|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:23 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
المأثور الشعبي و الذاكرة الجماعية ـــ د.عبد القادر شرشار* ) تتعقب هذه المداخلة آثار كل من الذاكرة الجماعية في حماية المأثور الشعبي وإشكالية العلاقة بينهما، كما أنها تتصدى لمناقشة بعض الأمثلة التي أثارت جدلاً حاداً حول معنى المأثور الشعبي، والذاكرة الجماعية في لحظة حضارية يسيطر عليها هاجس الزمن، المتمثل في ألفية جديدة يطغى فيها التأمل حول الفضاء أو المكان، ويحتل البعد الآني- السنكروني مركزية كل تفكير ومقاربة؛ مما تسبب في إحداث قطيعة بين الذاكرة باعتبارها الأداة المؤطرة لمحتوى ثقافي جغرافي شعبي استعصى على كل محاولات التحنيط التي توخت ربطه بصانع وأصل، وبمكان في التاريخ. شهد القرن المنصرم- القرن العشرون- اهتماماً متزايداً لمجالين متداخلين من مجالات العلوم الإنسانية، هما: المأثور الشعبي والذاكرة الجماعية، أو بصورة أبسط: دراسة الفضاء الإنساني. وقد ولّد كل من هذين المجالين أعمالاً بحثية وعلمية متنوعة، أفضت إلى ظهور حقول معرفية جديدة، حيث اتسع الاهتمام بالذاكرة الجماعية ليطال مسألة الهوية، القومية، القوة والسلطة، على اعتبار أن المأثور الشعبي يُعد رافداً أساسياً من روافد التاريخ، ويشكل البنية التحتية التي يتأسس عليها البناء الثقافي الشعبي. وقد كشفت الدراسات الإنسانية المعاصرة عن عمق تأثير المأثور الشعبي، في تشكيل المُنتج الكلي للثقافة التي ينتمي إليها. ولذلك أصبح الاهتمام به من قبل الهيئات والمنظمات الدولية والمحلية العاملة في مجال التنمية لدور المأثور الشعبي في عمليات التنمية الاقتصادية- الاجتماعية، حيث أصبح ينظر إليه بوصفه تعبيراً عن أسلوب متكامل للحياة. يمارسها مجتمع من المجتمعات(1) ، تتمظهر من خلال المعارف، العادات، التقاليد، التعبيرات العلمية، المهارات والخبرات التقنية. ويقوم فهمنا للمأثور الشعبي على أنه "كنز معرفي يشكل السلوك ويلونه، ويساهم في توجيه ذلك السلوك وأنماط العمل في مجتمعاتنا". وإن كنا لا نقول بأن كل المأثور الشعبي هو إيجابي، فقد يحتوي هذا المأثور مظاهر وسلوكات تتطلب تبديلاً جذرياً. وينبغي النظر إلى المأثور الشعبي باعتباره "حركة دائمة من التفاعل مع النظم والمؤسسات، وهو لذلك يعيد صياغة نفسه من حين لآخر لمواكبة سرعة التغيير واتجاهاته، ويقاس مدى صمود هذا المأثور أمام التغيير بتجاوبه مع تلبية حاجات الفرد والجماعة التي تبني أسس الفعل الاجتماعي".(2) ومن هنا، يبدو أن المأثور الشعبي يمثل عنصر التواصل بين الأفراد والجماعات ذات الخصائص والسمات المشتركة، وهو تواصل يتم من خلال عملية الإبداع وإعادة الإبداع التي يقوم بها الإنسان معبراً عن الجماعة التي يرتبط بها وعن سماتها الجمعية، "وينعكس في عدة مجالات منها: القصص الشعبي- الأمثال- الحكم- على نطاق الفكر، أو ما نجده في الموسيقى والحرف اليدوية، والبنايات والعادات والتقاليد".(3) ويبدو أن مستقبل المأثور الشعبي مرهون بقدرته على التكيف مع المتغيرات التي تحدث من خلال الوتيرة السريعة في العالم هذه الأيام، كما أن التفاعل مع الإيجابي منه في التنمية يفيد في تقوية عناصره الأساسية في توجيه حركة التغيير، كما يضمن نوعاً من المشاركة الشعبية في بناء مستقبل المجتمعات. وإذا كانت الدراسات العربية المهتمة بالمأثور الشعبي المادي وغير المادي "لم تعر الذاكرة الجمعية إلا القليل من الاهتمام، فإن مثيلاتها في الغرب ركزت على عملية التذكر باعتبارها وسيلة تواتر الأثر المروي الشعبي) عبر الزمن، والمحافظة على أنساقه الشكلية والدلالية، مع ما يمكن أن يلحقه من تغيير واستبدال يمليهما تفاعل الناقل الراوي) مع أحداث محيطه المعنوي والمادي، ومع مكنوز المخيال الجمعي".