99]). ولاشك أن هذا التغني أمارة من أمارات إجلال القرآن.. ومن فضائله أنه يمنح الذهن وملكة التفكير فسحة لتدبر معاني القرآن وإنعام النظر فيها.

والحق أن ما يهمنا في هذا المقام أكثر هو الموسيقا النصية النابعة من نسيج القرآن اللغويّ، والتي لولاها ماكان للتغني بالقرآن أن يكون متميزاً. وليس لهذه الموسيقا مصدر واحد يولدها، بل لها مصادر عديدة اجتهد نعيم اليافي فعدّ منها تسعة طرق دعاها: "قواعد تشكل النغم في موسيقا القرآن"([100]) وهي: "التنوع، والتقابل، والترجيع، والتوقع، والإضافة، والترنم، والسكت، والقفلة، والفاصلة"([101]). وواضح أن التوقع والترنم والسكت هي عناصر خارجية تنضاف إلى موسيقا النص الداخلية.

ولعل الفاصلة أن تكون أهم ما وقف عليه القدماء من هذه الطرق. وقد عرفها الزركشي بأنها "كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع"([102]). وللشبه الظاهريّ بينها وبين السجع دار كثير من الجدال والخلاف فيها وفي تسميتها. ولم يتحرج بعض القدماء من تسمية فواصل القرآن سجعاً. ومن هؤلاء القدماء أبو طاهر البغدادي الذي يقول: "ورأيت قوماً يذهبون إلى كراهة السجع والازدواج في الكلام، من غير أن عرفت لهم في ذلك حجة، فعلمت أنهم ذموا ما راموه  فلم يصلوا إليه، وتعاطوه فلم يقدروا عليه، وإلا فهذا القرآن وكلام الرسول وهما مسجوعان"([103]).

ومنهم أيضاً ابن الأثير، فهو يسمّي فواصل الآيات القرآنية بـ"المسجع" ويرى أن "النهي لم يكن عن السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع".([104])

بيد أن أكثر العلماء يعترضون على تسمية الفواصل سجعاً، ومن أشهرهم أبو الحسن الأشعري حيث ينقل عنه الباقلاني نفيه وجود السجع في القرآن([105]). وفي هذا السبيل نرى الرماني يَمِيز بين الفواصل والأسجاع فيعرّف الأولى بأنها "حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني"، ثم يقرر أن "الفواصل بلاغة، والأسجاع عيب"، ويعلل ذلك بأن "الفواصل [تكون] تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها"([106]). ويستدل على سقوط السجع ونزول مرتبته باشتقاقه من سجع الحمامة، فكما أنه ليس في سجع الحمامة إلا الأصوات المتشاكلة فكذلك ليس في سجع الكلام إلا الأصوات المتشاكلة.

والحق أن من يقرأ كلام الرماني يجده ينفي عن السجع أي ميزة. ولابد أن دافعه إلى هذا هو نفي أي تشابه بين السجع الذي ارتبط ذكره بذكر الكهّان، وبين القرآن. وإذاً فما قد يكون بينهما من تشابه شكليّ فإن وراءه اختلافاً جوهريَّاً.

لكنّ كلام الرمّاني وإن كرّره بعض القدماء فإن واحداً منهم على الأقلّ وهو عليّ بن خلف ردّ عليه ولم يوافقه في بعض ما قال من مثل أن اشتقاق سجع الكلام من سجع الحمام يجعل من السجع أمراً ساقطاً؛ إذ ليس الاشتقاق في ذاته أمراً موجباً للذّم أو الزعم بأن الأمرين يكونان في حال واحدة،  وإنما الغرض هو التنبيه على ما يجمعهما من معنى التناسب في التقسيم والتعديل، وتوازن المقاطع. وذلك كله لا يجعل سجع الكلام كسجع الحمام لا معنى وليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة([107]). وهكذا يرى "أن جميع الكلام المسجوع مفيد، وإنما يتفق أن يوجَد في بعضه استكراه أو ألفاظ موضوعة في غير مواضعها؛ لأن ساجعه متكلف غير مطبوع، فالألفاظ لا تنقاد له إلى مطابقة المعاني... وماكان من الكلام هذه صفته فليس السجع بساقط فيه حسبُ، بل المعنى واللفظ"([108]). ولا يرى علي بن خلف في القول بوقوع السجع في القرآن "قادحاً في إعجازه ولا واضعاً من مناره؛  لأنه إذا تضمن مافي طباع البشر أن تأتي بمثله ثم قصرت عن مضاهاته فلا برهان أنور من برهانه ولا إعجاز أبهر من إعجازه"([109]).

