|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:24 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
حلب
في مئة عام 1850- 1950 ـــ محمود محمد أسد* حلب المدينة التي تلتصق بالتاريخ وتمتدُّ جذورها
في أعماقه، المدينة التي تفتح أبوابها وتشرع نوافذها لتنهل ذاكرة القرون منها، حلب
التي يفوحُ بين جدرانها وأزقِّتها وقباب مساجدها وأسوار أبوابها عبق رجالاتها و
أيّامها. إنّها مدينة لم تزل تنسجُ رداء البقاء والخلود
وتبسطُ رداءها السحريَّ الفاتنَ لمنْ يريد أن يتفّيأ في ظلالها، وينعم بدفء ترابها
وطيب طباعها. أسوارها وأزقّتها القديمة وأسواقها تخفّف عنك حرّ صيفها، وحجارتها
وآثارُها تثير فيك الإعجاب والدهشة فتنسيكَ برد شتائها، فتبعثُ فيك الدفء والحرارة
وأنت ترنو هنا وهناك.. الوافدون يحجُّون إليها، يدعوهم الحبّ والرغبة
في كشف أسرارها وأعماقها.. قيل فيها الكثير، وأنطقت الكثير من المهتمّين المتابعين،
فجذبتهم من كلّ جهات المعمورة، فوراء كلّ باب حكايةٌ، وخلفَ كلِّ سورٍ تاريخٌ،
يمكنه البوح، ويستدعي البحث والتنقيب، ويلفت الأنظار للاهتمام والرعاية، إنّ عظمة
أيّة مدينةٍ تكمن بما تعطي، وبما بقي من عطائها الإنسانيّ، وبما قدّمت للمجتمعات
البشرية عبر التاريخ وهذا ينطبق على حلب التي ما زالت تنبض بالحياة، تنبض بالعشق
والدفء، فتمدّ الآخرين بنسغ العطاء المتجدّد، وتبعث في أبنائها روح العطاء
والتحدّي برغم عاتيات الزمان والقرون. كلُّ هذا لأنّها مدينة تعانق الماضي والحاضر
عناق الوليد لأمّه، ولأنّها فوق ذلك تملك سحر الشرق وروعته، فتغنّى بها الشعراء
والمبدعون، وأشاد بها الزائرون، واستوطنها العابرون لما وجدوا فيها من أمنٍ وأمانٍ
وحبٍّ ومساحة للعطاء الجميل الغنيّ الذي يجد من يقدّره وينصفه. إن المتابع لحركة هذه المدينة، وما قيل فيها،
وما كتب عنها من مؤلّفاتٍ ومجلّداتٍ يعرف مدى عظمتها وثباتها فما أكثر الكتب التي
أرّخت لها منذ القديم إلى يومنا هذا.. فهناك عقدٌ نفيس من الكتب التي اقتربت
منْها، أو تعمّقت في تاريخها وأحيائها وطابع أهلها. وبعض هذه الكتب قديمة أذكر بعض
ما طبع منها، مثل: بغية الطلب: لابن العديم (660هـ) الذي اختصر كتابه هذا بكتاب
آخر سماه: زبدة الحلب في تاريخ حلب. وكتاب: "الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة
حلب" المنسوب إلى ابن الشحنة (890هـ)، ودرّ الحبب في تاريخ أعيان حلب: لابن
الحنبلي (971هـ)، ومعادن الذهب في الأعيان المشرَّفة بهم حلب: لأبي الوفاء العرضي
الحلبي (1071هـ)... الخ. أما في العصر الحديث فقد طبعت وألّفت كتب كثيرة
عن حلب، منها: تُحف الأنباء في تاريخ حلب الشهباء، للطبيب الجرماني بيشوف، نزيل
حلب، وكتاب: أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر لقسطاكي الحمصي، وأقدم ما
عرف عن تاريخ حلب: لصبحي الصواف، و"حلب –الجانب اللغوي من الكلمة" لخير
الدين الأسدي، وله كتابان آخران هما: موسوعة حلب المقارنة، وأحياء حلب
وأسواقها. ومن هذه الكتب أيضاً: إعلام النبلاء بتاريخ حلب
الشهباء لمحمد راغب الطباخ، صححه وأعده للطباعة الباحث محمد كمال، وكتاب نهر الذهب
في تاريخ حلب، لكامل الغزي، صحّحه وعلق عليه: د.شوقي شعث، ومحمود فاخوري. وكتاب "حلبيات" لعبد الله يوركي
حلاق... كما أن هناك حركة حثيثة إحيائية تتناول معالم حلب الأثرية، وخصائصها
