مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 88 - السنة الثانية والعشرون - كانون الأول "ديسمبر" 2002 - شوال 1423 هـ
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:09 AM
فهرس العدد
 
مقوّمات النصر ـــ د.محمود الربداوي ـ رئيس التحرير

مقوّمات النصر ـــ د.محمود الربداوي ـ رئيس التحرير

قليلةٌ هي المؤسسات الفكرية والعسكرية، وكذلك قليلون هم الأفراد والمؤرخون الذين تناولوا بالبحث وإحياء الذكرى لقائدٍ عربي بالغ الأهمية بين قادة العالم، بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً هجريّاً على وفاته. وهو خالد بن الوليد.

كنتُ أتمنى لو أن العرب لم يحتفلوا بوفاته، وإنما أطمح أن يحتفلوا بولادته، فولادته أجدر بالاحتفال؛ لأنها جاءت إلى الدنيا بعبقريٍّ من عباقرة فنون الحرب، وإحكام الخطط الاستراتيجية، لم تخرِّجه كلية عسكرية، ولم يتدرب في أكاديمية من أكاديميات الأركان، وإنما وُهب القيادة فطرةً، فكان النصر حليفه في كل المعارك التي خاضها بنجاح. فقضى على كبريات الامبراطوريات في عالم القرون الوسطى: الامبراطورية الفارسية والامبراطورية البيزنطية، ولكنَّ المفكرين أعرضوا عن الاحتفال بولادته؛ لأنها حدثتْ سنة 586م أي قبل أن يكون للعرب تأريخٌ هجريٌّ تُنسَب إليه ولادته، فعندما اصطلح الناس على بداية الهجرة كان عمره حوالي 36 سنة.

صحيح أن هذا القائد العبقري- كما أطلق عليه عباس محمود العقاد عندما أدرجه في سلسلة العبقريات التي كتب عنها- هذا القائد خالد بن الوليد وُلِد بمكة، ولكنْ يشرِّف هذا القطر العربي السوري أنه احتوى جثمانه سنة 21 هجرية، فظفرتْ مدينة حمص باحتضان رُفاته، ولذلك لم يكن غريباً بل ظاهرة وفاء واعتزاز أن يتنادى مفكرو حمص وكُتّابها لإحياء ذكرى هذا القائد الفذ بأبحاثٍ من جوانب عبقريته، ومن الاعتراف بعظمة هذا القائد، والاعتزاز بالدور الذي قام به في خدمة العروبة والإسلام، وبالمكتسبات التي تركها لهذه الأمة، أن أقامت جامعة حلب بالتعاون مع جمعية العاديات في الفترة ما بين 29 و31 من تشرين الأول سنة 2002 الندوة الدولية بعنوان (خالد بن الوليد- رؤية معاصرة) تهدف هذه الندوة إلى تحريض الروح الجهادية، وإرادة المقاومة والصمود في أجيالنا من خلال استعراض واستذكار هذه المعاني في شخصية خالد بن الوليد، صحيح أنه كُتب الكثير عن شخصية هذا القائد العظيم من قِبَل مؤرِّخين وعسكريين وسياسيين وأدباء وعلماء نفس وعلماء اجتماع ومُحلّلي نصوص من عرب ومستشرقين، ولكنْ ما زال الزمان والمصادر التاريخية تتكشف عن جوانب منه ما زالت غائبة عنا، أو مهمّشة غيّبها أناس من أعداء هذه الأمة، ساءهم أن يتحدَّثوا بإنصاف عن الدور الذي حقّقه هذا الرجل فانتزع منهم هذه الأرض التي عاش عليها العرب وتعيش عليها الأجيال العربية منذ أربعة عشر قرناً ونيّف. ثم جاء الجهلة من أبناء الأمة العربية وتابعوهم على مقولاتهم المُغرِضة، فكان هذا التاريخ المشوّه الذي نخشى أن يصبح حقائق مقرَّرة عند الأجيال العربية في قادمات الأيام. عندما أحببتُ ألا تفوتني هذه المناسبة من غير أن أشارك بكتابة بحثٍ عن جانب من جوانب خالد بن الوليد في معركة اليرموك، وأحسِب أن أحداً لم يتطرق إليه في حدود علمي، باستثناء كتابين لجنرالين عظيمين: أولهما الجنرال أكرم الباكستاني الجنسية وثانيهما العماد الأول مصطفى طلاس العربي الجنسية فجذبتني القراءة في كتب التاريخ، والمرء يسعد للاطلاع على المواقف المشرِّفة في تاريخه، ويطرب لما حقّقه أبطال من أجداده، فيدفعه حب الاستطلاع والفضول العلمي أن يسْتَكْنِه سر النصر في شخصية هذا القائد الذي لم يُهزَم في معركة قط، فوجدتُ سر نجاحه في العناصر الأربعة التالية:

آ-الشجاعة، وهذه صفة فطرية، وهبة من الله، تلعب الوراثة- كما يقول علماء النفس- دوراً كبيراً في نقلها من السلف إلى الخلف، وتعطيها لإنسان وتحرم منها آخر، يتّصف بها الرجل كما تتّصف بها المرأة، ولا فرق فيها بين سيِّد وعبد، كما لمحنا في تاريخنا الجاهلي والإسلامي، وقد تتجلى الشجاعة في الجسد عند أناس، أو تتجلى في الرأي والفكر عند أناس آخرين، ولما كانت هذه الشجاعة فطرية فإن الأحداث والأيام والمعارك تنمِّيها وتصقلها. وممارسة الحرب، وخوض المعارك من شأنها أن تؤصل الشجاعة في الشجاع، وتؤكد فيه نزعة الإقدام، ومبارزة الخصوم، بقلبٍ جسور، وعزيمة صادقة، وهذه الخصائص تمركزت في خالد كما تحدثنا نشأته الأولى، حتى وصفه الرسول (r) بأنه سيف الله المسلول.

ب-الرأي المحرك للقدرة على التخطيط الحرْبي، ووضع القرار الحكيم، وحسن إدارة المعارك، والحكمة البعيدة أو بُعد النظر في تعبئة الجيوش، وترتيب الصفوف وتوزيع المهمات القتالية، وحسن اختيار قادة الفيالق والسرايا والكتائب وإسناد المهمات لمن يستطيع النهوض بها حسب الرتب العسكرية والحشود القبائلية والعشائرية طبقاً لما هو متعارَف عليه في مجتمع ذلك الزمان. وباختصار حسن رسم (التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي) كما هو متعارَف عليه في المصطلح العسكري المعاصر، أو كما كانوا يُسندون لخالد إدارة (القُبّة والأعِنّة) في المصطلح العسكري القديم.

فإنَّ الباحث ليتملَّكه الإعجاب من رجلٍ قاد جموعاً غالبيتها من بدو الصحراء، من الأعراب المتمردين على النظام، ولا يعرفون من سنن الحرب إلا الغزو الفوضوي الذي ألفوه في جاهليتهم، والذين لم تمكنهم صحراؤهم من امتلاك الأسلحة إلا البسيطة منها، فنظمهم خالد ورتبهم عسكرياً، وعبَّأهم كراديس وخيالة ورجَّالة وميمنة وميسرة وقلباً وساقة، وقابل بهم جيوشاً نظامية مدرّبة، فقهر بهم أكبر امبراطوريتين عُرفتا في ذلك العصر، هذا الرأي المدبِّر مع الخاصة الأولى الشجاعة كأنه هو الذي أفصح عن وصفه المتنبي بعد قرنين ونصف عندما قال في مطلع قصيدته المشهورة:

الرأي قبل شجاعة الشجعان

 

هو أوّلٌ، وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرّةٍ

 

بلغتْ من العلياء كل مكانِ

وكأن المتنبي عناه بهذه القصيدة الرائعة عندما قال فيها:

رفعتْ بك العربُ العمادَ وصيَّرتْ

 

قِمم الملوك مواقد النيرانِ

أنساب فخرِهم إليك، وإنما

 

أنساب أصلِهم إلى عدنانِ

إن السيوفَ مع الذين قلوبهم

 

كقلوبهنَّ إذا التقى الجمعانِ

فإذا رأيتك حار دونك ناظري

 

وإذا مدحتك حار فيك لساني

جـ-عقيدة الجهاد في الإسلام:

فمنذ أن دخل خالد في الإسلام سنة 8 هجرية لم يسلِم ويحسُن إسلامُه فحسب، بل تغلغلتْ العقيدة في صميم قلبه، وآمن أن الإسلام ليس للعرب فقط، وإنما للناس كافة، فآمن أكثر من غيره بوجوب نشر الإسلام في أقطار الأرض، ومن هنا انطلق خارج مكة والمدينة، فكانت فتوحات العراق والشام، فكانت بغرض نشر العقيدة التي تأصلت في وجدانه، والتي تؤججها الرغبة في الجهاد والاستشهاد، لا حباً في كسب الغنائم كما يفسر ذلك بعض محلّلي النصوص التاريخية، صحيح أن متاع الحياة الدنيا مرغوب، ولكن ثواب الآخرة هو المحرِّض الأكبر عند عامة المحاربين من المسلمين، وعلى رأسهم ابن الوليد.

د-مواتاة الظروف السياسية والاجتماعية

عندما برز العرب أمةً على مسرح الأحداث، وأخذ المسلمون في الإرهاص لتكوين أمة فتية، ودولة صاعدة، تأخذ مكانها تحت الشمس، كانت دولتا الفرس والروم قد هرِمتا، وقد دوَّختْ كل واحدة منهما الأخرى حتى لقد ذكر ذلك القرآن الكريم في سورة الروم. وكان المجتمع في كل من الدولتين الكبيرتين قد نخرته المفاسد الاجتماعية، وظلم الطبقة الحاكمة، وسوء استخدام السلطة، والفقر المستشري في الطبقة الدنيا، وتطلع الناس في هذين المجتمعين، بشغف شديد إلى العدل والمساواة والرحمة، وهذا ما يُبشِّر به الدين الجديد، دين الفاتحين؛ لذلك سعى الكثيرون من رعايا هاتين الدولتين العظيمتين إلى قبول دين الإسلام بطواعية، وفتحوا بلادهم للفاتحين الجدد، وإن كانت ضلوعهم تُكِنُّ غيرة على هؤلاء الفاتحين البدو بأنهم أقل من البلاد المفتوحة حضارة ومدنية، فصالحوا الجيوش التي اجتاحتهم، ودفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وقبلوا بالشروط العادلة التي اشترطها المسلمون، فكانت هذه الجماهير، معواناً للفاتحين وعلى رأسهم خالد بن الوليد، على فتح البلاد؛ للتخلص من الظلم الذي ران عليهم قروناً طويلة.

هذا القائد العظيم الذي يتمتع بكل هذه الخصائص، وما ذكرتُ إلا أبرزها يمضي الآن على وفاته أربعة عشر قرناً، حفزت هذه القرون مجلة التراث العربي أن تقدم ملفاً يذكّر بمآثر هذا القائد الباسل، الـذي يشارك في إحياء ذكراه ثُلّة من الكتاب والأدباء العرب، فكتابنا الكريم يقول في القديم: ]وذكّر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين[ وفي الحديث قال شوقي: "فالذكر للإنسان عمرٌ ثاني".

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244