ومهما يكن من أمر فإن السيوطي ينقل أن أكثر العلماء لا يجيزون استعمال لفظ السجع وصفاً لنهايات الآيات، بل ينبغي أن تسمى فاصلة لا سجعاً؛ لأن السجع "أصله من سجع الطير؛ فشَرُف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل"([110]). ولكننا لا نظن أن أصل الاشتقاق هو السبب الذي دعا إلى الحرج من استعمال السجع، بل السبب هو تنزيه القرآن عن أن يكون متعلقاً بأية تهمة من التهم التي وُجهت إليه وإلى من أُنزل عليه. وقد كان ارتباط السجع بالكهانة أمراً شائعاً ومعروفاً عند الجاهليين. وكان لزاماً على العلماء أن يجدوا فروقاً بين ذلك السجع المعروف وطريقة القرآن، فكان منهم كما بيَّنا آنفاً أن نفوا السجع عن القرآن يقودهم في ذلك الاعتقاد بأن القرآن خطاب إلهيّ، لا يمكن أن ينفي عن نفسه تهمة ترتبط فيما ترتبط بأسلوب معين، ثم يكون في أسلوبه شيء من هذا الذي ينفيه. ومن ثَمَّ راح الباقلاني يطيل النقاش كي ينفي السجع عن القرآن؛ لأن القرآن خارج عن أساليب العرب "ولو كان سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع ذلك إعجاز"([111]). ويَرُدُّ الباقلاني إمكانية أن يقولوا هو سجع معجز بأن هذا لو جاز لجاز لهم أن يقولوا: "شعر معجز"، ولكن هذا لا يجوز، "وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر؛ لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر"([112]).

ويكرر الباقلاني تمييز الرماني بين السجع وفواصل القرآن من حيث إن "السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظَ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن؛ لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى"([113]).

ويناقش الباقلاني اعتراض من يقول : إنه "قد يتفق في القرآن ما يكون من النوعين جميعاً فيجب أن تسموا أحدهما سجعاً"([114]). وأقوى دليل يستدلون به على ذلك تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع([115]) لمكان السجع وتساوي المقاطع. وهنا كأنما هو يسلّم بأن هذا الموضع ومواضع أخرى معدودة قد يكون التقديم فيها سببُه مراعاة الفاصلة، ولكن ذلك لا يرقى في رأيه أن يكون سجعاً، وكما أن "القليل من الشعر كالبيت الواحد والمصراع والبيتين من الرجز ونحو ذلك يعرض فيه فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصوداً إليه، وإنما يقع مغموراً في الخطاب، كذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدّرونه"([116]). ثم إن الباقلاني لا يلبث أن يجدٍ، لتقديم موسى على هارون أو تأخيره عنه، فائدة، وهي: "أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحداً، من الأمر الصعب، الذي تظهر به الفصاحة، وتتبيّن به البلاغة. وأعيد كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة، على ترتيبات متفاوتة، ونُبِّهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكروراً. ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها. وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه. وإلى مساواته فيما حكى وجاء به، وكيف وقد قال لهم: ]فَلْيَأْتُوا بحَديثٍ مثْلِهِ إنْ كانُوا صَادِقينَ[ [الطور 34]. فعلى هذا يكون المقصد ـ بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها ـ إظهارَ الإعجازَ على الطريقين جميعاً دون السجع الذي توهموه"([117]).

ويلوح للمرء أن تأخير لفظ موسى عن لفظ هارون أو تقديمه عليه في فواصل الآيات ربما لم يكن مراعاة للفواصل فحسب؛ أي أن التقديم في أحد الموضعين لا يغني عن التأخير، بل كان الموضعان معبِّرين عن دقة في نقل أقوال السحرة، إذ من غير المتوقع أن يتكلم السحرة بقول واحد ولاسيما أن حالهم حال اندهاش. فلعلّ نفراً منهم قدّم ذِكْرَ موسى على هارون، ونفراً آخر قدّم ذكر هارون، ومن ثم فإن الموضعين يتكاملان في التعبير عن قصة موسى.