الإبداعية، وعراقتها المسرحية والأدبية والفنية، وأعلامها في هذه المضامير، ومن
الكتب التي تذكر في هذا المجال، معالم حلب الأثرية: لعبد الله حجار، والحركة
الفكرية في حلب: لعائشة الدباغ، وخصوصية حلب: لجورج خوام، ومسرح حلب في مئة عام:
لمحمد هلال ملخي، وأدباء من حلب في النصف الثاني من القرن العشرين: وهذا الكتاب
قام على جهد جماعي نهض به لفيف من الأدباء والباحثين. هذه المقدمة أراها مهمّةً للدخول إلى عالم
الكتاب الذي سأتناوله بالدراسة وهو كتاب "حلب في مئة عام 1850- 1950" من
تأليف الباحث المرحوم محمد فؤاد عينتابي والمهندسة نجوى عثمان، وأما الأستاذ
عينتابي فقد عاش حياةً حافلةً بالعطاء خلال وظائفه التي تقلّدها ونشاطاته الفكريّة
ومساهماته في الصحافة، إذ ساهم في الطبعة الرابعة عشرة لدائرة المعارف البريطانية
عام ألفٍ وتسعمئة وتسعة وعشرين، وكان يجيد اللغات: الإنكليزية والفرنسية والتركية
العثمانية، والتركية اللاتينية، ويلمُّ بشيء من الألمانية. وشارك في الكثير من
المؤتمرات والجمعيات وكانَ أحد المكرّمين بحلب في تشرين الثاني عام ألف وتسعمئة
وتسعة وثمانين. وتوفّي عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين، في الثلاثين من تشرين
الأول.. وأما المهندسة نجوى عثمان، فهي باحثة في معهد
التراث العلمي العربي بحلب، وصدر لها كتابان الأول بعنوان "الهندسة الإنشائية
في مساجد حلب" 1992م، والثاني رسالتها للدكتوراه وعنوانه: "مساجد
القيروان" طبع سنة 2000م. وكتابهما "حلب في مئة عام 1580- 1950"
طبع سنة 1414هـ/ 1993م. وهو مؤلَّفٌ من ثلاثة أجزاء واستغرق تأليفه
وجمعه وتصنيفه خمس سنوات بحثاً وتصويراً وتدقيقاً.. وعلينا أن ندرك صعوبة هذه
المهمّة ونحن أمام كتاب يعتمد على التوثيق. ومادّة الكتاب تعكس بجلاء مدى الجهد
ومدى القدرة على التحمّل والبحث. والكتاب يتناول مرحلةً هامّةً، لم تكن فيها أعمال
"الأرشفة" موجودةً أو لم تأخذ حقّها من الدراية والاهتمام، ولذلك أرى
أنّ المؤلّفين جريا وراء المكتبات والدوائر والسجّلات. وسألا هنا واستفسرا هناك.
فالحركة لا تغيب عن الكتاب... وهي حركة الزمن وقد بعثاه أمامنا، وأيقظاه من سباته
العميق في مرحلة زمنيةٍ فيها الكثير من الجمود والكثير ممّا يقال في آخر العهد
العثماني حتى عهد الانتداب الفرنسي والاستقلال.... وهي مرحلةٌ رافقتها متغيّراتٌ
دوليّةٌ في أوروبا والعالم، انعكست على سورية عامة، وحلب خاصة. فالكتاب وثّق
الكثير من الأحداث وأعطى صورةً عن الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ. وهذا
يدعونا لتقدير الجهد وعدم استسهال هذا العمل الذي يقدّم وجباتٍ غنيّةً بعيداً عن
العناء الذي وفّره المؤلّفان لنا. والكتاب من منشورات معهد التراث العلميّ العربيّ
عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين، ويقدّم نفسه بعد مقدّمة قصيرةٍ جدّاً لم تتجاوز
الصفحة الواحدة، وفيها إشارةٌ إلى نهجهما في العمل، فقد تركا لغة النصِّ كما
وردت في المراجع ليتبيّن القارئ تطوّر اللغة وأسلوب الكتابة والصحافة في حلب خلال
مئة عام.. لكنّهما فسرا أحياناً بعض المصطلحات أو الكلمات التي أصبحت غامضة
بالنسبة للكثيرين ووضعاها ضمن قوسين. واعتمد الكتاب على تناول الأحداث والأخبار
حسب العام المحدّد ثم حوى كلُّ جزءٍ فهرساً للموضوعات وآخر للصور، والجزء الثالث
حوى ملحقاً لصورٍ وأسماءٍ وخطوط لشخصياتٍ معروفةٍ كالطبّاخ.. وقسطاكي الحمصي....
