مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:23 AM
فهرس العدد
 

القصّة على لسان الحيوانكتاب النَّمِر والثعلب)) لسهل بن هارون نموذجاً ـــ قحطان صالح الفلاح * )

الملخص‏

القصة ـ أو الحكاية Fable ـ على لسان الحيوان، جنس أدبيٌ ذائع في آداب العالم. تُعزى فيه الأفعال والأقوال إلى الحيوانات، قناعاً يشفّ عمّا وراءه، ورمزاً يومئ إلى المرموز إليه، وتنطوي هذه الحكايات على غايات أخلاقية ودروس اجتماعية وتربوية ومضامين سياسية ناقدة. وقد اختُلف حول نشأة هذا الفن ومهاده التاريخي، فقيل: إنّ أصوله ترجع إلى اليونان، وقيل: بل إنّ الهند أسبق الأمم في حلْبة هذا الفنّ، وثمّة من يرى غير ذلك. ولعلّ ارتباط هذا الفن بالحكاية أو القصّ الشعبيّ، والنشأة الأسطورية له، يكمنان وراء شيوعه لدى كثير من أمم الأرض.‏

وهذا البحث يعرض ـ ممهّداً ـ معرفة العرب بهذا الفن أوّلاً، وصنيع ابن المقفع في ترجمته كليلة ودمنة وأثرها في الأدب العربي ثانياً، ليدلف ـ باسطاً الحديث ـ إلى القصّة على لسان الحيوان لدى سهل بن هارون من خلال كتابه النمر والثعلب)). وهو قصّة طويلة يجريها سهلٌ على لسان الحيوان، قلّما تعرض لها الدارسون.‏

تمهيد:‏

عرف العرب الحكاية على لسان الحيوان معرفة تامّة منذ العصر الجاهلي(1) ـ ويتجلّى هذا الأمر واضحاً في قصص الأمثال الواردة في كتب الأمثال، كـالأمثال)) للمفضّل الضّبي‏

ت170هـ)، وجمهرة الأمثال)) لأبي هلال العسكري ت نحو 395هـ)، ومجمع الأمثال)) للميداني ت 518هـ). وفي الشعر الجاهلي زادٌ وافرٌ من هذه الحكايات، ولاسيما في دواوين أمية بن أبي الصلت، والأعشى الكبير، والنابغة الذبياني. وجاء في القرآن الكريم كثير من الآيات عن الحيوان لغايات عديدة، فدارت حوله كثير من الحكايات في كتب التفاسير، التي فصّلت ما أُجمل فيه، وأشربته كثيراً من الأساطير والإسرائيليات(2) .‏

وفي كثرة وجودها دلالةٌ على اهتمام العرب بهذا الفن، واتّخاذهم له سبيلاً للعبرة والموعظة الأخلاقية، وكان يُروى شفاهاً حتى عصر التدوين، وبفعل الامتزاج الاجتماعي والثقافي الواسع في العصر العباسي الأول تعرّف العرب إلى حكايات الأمم الأخرى، فهذا ابن المقفع ت 142 هـ) يخطو بالحكاية على لسان الحيوان خطوة واسعة، لا عهد للأدب العربي بها، فيكون أوّل من نقل هذا الفنّ القصصي من مرحلة الشفاهية الشعبية) عند العرب، إلى الأدب المدوّن الكتابي) في أول خطوة من نوعها في تاريخ الأدب العربي القديم عامّة، والإبداع القصصي خاصّة، وتزداد هذه الخطوة أهمية، إذا وضعنا في الاعتبار أنّ هذه هي المرّة الأولى في التراث الأدبي عند العرب، التي يُوضع فيها ـ بعد الشعر ـ أول كتاب قصصي مجموع في صعيد واحد(3) )).‏

وتنبَّهَ العرب إلى قيمة هذا الأثر الخالد، الذي تنقل بين الأدبين الهندي والإيراني، قبل أن ينتقل إلى العربية، فأُرسي أساس صرحه إرساءً جديداً، ومنه أُخذت ترجمات كثيرة، تربو على الستين في لغة عالمية(4) )). ومن صور اهتمام العرب به، وتأثيره في أدبهم، محاكاتهم إياه ونسجهم على مثاله. وممّن عُرِفَ بنظمه أبان بن عبد الحميد اللاحقي ت 200 هـ)، وسهل بن نوبخت، وعلي بن داود ت 230هـ)، وبشر بن المعتمر ت 210هـ)، وابن الهبارية ت 504هـ)، تحت عنوان: نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة)). وممّن حاكاه ونسج على منواله، سهل بن هارون، وإخوان الصفا في رسالة تداعي الحيوانات على الإنسان)) في القرن الرابع الهجري، وابن ظَفَر الصّقلي ت 565هـ) في سُلوان المطاع في عدوان الأتباع))، وأبو العلاء المعري ت 449هـ)، في أكثر من كتاب وصل إلينا منها الصاهل والشاحج))، وغير هؤلاء كثير. فكان تأثير كليلة ودمنة بالغ الأهمية في الأدب العربي(5) .‏

سهل بن هارون ت 215هـ):‏

هو سهل بن هارون بن راهبون الكاتب أبو عمرو، فارسي الاصل، ولد في مَيْسان بين البصرة وواسط. حوالي سنة 140هـ أو بعدها بقليل. وغادر مسقط رأسه إلى البصرة قبة الإسلام وخزانة العرب))، فنهل من ينابيع العلم فيها، ثم غادرها إلى بغداد، فعمل كاتباً بين يدي يحيى البرمكي، ثم الرشيد. وفي عهد المأمون صار قيّماً وخازناً على دار الحكمة، وظلّ فيها إلى أن توفّي عام 215هـ(6) ، ذكر ابن النديم أنَّه: كان حكيماً فصيحاً شاعراً، فارسي الأصل شعوبي المذهب، شديد العصبية وعلى العرب، وله في ذلك كتب كثيرة ورسائل. وكان نهاية في البخل... وكان أبو عثمان الجاحظ يفضّله ويصف براعته وفصاحته ويحكي عنه في كتبه(7) )). وقد انفرد ـ كما يقول ابن نباتة ـ في زمانه بالبلاغة والحكمة، وصنّف الكتب الحسنة معارضاً بها كتب الأوائل، حتى قيل له بزرجمهر الإسلام)، وله اليد الطُّولى في النّظم والنثر(8) )).‏

القصة لدى سهل بن هارون الدّواعي والمصنّفات):‏

يمكن القول، بكثيرٍ من الاطمئنان، إنّ سهلاً كان أول من عارض ابن المقفّع، واتّبع سَنَنَه، في القصّ على لسان الحيوان، بَعْدَ أن طار صيتُه، وعلا ذكره؛ لنقله كتاب كليلة ودمنة إلى الأدب العربي، فحاكاه سهل في أكثر من كتاب. وليس بُعْدُ صيتِ ابن المقفع الباعث الأوحد لهذه المحاكاة ـ على ما أعتقد ـ بل إنّ حكمة سهل، التي تزدحم في حنايا صدره، وتنثال على لسانه انثيالاً، كانت دافعاً محرِّضاً، هي أيضاً، إلى ارتياد هذا السبيل؛ إذ رأى فيه قالباً يصوغ فيه أفكاره، وبوتقة يصهر فيها حكمته. وأحسبُ أن هذا الصنيع كان سبباً مباشراً لذيوع اسمه في الآفاق، حتى إنّ الجاحظ ت 255هـ) كان في بداية حياته العلمية ينسب بعض كتبه إليه، فيقبل الناس على كَتْبها، ويسارعون إلى نسخها، كما يقول الجاحظ(9) .‏