كان استعمال مصطلح "الفاصلة" ضروريّاً إذاً مادام أن مافي القرآن مختلف عن السجع المعهود في الكلام. والاختلاف يقتضي أن يكون لدى الدارسين وصف أو مصطلح جديد يلائم طبيعة الكلام الموصوف الذي سما على كل كلام. أجل فقد تُشْبه الفاصلة السجع من حيث الشكل الظاهر، بيد أنها تختلف عنه اختلافاً بيِّناً من حيث هي تَرد في القرآن من دون تكلّف أو  تنافر، ثم هي ليست من قبيل الزركشة اللفظية، بل هي تتضمن وظائف معنوية وتتغيّا أن يكون لها وقع في الآذان لكي تنفذ الآيات منها إلى القلوب؛ إذ الهدف ليس هو إمتاع الآذان بل استرعاءها للسماع والإصغاء. والحق أن وقع القرآن على الآذان لا يجري على نمط واحد، بل هو يتنوع بتنوع الموضوع: فحينا يكون إيقاعه هادئاً، وحيناً يكون هادراً، ولكنّه في كل أجزائه يبدو متلائماً في تركيب حروفه ورصف كلماته إيقاعيّاً بعضها إلى بعض. ويمكن القول إنه قد حاز الدرجة العليا من حيث التلاؤم: إيقاعيَّاً كان ذلك أم معنويّاً؛ أما التلاؤم المعنويّ فهو موجود بين آيات القرآن بل حتى بين سوره وهو ما عُني به بعض المفسرين([118])، وأما التلاؤم الإيقاعي فقد رأى أبو الحسن الرماني أن القرآن هو في الطبقة العليا. وفي هذا الشأن نجده يجعل تأليف الكلام في طبقات: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا. فأما المتنافر فمثاله قول الشاعر:

وقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قَفْرُ

 

وليسَ قُرْبَ  قَبْرِ حَرْبٍ قبرُ

وأما المتلائم في الطبقة الوسطى فهو كقول الشاعر:

رمَتْني وستْرُ اللهِ بيني وبينَها

 

عَشيِّةَ آرام الكناس رمِيمُ

رميمُ التي قَالتْ لجيرانِ بيتِها

 

ضَمنْتُ لكم ألاَّ يزالَ يَهيمُ

ألا رُبَّ يومٍ لو رمَتْني

 

ولكَنّ عهْدِي بالنضَالِ قديمُ

وأما "المتلائم في الطبقة العليا [فهو] القرآن كله، وذلك بيّن لمن تأمله. والفرق بينه وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى. وبعض الناس أشد إحساساً بذلك وفطنة له من بعض، كما أن بعضهم أشد إحساساً بتمييز الموزون في الشعر من المكسور([119]). وظاهر من عبارة الرماني الأخيرة عن تمييز الموزون أن كلامه على المتلائم في القرآن ذو صلة بالإيقاع وموسيقا الكلام.


* مدرّس النقد ونظريّة الأدب في قسم اللغة العربية كلية الآداب – جامعة حلب

([2]) انظر كتابه: القرآن؛ نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ص 101.

([3]) انظر كتابه: الظاهرة القرآنية.

([4]) وهو ما اختار محمد عبد الله دراز أن يكون في عنوان كتابه الضخم: دستور الأخلاق في القرآن، الذي قدمهُ في الأصل إلى جامعة السوريون بعنوان: "أخلاق القرآن" سنة 1947م ثم ترجمه عبد الصبور شاهين بعد وفاة المؤلف وصدرت الطبعة الأولى منه عن مؤسسة الرسالة في بيروت سنة 1973م بعد أن رأى المترجم إشارة للمؤلف في أحد كتبه تذكره بالعنوان الأول. انظر مقدمة المترجم، ص ك و.

([5]) الأنفال 31 ويعلق الزمخشري على قول الله تعالى: )لو نشاء لقلنا مثل هذا( بقوله: "فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم وقرّعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه، مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة". الكشاف عن غوامض حقائق التنزيل 2/169.

([6]) انظر: ابن فارس، أحمد: الصاحبي في فقه اللغة، ص 38.