وهناك جدولٌ بالمصادر والمراجع والمجلاّت والصّحف المذكورة في الحواشي... إنّ وراء أيّ مؤلّف أو بحثٍ غايةً وهدفاً يرمي
إليه الباحث. ومن المفروض أن يخدم موضوعاً محدّداً مرسوماً في ذهن المؤلّف.
والكتاب حال صدوره يصبح وثيقةً ومصدراً ومنهلاً للآخرين إذ كان فيه ما يشار إليه
من قضايا هامّة، وينطبق هذا على الكتاب، وعرضه الموجز لا يُغني عن مطالعته
والإبحار فيه. لأنه يشكّل حديقةً غنية حوت ثماراً طريفة جاءت من مختلف الأقاليم
والبلدان.. في الكتاب شيءٌ من السياسة وأشياء من التاريخ والأدب والتراجم
والاقتصاد والمجتمع. يرصد حركة المدينة، ويستحضر الكثير من أخبارها وأحداثها التي
تصلح موادَّ للدراسة والبحث، ويقدّم صورةً من صور التقدّم الذي راح يدبّ في مدينة
حلب نظراً لطول المدّة التي تناولها، فتقديم حلب خلال قرن من الزمن أمرٌ شاقٌ لأنه
قرنٌ حافلٌ بالمتغيّرات والصراعات السياسية والوقائع الاجتماعية.. في الكتاب ذكرٌ
لأحداث قد تمرُّ سريعة ثم يتركنا نبحث عنها ونتأمّلها. فهو باعثٌ للتفكير
والتأمّل. بل هو موادّ أوليةٌ لأبحاث دسمةٍ نستخلصها من أخباره الخفيفة التي
أغنتها الجداول والأرقام والإحصائيات على مستوى عدد المدارس والمعاهد وعدد الطوائف
والأحياء والعشائر... فالمتابع لحركة الصحافة وتطوُّرها يرى في الكتاب ما يغنيه،
إذ يستخلص كثرة الصّحف وتنوّعها حسب موضوعاتها وحسب منشئها. فلا تخلو مدرسةٌ من
صحيفةٍ ولا تخلو دائرةٌ أو مؤسّسةٌ من صحيفة أو دوريّة، وهذا يدعونا للتساؤل،
ويحثّنا على قراءة المرحلة بتؤدة، ويدلّنا على أهمية الصحافة التي لعبت دوراً
كبيراً في نشر الوعي والتوصيل والنضال، فالجزء الأول أورد أخباراً عن جريدة الفرات
الرسمية منذ عام ألف وثمانمئةٍ وسبعةٍ وستين بالتركيّة والعربية، وهي أسبوعيةٌ،
وبدءاً من العدد الخمسين عام ثمانية وستين وثمانمئة وألف صدرت بثلاث لغات
"التركية والعربية والأرمنية" حتى العدد مئة. ثم عادت إلى اللغتين
العربية والتركية. ووجد ظهورها احتفالا ولقيت تقريظاً من صحيفة "غدير
الفرات" ومن الأديب "سيد شهاب أفندي" الذي قال (ج1: ص72):
ونرى أسماء الكثير من الصحف والمجلات كمجلة
"الشذور" الصادرة عام سبعة وتسعين وثمانمائة وألف، لصاحبها عبد المسيح
بن عبد الله أنطاكي واستهلّ العدد الأول بمدح السلطان عبد الحميد فقال (ج1: ص195):
وهذه الصحف كانت تتوقّف سريعاً، وتغلق أبوابها،
وذلك لأسبابٍ كثيرة، ولكنّ الإنسان يستطيع أن يرى انتشارها ويلحظ غزارتها، ففي عام
ألف وتسعمئة وثمانية عشر كان في حلب "جريدة العرب" للدفاع عن استقلال
سورية و"جريدة لارناس آراب" بالفرنسية، وجريدة "فرنكوسيريا"
وجريدة "هاي تساين" الأرمنية وجريدة "داراكير" (المهاجر)
الأرمنية وجريدة "حلب" وجريدة "الصاعقة". وفي سنة ألف وتسعمئة
وتسع عشرة صدرت الجرائد التالية: حقوق البشر، والنهضة، والراية، والمصباح،
والصباح، والبريد السوري، ومجلة الشركة الزراعية الحلبية، ومجموعة غرفة تجارة حلب.
