مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:24 AM
فهرس العدد
 

الدور العربي في التاريخ الأوربي للقرون الوسطى مراجعة وتعليق ـــ د. نذير العظمة

حول أطروحة الكتاب المركزية والترجمة‏

صدر مؤخراً عن قسم النشر العلمي في جامعة الملك سعود كتاب "الدور العربي في التاريخ الأوروبي للقرون الوسطى" (تراث منسي) تأليف ماريا روزا مونيكال وترجمة الدكتور صالح بن معيض الغامدي. ويتألف من مئتين وثلاث وسبعين صفحة من القطع العريض والكتاب هو العنوان المقترح لأطروحاته مقدمة للدكتوراه في جامعة بنسلفانيا (1987م) والعنوان المعدل في الترجمة العربية هو:‏

الدور العربي في التاريخ الأدبي القروسطي، تراث منسي (1999م) وقد أحسن المترجم بهذا القلب لحسن وقعه عند المتلقي العربي.‏

ولا بد لي من أن ألاحظ هنا دقة الطباعة ونظافتها بالقياس إلى ما ينشر عن مؤسسات للترجمة في بلدان عربية عديدة، حيث الأغلاط المطبعية فاحشة والأخطاء اللغوية أكثر فحشاً أو نادراً ما تقع على مترجم يقبض على أزمة البيان والسلامة، في اللغتين المعنيتين بالترجمة. وإذا ضَمنَّا مترجمين من هذا الطراز فلا بدّ من أن يتعاون معهم مصحح لغوي ومصحح مطبعي، لسلامة الإنتاج.‏

الكتاب جيد في موضوعه ومنهجه وطرحه فهو يضيف إلى العلاقات العربية الأوربية في حقل الأدب مساحة جديدة من المعرفة والوعي بشكل موثق ولا سيما صلة مدرسة صقلية، وشعراء الترو بادور، وكوميديا دانتي، مما له صلة واضحة بنشأة الآداب الأوربية في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا في عصر النهضة، بدءاً من القرن الثاني عشر للميلاد.‏

يتألف الكتاب من ستة فصول ومقدمة، ينوه فيها المترجم بأهمية الكتاب والصعوبات التي واجهته في إنجاز الترجمة. ويضيف إلى الكتاب الأصل، تقديماً بعثت به المؤلفة خصيصاً للترجمة العربية، تؤكد فيه إيمانها بالبحث العلمي ودوره في تثبيت الحقائق التاريخية. كما يضيف المترجم ملحقاً يعرِّف فيه بأهم الأعمال الأدبية التي ورد ذكرها في نص الكتاب.‏

تجري فصول الكتاب المترجم كما يلي:‏

الفصل الأول: أسطورة "الغربية" في علم التاريخ الأدبي القروسطي.‏

الفصل الثاني: إعادة النظر في الخلفية (التاريخية).‏

الفصل الثالث: أقدم قضية: الحب الرفيع. وهذا الفصل يذكرنا بالحب العمري والعذري في تقاليدنا الأدبية، وتأثير الغزل العربي في شعر الحب الأوربي في أوائل النهضة.‏

الفصل الرابع: أحدث "اكتشاف" للموشحات.‏

الفصل الخامس: إيطاليا ودانتي وقلق التأثير.‏

الفصل السادس: قراء آخرون وقراءات أخرى.‏

لقد بذل الدكتور صالح معيض الغامدي غاية الجهد، فأحسن في نقل الموضوع عن الإنكليزية إلى العربية بأمانة ودقة دون أن يضحي بإشراق البيان العربي وبنسقه.‏