([7])الجرجاني: عبد القاهر: الرسالة الشافية في وجوه الإعجاز، ص 581-582.

([8])الجرجاني: الرسالة الشافية، ص 584، وانظر القصة موجزة عند الخطابي في: بيان إعجاز القرآن، ص 70-71.

([9])الجرجاني: الرسالة الشافية، ص 584.

([10])الإتقان في علوم القرآن 1/143.

([11])الإمتاع والمؤانسة 2/134.

([12])شرح ديوان الحماسة 1/17.

([13])المثل السائر 4/5 وانظر أيضاً: الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور، ص 73.

([14]) المقدمة، ص 532.

([15]) من مقالة العثمانية، ضمن رسائل الجاحظ 4/31 وانظر: البيان والتبيين 1/383.

([16]) المغني في أبواب التوحيد والعدل 16/224.

([17]) انظر: النكت في إعجاز القرآن، ضمن: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 111.

([18]) انظر: إعجاز القرآن ص 52، 75 وانظر كتابه الآخر: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، ص 62.

([19]) انظر: الممتع في صنعة الشعر، ص 111.

([20]) انظر: الفوز الكبير في أصول التفسير، ص 162.

([21]) من حديث الشعر والنثر، ص 25.

([22]) المرجع السابق، ص 24-25.

([23]) ـ يقع في هذا الاتجاه معظم ما كتبه محمد أركون عن القرآن، ويؤكد ذلك في بحث له بعنوان: القرآن والممارسات النقدية المعاصرة، ترجمة وتعليق، هاشم الصالح، مجلة أبواب، دار الساقي، بيروت، ع19، شتاء 1999، ص 139 ـ 201 وفي هذا    البحث يدعو إلى ضرورة دراسة القرآن دراسة تاريخية على نحو ما صنع المستشرقون. كما يقع في هذا الاتجاه معظم ما كتبه نصر حامد أبو زيد.

([24]) ـ يروق لنا ههنا أن نذكر تعليق عبد العزيز حمودة على محاولات بعض العرب أنسنة الدين وتطبيق المبادئ النقدية  الوافدة على النصوص المقدسة حيث قال: ((إذا كانت الثقافة الغربية، بتطوراتها الفكرية المتلاحقة عبر مئات السنين، قد قدمت شرعية ثقافية لهذه المحاولات، فإن واقعنا الثقافي غير مستعد للتعايش مع هذه المحاولات)) المرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك، ص 64.

([25]) ـ يجد المرء ذلك في الفصل الذي خصصه بروكلمان عن القرآن، انظر كتابه: تاريخ الأدب العربي، القسم الأول، ص 194، وما بعدها. كما يعرض محمد عبد الله دراز لعدد من المستشرقين ممن حاولوا أن يربطوا بين القرآن ومصادر دنيوية له، ومن أولئك المستشرقين إرنست رينان وجولدسيهر وسنكلير تسدال وهورات. انظر: مدخل إلى القرآن الكريم؛ عرض تاريخي وتحليل مقارن، ص 129 ـ 148 وكذلك يورد محمود حمدي زقزوق طائفة من أقوال المستشرقين في التشكيك بصحة القرآن. انظر كتابه: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ص 82 ـ 85.

([26]) ـ نجيب محمود، زكي: المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري، ص 273.

([27]) ـ أمين، أحمد: ضحى الإسلام 3/36.

([28]) ـ انظر: الرازي، فخر الدين: التفسير الكبير 10/218.

([29]) ـ البلخي، أبو القاسم: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص 70.

([30]) ـ ابن الخياط، أبو الحسين: كتاب الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، ص 28 ـ 29.

([31]) ـ ومنهم مثلاً الرماني الذي يرى أن الصرفة وجه من وجوه الإعجاز، انظر: النكت في إعجاز القرآن، ص 75، ومنهم ابن سنان الخفاجي في: سر الفصاحة، ص 88 ـ 89.