هذه نماذج تبرز مدى تعلق الإنسان في مدينة حلب بالثقافة. ومدى اهتمامه بوسائل
الإعلام. وهذا لا يكون إلا إذا توافرت له الظروف. وهذا يدعو للتساؤل الذي يجرُّ
وراءه حبلاً من الأسئلة ولكنه يصلح ليشكّل مادّة مستقلةً للبحث، لكتاب أو محاضرة
أو ندوة.... وفي الكتاب ذكرٌ للأحداث المستجدّة والطريفة
التي تصلح للتوثيق والجمع والدراسة، ويمكن الاستفادة منها في زوايا صحفية جديدةٍ
أو دراساتٍ. فأوّل استعمال التدخين، بالسكاير، ودخول زيت الكاز، في عام ألف
وثمانئة وثلاثة وخمسين، وهذا موثّقٌ في كتاب نهر الذهب للغزي (الجزء الثالث ص388)،
وكذلك وفدت إلينا "البندورة" في عام ألفٍ وثمانمئة وأربعة وخمسين
بالاعتماد على نهر الذهب –(الجزء الثالث ص389). فجاء في الجزء الأول من كتاب
"حلب في مئة عام" ص27" في هذه السنة ظهر في حلب بقلٌ باسم باذنجان
إفرنجي أو باسم بنا دورة، أحضر بزره من مصر أحد التجار، وزرع في حلب، وأخصب، غير
أن الحلبيين لم يألفوا أكله في أوائل ظهوره بل كان بعضهم ينفر منه، حتى إن بعض البسطاء
إذا رآه أو ذكر في حضوره ينطق بالشهادتين توهّماً منه أنّه من الخضر المحرّمة التي
اخترعها الفرنج...". وفي عام ألف وثمانمائة وستين أمر بوضع ساعةٍ
بقلعة حلب بأمرٍ من السلطان عبد المجيد... على أن تصدر صوتاً مرتفعاً يصل إلى
مسافة ساعةٍ ونصفٍ ولكنّ الفكرة لم تر النور فأرجئت إلى عام ألف وثمانمئةٍ وثمانية
وتسعين فأقيمت في ساحة باب الفرج.. فجاء في الكتاب نقلاً عن "إعلام
النبلاء" و "نهر الذهب"..: "في الخامس عشر من ربيع الأوّل عام ألفٍ
وثلاثمئة وستّة عشر للهجرة وعام ألفٍ وثمانمائة وثمانية وتسعين للميلاد احتفل بوضع
الحجر الأول في أساس برج ساعة باب الفرج، وكان موضعها قسطل ماء مربّع الشكل يُسمّى
"قسطل السلطان" وهو من آثار السلطان سليمان خان العثماني، وقد بلغ مصروف
عمارتها ستّمئة ليرة عثمانية جمعت من ذوي الثروة واليسار. وقد أرّخ بناءها الشيخ
أحمد الشهيد مفتي بلدة حارم بقوله: (ج1: ص210).