فأسلوب المؤلفة رغم وضوح دلالته وبيان تعبيره، هو من حيث التركيب، فقرات وجملاً، تجريدي أشبه بمعادلات لغوية صارمة لا فضول فيها ولا حشو. أضف إلى أنها منخرطة في نقد النقد لدراسات ونصوص عربية متغربة، أثرت في تقاليد وإبداعات أدبية أوربية. ورغم أن المؤلفة خدمت الدور العربي ومؤثراته على الساحة الأوربية في القرون الوسطى، إلا أنها لم تدخر وسعاً في التنويه بطريق المجاورة والمشاركة بنصيب اليهود الإسبان بهذا الدور. وهو أمر يحتاج عند القارئ العربي وفي دوائر البحث العلمي إلى مزيد من التحري والبحث. لقد عاشت الإبداعات العبرانية (دون أن تحرم من هويتها وحيويتها المميزة) في كنف وظل النهضة العربية الإسلامية التي كانت لها الريادة والإنتاج.‏

وهذه الإبداعات العبرانية المصاحبة لا يمكن أن تفهم إلا في هذا الإطار الموضوع في الأصل للدراسة، وهو "الدور العربي" الذي لعب دوراً مركزياً وقدَّم النموذج والمسار.‏

أما التراجمة العبران وحتى مفكرّوهم الذين عاشوا في كنف الحضارة الإسلامية العربية، كابن ميمون وغيره فقد تناغم دورهم مع هذا الأصل ولم يتقدموا عليه بجديد. أما الترجمة من حيث الأدوات والصياغة، فقد اكتشفتُ فيها مترجماً متميزاً مشرق البيان والديباجة انطلاقاً من فهم النص الإنكليزي ومحبته والإخلاص له.‏

ولا أغالي إذا نوهت بقدرة الدكتور الغامدي على الصياغة العربية المشرقة للمعنى الأصل، ونجاحه في نقل النص من صورته الإنكليزية إلى شكله العربي، ولا أخفي متعتي في قراءة نصه المترجم وتعاطفي معه لما في النص الأصل من صعوبات.‏

ولما كنت قد حكِّمت في هذا العمل العلمي، وحكمت له وأجزته من قبل مركز الترجمة والنشر في جامعة الملك سعود، وتقدمت بمقترحات في هذا الخصوص، أرى المجال مفتوحاً بعد نشر العمل لمناقشة القضايا التي طرحها.‏

إن الأطروحة المركزية التي تقدمت بها المؤلفة ماريا روزا مونيكال أطروحة تنطوي على جرأة علمية واضحة يدعمها منهج وتوثيق علمي دقيق.‏

إذ ليس بخاف على أحد من أنَّ النهضة الأوربية أو ما يسميه مؤرخو الحضارة الغربية بعصر ال "رينسانس" RENAISSANCE أو الولادة مرة ثانية والقيامة من موت وجهل العصور الوسطى، قد دشنتها الاتصالات العلمية والحضارية مع العرب عن طريق الترجمة لمعاهد أسستها الدول الأوربية المعنية ورعتها ومولتها وأشرفت على برامجها وطواقمها في كل من إشبيلية وقرطبة وبالرمو صقلية، بدءاً من احتلال النورمانديين لصقلية واستردادها من العرب واسترداد الإسبان للمدن الأندلسية توليدو "صقلية" وقرطبة وإشبيلية بدءاً من القرن الثاني عشر.‏

وإنَّ التأثير العربي والإسلامي في هذه النهضة كان بارزاً، وإن حاول كثير من الدارسين في الغرب أن يحجبه بالعودة إلى الإغريق وفضلهم على الفلسفة والعلوم في نهضة المسلمين، وانتقال هذا الفضل الإغريقي إلى أوربا على أيدي العرب. فالعرب في زعم هؤلاء لهم فضل الترجمة والنقل، أما الابتكار والتوليد والاختراع فللإغريق، أو لورثتهم الأوربيين.‏

أطروحة السيدة مونيكال لا تُعنى بهذه المسألة الخلافية، بل تعتبر أن النهضة الأوربية بدأت في الأندلس بلغة عربية وعلى يد الأندلسيين العرب، قبل قرنين من حركة الاسترداد الإسباني والغزو النورماندي لصقلية.‏

لكن أوربا النهضة كانت تحجب الدور العربي الإسلامي الذي وسمته المؤلفة بالمنسي، وذلك بإسدال الستار اليوناني الإغريقي عليه وتجاهل ثمانمائة سنة من الوجود العربي في إسبانيا وجنوب إيطاليا. وهذا الدور لا تطرحه السيدة مونيكال كدور وسيط، ناقل، أو مترجم، أو شارح، بقدر ما تطرحه دوراً أصيلاً لعرب ومسلمين أوربيين، لم ينقلوا النهضة من الإغريق إلى أوربا فحسب، بل شرعوا كعرب أوربيين بعملية النهوض في أوربا بعلومهم وفلسفاتهم وفنونهم وصناعاتهم وعمارتهم التي تبناها الغرب الأوربي فيما بعد.‏

وبهذه الأطروحة تريد السيدة مونيكال أن تنقل مسألة تأثير الدور العربي على النهضة الأوربية من مسألة خلافية بين حضارتين عربية مسلمة وأوربية مسيحية، إلى إعادة كتابة تاريخ الحضارة الغربية والعودة بينابيعها وجذورها إلى فترة تاريخية مبكرة من حياة الأندلس وجنوب إيطاليا، حين كان بعض الأوربيين يتكلمون بالعربية ويفكرون بها ويغنون بألحانها وأنغامها. فبنية النهضة لم تنتقل من قوم إلى قوم ومن لغة إلى لغة، وإنما قامت على أيدي الأوربيين الذين صادف أن كانت أصول بعضهم تعود إلى الأصل العربي.‏

وأطروحة السيدة مونيكال لا تتسم بالجرأة فحسب، بل أيضاً تتصف بالطرافة والجدة. وقد يكون من غير العلمي وغير الموضوعي أن يتجاهل الأوربيون إسهام العرب في نشوء النهضة الأوربية، لكننا لا يمكن أن نتجاهل أن الحضارات كالأقوام تهاجر من وطن إلى وطن آخر، وأن ما قام في الأندلس وجنوبي إيطاليا في صقلية كان حضارة عربية إسلامية لا باعتبار اللغة فحسب، بل بالاعتبارات الحضارية ومعطياتها الواضحة من لغة وعقيدة وحركات فكرية وعلمية. صحيح أنه ساهمت فيها أجناس متعددة تنتمي إلى ولاءات دينية عديدة، لكنها أي النهضة أنجزت في ظل التوحيد واللغة العربية وتفاعل الوحي كسلطة عليا في الحضارة الإسلامية، تتعهد المعرفة والعلم وترعاهما. فالإنسان والعقل اللذان متح الفكر الإغريقي من بئرهما لم ينفصلا عن التعدد الوثني الماورائي، وكذلك الفكر والوحي في الحضارة الإسلامية كانا في حوار دائم في عصورنا الذهبية، وهي السمة المميزة للفلسفة العربية الإسلامية عن سالفتها الإغريقية.‏

ويحضرني هنا ما ذهب إليه السير هاملتون جب المستشرق المشهور، من أن النهضة الأوربية أو ما يسمى بالرينسانس، سبقتها كما مهدت لها نهضة عربية إسلامية من القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر للميلاد في المشرق، والنهضة في الأندلس على تميزها ما هي إلا فرع من النهضة المشرقية، والاتصال بينهما بنيوي وعضوي (كالحال بين أوربا وأمريكا).‏

إذن هناك رينساس أوربي غربي ورينساس إسلامي عربي، والتفاعل والحوار بينهما كان على أشده في صقلية وإسبانيا. ولولا الإسهامات العربية في معظم شؤون العلم والمعرفة والفلسفة والثقافة والأدب والعمارة والفن وإنجازاتها، لتأخر الرينساس الأوربي على رأي الغربيين أنفسهم بما لا يقل عن قرنين.‏

أما اجتهاد السيدة مونيكال من أن النهضة الأوربية ساهم في نشأتها أوربيون من أجناس وأديان ولغات مختلفة ومتعددة فهو اجتهاد، عليه أن يصمد ويقارع اجتهادات أخرى لا تقل أهمية وصواباً.‏

الأندلس نموذج مبكر للرينسانس الأوربي‏

لقد فككت السيدة مونيكال أسطورة الغربية، في نشأة النهضة الأوربية، وأعادت النظر في الخلفيات التاريخية، ونبشت أرشيف الترجمات المبكرة من العربية إلى اللاتينية وتتبعت انتقال الموضوعات والأفكار من المصادر العربية إلى الأعمال الإبداعية الأوربية.‏

واختارت الركائز التي قامت عليها آداب النهضة الأوربية كنشوء تقاليد جديدة للحب انعكست في الغناء والشعر. وأضاءت تاريخ نشأة الموشح، وحققت أصوله. كما أعادت الاعتبار إلى مصطلح "التروبادور" وجذره العربي، لغة وتقليداً شعرياً من زاوية فقه لغوية.‏

فالشعراء الجوالون في أوربا في القرن الثالث عشر لم يكونوا بضاعة محلية أو وراثة إغريقية، بل كانوا استمراراً لتقاليد اجتماعية وفنية عربية عرفتها المدن الأندلسية. وعبثاً أجهد بعض المستشرقين أنفسهم في إعادة "التروبادور" اللفظ إلى لغات محلية أو أصول لاتينية، "فالطرب يدور" هو الأصل الذي كثيراً ما كنا نبتسم عندما نسمع أساتذتنا في الثانويات يرددون هذا الأصل المفترض الذي صيرته الحنجرة الأجنبية إلى "ترو بادور".‏

لقد ركزت السيدة مونيكال على أصل وجذر "تروب" وردته إلى طرب بالعربية. أما يدور فهو ما سمعناه من اجتهاد فقه لغوي لبعض من علمونا الأدب العربي كما أشرت سالفاً، ولو عرفته المؤلفة لاستفادت منه.‏

أما قضية الحب الرفيع التي يرجعها العديد من الدراسات الاستشراقية إلى مصادر عربية أندلسية، فهو مما يستوقف الدارس ويدعوه للتأمل. فالمرأة في العصور الوسطى عند بعض الأوربيين أو مكانتها، كانت أدنى من مكانة المرأة العربية في الأندلس. وإذا كان الوأد عند بعض القبائل العربية في الجاهلية مما يؤخذ على العرب مع أنه كان يتم خشية إملاق أو فقر أو صوناً لكرامة أو عرض، فإن الإقطاع الأوربي في بعض دوائره في العصور القروسطية كان ينظر إلى المرأة كجسد للإنجاب واللذة. وقد دفعت الغيرة بعض القوم إذا ما فارقوا نساءهم أن يلبسوهن "حزام العفة" أو "قفل العفة" وهو عبارة عن لباس يقفل المرأة عن الرجل ويمنعها عنه، فلا يمكنه منها أو الوصول إليها حماية وصوناً لها من الزنى.‏

أين هذا كله من المرأة العربية التي تتغنى بجمالها وعفتها القصائد العربية أندلسية ومشرقية؟‏

إن الرومانسية الأوربية التي كانت تفتحاً آخر للحب الرفيع ولعلاقة المرأة بالرجل ومكانتها في وجدانه وفنه، لم تعدم سابقتها العربية الأندلسية. ففي قصة حب أحمد بن زيدون وولادة بنت المستكفي آخر الخلفاء الأمويين في الأندلس، كل عناصر الحب والتقاليد الرومانسية. إن الحب عهد بين المحبين في إطار الطبيعة، الفن والشعر والخيال والألم، بالإضافة إلى العهد الذي يأخذه العشاق على أنفسهم والعود إلى الطبيعة هي الركائز الأساسية التي قام عليها التقليد الرومانسي في أوربا، ومن يدرس حب ابن زيدون في رحاب الزهراء لا سيما قصيدته النونية وقافيته وهما من عيون الشعر العربي في الأندلس يجد هذه الركائز جميعاً بجلاء ووضوح وهو القائل :‏

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً‏

والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا‏

وللنسيم اعتلال في أصائله‏

كأنما رق لي فاعتل إشفاقا‏

هذا الإعلاء لشأن المرأة لا في الشعر فحسب بل في التأمل والبحث الذي تجلى في "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي وجد طريقه إلى تقاليد القوم إن لم يكن من خلال الترجمة فمن خلال المجاورة والمعايشة في البيئة الأندلسية الواحدة التي كانت طليعة النهضة في تطورات بارزة تجلت في العلاقة بين الجنسين والنظر إلى الطبيعة والحياة والفن في آن.‏

وانسجاماً مع أطروحتها المركزية تشدد السيدة مونيكال على أن الأدب الأندلسي هو أدب أوربي اقتضته دواعي البيئة الجديدة وحضارتها المتميزة عن الأصل اللغوي العربي كما تطرح السيدة مونيكال قضية الموشحات من وجهة نظر مشاكلة للأطروحة إياها، أو تنظر إلى الموشحات كفن أندلسي "أوربي" يختلف مضموناً وشكلاً عن الموروث العربي الفصيح والمعياري للقصيدة. إن المستشرقين والمستعربين في تاريخ البحث العلمي حيال الموشحات انغمسوا في مسألة الأصول، ونظروا إلى هذا الفن نظرة تعاقبية تبحث عن مصادر الإلهام والتكوين الجيني للموشح، فكانت النتيجة أن ترسخت مسألة الموشحات وأصولها كمسألة خلافية؛ فأغلب المستشرقين يرون أنها تولدت في الشعر البروفنسي وأنها إسبانية الجذور والمنشأ. أما المستعربون كابن بسام وابن خلدون وابن سناء الملك فشددوا على منشئها العربي وردوها إلى نظام القصيدة العربية مع اعترافهم بتنوعها واختلافها وتمايز بنيتها.‏

لكن السيدة مونيكال تقترح منهجاً آخر للنظر في قضية الموشحات، فترى أن نعالجها معالجة تزامنية وأن ننظر إلى سماتها البنيوية بالمقارنة إلى ما شاع في البيئة الأندلسية، من أشكال شعرية مشابهة لدى الطرفين البروفنسي الإسباني والعربي الأندلسي.‏

وتقترح المنهج النصي المقارن، لفهم هذا التجديد المعلم في تاريخ القصيدة الأندلسية.‏

فالبيئة الطبيعية والحضارية هي التي استدعت هذا الجنس الأدبي المتميز، لا البذور الجينية التي تكمن أصولها في القصيدة العربية ونظامها. والموشحات لا يمكن أن تُفهم وأن تقدَّر، إلا في إطار الأشكال المتزامنة والمعاصرة لفن الموشح على المقلب الثاني. كما أن الشعر البروفنسي الإسباني، جدلياً، لا يمكن أن يفهم حق الفهم إلا في هذا الإطار.‏

إن القراءة النصية والمقارنة إذن، هي السبيل الوحيد للخروج بنتيجة علمية في رأيها لمسألة الموشحات التي صادرتها مراوحة الأصل الجيني ومصادر الإلهام، في الطرفين الاستشراقي والاستعرابي.‏

والحب الرفيع، الحب الذي لا يتحقق، هو مضمون التجارب الشعرية في التقاليد الأندلسية والبروفنسية على حد سواء. وتتخذ السيدة مونيكال من "الخرجة" وهي خاتمة الموشح، طريقها إلى فهمها كجنس شعري مستحدث، يستجيب إلى دواعي البيئة الحضارية، ويتميز عن نظام القصيدة العربية المشرقية. فالخرجة عامية تتصل بتقاليد شعرية مخالفة للغة المعيارية الفصيحة، للقصيدة العربية الموروثة. وتنطوي في رأيها، على حوار ما بين العاشق الذكر والمعشوقة الأنثى، والخرجة، كما ترى، تقليد فني تسلل إلى هذه القصيدة، من تقاليد شعبية أندلسية مخالفة للنظام المعياري الأصل. كذلك نجد في القصائد البروفنسية، تعدد اللغات وتعدد الأصوات الذي تفترضه المؤلفة في القصيدة العربية، مستفيدة من باختين ومنهجيته في تعدد اللغات في النص الواحد.‏

وتركز الضوء السيدة مونيكال على وليم الاقيطاني أبي الشعر البروفنسي ونظام القصيدة عنده، وتلمح أنَّ هذا النظام يبدو كاملاً في شعره، وأنَّ كماله لا بدَّ أنه يحاكي نماذج فنية أندلسية سابقة محاكاة جدية حيناً وساخرة حيناً آخر. وهكذا فإن التقاليد الشعرية للموشحات والتقاليد الشعرية البروفنسية، نشأت وعبَّرت عن بيئة واحدة ولكن بلغات وتقاليد فنية متنوعة.‏

لقد جاء طرحها مكثفاً وأسلوبها أيضاً، لكنها بحثت في قضايا متعددة كل واحدة منها تحتاج إلى كتاب منفصل وقد حاولت أن تعوض ذلك كله، باقتراح منهجيات جديدة تمت إلى الشريحة البنيوية، لكن التوجه النصي في الدراسة الذي رافقها في بعض المواضع من الكتاب، ولا سيما عند دراستها للموشحات، فارقها كلياً في مواضع أخرى.‏

إن نظرية "النص المضاد" التي شكلت جاذبية جديدة في ردها على مقاربة بلاسيوس لم تستوف غايتها. أن يقرأ دانتي قصة الإسراء والمعراج المترجمة (الترجمة الموريسكية أو غيرها) ويعارضها بنص مضاد، يبدو أنه تفسير مقنع ومقبول، لكن النصوص هنا ضرورية. وكذلك الصور الجزئية والتفاصيل. كما فعل بلاسيوس وسندينو وتشيرولي. ولا يكفي أن نفسر ردة فعل دانتي على نص المعراج المسلم بردة فعل مسيحية، أي بقراءة نصرانية لنص إسلامي يهرت دانتي إطاراته وخلفياته وصوره ومعماريته فاستبقى بدائلها وموازياتها في إطار إبداعه ومعتقده المسيحي.‏

وختاماً:‏

لا نقصد هنا أن نطالب الباحثة بأن تعدِّل منهجها الذي يبدو مشروعاً في مثل هذه الدراسة، ولكن أن تقدم بشكل ملخص مسألة تأثر دانتي بالمصادر الإسلامية وتراكم الجهود التاريخية في هذا الخصوص، بدءاً من بلاسيوس ومروراً بخوسي سندينو وانتهاء بأنريكو تشيرولي وغيرهم، ولا سيما أن الأخيرين أيدا انتقال المؤثرات لا عبر الترجمة المورسكية، فحسب بل من خلال ترجمات رسمية باللاتينية والفرنسية والقشتالية. ولم تقتصر جهود هؤلاء الدارسين على تدعيم الجانب الوثائقي للقضية فحسب، بل إن كلا من بلاسيوس وسندينو في مقدمة كتابهما توسل بالمقارنة النصية التي تعتمدها السيدة مونيكال وتدافع عنها. وبهذا لا يستطيع دانتي أن يخفي تأثره بالنصوص الإسلامية بإنشائه النص المضاد لها فكرياً وفقهياً وعقيدياً مادام قد أقام عمارة فنية مشاكلة للعمارة الإسلامية، التي انتقلت إليه بالوثيقة المترجمة بلغات متاحة لـه، وبهذا يصبح موقف المؤلفة من بلاسيوس، ونقد النقد الذي رفع راية نظرية النص المضاد تجاهلاً غير مبرر، لإنجازات بلاسيوس التي أعطت للقضية أرضية نصوصية تاريخية في آن، فجاء من بعده البحث العلمي والتاريخي ليؤيد ويؤكد ما ذهب إليه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244