([32]) ـ منهم مثلاً ابن حزم في كتابه: التقريب لحد المنطق والمدخل فيه، ص 204، ويرى ابن كثير أن القول بالصرفة جائز على سبيل المجادلة ذلك بأنه إذا كان القرآن معجزاً للبشر "وكان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله لصرفه إياهم عن معارضته،... إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة  عن الحق". تفسير القرآن العظيم، 1/61. وممن يفهم من كلامه أيضاً جواز القول بالصِّرفة وجهاً من وجوه الإعجاز أبو حامد الغزالي وذلك إذ يقول: "... فإن انصرافهم عن المعارضة لم يكن إلا بصرف من الله تعالى، والصرف عن المقدْور  المعتاد من أعظم المعجزات..". الاقتصاد في الاعتقاد، ص 196، ولكن الغزالي يقر بأن وجه الإعجاز هو الجزالة والفصاحة مع النظم العجيب والمنهاج الخارج عن مناهج كلام العرب في خطبهم وأشعارهم وسائر صنوف كلامهم". المصدر السابق، ص 195 ـ 196.

([33]) ـ البغدادي، عبد القاهر بن طاهر: الفرق بين الفرق، ص 151

([34]) ـ الحيوان 4/ 88.

([35]) ـ الحيوان 4 /89.

([36]) ـ الحيوان 4 /89.

([37]) ـ الحيوان 4/ 90.

([38]) ـ الحيوان 1/ 9.

([39]) ـ المغني 16/ 324.

([40]) ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه 1/381.

([41]) ـ إعجاز القرآن، ص 312.

([42]) ـ المغني 16/312.

([43]) ـ المغني 16/ 231.

([44]) ـ انظر: التفتازاني، سعد الدين: مقاصد الطالبين، ط/الآستانة 2/ 74.

([45]) ـ مقالات الإسلاميين 1/ 321.

([46]) ـ انظر : أمين، أحمد: ضحى الإسلام 3/ 40.

([47]) ـ شرح السيد الشريف الجرجاني على كتاب عضد الدولة الإيجي: المواقف 8/103 ـ 104.

([48]) ـ الإنصاف، ص 106 وانظر: إعجاز القرآن، ص 394.

([49]) ـ انظر: الإنصاف، ص 107 ـ 108.

([50]) ـ الإنصاف، ص 93.

([51]) ـ الإنصاف، ص 94.

([52]) ـ انظر: الإنصاف، ص 80 ـ 81، وص 115 ومابعدها.

([53]) ـ الإنصاف، ص 96.

([54]) ـ الحق أن كلام الباقلاني هذا لا ينطبق إلا على الآية الثانية، وأما الآية الأولى فالمقصود بها هو الرسول r لا جبريل عليه السلام.

([55]) ـ الإنصاف، ص 97 ـ 98.

([56]) ـ انظر: الزحيلي، وهبة: التفسير المنير 30 /88، 90.

([57]) ـ انظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/14.

([58]) ـ ابن قتيبة: الشعر والشعراء 1/540 والعسكري، أبو هلال: الصناعتين؛ الكتابة والشعر، ص 450.

([59]) ـ المبرد: الكامل 2/928.

([60]) ـ انظر: ابن الأثير، عز الدين: الكامل في التاريخ 4/ 284.

([61]) ـ انظر: الفصل 3/ 15 ـ 16.

([62]) ـ ثعلب، أبو العباس: مجالس ثعلب 1/ 317 وانظر: ابن رشيق: العمدة 1/ 90.

([63]) ـ ياقوت الحموي: معجم الأدباء 19/158.

([64]) ـ انظر: البلاغة، ص 66.

([65]) ـ البلاغة، ص 67.

([66]) ـ إعجاز القرآن، ص 192،

([67]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص196 أ 206.

([68]) ـ إعجاز القرآن، ص 206، وانظر ص 441.

([69]) ـ إعجاز القرآن، ص207.

([70]) ـ إعجاز القرآن، ص 208.

([71]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص 209 ـ 234.

([72]) ـ إعجاز القرآن، ص 235.

([73]) ـ إعجاز القرآن، ص 236.

([74]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص5.

([75]) ـ إعجاز القرآن، ص277 ـ 278 وانظر ص 305 و327.

([76]) ـ إعجاز القرآن، ص 322.

([77]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص327.

([78]) ـ إعجاز القرآن، ص 373.

([79]) ـ إعجاز القرآن، ص 334.

([80]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص336.

([81]) ـ إعجاز القرآن، ص 373.

([82]) ـ إعجاز القرآن، ص 303، وانظر ص 356.

([83]) ـ سورة فصلت 42 وانظر: إعجاز القرآن، ص370.