وفي هذا العام 1898 بُني جامع زكي باشا المدرّس،
وصدرت مجلّة الشهباء. وفي عام ألف وتسعمئة وستّة وُضع نظام الصيدليات
المناوبة. وفي هذا العام كان وصول الخطّ الحديديّ من حماة إلى حلب واحتُفل
بتدشينه، وحضر الاحتفال في مكان المحطة، غربي حلب، والي الولاية ومأمور الملكيّة
والعسكريّة والكثير من العلماء والوجهاء وآلاف الناس. وألقيت الخطب والكلمات
الحافلة بالثناء والشكر للسلطان عبد الحميد خان ثاني. وقال فيه الشيخ مسعود أفندي
الكواكبي: (ج2، ص36):
ومما ذكر في الكتاب أن أول إحضار للوكس
"المصابيح" كان في عام ألف وتسعمئة وسبعة (ج2، ص54): "فقد أحضرت
البلدية من مصنع لوكس نحو سبعة مصابيح وركّزتها في أشهر فسحات حلب". ويذكر الكتاب بالاعتماد على نهر الذهب ج3: أنّ
ظهور أوّل طائرةٍ تراءت في سماء حلب كان في شهر ربيع الأول من عام ألف وثلاثمئة
واثنين وثلاثين، ويصادف كانون الثاني من عام ألف وتسعمئة وأربعة عشر... وجاءت من
استانبول وعلى متنها شابّان تركيان أحدهما صادقٌ والآخر فتحي، وصلت قرب المغرب
ونزلت قرب السبيل بعد تمهيد الأرض لها، ولكنّ أوّل مطار أقيم في حلب كان عام ألف
وتسعمئة وثمانية وعشرين، في عهد الانتداب الفرنسيّ في قرية النيرب. وفي هذا العام
استعمل الزّفت لتغطية الشوارع بحلب لأوّل مرة واستعمل في تزفيت شارع الخندق قرب ساحة
باب الفرج... وقد جاء مجلوباً من أوروبا....وفي الكتاب ذكرٌ لأحداثٍ طريفةٍ ونكبات
حلّت على مدينة حلب... مازالت في ذاكرة المعمّرين الذين تناقلوها. فهناك ذكر
لحريقٍ هائلٍ في أسواق حلب عام ألف وثمانمائة وثمانية وستين وخبرٌ عن انتشار
الكوليرا في عام ألف وثمانمئة وخمسة وسبعين، وخبرٌ عن زلزالٍ عظيم في حلب عام ألف
وثمانمائة وأربعةٍ وثمانين، وذكرٌ لسنة الثلج المشهورة عام ألف وتسعمئة وأحد عشر،
وكذلك انتشار الحمّى الدماغية عام ألف وتسعمئة وخمسة عشر، وفي حوادث عام ألفٍ
وتسعمئة واثنين وعشرين خبرٌ عن الأمطار الجارفة وفيضانٌ قويق... الذي بدأ في
السادس من شباط والذي تواصلت معه الأمطار ليومين ففاض النهر. ودخل إلى بعض البيوت
ليلاً وأدّى إلى تهديم عدّة أبنيةٍ. ونقل أنَّ جسر الصيرفي قد تهدَّم وانتقل الناس
بواسطة الحيوانات أو العربات... وأدّى الفيضان إلى أضرارٍ كبيرةٍ يذكرها الكتاب.... والكتاب يدلُّنا على الكثيرين ممّن وفدوا إلى
حلب كالقائد البولوني الجنرال "جوزيف بم" عام ألف وثمانمائة وخمسين،
وزيارة الشاعر المستشرق الإنكليزي بلانت، وزيارة المطران جرمانوس الشمالي، وزيارة
الجنرال غورو لحلب والترحيب به وإلقاء الكلمات أمامه. ولم يُغفل الكتاب ما قيل عن حلب وفي حلب وفضلها،
وما قدّم من محاضرات عن أدبائها ومطربيها وآثارها وما ألّف عنها من كتبٍ وما قيل
فيها من شعر. وكلُّها تصبح مادّةً أساسيّةً للبحث والدراسة.... وفي الكتاب ترجماتٌ
ودراسةٌ مبسطّةٌ للشخصيات البارزة التي أثرت في مدينة حلب على المستوى الأدبيّ
والسياسيّ والفكريّ والفنّي والدينيّ. فهناك ترجماتٌ عن أبي الهدى الصيّادي والشيخ
محمد راغب الطباخ والأستاذ محمد نافع طلس –والشيخ جميل العقاد والأديب سامي
الكيالي وفاضل السباعي، والدكتور أحمد صفا الكاتب وهو أوّلُ عربيّ سوري يحوز شهادة
الدكتوراه في الصيدلة، وهو الذي أسّس أوّل نقابة للصيادلة في حلب ألف وتسعمئة
وثمانية وعشرين، وهناك ترجماتٌ للمصلح عبد الرحمن الكواكبي والشاعر عبد الله يوركي
حلاق وقسطاكي حمصي وفاتحٍ مرعشي والشاعر عمر أبو ريشة والشيخ كامل الغزي والمهندسة
سميرة سلحدار وهي ثاني مهندسةٍ بعد بثينة كيالي تتابع دراستها في الجامعة السورية
بكلية الهندسة بحلب ولكنَّهما تخرّجتا معاً عام ألف وتسعمئة وثلاثة وخمسين فكانتا
أوّل مهندستين في سورية. وفي الكتاب سردٌ وتلخيصٌ لبعض المحاضرات
والدراسات المتنوعة التي تتناول الجوانب الفنيّة والاجتماعية والاقتصاديّة في حلب،
وتصبح أحد المصادر الأساسية للغوص والدراسة في أعماق حلب كمقالة الأسر الحلبيّة في
أواخر القرن التاسع عشر كما عرفهم وعاش معهم "علي كمال" الكاتب والصحافي
التركي المنشورة في جريدة "بيام الصباح" بعنوان "عمرم" أيّ
حياتي... وذكر فيها بعض العائلات وطباعها وأملاكها ومناصبها كالمدرّس والجابريّ
والشريّف والعادليّ والسباعي والكيخيا... والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في حلب
الواردة في يوميات نعوم البخاش ج1/ 172 ومقال: "الأدب في حلب بين عهدين
–الاتجاهات الأدبية في جيل من الشباب" وهو مقال كتبه الأديب الناقد الحلبي
قدري القلعجي ونشرته جريدة المكشوف لصاحبها فؤاد حبيش بتاريخ 7/آب/1935 وفي هذا
المقال حديث عن الأديب سامي الكيالي والدكتور علي الناصر وعمر أبو ريشة وعمر أبو
قوس وفؤاد العنتابي وكثيرين غيرهم. وتعتبر المادّة غنيةً وتستحقّ الدراسة، لما
فيها من تحليل دقيقٍ مكثّف. وفي المقال حُكمٌ نقديٌّ انطباعي جاء فيه على لسان
الكاتب: "إنّ في حلب نهضةً قويّة واثبةً لا ريب في أنّها تتمخّض بإنتاج راقٍ
غزيرٍ. ونحن إذا وصفنا هذه النهضة المرجوّة بالضعف، وتطرّق الشكُّ إلى نفوسنا في
سموّ أهدافها وسرعة تطورّها، فلأنّنا نأمل ونرجو أن تكون نشاطاً وأسمى هدفاً وأسرع
وثبةً، ولأنّنا نقيسُ إنتاجها الأدبيّ بالإنتاج الغربيّ الراقي الذي نريد أن
نتأثّره من غير أن نضيّع شخصياتنا الشرقية وطابعنا العربيّ الأصيل... أما إذا قسنا هذا الإنتاج بما تطلع به علينا
المدن السوريّة، أو إذا قسناه على الأصحّ بالإنتاج الأدبيّ في دمشق فإنّنا لنؤمن
بعد التدقيق المخلص بأنّ دمشق لا تتفوّق على حلب بإنتاجها إذا هي لم تقصّر عنها،
ولكنّ دمشق تعمل في ضجيج، أمّا حلب فقد كانت وما برحت تعمل في صمت، ولدمشق نواديها
وجمعياتها وصحفها، ومسارحها تضمّ الأدباء والفنانين وتلهب حماستهم وتثير نشاطهم
وتغريهم بالإنتاج الغزير، أمّا أدباء حلب وفنانوها، فإنّ الروح الفرديّة
الانعزالية تطغى عليهم وتدفع بكلّ منهم في سبيل"... (ص198 الجزء الثالث). وهذه المقالة تحتاج لوقفة وتأنٍّ للاستفادة منها
في الوقت الراهن... وفي الكتاب أيضاً رصدٌ للكثير من المناسبات ذات الطابع
الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ كالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في حلب عام
ألفٍ وثمانمائة وأربعة وستين كما ذكر "توتل" معتمداً على يوميات نعوم
البخاش، وكما ورد في نهر الذهب للغزي. والكتاب يذكر النشاطات والفعاليات السياسية
والاقتصادية، كعزل قنصلٍ وتعيين آخر، وإنشاء معملٍ واستقبال شخصيةٍ، وذكر وفاة،
وتقديم بيبلوغرافيا عن عدد السكّان والطوائف والملل وأسعار العملة وعدد المدارس...
والعشائر وحياتهم. إنّ الحديث عن مضمون هذا الكتاب يطول ولا تفيه
مقالةٌ حقّه، وتبقى هناك الإشارات المهمّة الّتي تشكّل دليلاً من أجل جادٍّ وغنيٍّ
مستنبط من هذا الكتاب، فالمطالع للكتاب والمتعمّق في مواده يجد إمكانية استنباط
موضوعاتٍ متفرّدة تبنى عليها مقدّمات ونتائج كالإعلام والصحافة وتطوّرها. والحديث
عن النشاطات الاقتصادية وتطوّر البنية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية...
والشعر المبثوث في الكتاب يصلح للدراسة مضموناً وفناً وفي الكتاب موادُّ أولية عن
مدينة حلب وما قيل فيها. الكتاب يبسط ظلاله، خفيفاً رشيقاً ممتعاً، وفيه
توثيقٌ وإشارةٌ للمصدر سواءٌ أكان كتاباً أو صحيفة؛ وهذا المبدأ أو المنهج سار
عليه الكتاب من أوله إلى نهايته، سنةً بعد سنة، وهو يذكر في كل سنة أهمّ ما حدث
فيها بالاعتماد على الصحافة أو الكتب. وتبقى الإشارة ضروريّة لأهمية الكتاب الذي
يشكّل منبعاً أساسياً ومنهلاً غنياً للمتابعين، وهو رافدٌ هامٌّ وحيويٌّ يرصد حياة
مدينةٍ لا تعرف الهدوء والراحة، ويعبّر عن حبٍّ خالص لهذه المدينة التي ارتبط
اسمها بالتاريخ ارتباط العاشق بمعشوقته. وإن أيّ كتاب يقدّم للقارئ لابدّ له من
تقديم تساؤلاتٍ ولكن الكتاب الذي استعرضته لم يطرح أسئلة أو أجوبة فكان ناقلاً
وجامعاً، يقوم على الاختيار والانتقاء، ولذلك يولّد فينا نحن الأسئلة ويثيرها وهذا
شيءٌ حسنٌ وطبيعيٌّ والجهد فيه واضح ولكنّه لم يتوّج بالتعليل والتفسير والإثارة
حول ما ورد فيه من جانب المؤلّفين والأخبار والأحداث والجداول وربّما كان نهج
الكتاب لا يسمح بذلك، لأنّه اعتمد على عرض الأحداث والتقديم لها، ولكنّ الأسئلة
مبثوثةٌ في حنايا المقالات التي وردت للآخرين، وخاصّةً الإحصائيات وكثرة علاقات
الغرب بحلب من قناصل وسفراء ورجال سياسية وفكر وترحيب بغورو وغيره... والكتاب قدّم
حلب مدينةً وادعةً مسالمة برغم قربها من التخوم، وكونها بوابة للعبور، فلم يذكر من
الحوادث سوى قَوْمة البلد، وحوادث الستين، وإضراب الحوذيين ومظاهرة احتجاج حوادث
سنة ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين... وهي التي تشكّل مساحةً واسعةً وثقلاً
اقتصادياً وبشرياً. والسؤال الآخر: أكان الاختيار مزاجياً أم أنّه خضع لأسلوب
معيّن وخطة واضحة؟... وكيف نهض المؤلفان بعبء العمل في هذا الكتاب؟ وما دور كلّ
واحد منهما؟ يبقى الكتاب درّةً من تلك الدّرر التي يتسابق
أبناء الشهباء لنظمها في عقد الزمن. ومثل هذه الجهود الفرديّة وراءها سعي ودأب
وملاحقةٌ تدفعنا للتقدير والإكبار... والسؤال الذي أودّ طرحه هنا: ألا يمكن أن
تقام في حلب مؤسّسةٌ أو هيئةٌ ثقافيّةٌ توثيقيّةٌ تسعى لتشجيع العاملين ورعايتهم
ومساعدة الباحثين وتقديم الخبرة لأولئك الذين يكتبون ويبحثون في أعماق حلب لا
يدفعهم سوى الحبّ محتملين ضيق ذات اليد والوقت وصعوبة البحث...؟ إن حلب بحاجةٍ لفريقٍ عملٍ جماعيٍّ واعٍ غيور،
يقوم بمهمّة التوثيق والتدقيق ويكون عوناً لمن يسعى ولمن ويريد أن يكون مفعّلاً
للنشاط الثقافيّ الذي يبرز حلب في أبهى صورها.. * باحث من سورية. |