(4) وتتبدى الذاكرة الجمعية حينئذ "كحافظة، كما اصطلح عليها بعض علماء العرب أمثال الرازي وابن سينا وغيرهما".(5) ومن هنا فإن الاهتمام بالذاكرة ودراستها، وعلى وجه التحديد بماض مرغوب فيه يمكن استعادته، هي ظاهرة محمَّلة مشحونة، برزت في نهاية القرن العشرين نتيجة التغييرات المربكة في مجتمعات كبيرة وقوميات متنافسة، وتناقص فعالية الأواصر الدينية والعائلية والروابط السلالية. "ويتطلع الناس الآن إلى هذه الذاكرة المجددة، ولا سيما في شكلها الجمعي، ليمنحوا أنفسهم هوية متماسكة، وسرد قومي، ومكان في العالم، مع العلم أنه يصحب هذه العمليات تلاعب وتداخل في صيرورة الذاكرة بمآرب ملحة أحياناً".(6) ولعل ما يبرر رسوخ بعض الأشكال الشعبية سواء أكانت مادية أم معنوية في الحافظة الجمعية، هو شكل التواتر المحافظ على أنساقه الأولية. "ومن شأن هذه الظاهرة الإيهام بأن الأنساق المروية/ المنقولة لم يلحقها التحول Mutations) بينما في الواقع يقع عكس ذلك، حيث تخضع كل رواية إلى تحولات تختلف نسبياً مع الظروف إن على المستوى الدلالي أو المستوى الشكلي، على غرار ما يصيب اللسان نفسه من تغيير وتحويل عبر الزمن نظراً لعمليتي: الإسقاط Projecton) والتماثل Identification) اللتين لا يمكن تجنبهما أثناء عملية النقل".(7) ومن هنا ليست الذاكرة بالضرورة ذاكرة أصيلة، بل هي على الأصح ذاكرة نافعة، حيث يلاحظ تصرف الإنسان في الإرث، بالاختلاق والحذف، وهو منهج واقعي في استخدام الذاكرة الجمعية من خلال طمس قطع معينة من الماضي القومي، وإبراز البعض الآخر بأسلوب توظيفي بكل ما في الكلمة من معنى. وخير مثال على ذلك "الكيفية التي وظفت بها قضية الهولوكوست لتعزيز الهوية القومية الإسرائيلية بعد سنوات من عدم الاكتراث بها، كما جاء ذلك في كتاب الصحفي الإسرائيلي "توم سفيف": المليون السابع".(8) إن المدى الذي يشغله فن الذاكرة في العالم الحديث خطير جداً، حيث يستفيد منه المؤرخون والمؤسسات والمواطنون المثقفون منهم والعاديون. غير أنه يساء استخدامه واستغلاله إلى حد كبير، لأن الذاكرة ليست ممثلة في شيء ساكن يمتلكه أي امرئ أو يحتويه، بل هي شيء قابل للتركيب وإعادة الصياغة. يقول Joel Candau في كتابه: "Mémoire et identité": “Le consens existe pour reconnaîre que la mémoire est d’aventage une reconstruction continuellement actualisée du passé qu’ une restitution fidéle de celuici. La mémoire en effet est un cadre plus qu’un contenu, un enjeu toujours disponible, un ensemble de stratégies, un être-là qui vaut moins par ce qu’il est que par ce que l’on en fait.”(9) وللحديث عن العلاقة بين المأثور الشعبي والذاكرة الجماعية، يمكن القول: إنها علاقة التنقل ذهاباً وإياباً بين مأثور مادي، منتوج يتموقع ضمن مساحة جغرافية معنية في المخيلة الإنسانية. ومما لا يرقى إليه الشك أن أحد أهم مظاهر هذه العلاقة هو أشكال التعبير الشعبي، وما تزخر به البلاد من عمران ورسومات وأوانٍ وموسيقى وغيرها. وهذه العناصر الثقافية متماهية الحدود مع واقع راسخ يقبع هناك، يعيّن هويتها ويمنحها الثبات والدوام. ولعل المثال الذي يمكن اعتماده هنا لتوضيح الفكرة، هو اختفاء بعض الآثار العمرانية في تلمسان مثلاً، ولكننا نجد بديلاً لها في الأشعار والرسومات، وغيرها. فالمأثور الشعبي لا يحفز الذاكرة فحسب، بل يحفز الأحلام والأخيلة، والشعر والرسم والموسيقى. وقد تتحول الذاكرة والفنون الجميلة إلى أداة استحواذ على الرغبة في الغزو والهيمنة، من ذلك مثلاً: "الاستحواذ الذي استبد به المكان على الصليبيين الأوربيين، على الرغم من المسافة الشاسعة التي فصلتهم عن القدس. حيث انتشرت مشاهد صلب المسيح عليه السلام وميلاده، في لوحات فناني النهضة الأوربية وكأنها تجري في فلسطين، ممسوخة نظراً لأنهم لم يشاهدوا المكان في حياته. واتخذ المكان تدريجياً، شكل