([84]) ـ إعجاز القرآن، ص 374.

([85]) ـ إعجاز القرآن، ص 375.

([86]) ـ إعجاز القرآن، ص375، ويذكر المحقق نقلاً عن المحدث أحمد محمد شاكر أن راوي الحديث الترمذي قال: "هذا حديث حسن غريب"، ويذكر أن الحديث رواه أيضاً الدارمي في سننه وابن حجر في فتح الباري.

([87]) ـ إعجاز القرآن، ص 393.

([88]) ـ إعجاز القرآن، ص 393، وهذا تأكيد لما كان قاله. في مطالع كتابه من أن ((المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح، متى سمع القرآن عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه)). إعجاز القرآن، ص36.

([89]) ـ النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن، دار القلم الكويت 1984، ص 82، ويذكر المؤلف أن ممن استحيا أن يتم تجربته: ابن المقفع وأبو الطيب المتنبي والمعري وقد عزي إلى هؤلاء شيء من ذلك، والظن بهؤلاء  أنهم كانوا في غنى بعقولهم وأذواقهم عن الشروع في هذه المحاولة، إلا أن يكون على حد: "ولكن ليطمئن قلبي": وأما ما يقع في الصنف الثاني فمثاله ما وضعه زعماء "القاديانية" و"البهائية" من كتب لفقوها من آيات قرآنية وكلمات عامية. وأما الصنف الأخير فمثاله الأشهر مسيلمة الكذاب.

([90]) ـ أشار الباقلاني إلى إشكالية في هذا الشأن وهي: هل يقدر الله على نظم هيئة تزيد في الفصاحة على القرآن؟ وقد نقل عن أصحابه إمكانية ذلك، إعجاز القرآن، ص439، وأيد الباقلاني ذلك فقال: ((والذي نقوله: إنه لا يمتنع أن يقال إنه يَقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم أبلغ وأبدع من القرآن كله)) إعجاز القرآن، ص440.

([91]) ـ المثل السائر 2/ 35.

([92]) ـ المثل السائر 21/36.

([93]) ـ من ذلك ما نقله الباقلاني في: إعجاز القرآن، ص 77 ـ 79 وإبراهيم أنيس في: موسيقا الشعر، ص 309 ـ 312.

([94]) ـ البيان والتبيين 1/488، وانظر: الباقلاني: إعجاز القرآن، ص 81.

([95]) ـ إعجاز القرآن، ص 80 ـ 81.

([96]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص 84 ـ 85.

([97]) ـ إعجاز القرآن، ص 85.

([98]) ـ سورة المزمل 4.

([99]) ـ سنن أبي داود 2/ 75.

([100]) ـ هذا عنوان بحثه المنشور في مجلة التراث العربي، ع 15 ـ 16/نيسان ـ تموز/1984، ص 132 ـ 153.

([101]) ـ المرجع السابق، ص 133.

([102]) ـ البرهان في علوم القرآن، 1/ 149.

([103]) ـ قانون البلاغة في نقد النثر والشعر، ص 30.

([104]) ـ المثل السائر 1/271 ـ  274.

([105]) ـ انظر: إعجاز القرآن، ص 86.

([106]) ـ النكت في إعجاز القرآن، ص 97.

([107]) ـ انظر: المصدر السابق، ص 98.

([108]) ـ مواد البيان، ص 212 ـ 213.

([109]) ـ مواد البيان، ص 216.

([110]) ـ الإتقان في علوم القرآن 3/ 292.

([111]) ـ إعجاز القرآن، ص 87.

([112]) ـ إعجاز القرآن، ص 87.

([113]) ـ إعجاز القرآن، ص 88.

([114]) ـ إعجاز القرآن، ص 88.

([115]) ـ والآيات هي قوله تعالى: ]قالوا آمنا بربِّ العالمين ربِّ موسى وهارون[، [الأعراف 121 ـ 122. والشعراء 48 وقوله تعالى: ]فأُلْقِيَ السحرةُ سُجَّداً قالوا آمنا برب هارون وموسى[ طه 70.

([116]) ـ إعجاز القرآن، ص 98.

([117]) ـ إعجاز القرآن، ص 93 ـ 94.

([118]) ـ انظر: البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور.

([119]) ـ النكت في إعجاز القرآن، ص 95.

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244