زد على ذلك، أنّ القصّ على لسان الحيوان، سبيلٌ مأمون، يسلكه حكماء السياسة لا بل نُقّادها، وأرباب الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وأصحاب النظرة المثالية المتسامية، فينفّسون به عمّا تجيش به صدورهم. وقد نبّه ابن المقفع من قبل على تحرّي المعاني الباطنة، والمغزى الخفي من كتابه، في أكثر من موضع، فذكر في باب غرض الكتاب أنَّ هناك أربعة أغراض، ينبغي للناظر فيه أن يعلمها، .... والغَرَضُ الرَّابعُ وهو الأقصى، وذلكَ مَخْصُوصٌ بالفَيْلَسُوفِ خاصّةً(10) )).‏

ولم تغب عن بال سهل، وهو يختار هذا المسلك، المتعة الفنيّة، والقيمة الجمالية، التي تنبع من إدهاش المتلقّي، وهو يرى الحيوان يقلّد السلوك الإنساني، فتميل لسماعه الأسماع، وترغب في مطالعته الطّباع، لأنَّ الوحوش و البهائم والهوامَّ والسوائم، غيرُ معتادة لشيءٍ من الحكمة، ولا يُسند إليها أدبٌ ولا فطنة(11) )). ولم يغب عن باله، أيضاً، أنَّ الحكمة على لسان الحيوان أدعى للقبول والإقناع منها على لسان الإنسان، الذي تنطوي حكمته الإرشادية، ونصائحه الوعظية على نوع من الاستعلاء الضمني بين الناصح والمنصوح، وهو أمرٌ ـ في حقيقته ـ مرفوض من المتلقي لا شعورياً، وإن لم يفصح عن ذلك(12) )).‏

لهذا كلّه، نهج سهل بن هارون هذا النَّهج، وعارض ابن المقفّع في كتبه، ونسج على منواله، وزاد عليه، وكان أثره في هذا الميدان لا يقلّ عن أثر ابن المقفّع، فقد كان محرّضاً قويَّاً، هو أيضْاً، لكلِّ من جاء بعده في السّير في هذه المناطق العذراء، بعد أن وَطَّأها، وذلّل أكنافها. فهذا ابن النديم يقرّر أنّ علي بن داود كاتب زبيدة ـ وكان أحد البلغاء ـ يسلك في تصنيفاته طريقة سهل بن هارون(13) ))، ويقول في موضعٍ آخر: ... وكان قبل ذلك مّمن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم، جماعةٌ منهم عبد الله بن المقفّع، وسهل بن هارون، وعلي بن داود كاتب زبيدة، وغيرهم(14) )).‏

ومما يُؤسف له، أن مصنّفاته وتآليفه في هذا الفن وغيره، عدت عليها عوادي الدهر وصروفه، وما قدِّر لهذا الحديث أن يُكتب، لولا أنْ مَنّ الدّهر علينا بكتابٍ له، يثبتُ ـ حقّاً ـ أنه بزرجمهر الإسلام))؛ وأعني بالكِتاب النّمر والثعلب(15) )). وهو القصة الوحيدة على لسان الحيوان التي وصلت إلينا، وأتاحت لنا فضلَ دراسته.‏

أمّا تآليفه الأخرى في هذا الفن، فأهمّها كتاب ثُعْلَة وعُفْرة))، وقد ذكره الجاحظ وابن النديم، وغيرهما(16) . وذكروا أنَّه ألّفه للمأمون، في معارضة كليلة ودمنة))، ولم يبقَ منه، غير هذه النصيحة: اجعلوا أداءَ ما يجبُ عليكم من الحقوق. مقدَّماً، قبل الذي تجودون به من تفضلُّكم؛ فإنَّ تقديمَ النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مُظَاهر على وَهَنِ العقيدة، وتقصير الرّوية، ومُضِرٌّ بالتدبير، مخلٌّ بالاختيار. وليس في نَفع محمدته عِوَضٌ من فساد المروءة، ولزوم النقيصة(17) )). ويقول الحصري، بعد ذكره كلام سهل: وكتابه هذا مملوء حِكماً وعلماً))، وقال المسعودي عنه إنّه يزيد على كليلة ودمنة)) في حسن نظمه(18) . وقد أشاد بهذا الكتاب كثيرٌ ممن ترجم له أو عرض لذكره.‏

وقد وهم طه الحاجري حين رأى (19) ـ نقلاً عن كشف الظنون ـ أنَّ الكتاب تُرجم إلى الفارسية، في عهد أبي الحسن نصر بن أحمد الساماني؛ إذ المقصود بكلام حاجي خليفة كتاب كليلة ودمنة))، وليس كتاب ثعلة وعفرة)) الذي جاء ذكره في سياق الحديث عمّن ترجم كليلة ودمنة)) أو نظمه شعراً، بالعربية والفارسية(20) .‏

ولا نعلم هل تُرجم كتاب سهل إلى الفارسية، في تلك العصور الذّواهب؟ وهل تكشف الأيام في قابل، عن أمرٍ جديد بهذا الخصوص؟‏

ويمكن المرء أن يستشفّ من أسماء كتبه(21) ، ما كُتِبَ عنها على لسان الحيوان، وهي: أدب أسل بن أسل))، فهو في رواية أدب أسد بن أسد))، وكتاب ندود وودود ولدود))، ويبدو من عنوانه أنَّه يدور حول ثلاث شخصيات. ولِـعلي بن عبيدة الريحاني، ت 219هـ)، كتابٌ، بعنوان مماثل، وهو ورُود وَوَدُود الملكتين ـ وفي رواية: الملكين(22) ). ويرى عيسى العاكوب أنْ ليس من قبيل المصادفة أن يكون لسهل كتاب بهذا الاسم(23) ، ولا نعلم وجه الحقيقة في هذا الأمر، وربّما هو ترجمة من قِبَلهما لكتابٍ فارسيّ في أصله، فاختلفا قليلاً في العَنْونة. ومن كُتب سهل في الموضوع ذاته، كما يُفهم من العنوان، كتاب الغزالين)) وكتاب الضربين))، وفي رواية الضّرّتين))، ولو صحّ بهذا الرّسم، لقلنا إنّه على لسان الإنسان لا الحيوان؛ فقد رأى شوقي ضيف أنّ سهلاً: أجرى بعض قصصه على ألسنة الإنسان مباشرة، على نحو ما يدل على ذلك اسم كتابه المخزومي والهذلية) واسم كتابه الثاني الوامق والعذراء).))(24) . ومما يؤكد ذلك قول ابن النديم عن سهل إنّه ممّن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم))، وعلى هذا الأساس يكون سهلٌ أوّلَ من ألّف القصة الطويلة على ألسنة الناس مباشرة، ولو وصلت إلينا لكان له شأن آخر في هذا المضمار.‏

وهذه الكتب مما ذكره ابن النديم وياقوت وغيرهما، في ثبت مؤلفاته، ولم يُشر أحدٌ منهم إلى أنَّ من بينها ترجمةً عن الفارسية، بيد أنَّ كتابه الوامق والعذراء))، يتّفق في عنوانه مع قصة فارسية تحمل العنوان ذاته، وترسم أحياناً وامق وعذراء)) أو وامق والعذراء))، وهي قصة فارسية قديمة، نقلها إلى العربية أبو الرّيحان البيروني ت 440 هـ) (25) ، وحُكي أنَّ الأمير عبد الله بن طاهر أمير خراسان، في أيام الخلفاء العباسيين، كان جالساً ذاتَ يومٍ في ديوانه بنيشابور؛ إذ جاءه شخصٌ وأَتْحَفَهُ بكتابٍ وَضَعَهُ بين يديه، فسأله عن الكتاب، فقال: هو قصة الوامق والعذراء)؛ وهي قصة لطيفة ألّفها الحكماء لكسرى أنو شروان. فقال الأمير: نحن قوم نقرأ القرآن، ولا نريد شيئاً غير القرآن والحديث النبوي، ولا شأن لنا بهذا الكتاب، فإنّه من تأليف المجوس، وهو عندنا مردود. فأمر أن يُطرحَ الكتاب في الماء، وأمر كذلك أن يُحرق كلّ كتاب من تصانيف العجم والمجوس يُعثر عليه من حدود ولايته)). (26)

والقصة ـ كما ذكر ملخّصها محمد عبد السلام كفافي(27) ـ حافلة بالأجواء الأسطورية، والأعمال الخارقة، والمواقف البطولية، وشخصياتها خليطٌ من الإنس والجن، وهي كثيرة بصورة تجعل قراءتها مملّة، بالنسبة لمن لم يألف ذلك النوع من القصص الأسطوري القديم(28) )).‏

وقد نظمها بالفارسية، الشاعر العنصري ت 431هـ) على البحر المتقارب، وتبعه آخرون، كما تُرجمت منظومة العنصري إلى التركيّة، من قبل الشاعر اللامعي ت 937هـ)، وهي موجودة إلى اليوم(29) .‏

وينشأ في نفس المرء سؤالٌ مهم، وهو: هل ترجم سهل بن هارون القصة عن الفارسية؟ أو ألّف قصته على غِرارها، وسمّاها بالاسم ذاته؟ أغلب الظن أنّها من تأليفه هو؛ وذلك أنَّ أحداث القصة الفارسية بتفاصيلها الدقيقة أسطورية ومتشابكة، يختلط فيها الجن بالإنس، ولا أظنها تلائم الجو الثقافي في ذلك العصر، لكي يقوم سهلٌ بنقلها، إلاَّ إذا مدَّ إليها يدَ التحوير والتعديل. أو بعبارة أخرى: استقى منها الحدث الرئيس؛ وأعني به قصة الحب التي تجمع بين وامق والعذراء، وبنى عليها قصته، على غرار ما فعل ابن المقفع حين ترجم كليلة ودمنة))؛ فقد أضفى عليها مسحة إسلامية واضحة. وإذا جاوزنا الظن إلى الافتراض، وقلنا: إنّ سهلاً ترجم الكتاب من الفارسية، فإنّ هذا الكتاب ـ بلا أدنى ريب ـ يغدو شعوبياً على العرب، من وجهة نظر العروبيين ـ إن صحّت التسميةـ؛ إذ يرون فيه تمجيداً للفرس وحضارتهم الزاهية، وعلى أيّة حال، فإن اختيار سهل لهذا الاسم لم يكن مصادفة.‏

قصة النمر والثعلب:‏

ـ ملخص القصّة:‏

ذُكر أنّ ثعلباً يُقال له مرزوق، كان يعيش مع زوجته في وادٍ، لم يكن فيه أحدٌ غيرهما، في رغد عيش ورخاء بال. فمرّ به يوماً ثعلبٌ صديق له، فنصحه بالتحوّل عن هذا المكان، لأنه واقع في مجرى السيل. فاستشار مرزوق زوجته، فأبت عليه التحوّل. وحدث أن دهمه السيل، فتعلّق مرزوق ببعض ماجاء به السيل من الخشب، إلى أن قذف به في البحر، ثم ألقاه إلى جزيرة من جزائره. وحار الثعلب في أمره، فلم يسمع حسيساً ولم يرَ أنيساً، فبات ليلته طاوياً. ولما أصبح مرّ به ذئب، فتعارفا وعلم منه أن الجزيرة خاضعة لملك هو النمر، وليس فيه إلا الظباء وبقر الوحش، وجماعة من الذئاب. ثم نصحه الثعلب أن يأتي النمر، ويسأله أن يوليه ولاية، ويبعث إليه شطر ما يكسبه منها، وبعد جدال اقتنع الذئب بصواب رأيه.‏

فذهب إلى النمر، وعرض عليه الأمر، فوافق النمر وعهد إليه بمناهل الظباء، وأخذ منه العهود والمواثيق.‏

وذهب الذئب إلى ولايته، بصحبة الثعلب، الذي اتخذه الذئب وزيراً كاتباً، وبعد مدّة حسُنت حالهما، فخاس الذئب بعهده، وأمسك بما كان يرسله للنمر، فراسله النمر، وذكره بوعوده وهدده. فاستشار الذئبُ وزيره الثعلب، فنصحه بالطاعة للنمر وحسن الولاء، وبالغ في نصحه، بيد أنَّ الذّئب ظلّ سادراً في غيّه، وجرت بينه وبين النمر مكاتبات ومراسلات. ثم دارت بينهما معارك حامية الوطيس، انتهت بمقتل الذئب وأسْر الثعلب، وكاد أن يُقتل هو أيضاً، لولا رجاجة عقله؛ فقد دار حوارٌ بينه وبين النمر من جهة، وبين وزراء النّمر من جهة ثانية، عن الإنسان وحاله ونقصه وكماله، وعن العقل وحظّ العقلاء منه ومكانته من العلم، وأثره في سلوك الإنسان، وعن الأخلاق الفاضلة وكلّ مامن شأنه أن يرقى بالإنسان إلى مدارج الكمال ومعارج السموِّ الإنساني الرحيب. فأعجبَ النّمِرَ ما سمعه من كلامه، ورأى من حُسن عقله، وجودة منطقه وألفاظه، ونفوذ رأيه، وثبوت حُجّته، فأمر له بجائزة سَنيّة، وأمره بالمقام في جواره، وبقرب داره، فكان يرتئيه في خطبٍ إنْ فدح، وأمرٍ إن سنح، ويعملُ برأيه ومشورته إلى أن هلك(30) )).‏

ـ أضواء على القصة:‏

القصة في مجملها تدور حول ثلاث شخصيات رئيسة، وهي: النَّمِر الملك، والثعلب الحكيم، والذئب الجحود. وهي تتسلسل تسلسلاً منطقيّاً محكماً، في موضوعية متماسكة، دون أن تتخلّلها حكايات فرعية، عدا حكاية صغيرة، جاءت لغرض التشبيه، في معرض الحديث عن الجاهل، ولم تؤثّر في سير الأحداث. وهي تجري على النحو التالي: فكان كطائرٍ، كان أكْلُهُ السّمك، فنشب بسمكةٍ في حِبالةِ صيّاد، فلم يزل يضطرب حتى تخلّص، فكان بعد ذلك لا يرى سمكةً إلاَّ ظنَّ أنّه حِبالةٌ منصوبة؛ فترك الصيدَ حذراً حتى مات هزلاً وضرّاً(31) )). وقد ضربها مثلاً للجاهل الذي يستعمل الحذر في غير موضعه.‏

ورأى محمد رجب النّجار أنَّ النَّمر والثَّعلب))، يدخل تحت مصطلح رواية الحيوان) كما يسمّيه هو، وأنَّ هذا الكتاب يُعدُّ نموذجاً رائداً لرواية الحيوان في الأدب العربي الرّسمي معروف المؤلف(32) ))، ويبيّن النّجّار سبب تصنيفه لها ـ مع نظائرها في الأدب العربي، والتي جاءت بعدها، مثل الصاهل والشاحج لأبي العلاء المعري ـ تحت هذا المصطلح الجديد، فيقول: لأنّها بالفعل ـ من حيث الحجم ـ رواية طويلة، ولأنّها ـ من حيث المضمون ـ تتناول موضوعاً قصصياً واحداً ومتكاملاً، مهما تفرّعت أحداثه، وتعدّدت شخصياته(33) )). وجليٌّ أنّ لهذا الكلام نصيباً وافراً من الصحة، غير أنَّ المرء يمكن أنْ يزعم أنَّ قصة النّمر والثعلب أشبه بالمسرحية منها بالرّواية، إذ يغلب عليها الحوار، ويقلّ السَّرد، وإِنْ بدا أن الحوار ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ يؤدّي وظيفة السَّرد، أو يتّخذ طابعاً سرديّاً؛ لهذا أوثر مصطلح القصة أو القصة الطويلة، تمييزاً لها من الحكاية على لسان الحيوان، التي تكون ـ عادة ـ قصيرة الطول، مثل حكايات كليلة ودمنة، علماً أنّ التداخل في إطلاق المسمّيات ـ في هذا الفن ـ يرد باطّراد.‏

لقد كتب سهل بن هارون قصته هذه بلغةٍ أدبيةٍ رفيعة النسج، عالية المستوى، وأظهر من خلالها قدرته المتمكّنة من ناصية البلاغة العربية، فغدا نسيج وحده في البيان العربي.‏

ويمكن القول إنَّ هذه القصة تمتلك مقوّمات القصة بمفهومها الحديث، نسبيّاً، فثمّة حدثٌ تدور حوله القصة، أو بعبارة أ خرى: أحداث تتسلسل باتساق فريد، وتتدرّج من الضعف إلى العقدة، وتنتهي بالحلّ، بعد أن تصل إلى ذروة تأزمّها، في سياق مشوّق أخّاذ. وثمّة شخصيات تحرّك العمل القصصي، وهي في حقيقتها المرموز إليها شخصيات إنسانية، بيد أنّها تتقنّع بالحيوان الرّمز، الذي يوحي إيحاءً مكثّفاً، من خلال سير الأحداث، وتصرفات الأبطال، بالحقيقة الكامنة وراءه.‏

ويمثّل شخصيات القصة الرئيسة، الثعلب الحكيم، وهو البطل الذي تدور حوله القصة، والنَّمر ملك الجزيرة، الذي وصفه بعض الباحثين بالطاغي(34) ، والحقّ أنَّ هذا الوصف لا يليق به؛ إذ يبدو متعقّلاً حازماً حكيماً، يشاور وزراءه، ولا يستبدّ برأيه، ويحكّم العقل في أمور حكمه. وما نَكَبَ الذّئبَ، إلاَّ بعد أن جحد فضله عليه، واستقلّ بولايته دونه، وهو رأس الأمر ومِلاكه؛ فلا يُعقل أن يغضّ الطرف عنه، فيفتح باب الفتنة على مصراعيه. أما ماوصفه به الذّئب في بداية القصة بكونه شرس الطباع، ضيّق الخلق على ما قد عرفت من صفة النّمور))، فلا يُسوّغ لنا إطلاق صفة الطاغي)) عليه، ثم إنّ هذا الوصف صادرٌ من موتورٍ مُبغض، لا يُحمل على حقيقته. وربّما كان النّمر شديداً في حكمه على الذّئاب، بحيث أصابها الهُزال والضُّرّ، كما ذكر الذئب، بيد أن ذلك مردّه إلى معرفة النّمر، بخبث طباعها، ولؤم أخلاقها، دلّل على هذا كلّه جحودُ الذّئب، ونكرانُه جميل النّمر، وحسن صنيعه معه. ويؤكّد رجاحةَ عقل النّمر وحلمّه أيضاً، عفوه عن الثّعلب، وإحسانُه إليه.‏

ويمثّل شخصيات القصة الثانوية الوزراء الثلاثة، وكان لهم دور كبير في تحريك الأحداث، وكذلك زوجة الثعلب، التي أبت عليه التحوّل، فدهمهما السيل، وجرفه إلى الجزيرة، وتبدو شخصية صديق الثعلب، شخصية هامشية، ولكنها ضرورية، إذ شكّلت بداية منطقية للقصة، ومن الشخصيات الثانوية الأخرى، جماعة الذئاب وبقر الوحش والظباء، ولكلٍّ دوره في سبر الأحداث.‏

والشخصيات في مجملها بعيدة عن التناقض أو الازدواجية، مقنعة في ردود أفعالها، كما أنّها منفعلة مع الأحداث، تسايرها في نموّها، عن طريق خلق الصراع بعضها مع بعض أو مع ذواتها، إذ يضطرم في نفس الذئب صراع داخلي؛ فلا يستطيع التخلي عن غطرسته أولاً، وسلطانه ثانياً، ولا أن يواجه النّمر، فالصراع في نفسه يقوم بين نزعات النفس وقدرة الجسد، وثمّة صراع فكري بين الثّعلب والذئب، لاختلافهما في منهج التفكير. ولم ينسَ الكاتب تصوير عواطف الشخصيات ونفسيّاتها، ورسم أبعادها المختلفة. ويبدو عنصر الخيال أظهر ما يكون، فالقصة أساساً خيالية، وصحيح أننا لا ندرسها على هذا الفرض، لكنّها في شكلها الخارجي، وإطارها العام، لا تعدو أن تكون خيالاً أو خرافة، كما يسمّيها ابن النديم. وهذه الخيالية ـ إن صحّ التعبير ـ هي التي أضفت على القصة عنصر التشويق، من خلال إدهاش المتلقي بعدم واقعية الأحداث والشخصيات، ولهذا تؤدي القصة على لسان الحيوان إلى شيوع روح الفكاهة والسخرية القائمة على المفارقة أو المبالغة)). (35)

وقد توفّر للقصة مقوّمات أخرى، من مثل تحديد البيئة، والمكان مجرى السيل، البحر، الجزيرة، الوادي، مناهل الظباء،...). وثمّة حوار طريف بين الشخصيات، يكشف لنا أبعادها النفسية والاجتماعية والجسمية، بالتآزر مع السّرد. ولمّا كان الثعلب رمزاً للحكمة وسداد الرأي، فقد جاء حواره مثقلاً بالفكر الدقيقة، والنظرات الصائبة، والتأملات العقلية، والتحليلات المنطقية، والعبارات الكلامية والفلسفيّة.‏

ويمكن هذه القصة أن تقوّي أدلة من احتجّوا لوجود القصة في الأدب العربي، أو بعبارة أخرى تؤصّل وجودها وتحقّقه فعلاً؛ ولذا ألمحت إلى هذا الجانب في هذه السطور.‏

قلنا إنّ ابن المقفع نبّه في كتابه، أكثر من مرّة، على ضرورة تحرّي المعاني الباطنة، التي يرمي إليها، وفهم الباحثون أن المعاني الباطنة التي يقصدها، أو الغرض الرابع ـ وهو الذي يخصّ الفيلسوف ـ الذي يعنيه، كان إرشاد أولي الأمر وساسة الدولة، وما يتبع ذلك من إصلاحٍ اجتماعيّ، وتقويمٍ أخلاقيّ، ولفت أنظار العامّة إلى حقوقهم وواجباتهم تجاه السلطة. وتَبِعَ سهل أستاذه في هذا المضمار، فاتخذ الحيوان قناعاً رامزاً، وحجاباً ساتراً، يداري من خلاله السلطة السياسية. ولم يتوسّع سهلٌ في بيان مقصده من الكتاب كما توسّع ابن المقفّع في غرض الكتاب، إنما اكتفى بالقول: أما بعد ـ أيّدك الله بتوفيقه، وعَصَمَكَ بتسديده ـ فإنّي رأيت أن أصنع لك كتاباً في الأدب والبلاغة والترسّل والحروب والحيل والأمثال والعالم والجاهل، وأن أُشْرِبَ ذلك بشيءٍ من المواعظ وضروبٍ من الحكم، وقد وضعت من ذلك كتاباً مختصراً مُوعباً شافياً، وجعلتُه أصلاً للعالم الأديب، والعاقل الأريب، ممّا أمكنني حفظه، واطّرد لي تأليفه(36) ))، وهذا القول على إيجازه، يحمل معاني كثيرة، ودلالات واضحة، تبيّن ما يرمي إليه من مقاصد وأغراض، فهو كتاب في الأخلاق والبلاغة والترسّل، لما فيه من بيانٍ رفيع، يُعَدُّ بحق من أرفع ما كُتب في لغة العرب، ونموذجاً يُحتذى في البلاغة والبيان والترسّل، وقد حوى من الأمثال السائرة، والحكم الدائرة، والأقوال المأثورة، والأشعار المشهورة، مادة وفيرة، من تراث العرب، والأمم الأخرى. وقد ضمّن كتابه حِكَماً من كليلة ودمنة، دون نبوٍّ أو شذوذ أو اجتلاب، بحيث تبدو المعاني آخذا بعضها برقاب بعض، وهو يتعمّق أكثر ممّا تعمّق صانع كليلة ودمنة، إذ يعرض للعلم والجهل والعقل وإرشاد الإنسان إلى الخير، وصَرْفه عن طريق الشر(37) )).‏

ويشير قوله: وجعلته أصلاً للعالم الأديب والعاقل الأريب))، إلى الغرض الخفي، والمغزى الحقيقي من تأليفه للقصة، وهو لا يخرج عمّا رسمه ابن المقفع من قبلُ، فقد اتّخذ منها قناعاً رامزاً، وغطاءً يشف عمّا وراءه من ظلال. فهو إنّما يصوّر خروج الولاة واستبدادهم بأمور ولاياتهم، بعد أنْ تقوى شوكتُهم، وتشتدَّ عريكتُهم، محولين الانفصال عن سلطان الخليفة الشرعيِّ. وهو في أثناء حديثه يبثُّ مواعظه ووصاياه وأفكاره السياسية والاجتماعية والأخلاقية، دون أن يخاف أو يخشى أحداً، لأنَّه ـ في ظاهر الأمر ـ إنمَّا يحكي قصة، على لسانٍ شخصٍ مزعوم. لذا ابتدأ قصته بقوله: ذُكر أنَّ...))، مخالفاً ابن المقفع في طريقته السَّردية زعموا أنَّ))، ولأمرٍ ما عمد سهلٌ إلى هذه المخالفة، ربّما لكي يتخفّفَ من دلالة الزّعم، التي تنصرف ـ غالباً ـ إلى مافيه ارتياب أو باطل. والطريف في قصة سهل، اختتامه القصة بـقال: فأعجب النّمر..))، علماً أنَّها لم تظهر إلاَّ في الختام، وحصَرَ القصةَ كلَّها، بين ذُكر أنَّ)) وقال))، وأطلق لنفسه العنان، ليقول ما يُريدمن أفكارٍ وآراء وتوجيهات، وكأنه مجرّدُ راوٍ يروي ما سمعه، بحياديّة ونزاهة، ومن ثَمَّ يتحرر من عبء المساءلة، والدخول في المحظور، وهتك الحُجب. وقد أراد سهلٌ أن يقوّم الراعي والرعية معاً؛ فلا يحقّ للراعي أن يطغى ويجاوز الحدّ في الظلم، ويقيّد الرعية، ويكّم الأفواه. كما لا يجوز للوالي أنّ يتطاولَ ويَبْطَرَ ويستعلي على صاحب الحق الشّرعيّ، ويستبدّ بالأمر دونه. أمّا الوزير فينبغي أن يَمْحَضَ أولي الأمر نُصْحَه، ويضرب لهم الأمثال، ويفرّع الحجج، كيلا يقع الحاكم في مغبّة الخطأ والضلال. وهذا ما فعله الثّعلب في هذه القصة، لولا أنْ صَمَّ الذّئبُ أذنيه، وعتا عتوّاً كبيراً.‏

وسَهْل بن هارون في هذه القصة، ينحاز إلى الخليفة، الحاكمِ الشّرعيِّ، دون أنْ ينسى تقويمه، ولفْتَ نَظَرِه إلى أمور دولته، وتدبير مُلكه، وألاَّ يتهاون في محاربة الخارجين عليه، فإنَّ السلطان لا يستكثر إنفاق مالٍ عظيم، على إصلاح الناحية اليسيرة، وما الصلاحُ في ذلك بخاصٍّ لناحية العدوِّ دون سائر النواحي والأطراف؛ فإنَّ أعناقَ أهلِ الفتن بكلِّ ثغرٍ خاضعة، ومتى رأوا أنَّ سنة السّلطان فيمن نبذ أمره جاريةٌ على ما أشار به الوزير الثاني من النَّظِرَةِ، مدُّوا للفتنة أعناقهم، ووضعوا أثقال فرائض السّلطان عن ظهورهم، وبسطوا أيديهم، واتصل لذلك ما لا صلاح معه في دين ولا دنيا(38) )).‏

وتبدو الغاية التربوية والتعليمية واضحة في هذه القصّة، من خلال الحكم والوصايا والآراء الاجتماعية، والتحليلات العقلية والنفسية، والقضايا الدينية والأخلاقية، التي انبثّت في تضاعيف كتابه، وعلى ألسنة أبطاله، ولاسيما الثّعلب، الذي يمثّل وجهة نظر الكاتب تماماً، في سعيه إلى تمثّل القيم السّامية، والأخلاق المثالية العالية، التي تسمو بالإنسان، وترفعُه إلى مرتبةٍ عالية، وتنأى به عن سفاسف الأمور. وما كان لسهلٍ أن يصل إلى ما أراد، لولا هذا القالب الفنّي؛ وأعني به القصّ على لسان الحيوان، وهو مسلكٌ تنبّه إليه دعاةُ الإصلاح الاجتماعي والدّيني ـ فيما بعد ـ وأصحاب النّظرات الفلسفية، كإخوان الصّفا، وأبي العلاء المعرّي، وغيرهم، ليكون ظاهِرُهُ لَهْواً للخَوَاصِّ والعَوَامِّ، وباطِنُهُ رِيَاضَةً لِعُقُوِل الخاصَّةِ(39) )).‏

وتجدر الإشارة إلى سمةٍ بارزة ، من سمات الإثارة الفنية في القصة، وهي عملية اختيار سهل لأسماءِ شخوصه؛ ذلك الاختيار الذي يوحي إيحاءً رامزاً بصفاتهم الخُلقية والنّفسية، والجسمية، على نحو ما. ممّا يُكسب القصة جمالاً في التلقّي، عن طريق النزعة الفكاهية التي تتداعى عند سماع الأسماء للوهلة الأولى، فتثير الضحك والمتعة الفنية.‏

ونبدأ بالثعلب، فقد أسماه الكاتب مرزوقاً، وكنّاه أبا الصبّاح، وكان، حقَّاً، مرزوقاً، فهو في البدء كان آمنَ السّرب رخيَّ البال في الوادي، ثمَّ مع الذئب. وزيراً له وكاتباً، ثمَّ مع النّمر صفيّاً وخليلاً ومشيراً. ولعلَّ أهمَّ ما رُزِقَه الثعلب هو العقل؛ فقد كان سبب رزقه، وكأنّها إشارة أو إيحاء من قبل سهل، بأن العقل سبب السّعادة والرّزق في هذه الفانية، والنعيم المقيم في الدّار الباقية. وقد أطنب سهلٌ حينما وصف العقل والعلم، ومدح العلماء. والعقل ـ عنده ـ قائم لكلِّ محمود، وجُنّةٌ من كلِّ مدفوع. حياةُ النفس، وراحة البدن، مُدّته إلى السّرور، وأيامه إلى السلامة... (40) )).‏

أمّا الذئب، فهو مكابرُ بن مُسَاورٍ، ولا أدلّ من هذا الاسم، على ذاك المُسمّى، لذا كتب إليه النّمر .. من ملك النّمور المظفّر بن منصور إلى الطاغية الشبيه باسمه مكابر بن مساور...)).‏

أمّا النّمِر، فالظفر حليفهُ، والنّصر رديفه، لهذا سمّاه المظفّر بن منصور. ومما يجسّم النزعة الفكاهية الساخرة في القصة، أسماء القواد: الوثّاب بن المُنْتَهِش وخدّاش بن عضّاض. وتوحي الدلالة الصرفية لهذه الأسماء، بما تتصف به من قدرةٍ حربية فائقة، تبعث الرهبة في نفوس الأعداء، ولما كان خدّاش أقوى وأبعد أثراً في الحروب من الوثّاب، منحه سهلٌ هذا الاسم.‏

وليس اختيار سهل لهذه الأسماء من قبيل المصادفة، بل هو أمر مقصود، يضفي على القصة قيمة جمالية ودلالية معاً، من خلال إثارة الروح الفكاهية في نفس المتلقّي، وتجسيم أبعاد الشخصية، مما يفسح مجالاً أرحب للتخيّل، كما أدّت هذه الأسماء وظيفة سردية؛ إذ أغنت الكاتب عن ذكر كثيرٍ من تفاصيل الشّخصيات، وأبعادها المختلفة.‏

ثمّة سؤالٌ يعرض نفسه، وهو: لمن ألّف سهلٌ كتابه؟ ومَنِ المقصود بقوله: أيّدك الله بتوفيقه، وعَصَمَك بتسديده، فإنّي رأيت أن أصنع لك كتاباً....))؟‏

وأغلبُ الظّنِّ أنَّ الكتابَ مؤلَّفٌ للرشيد ت 193 هـ)، بعد نكبة البرامكة 187هـ)، وقد كان سهلٌ من أتباعهم، قبل أنْ يفتك بهم الرّشيد. وكان مع يحيى البرمكيّ، حينما نُعي إليه جعفر، وطلبه الرشيد بعد ذلك. فطار قلبه شَعاعاً، وضاقت عليه الأرض بما رحُبت، فهو ربيب نعمتهم، وتابع دولتهم. بيد أنَّ الرّشيد عفا عنه، لأنَّ الحاجة إليه قرّبت منه، وأبقتْ عليه، كما جاء في تعبير الرشيد(41) . فمن المحتمل، و الحال هذه، أنْ يكتب له سهلٌ هذا الكتاب، ليثبت له صواب رأيه في العفو عنه. على اعتبار أنَّ الرّموز المتقنّعة بشخصيات القصة الرّئيسة وهي النّمر والثّعلب والذّئب، تمثّل على الولاء الرّشيد وسهلاً والبرامكة، أو لعلَّ الذئبَ جعفرُ البرمكيُّ، ويمثّل البرامكة جماعةُ الذّئاب، الذين أمر النّمر بقطع رؤوسهم، وأكل لحومهم. وصحيح أنَّ الرّشيد لم يقطع رؤوس البرامكة كلّهم بالسّيف، كما صنع النّمر في القصة، لكنَّه أخمدَ ذكرهم، وأباد عزّهم، وصادر ضياعهم، وأودع كبارهم السّجن، فغدوا حديث الرُّكبان، وصاروا أثراً بعد عَيْن. فالمعنى ـ إذن ـ رمزيُّ يُقارب الواقع، ولا يطابقه تماماً، ولعلَّ هذا الأمر هو الذي حمل بعض الدّارسين على اعتبار القصص الحيواني لوناً بيانياً، كالمجاز والتشبيه(42) .‏

وحالُ سهلً مع البرامكة والرّشيد من بعدهم ـ على ما يروي هو ذاته ـ يطابق حالَ الثعلب مع الذّئب أوّلاً، و النّمر ثانياً، والذي عفا عن الثعلب، للسبب ذاته الذي عفا به الرّشيد عن سهل بن هارون؛ وأعني به حسن عقله، ونفوذ رأيه، وجودة منطقه، وحلاوة لفظه.‏

والبرامكة الذين نكبهم الرّشيد، بعد استبدادهم على الدّولة، واحتجانهم أموال الجباية)) ـ كما يقول ابن خلدون(43) ـ حالُهم كحالِ الذّئب مع النّمر، كما مرّ بنا في القصة. أمَّا سهلٌ المرموز إليه بالثّعلب فيمثّله رمزه خير تمثيل، وأصدق تصوير، وكأنّما القصة في سيرته الذاتية، وتاريخ حياته مجملاً، أو لنقل: تاريخ حياته بعد انتقاله إلى بغداد، ولقائه بالبرامكة. وإذا جاز اعتبار القصة من سيرته الذّاتية، فقد لا أكون مسرفاً في التأويل إذا قلت: إنَّ الوادي الذي كان فيه الثعلب، يمثّل البصرة؛ مقامَ سهلٍ بعد اليفاعة، والسّيل الذي دَهَمَه، هو خروج أنداده من ذوي النباهة والذّكاء إلى بغداد، حاضرة الخلافة العباسيّة، التماساً للشهرة والثّراء. أمّا حيرته أوّل أمره في الجزيرة ومبيته طاوياً، فتمثّل حيرة أيّ إنسان في بلدٍ غير بلده، وهو يدلف إليه، للوهلة الأولى. ثم يلتقي بالذّئب البرامكة)، ولعلّ سهلاً نَصَحَهم بحسن المعاملة مع الرّشيد، وسلوكِ طريق موافقته، وعدم الاستبداد في أمور الدّولة، كما صنع الثَّعلبُ مع الذَّئب، سَواء بِسَواء.‏

هذا، مع الأخذ بعين الاعتبار، أنَّ القصّ يستلزم بعض التزيّد، والاتساع في الخيال، لتحقيق المتعة الفنية، وإظهار براعة الكاتب، كوجود الرّسائل المتبادلة بين النّمر والذئب. وهذه الزيادات تغدو ضرورية لتتلاءم وطبيعة القص عموماً، وعلى لسان الحيوان على وجه الخصوص. والذي يُشترط في قواعد كتابته الحرص على التشابه بين الأشخاص الخيالية، والأشخاص الحقيقية، في سياق الحكاية. فيختار الكاتب صفات أشخاصه الأولى، بحيث تثير في ذهن القارئ الشخصيات الثانية، فلا ينبغي أن يَسترسل في وصف الشخصيات الرمزية من الحيوانات وغيرها، حتى ينسى القارئ صفات الشخصيات المرموز إليهم من النّاس. ولا أن ينسى الرّموز فيتحدّث عن الشخصيات المرموز إليهم، حتى يغفل القارئ عن هذه الرموز، التي هي وسائل الإثارة الفنية. بل يجب أن يختار خصائص الشخصيات الرّمزية، بحيث تكون كالقناع الشَّفَّاف، تتراءى من ورائه الشخصيات المقصودة(44) )).‏

وثمّة استطراد لا مندوحة عنه، وهو أنَّ بعضهم رأى أنَّ قصة سهلٍ هذه جاءت كصدى لصوت الأمر الذي جهر باستذئاب أبي مُسلم، واستنمار الخليفة أبي جعفر المنصور(45) )). وأحسب أنَّ اسم النّمر ـ المظفر بن منصور ـ هو الذي أوحى بهذا الرأي لصاحبه، وإلاَّ فمن يكون الثعلب؟ وهو الشخصية الرئيسة في القصة كلّها، وعليه مدار الأحداث! ورأى محمد رجب النّجّار أن القصة تمثّل الثالوث الحاكم آنذاك، فالنّمر رمز الخليفة الشّرعي، والذئب الجحود رمز لكلّ خارج على طاعة الخليفة من الولاة، والثعلب الحكيم رمزٌ لطبقة البرامكة والكُتاب والوزراء من الفرس، والذين يعملون، أو يسعون إلى العمل في دواوين الخلافة العباسيّة))، ومع وجاهة هذا الرأي، فإنني أميلُ إلى ما بسطته آنفاً.‏

المصادر والمراجع:‏

ـ البخلاء للجاحظ، تح: طه الحاجري، دار المعارف بمصر، ط5، سلسلة ذخائر العرب، 23،‏

1976م.‏

ـ البيان والتبيين، تح: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، د.ت.‏

ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ومعه إيضاح المكنون وهدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي)، حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، دار الفكر، بيروت، 1402هـ/1982م.‏

ـ زهر الآداب وثمر الألباب، الحصري القيرواني، تح: علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، ط2، القاهرة، د.ت.‏

ـ معجم الأدباء، ياقوت الحموي، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1411هـ/1991م.‏

ـ قصص الحيوان في الأدب العربي، عبد الرزاق حميدة، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت.‏

ـ المقدمة، ابن خلدون، المجلد الأول من تاريخه)، ضبط متنه: خليل شحادة، راجعه: سهيل زكار، دار الفكر، ط2، بيروت، 1408هـ/1988م.‏

ـ حياة الحيوان الكبرى، للدّميري، وضع حواشيه: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1415هـ/ 1994م.‏

ـ كليلة ودمنة في الأدب العربي دراسة مقارنة)، ليلى حسن سعد الدين، دار البشير، عمّان، 1409هـ/1989م.‏

ـ كتاب قصص الحيوان في الأدب العربي القديم، داود سلوم، عالم الكتب، ط1، بيروت، 1418هـ/1998م.‏

ـ مراحل تطور النثر العربي في نماذجه، علي شلق، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، 1992م.‏

ـ الوافي بالوفيات، للصفدي، الجزء 16 باعتناء: وداد القاضي، دار النشر فرانز شتاينر بقيسبادن، 1402هـ/ 1982م.‏

ـ العصر العباسي الأول، شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، ط6، د.ت.‏

ـ تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي، عيسى العاكوب، دار طلاس، ط1، دمشق، 1989م.‏

ـ العقد الفريد، لابن عبد ربه، شرحه وضبطه: أحمد أمين وأحمد الزين, وإبراهيم الأبياري، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1361هـ/ 1942م.‏

ـ فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء: لابن عربشاه، دير الآباء الدومنكيين، الموصل، 1869م.‏

ـ فوات الوفيات، محمد بن شاكر الكتبي، تح: إحسان عباس: دار صادر، بيروت، د.ت.‏

ـ في الأدب المقارن، محمد عبد السلام كفافي، دار النهضة العربية، ط1، بيروت، 1971م.‏

ـ الأدب الفارسي في أهم أدواره وأشهر أعلامه)، محمد محمدي، منشورات قسم اللغة الفارسية بالجامعة اللبنانية، بيروت، 1967م.‏

ـ التنبيه والإشراف، علي بن الحسين المسعودي، بتصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، القاهرة، 1357هـ/ 1938م.‏

ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الأندلس، بيروت، 1416هـ/ 1996م.‏

ـ سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، لابن نباتة المصري، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي ـ مطبعة المدني، القاهرة، 1383هـ/ 1964م.‏

ـ حكايات الحيوان في التراث العربي))، محمد رجب النجار، مجلة عالم الفكر، الكويت، مج: 24، العددان الأول والثاني، يوليو/ سبتمبر ـ أكتوبر/ ديسمبر، 1995م.‏

ـ الأدب المقارن، محمد غنيمي هلال، دار العودة، ودار الثقافة، بيروت، 1981م.‏

ـ مضاهاة أمثال كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب، لليمني، تح: محمد يوسف نجم، دار الثقافة، بيروت، 1961م‏

* ) كاتب من سورية.‏

(1) ـ سلوم، داود: كتاب قصص الحيوان في الأدب العربي القديم، عالم الكتب، ط1، بيروت، 1998م، ص9.‏

(2) ـ حميدة، عبد الرزاق: قصص الحيوان في الأدب العربي، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت، ص 68 ـ88.‏

(3) ـ النجار، محمد رجب: حكايات الحيوان في التراث العربي، مجلة عالم الفكر، الكويت، مج24، العددان الأول والثاني، 1995م، ص191.‏

(4) ـ سعد الدين، ليلى حسن: كليلة ودمنة في الأدب العربي دراسة مقارنة)، دار البشير، عمان، 1989م، ص152.‏

(5) ـ ينظر فيمن نظم كليلة ودمنة أو نسج على منوالها:‏

حميدة، عبد الرزاق: قصص الحيوان في الأدب العربي، ص135 ـ191. سعد الدين، ليلى حسن: كليلة ودمنة، ص245 ـ 291. هلال، محمد غنيمي: الأدب المقارن، دار العودة، ودار الثقافة، بيروت 1981م، ص184 ـ 187. النجار، محمد رجب: حكايات الحيوان، ص202 ـ 203.‏

(6) ـ ينظر في ترجمة سهل بن هارون: الجاحظ: البيان والتبيين، تح: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، د.ت، 1/52. ابن النديم: الفهرست، شرحه وضبطه: يوسف علي طويل، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1996م، ص192. الحصري: زهر الآداب، تح: البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، ط2، القاهرة، د.ت، 1/ 577 وما بعد. الحموي، ياقوت: معجم الأدباء، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1991م، 3/ 405 الصفدي، صلاح الدين: الوافي بالوفيات: باعتناء وداد القاضي، دار النشر فرانز شتانير بقيسبادن، 1982م، 16/ 18 ـ 20، الكتبي، ابن شاكر: فوات الوفيات، تح: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، د.ت، 2 / 84 ـ 85، الدميري: حياة الحيوان الكبرى، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1994م، 1/ 480.‏

(7) ـ الفهرست، ص 192.‏

(8) ـ سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، 1964م.ص242.‏

(9) ـ المسعودي، التنبيه والإشراف، بتصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، دار الصاوي، القاهرة، 1938م، ص 66.‏

(10) ـ ابن المقفع، عبد الله: كليلة ودمنة، بعناية محمد حسن نائل المرصفي، دار المسيرة، ط4، بيروت، 1981م،‏

ص78.‏

(11) ـ ابن عربشاه: فاكهة الخلفاء، ومفاكهة الظرفاء، طبع في الموصل، دير الآباء الدومنكيين، 1869م، ص6.‏

(12) ـ النجار، محمد رجب: حكايات الحيوان في التراث العربي، ص 211.‏

(13) ـ الفهرست، ص 193.‏

(14) ـ الفهرست، ص 476.‏

(15) ـ نُشر بتحقيق: عبد القادر المهيري، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الجامعة التونسية، تونس 1973م.‏

(16) ـ الجاحظ: البيان والتبيين 1/52. ابن النديم: الفهرست، ص 192. اليمني، أبو عبد الله: مضاهاة أمثال كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب، تح: محمد يوسف نجم، دار الثقافة، بيروت، 1961م، ص 8. الصفدي: الوافي بالوفيات 16/ 18. الكتبي، فوات الوفيات 2/ 85.‏

(17) ـ الحصري: زهر الآداب 1 /577.‏

(18) ـ مروج الذهب، دار الأندلس، بيروت، 1996م، 1/ 96.‏

(19) ـ كتاب البخلاء للجاحظ، تح: طه الحاجري، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1976م، التعليقات والشروح‏

ص 271).‏

(20) ـ كشف الظنون، دار الفكر، بيروت، 1982م، 2/ 1508.‏

(21) ـ ينظر في أسماء كتبه ومصنّفاته: مصادر ترجمته.‏

(22) ـ ابن النديم: الفهرست، ص 191. الحموي: معجم الأدباء 4 /180.‏

(23) ـ تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي، دار طلاس، ط1، دمشق، 1989م، ص 308.‏

(24) ـ العصر العباسي الأول، دار المعارف بمصر، ط6، د.ت، ص 536.‏

(25) ـ محمدي، محمد: الأدب الفارسي، منشورات قسم اللغة الفارسية بالجامعة اللبنانية، بيروت 1967م، ص 145.‏

(26) ـ المرجع نفسه، ص 102 ـ 103، نقلاً عن كتاب تذكرة الشعراء للمؤلف الفارسي دولتشاه السمرقندي ص 30، ط.ليدن.‏

(27) ـ في الأدب المقارن، دار النهضة العربية، ط1، بيروت، 1971م، ص 309 ـ 312.‏

(28) ـ المرجع نفسه، ص 312.‏

(29) ـ محمدي، محمد: الأدب الفارسي، ص 146 ـ 147، 199.‏

(30) ـ سهل بن هارون: النمر والثعلب، ص 79.‏

(31) ـ النمر والثعلب ، ص 64.‏

(32) ـ النّجار، محمد رجب: حكايات الحيوان في التراث العربي، ص 206.‏

(33) ـ النّجار، محمد رجب: حكايات الحيوان في التراث العربي، ص 206.‏

(34) ـ ضيف، شوقي: العصر العباسي الأول، ص 530‏

(35) ـ النجار، محمد رجب: حكايات الحيوان في التراث العربي، ص 210.‏

(36) ـ النمر والثعلب، ص 8.‏

(37) ـ ضيف، شوقي: العصر العباسي الأوّل، ص 535.‏

(38) ـ النمر والثعلب، ص 27 ـ 28.‏

(39) ـ كليلة ودمنة، ص 49 مقدّمة علي بن الشاه الفارسي).‏

(40) ـ النمر والثعلب، ص 51‏

(41) ـ ابن عبد ربه: العقد الفريد، شرحه وضبطه: أحمد أمين ورفيقاه، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1942م، 5 /85 ومابعد.‏

(42) ـ سعد الدين، ليلى حسن: كليلة ودمنة، في الأدب العربي، ص 131.‏

(43) ـ المقدمة المجلد الأول من تاريخه)، ضبط متنه، خليل شحادة، راجعه: سهيل زكّار، دار الفكر، ط2، بيروت، 1988م، 1/ 21.‏

(44) ـ هلال، محمد غنيمي: الأدب المقارن، ص 189.‏

(45) ـ شلق، علي: مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، 1992م. 2/ 209.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244