مشهدية مثالية غذت المخيلة الأوربية لعدة مئات من السنين"(10) إن التفاعل بين المأثور الشعبي والذاكرة الجماعية من شأنه أن يتسبب في إحداث عمليتين متلازمتين، بحيث إنه كلما كان ثمة استعادة ذكريات يصحبها اختلاق، يساعد على خصوبة الثقافة وحيويتها وصيرورتها. ولعل هذا ما يجعلنا اليوم ندرك كنه استمرار الصراع وصعوبة حله بين الذاكرة التاريخية الصرف- إن وجدت- والذاكرة المختلقة الحديثة. وهل يمكن اعتبار هذا التفاعل والحيوية في صيرورة المأثور الشعبي وما يشكله اختلاق الإرث، اعتداء على التاريخ وبالتالي اعتداء على الذاكرة الشعبية؟ وكما قلنا آنفاً "ليست الذاكرة الجمعية شيئاً خامداً سلبياً، بل مجال فعالية يتم في إطاره انتقاء أحداث الماضي وإعادة بنائها وصونها وتحويرها ومهرها بالدلالات السياسية".(11) وقد يتحول هذا التفاعل أحياناً إلى شكل من أشكال الازدواجية الثقافية المحلية، وينتج عن تلك الازدواجية صراع بين ثقافة شعبية أو ما أسماه بريخت "Culture des classes subalternes" وثقافة النخبة. ويبقى السؤال: إلى أي حد يمكن الحديث عن هيمنة ثقافة النخبة على الثقافة الشعبية وإلى أي مدى يمكن أن تكون في هذه الثقافة الشعبية خصائص وأشكال لا يمكن العثور عليها في الثقافة النخبوية، أو الثقافة الرسمية!؟ بل وهل يمكن الحديث عن العلاقة بين هاتين الثقافتين، ومنشؤهما واحد؟ وللفصل بينهما يتحدث الكاتب Carlos Ginzberg في مؤلفه: Le fromage et les verts عن تسرب أجزاء ومضامين ثقافة النخبة إلى الثقافة الشعبية، وكيف يعرف هذا التسرب تحويرات وتغييرات أثناء عملية النقل.(12) يشير إلى ما تطرحه الثقافة الشعبية على المؤرخين من عقبات كبرى، من بينها: أنَّ الثقافة الشعبية في عمومها ثقافة شفوية، وأن طريقة الحصول عليها غالباً ما تتم عن طرق تحويلها إلى وثائق مكتوبة تشرف على إنجازها الفئة المهيمنة، أي النخبة باعتبارها المالكة لأداة الكتابة. وهي لذلك تُخضع المعتقدات والسلوكات الشعبية إلى ضوابطاً، ومصفاة، تتلاءم وأهدافها التي كثيراً ما تتسبب في تحوير وتزوير هذه الثقافة وتبعدها عن أصلها. مراجع البحث: 1-الاختلاق: الذاكرة والمكان، إدوارد سعيد، ترجمة: رشاد عبد القادر، مجلة الآداب الأجنبية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، عدد: 104، شتاء 2000. 2-الذاكرة واللسان، عبد الرحمن أيوب، المجلة العربية للثقافة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، عدد خاص بالمأثور الشعبي في الوطن العربي، تونس، 1999. 3-المأثور الشعبي ونمط الإنتاج، عبد الغفار محمد أحمد، المجلة العربية للثقافة، عدد خاص بالمأثور الشعبي في الوطن العربي، تونس 1999. 4-Carlos Ginzberg, le fromage et les verts, Traduction de l’Italien: Moni Que Aymard, l’Univers d’un Mennier du XVI, Flammarion, Paris, 1980. 5-Pierre NOVA, Entre mémoire et histoire, les lieux de mémoire, la république, Paris, Gallimard, 1984. (1) المأثور الشعبي ونمط الإنتاج،عبد الغفار محمد أحمد، ص 175. (2) - المرجع السابق، ص 176. (3) - المرجع السابق، ص 174. (4) -الذاكرة واللسان، عبد الرحمن أيوب، ص 73. (5) - المرجع السابق، ص 73. (6) - الاختلاق: الذاكرة والمكان، إدوارد سعيد، ص 120. (7) - الاختلاق، الذاكرة والمكان، ص 122. (8) - المرجع السابق، ص 122. (9) -Pierre NOVA, Entre mémoire et histoire, les lieux de mémoire, la république, Paris, Callimard, 1984, P.VIII. In. Mémoire et identité. P.01. (10) - إدوارد سعيد، مرجع سابق، ص 123. (11) - المرجع السابق، ص 123. (12) - Carlos Ginzberg, Le fromage et les verts, Traduction de l’Italien: Monique Aymard, l’Univers d’un Mennier du XVI, Flammarion, 1980, P.15. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |