مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 88 - السنة الثانية والعشرون - كانون الأول "ديسمبر" 2002 - شوال 1423 هـ
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:09 AM
فهرس العدد
 

خالد بن الوليد في كتابة شخصيتين عسكريتين عربية وغربية ـــ د.عبد الله الصالح العثيمين *

حظيت شخصية خالد بن الوليد، الصحابي الجليل، الفارس المغوار، القائد العظيم، بما تستحقه من اهتمام المؤرخين للغزوات النبوية، وحروب الرَّدة، والفتوحات الكبرى في كلٍّ من بلاد العراق، التي كانت تحت الامبراطورية الفارسية، وبلاد الشام، التي كانت تحت امبراطورية الروم. وكان مبعث ذلك الاهتمام ما قام به خالد، رضي الله عنه، من أدوار عظيمة في الأحداث المشار إليها.‏

وبما أن أدوار خالد المهمَّة كانت عسكرية الطابع فإن كاتب هذه السطور رأى أن يعرض تلك الأدوار من خلال كتابة شخصيتين عسكريتين؛ الأولى عربية والثانية غربية. أما الشخصية العربية فهي اللواء الركن محمود شيت خطاب(1) وأما الشخصية الغربية فهي غلوب باشا، الضابط البريطاني المشهور(2).‏

وقد جاء اختيار خطاب لأنه- وهو عراقي- ابن المنطقة التي خاض فيها، أو حولها، خالد بن الوليد المعارك المشهورة، ولأنه من ألمع الضباط العرب الذين كتبوا عن حروب المسلمين الأوائل المتمثّلة في مؤلفه الرسول القائد، وفي مؤلفاته التي أصدرها ضمن سلسلة قادة الفتح الإسلامي. ولقد أفرد كتاباً مستقلاً عن خالد بن الوليد يتكوَّن من قرابة ثلاث مئة صفحة(3).‏

أما اختيار غلوب فلأنه كان أحد أركان بريطانيا العسكريين في العراق، ثم في الأردن، ولأنه اهتم كثيراً بدراسة الأرض التي دارت عليها معارك فتوح الشام، وألَّف كتاباً عن مسيرة الأعمال الحربية العربية الإسلامية منذ عهد النبوَّة، وسمَّاه الفتوحات العربية الكبرى (The Great Arab Conquests)(4). وقد تناول أدوار خالد بن الوليد ضمن هذا الكتاب.‏

ويمكن تقسيم الحديث عن أدوار خالد بن الوليد وفق المراحل الواضحة التي حدثت بها تلك الأدوار، وهي:‏

1-دوره قبل إسلامه.‏

2-دوره مسلماً في العهد النبوي.‏

3-دوره في حرب الردَّة.‏

4-دوره في محاربة الفرس.‏

5-دوره في محاربة الروم.‏

1-دوره قبل إسلامه:‏

ينتمي خالد بن الوليد إلى بني مخزوم أحد فروع قريش العشرة المعروفة. وقد اشتهر بنو مخزوم قبل الإسلام بالقيام بأمر ذي صبغة حربية أو عسكرية؛ إذ كان لهم القبَّة وأعنَّة الخيل(5). وما داموا قد قاموا بذلك الدور المهم فإن خالد بن الوليد المنتمي إليهم لم يكن مستغرباً عليه أن يقوم بالأدوار العظيمة التي قام بها. وازدادت مكانته سمواً- إضافة إلى ذلك الانتماء- بكونه ابناً لسيِّد من سادات قريش وهو الوليد بن المغيرة، الذي كان يسمَّى الوحيد وعظيم مكة لثرائه ومكانته الاجتماعية. ولم يشتغل خالد بجمع المال لأن الله قد جعل لأبيه "مالاً ممدوداً"؛ بل تفرَّغ لمزاولة الأمور العسكرية؛ تدرُّباً على فنون القتال، ثم قيادة للفرسان.‏

ولقد أبرزت المصادر اسم خالد بن الوليد أول مرَّة في معركة أحد، وهو في السابعة والعشرين من عمره. ويقول خطاب عما قام به خالد في تلك الغزوة: إنه كان قائداً لميمنة خيل قريش. وبعد أن رجحت كفة المسلمين في تلك المعركة فطن إلى انصراف أكثر الرماة الذين وضعهم النبيُّ، (، على مشرف من الأرض لحماية ظهور المسلمين. فهجم بمن معه من الفرسان على من بقوا في مكانهم وقتلوهم. وبذلك ضرب قوات المسلمين من الخلف على حين غرَّة منهم. ثم شنَّت قريش هجوماً على المسلمين من الأمام فطوَّقت قوات المشركين جيش المسلمين من جميع الجهات. ثم يقول: إن فضل انتصار المشركين على المسلمين في أحد يعود إلى قيادة خالد(6).‏

أما غلوب فيقول: إن خالد بن الوليد وعمرو بن العاص اللذين كانا مع فرسان قريش- ولم يذكر أن خالداً كان على ميمنة الفرسان- قادا الخيَّالة ضد ميسرة جيش المسلمين فضربوهم من الخلف، وأربكتهم المفاجأة، فانهزموا(7).‏

وما كان إنجاز خالد في أحد إلا عاملاً زاد في رسوخ ثقته بإمكاناته وترسيخ ثقة قومه بقيادته. ولذلك لم يكن غريباً أن قاد كتيبة من فرسان المشركين محاولاً اقتحام الخندق، الذي حفره المسلمون حماية للمدينة أيام غزوة الأحزاب. ولما أخفقت محاولات المشركين، وانصرفوا منسحبين قام خالد مع عمرو بن العاص بحماية ساقتهم. ثم كان على رأس خيّالة قريش الذين أرادوا أن يحولوا بين المسلمين ومكة في غزوة الحديبية(8).‏

2-دور خالد مسلماً في العهد النبوي:‏

عندما قدم خالد إلى النبي، (، في المدينة ليبايعه على الإسلام، وذلك في السنة الثامنة من الهجرة، قال له نبيُّ الهدى: "قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألاَّ يسلِّمك إلا إلى خير(9)." ثم أصبح موضع ثقته، وأنَّى لهذه الثقة أن تكون في غير موضعها؟ وقد كانت سيرة خالد تحت إدارة النبيِّ المصطفى أعظم برهان على ذلك.‏

في غزوة مؤتة:‏

كما كانت معركة أحد أول بروز لدور خالد فارساً عظيماً في جاهليته كانت معركة مؤتة أول ظهور لدوره فارساً قائداً في إسلامه. وكما كان إنجازه في أحد إنقاذاً للمشركين الذين كانوا على وشك الهزيمة الكاملة كان إنجازه في مؤتة إنقاذاً للمسلمين الذين أصبحوا في موقف عصيب أمام جيش الروم، الذي كان يفوقهم عدداً وعدّة، بعد أن استشهد قادتهم الثلاثة: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة؛ واحداً بعد آخر. وذلك أن خالداً- بعد أن اتفق المسلمون المواجهون لخطر فادح على تولِّيه القيادة- تمكَّن من مدافعة الروم حتى انصرف بالمسلمين؛ منقذاً لهم- بإرادة الله، من ذلك الخطر. فماذا فعل؟‏

يقول خطاب: قاتل حتى أظلم الليل، ثم غيَّر نظام جيشه، فجعل مقدَّمته ساقة وساقته مقدمة، وكذلك فعل بالميمنة والميسرة؛ ولحماية الانسحاب من ساحة المعركة نشر الساقة ليحتلَّ فرسانها مساحة شاسعة من الأرض، وأمرهم أن يحدثوا أصواتاً مرتفعة بما لديهم من أدوات حربية، وجعل الخيل تدور بسرعة في دوائر ضيِّقة لإثارة الغبار. وهذا ما جعل الروم لا يشعرون بانسحاب قوات القسم الأكبر من المسلمين ليلاً من جهة، ويعتقدون أن إمدادات قوية جاءتهم من جهة أخرى. لذلك لم يطاردوا المسلمين. وقاتلت الساقة- وعلى رأسها خالد- قتالاً بطولياً لتتخلَّص من الاشتباك مع العدو. وعاد بالمسلمين إلى المدينة بعد أن تركوا ثلاثة عشر شهيداً في ساحة المعركة، وهي خسائر طفيفة جداً بالنسبة للخطر الداهم الذي أحدث بهم مما يُعدُّ خارقة عسكرية ومفخرة لقيادة خالد. ومن ذلك اليوم أطلق عليه الرسول، (، لقب سيف الله(10).‏

أما غلوب فقال عن ذلك: إن خالد بن الوليد، الذي كان مع الجيش كان أكثر خبرة في القيادة من زيد وجعفر، وإنه لما تولَّى القيادة ساعة الانهزام نجح في كسب ثقة بقية المحاربين. وبانسحاب منظَّم تمكَّنوا من ترك ميدان القتال(11).‏

في غزوة مكة:‏

إذا كان خالد قد ترك مكة لئلا يشهد قدوم الرسول، (، إليها في عمرة القضاء، أواخر السنة السابعة للهجرة، فإنه دخلها منشرح الصدر بإسلامه مع النبي المصطفى الذي جعله على ميمنة قوات المسلمين في غزوة فتحها في شهر رمضان من السنة الثامنة. وتنفيذاً لأمر المصطفى لم يقاتل خالد إلا من قاتله من قريش، فقتل منهم ثمانية وعشرين رجلاً، ثم انهزموا. وبعد خمسة أيام من فتح النبي، (، لمكة أرسل خالداً في ثلاثين فارساً لهدم صنم العُزَّى، فهدمها. ويعلِّق الخطاب على تلك الحوادث بقوله: "إن تولي خالد واجب القائد(12) في غزوة الفتح دليل على ثقة الرسول، (، بكفاية قيادته، وتوليته مهمَّة هدم العُزّى دليل على ثقته برسوخ عقيدته"(13).‏

في يوم حنين:‏

كان خالد على مقدمة المسلمين في مئة فارس من بني سُلَيم عندما زحفوا من مكة إلى الطائف لقتال هوازن وثقيف(14)، وذلك في شوال من السنة الثامنة للهجرة. وانحدر المسلمون في وادي حنين قبل انبلاج الفجر، فانهالت عليهم سهام المشركين الذين كانوا قد رصدوا لهم من كل جانب، وانكشفت خيل بني سُلَيم مولية، وتبعهم مسلمو الفتح من أهل مكة، ثم تبعهم الناس منهزمين. لكن الرسول، (، ثبت مع قليل من أصحابه وأهل بيته، ثم تجمَّع المسلمون حوله وشنُّوا هجوماً مضاداً على المشركين، فانهزموا. وقد جرح خالد في ذلك الهجوم.‏

ويرى خطاب أن مقدمة المسلمين، بقيادة خالد، لم تقم بواجبها، الذي هو الحصول على المعلومات عن العدو حتى لا يباغت القسم الأكبر من الجيش؛ بل اندفعت إلى الأمام بسرعة قبل معرفة حقيقة موقف العدو في وادي حنين، فاندفعت وراءها قوات القسم الأكبر لاعتقادها أن اندفاعها آمن(15). ولعلَّ من أسباب ذلك الاندفاع إعجاب بعض أفراد الجيش بكثرتهم، وقد ذكر الله ذلك في كتابه الكريم(16).‏

في غزوة الطائف:‏

بقي خالد برغم جراحه، قائداً لمقدمة الجيش. وفي طريقه إلى الطائف قاتل فلول المشركين. وكان بين قتلاهم امرأة. فلما مرّ النبيّ، (، بها قال: من قتلها؟ قيل: خالد بن الوليد. فقال لبعض من معه: أدرك خالداً وقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليداً أو عسيفاً. ولما حاصر المسلمون الطائف كان خالد ينادي: هل من مبارز؟ فلا يجيبه أحد(17).‏

في دومة الجندل:‏

يقول خطاب: في أثناء مقام النبي، (، في تبوك (9هـ/630م) بعث خالد بن الوليد في أربع مئة وعشرين فارساً إلى أكيدر الكندي في دومة الجندل، فوجده في رحلة صيد فهاجمه، وأسره، وأجاره عن القتل حتى يأتي به رسول الله، (، على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل. وصالحه على 800 من السبي، و2000 من الإبل و400 درع و400 رمح. ولما وصل أكيدر إلى النبي، (، صالحه على الجزية وكتب له كتاب أمان(18). أما غلوب فيكتفي بالقول: إن محمداً أرسل خالداً ليحضر حاكم دومة الجندل، وإنه توصل معه إلى صلح يشتمل على دفع جزية سنوية(19).‏

3-دور خالد في حروب الردَّة:‏

من المعلوم أن أبا بكر، رضي الله عنه، أرسل أحد عشر قائداً لمحاربة المرتدين. وكان خالد بن الوليد أعظم قائد من هؤلاء تحقَّق على يديه القضاء على حركة الردَّة. وأهم أعماله قتاله لطليحة الأسدي، ومالك بن نويرة، ومسيلمة الكذاب. فما حديث خطاب وغلوب عن أعماله تلك؟‏

مع طليحة:‏

ذكر خطاب خروج أبي بكر من المدينة للتمويه بأنه سيقوم بغزو ضد المرتدين، وبعثه عدي بن حاتم الطائي إلى قومه قبل سير خالد إليهم، ونجاحه في إقناعهم بالتخلِّي عن محالفة طليحة. ثم قال: إن خالداً سار بمن معه ومن انضم إليه من طيئ وعددهم ألف راكب إلى طليحة في بُزاخة، وأرسل عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة لقواته، وعبَّأ جيشه للقتال، فقالت له طيئ: نحن نكفيك قيساً فإن بني أسد حلفاؤنا، فقال: قاتلوا أي الطائفتين شئتم. إلا أن عدياً قال: لا أمتنع عن جهاد بني أسد لحلفهم. فقال له خالد: إن جهاد الفريقين جهاد. لا تخالف رأي أصحابك، وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط. ثم سار بجيشه، وتقاتل مع طليحة قتالاً شديداً. ولما رجحت كفة المسلمين هرب طليحة بامرأته. وبذلك قضى خالد على فتنة طليحة. وأدَّى انتصاره عليه إلى عودة من تحالف مع بني أسد من القبائل المجاورة لها إلى الطاعة. ويعلِّل خطاب انتصار خالد السريع بأسباب منها:‏

1-جهود أبي بكر بتوريته أنه خارج للقتال، وإرساله عدي بن حاتم الذي أقنع قومه بفك تحالفهم مع طليحة.‏

2-أن المسلمين كانوا يقاتلون واثقين بنصر الله.‏

3-انضمام طيئ إلى خالد.‏

4-إفساح المجال لطيئ لتقاتل قيساً كما أرادت.‏

ويدافع عن عدم مطاردة خالد للفارين من معركة بُزاخة بأن مطاردة القبائل البدوية غير ممكنة إلا في حدود معيَّنة(20).‏

أما غلوب فيقول: إن خالداً انطلق إلى نجد بأربعة آلاف مقاتل لمحاربة بني أسد في بُزاخة. وفي طريقه إلى هناك خضعت له أكثرية طيئ. ولما بدأت المعركة انسحب عُيينة، رئيس غطفان، الذي كان مع طليحة، من الميدان، فانهزم بنو أسد. وانهزم طليحة مع أسرته إلى سوريا، وقد أدَّى استسلام بني أسد إلى عودة بني سليم وهوازن إلى دفع الزكاة(21).‏

مع مالك بن نويرة:‏

من المعروف تاريخياً أنه لم تقع معركة بين خالد ومالك، بل فرَّق مالك أتباعه، وبثَّ خالد سرايا تتعقَّبهم، فأُتي إليه بمالك، ثم كان مآله القتل، وزواج خالد من امرأته. وقد ثار جدل حول هذا الموضوع. ويرى خطاب أن الروايات الموثوق بصحتها تسوِّغ قتل مالك وتبرئ خالداً من دمه. فقد منع مالك الزكاة بعد وفاة النبي، (، وأغار على إبل الصدقة، وفرَّق ما كان بيده منها، ووادع سجاح بنت الحارث التي ادَّعت النبوة. وكل هذا يدل على ردّته. وكان خالد ممن اقتنع بأنه بقي مرتداً. أما زواج خالد من زوجة مالك فقد جرى بعد إكمالها العدَّة. ولو كان أبو بكر مقتنعاً أن خالداً قتل مسلماً عمداً، ونزا على امرأته، لأقام عليه الحد، ولما ودى مالكاً من بيت المال دفعاً للشبهات على اعتبار أن خالداً تأوَّل فأخطأ(22).‏

أما غلوب فيقول: إن مالكاً كان شجاعاً كريماً، كما كان شاعراً مشهوراً، وإنه لم يرد أن يخضع لخالد، فأمر أتباعه أن يتفرقوا، وانعزل مع أسرته في الصحراء. وقد فضَّل خالد أن يتخذ موقفاً صارماً تجاهه، فبعث سرايا تطارد المتفرقين، وأسر مالكاً، ثم قتله ورفاقه صبراً. وفي خلال أربع وعشرين ساعة تزوَّج خالد زوجة مالك. وهذا يدعو إلى بأنه قتله ليتزوج امرأته. وكثر المعترضون على ما فعل خالد، فاستقدمه أبو بكر إلى المدينة ليرى ما لديه فقال خالد: إنه لم يأمر بقتل مالك، وإنما حدث سوء فهم من قِبَل حراسه، فقتلوه. فقبل أبو بكر عذره، وأبقاه قائداً(23).‏

مع مسيلمة:‏

كان مسيلمة قد ادَّعى النبوة في حياة النبي، (، وبقي مصراً على ادِّعائه بعد وفاته. وتبعته أكثرية قومه بني حنيفة. وأرسل أبو بكر إليه عكرمة بن أبي جهل، ثم شرحبيل بن حسنة، للقضاء على فتنته. لكنهما لم ينجحا في ذلك. ثم وجَّه إليه خالد بن الوليد بعد الفراغ من أمر مالك بن نويرة وطليحة الأسدي، وأمدَّه بسليط الأنصاري ليكون ردءاً له من أن يؤتي من الخلف. ويلخص خطاب ما حدث وفق ما هو متداول في المصادر بقوله:‏

لما اقترب خالد من مسيلمة كان هو وجيش شرحبيل في المقدمة وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب وأبو حذيفة. وقد هجم على مفرزة من بني حنيفة، بقيادة مجاعة بن مرارة، فأسرهم إلا مجاعة الذي استبقاه رهينة. ثم التقى الجمعان بعقرباء، واشتد القتال فانهزم المسلمون، لكنهم عادوا فاستقتلوا. وقال خالد: أيها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حيّ ولنعلم أين نؤتي. فامتازوا. لكن مسيلمة ثبت، فحمل عليه خالد فأدبر، وأدبر رجاله معه، والتجأ بنو حنيفة إلى حديقة الموت، فاقتحم عليهم حائطها البراء بن مالك حتى فتح المسلمون بابها، واقتتلوا مع الأعداء داخلها حتى أبادوهم بمن فيهم مسيلمة. ثم بثَّ خالد خيّالته لمطاردة فلول المشركين، ونادى بالرحيل لمهاجمة الحصون. فقال له مجاعة: إنها مملوءة رجالاً، فهلمّ إلى الصلح على ما ورائي، فصالحه خالد على الفضة والذهب والسلاح ونصف السبي أو ربعه. وكان عدد المسلمين ثلاثة عشر ألف مقاتل، وعدد أتباع مسيلمة حوالي أربعين ألفاً. واستشهد من المسلمين ألفاً ومئتان؛ منهم خمس مئة من القراء. وقُتِل من بني حنيفة أربعة عشر ألفاً. وهذا من أروع الانتصارات، ويرجع خطاب انتصار المسلمين إلى أسباب هي: أمر خالد لرجاله بأن يمتازوا، مما أدَّى إلى تنافسهم في القتال، ووقوفه بين الصفوف يطلب المبارزة مما رفع معنوياتهم، واستقتال أهل النجدة والعقيدة الراسخة من المهاجرين والأنصار؛ خاصة القراء(24).‏

أما غلوب فيورد تقريباً ما أورده خطاب من إجراءات قبل المعركة بين خالد ومسيلمة. ثم يقول: بدأ بنو حنيفة المعركة بضراوة حتى هزموا المسلمين، لكن المسلمين عادوا، واشتد القتال، فقتل زيد بن الخطاب حامل راية المهاجرين. وزاد الأمر سوءاً أن الريح الجنوبية الحارة كانت تهبُّ في وجوه المسلمين. ومع هذا استبسلوا حتى بدأ بنو حنيفة ينسحبون، والتجأوا إلى حديقة الموت. فاقتحم عليهم بابها البراء بن مالك وأبو دجانة الذي استشهد بعد بضع دقائق، لكن البراء تمكّن من فتح الباب، فاندفع إلى داخلها المسلمون. ودارت بين الطرفين معركة عنيفة جداً حتى أبيد من كانوا داخل الحديقة من بني حنيفة. وكانت خسائر المسلمين، التي بلغت 1200 قتيل، أعلى من أي معركة خاضوها من قبل(25). ثم أرسل خالد قواته إلى حَجْر قاعدة مسيلمة، وبعث مجاعة إلى من فيها ليستسلموا. واصطلح أخيراً معهم على أن يسلِّموا إليه أسلحتهم وما لديهم من ذهب وفضة، وبيع آلاف من الأسرى(26).‏

4-دور خالد في محاربة الفرس:‏

يرجِّح خطاب أن خالد بن الوليد- بعد قضائه على ردّة بني حنيفة- قدم إلى المدينة لأن أمراً كحرب الفرس يتطلَّب مقابلته لأبي بكر. ثم سيَّره أبو بكر إلى العراق، فانطلق ومعه أربعة آلاف مقاتل، ثم انضم إليه في الطريق خمس مئة من طيئ وغيرهم. ويرجِّح، أيضاً، أن خالداً دخل العراق من جهة منطقة البصرة لأن قوات المثنَّى بن حارثة كانت تقاتل في تلك المنطقة؛ وهي القوة الرئيسية التي قاتلت في العراق، ولأن قوات خالد الأصلية كانت في اليمامة الأقرب إلى المنطقة المذكورة، ولأن أبا بكر أمره أن يبدأ بالأبُلَّة، ولأنه لا يمكن البدء بالحيرة- كما ظن البعض- وترك قوات معادية في الجنوب(27).‏

أما غلوب فيذكر العوامل التي شجَّعت على بدء المسلمين بمحاربة كلٍّ من الفرس والروم. ومن أهم تلك العوامل أن عرب الجزيرة وُحِّدوا تحت سلطة قادرة على تنفيذ أوامرها، وأن كلاً من حكام الفرس والروم أنهوا اعتمادهم على العرب لحماية حدودهم وحاولوا أن يدافعوا عنها بأنفسهم، فلم يعد أولئك العرب أنصاراً لهم، وأن الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية قد أنهكتهما حربهما التي استمرت قرابة عشرين عاماً. ثم يقول: بعد معركة اليمامة انضم أكثر بني بكر، بقيادة المثنَّى بن حارثة الشيباني، إلى المسلمين. ومن المحتمل أن المثنَّى جمع بين ألفين وثلاثة آلاف مقاتل. ولأنه لم يكن قد بقي مع خالد إلا خمس مئة رجل فإن أول جيش من المسلمين قاتل الفرس في العراق بدأ بحوالي ثلاثة آلاف وخمس مئة مقاتل. ويبدو أن الحفر كان نقطة التجمُّع. فتقدَّموا صوب العراق حيث واجهوا قوة فارسية في كاظمة بين مدينتي الكويت والبصرة الحاليتين، فهزموها. ثم تقدَّم خالد إلى الأبُلَّة، لكن سكانها تفادوا هجومه عليها بالاتفاق معه على أن يدفعوا جزية إليه(28).‏

وبعد أن وصل خالد ومن معه إلى الأبُلَّة فرَّق جنده- كما يقول خطاب- إلى ثلاث فرق. وكان على مقدمته المثنَّى بن حارثة، وبعده عدي بن حاتم، ثم خالد بنفسه. وقصد الجميع الحفير، فسبقهم إليها هرمز، واتَّخذ تشكيلات القتال، واقترن رجاله بالسلاسل لئلا يفروا، ودعا خالداً للمبارزة مبيِّتاً الخيانة، وتبارزا فاحتضنه خالد، لكن حامية هرمز حملت غدراً على خالد. فما شغله ذلك عن قتل هرمز فانهزم الفرس وطاردهم المسلمون إلى الليل. ثم اجتمعت فلول جيش هرمز، مع قوات أرسلت إليه بقيادة قارن، وتقابلت مع المسلمين في المذار حيث قُتِل قارن كما قُتِل آلاف من الفرس. ثم تقابل الفرس مع المسلمين في الوَلَجة. وكان خالد قد وضع للفرس كميناً، فأصبحوا مطوَّقين من كل الجهات، فانهارت مقاومتهم، وهرب قائدهم فمات عطشاً(29). وحديث خطاب عن الحوادث السابقة أقرب إلى السرد التاريخي منه إلى التحليل العسكري.‏

أما غلوب فيقول عن تلك الحوادث: بعد ما حدث في الأبُلَّة أصبحت لدى العرب شجاعة كافية ليعبروا الفرات ويحاربوا في الوَلَجة. لكن لما علموا أن العدو جمع قوات لمحاربتهم عبر خالد بسرعة إلى الصحراء. ثم يقول: إن مفتاح انتصارات العرب الأولى على الفرس والروم تعود إلى أنهم كانوا يستطيعون أن يتحركوا في الصحراء. وهذا ما فعله خالد حيث يبدو أنه لما عبر النهر عائداً وصله مدد من بني تميم بقيادة القعقاع بن عمرو(30).‏

ويقول خطاب: بعد ذلك دارت معركة في أُلَّيْس بين المسلمين، بقيادة خالد بن الوليد، ومن اجتمع هناك من نصارى بكر بن وائل والفرس. ثم يقول: إن خالداً برز أمام الصف ينادي قادة النصارى للمبارزة فما خرج إليه واحد منهم إلا قتله بسرعة وضيَّق الخناق على الفرس حتى انهزموا. وقتل من استأسر من أعدائه ورماهم في النهر حتى سُمِّي نهر الدم. ثم غنم من بلدة أمغشيا أموالاً عظيمة(31).‏

أما غلوب فيقول: إن معركة دارت في أُلَّيْس بين خالد وأعدائه الذين كان أكثرهم من العرب تحت قيادة فارسي. وكانت أعنف من أي معركة قبلها، لكن المسلمين انتصروا في نهايتها، وأمر خالد بقتل جميع الأسرى. ونتيجة لذلك سُمِّيت تلك المعركة نهر الدم. على أن خالداً ومن معه لم يتعرَّضوا للمزارعين، بل اكتفوا بأخذ الجزية منهم(32).‏

وعندما تحدَّث خطاب عن معركة الحيرة، التي أعقبت ما سبق ذكره، قال: إن صاحب الحيرة قدَّر أن خالداً سيركب إليه نهر الفرات، فأمر ابنه بسدِّ قناطره ليعوق سير السفن، ثم عسكر خارج البلدة. فتعجَّل خالد في جريدة من الخيل وباغت ابن صاحب الحيرة، فقتله، وأعاد سدود القناطر فسارت سفن المسلمين، وقصد خالد الحيرة، فوجد أهلها متحصّنين فيها وقد فرّ صاحبها بعد أن علم بمقتل ابنه وموت ملك الفرس. وبعد قتال مع أهل قصور الحيرة اختاروا أن يدفعوا الجزية، وعقد معهم معاهدة. وبذلك فتحت الحيرة أبوابها صلحاً، وجعلها خالد مقراً لقيادته(33).‏

أما غلوب فيقول: إن العرب في نشوة انتصارهم اندفعوا إلى الحيرة، وعندما اقتربوا منها هرب حاكمها الفارسي إلى المدائن. وكانت الحيرة محاطة بأسوار لا قِبَل للعرب بالتعامل معها. لكن أكثرية سكانها كانوا عرباً، وكانت القبائل التي حولها منبهرة بانتصار خالد في أُلَّيْس. فأصبح سكانها سعداء بالتوصل إلى اتفاق مع خالد؛ وبخاصة أن المال المطلوب كان قليلاً بالنسبة لمدينة غنية. ومقابل ذلك تعهَّد المسلمون بحمايتها(34).‏

ويسرد خطاب ما حدث لخالد بعد دخول الحيرة تحت حكم المسلمين؛ بداية باستيلائه على الأنبار، التي اقتحم الخندق المحيط بها بنحر الضعيف من الإبل وردمه بها، ثم باستيلائه على عين التمر، التي هرب من كان فيها من العجم واستسلم له العرب فقتلهم، ثم في ذهابه إلى دومة الجندل- بأمر من أبي بكر- مدداً لعياض بن غنم، وما حدث من هزيمته لمن خرج من أهلها لقتاله، واقتحامه حصنها وقتله الأسرى منها إلا بني كلب الذين سبق أن أمَّنهم بنو تميم بقيادة عاصم بن عمرو والأقرع بن حابس، وإقامته فترة فيها، وردّه الأقرع إلى الأنبار، ثم مهاجمته لبعض بني تغلب في الثني والزميل وقتله لفئات من بني تغلب هناك(35).‏

أما غلوب فيذكر أن خالداً بعد استيلائه على الحيرة سارع إلى مواصلة القتال، فحاصر الأنبار، التي تحدّها الصحراء من الشمال والغرب. وكانت محاطة بأسوار وخندق ردم خالد جزءاً منه بنحر ضعيف الإبل ورميها فيه، ثم هاجمها. وبعد ذلك هاجم فئات من تغلب وغيرها في عين التمر حتى اختفوا، واحتلَّ البلدة، فقتل رجال حاميتها صبراً، وقسم النساء والأطفال سبياً بين المسلمين(36).‏

وهكذا أنهى كلٌّ من المؤلفين الحديث عن دور خالد في محاربة الفرس بالعراق. وكما هو متوقع سوّغ خطاب بعض أعماله في حين رأى فيها غلوب قسوة.‏

5-دور خالد في محاربة الروم:‏

يرى خطاب أن كون خالد بن الوليد قائداً متفوقاً جعل أبا بكر ينقله من العراق إلى الشام بعد أن حشد الروم قوات كبيرة لصدِّ المسلمين عن فتحها، وعجز قادة الجيوش الإسلامية هناك عن معالجة الموقف. ويرى أن الخليفة جعله قائداً عاماً لتلك الجيوش، وأنه سلك أقصر طريق لا توجد فيه مقاومة كبيرة؛ وهو طريق الحيرة- دومة الجندل- وادي السرحان- إلى قراقر(37). وهناك استشار أصحابه في الطريق التي يسلكها، فأجابوه أن الطريق غير مناسبة للجيوش لقلة موارد الماء فيها. ولم يوافقه على نهجه إلا رافع بن عمير الطائي على تهيُّب. فأمر خالد أصحابه أن يستكثروا من الماء، وأمر أهل الخيل أن يعدُّوا الماء الذي يسقيها، وجمع عدداً من الإبل السمان ثم أسقاها، فشدّ مشافرها لئلا تجتر. وانطلق بالمسلمين. يشربون مما معهم من الماء، ثم يشقون بطون عدد من الإبل ويسقون الخيل من الماء الذي فيها حتى وصلوا إلى بلدة سُوى بعد خمسة أيام، فأذعن أهلها لخالد الذي فاجأهم، ثم سلَّم له أهل تدمر بعد مقاومة لا تذكر، ثم وصل إلى قصم فصالح أهلها من قضاعة، ثم انحدر منها إلى أذرعات، وأغار على غسَّان بمرج راهط، ثم نزل على بصرى، ثم سار إلى اليرموك(38).‏

أما غلوب فيرى أن القيادة الإسلامية في المدينة كانت مهتمة بجبهة الروم في الشام أكثر من اهتمامها بجبهة الفرس في العراق؛ وذلك لرسوخ علاقات الشام بقريش، التي كان قادة الدولة والجيوش الأولى منها. وعندما رأى أبو بكر تطوُّر موقف جيوشه في هذه البلاد أمر خالد بن الوليد، الذي كان يثق بقيادته كل الثقة، أن يتوجه من العراق إلى الشام. ويرى أن خالداً انطلق من عين التمر إلى دومة الجندل. وبعد أن قضى على قادتها، الذين وقفوا ضد الإسلام، عيَّن عليها حاكماً مسلماً، ثم انطلق منها باتجاه الشمال الغربي إلى وادي السرحان حيث أصبح على مسافة خمسة أيام من قوات المسلمين في الأردن. لكنه لم يتجه إليها لأنها كانت أمام جيش بيزنطي متمركز في مضيق قرب بلدة درعا الحالية. وقرَّر أن ينفّذ حركة التفاف واسعة فاتجه إلى قراقر. وقبل أن ينطلق اتخذ إجراء ما زال يستعمله البدو، وهو أنه ظمَّأ أعداداً من الإبل أياماً، ثم سقاها. وفي كل يوم كان ينحر عدداً من تلك الإبل ويستخرج ما في بطونها من ماء. وأخيراً وصل إلى المورد، ثم واصل طريقه حيث فاجأ بلدة سوى، واستولى عليها. ثم فاجأ أهل تدمر واستولى عليها أيضاً. ثم اتجه جنوباً صوب دمشق. فعلم به العدو وناوشه في مرج راهط. ومن هناك واصل سيره جنوباً محاذياً لجبل حوران حتى وصل إلى جيش المسلمين عند درعا(39).‏

وهكذا يتضح أن حديث غلوب عن مسيرة خالد من العراق إلى الشام مشابه، في أغلبه، لحديث خطاب. وكما تشابه حديثاهما عن تلك المسيرة تشابها، أيضاً، في تقديرهما لعدد القوات التي كانت مع خالد وهو تسعة آلاف تقريباً(40). وإن كان هذا التقدير، فيما يبدو، مبالغاً فيه. فماذا قالا بعد وصوله اليرموك؟‏

يقول خطاب: بدأ خالد يعدّ جيشه للقتال في تعبئة لم يعرفها العرب من قبل؛ إذ نظّم الجيش في ستة وثلاثين كردوساً. ثم أقام على القلب أبا عبيدة بن الجراح، وجعل على الميمنة عمرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل على الميسرة يزيد ابن أبي سفيان، وأمر مجنبتي القلب- وفيهما عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو- أن ينشبا القتال، والتحم الطرفان. وإنهم على ذلك إذ وصل إليه صاحب البريد من المدينة وأخبره بوفاة أبي بكر وعزله وتأمير أبي عبيدة، فأخفى الأمر خشية أن يؤثِّر في معنويات الجند. وحمل الروم، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم، فقاتل خالد قتالاً شديداً حتى أصبح بين خيل الروم ومشاتهم، فخرجت خيلهم تشتد في الصحراء وتركوا مشاتهم يقاومون وحدهم شدَّة الهجوم مما سهّل على المسلمين القضاء عليهم، فانهزم الروم، وأصبح خالد وهو في رواق قائدهم. وطاردهم المسلمون حتى أبواب دمشق. ثم عادوا إلى اليرموك، وأصبح أبو عبيدة قائدهم العام(41).‏

أما غلوب فيؤكد أن المسلمين كانوا يواجهون تحدّياً كبيراً من جيش الروم القوي المدرَّب المكتمل التجهيز. لكنهم بعد مؤتة لم يخسروا معركة مع الروم لأنهم كانوا يتمتّعون بالصلابة، ولغياب القيود الإدارية لديهم مما أعطاهم حرِّية حركة أكثر من عدوهم. على أن انتصاراتهم تعود بالدرجة الأولى إلى معنوياتهم العالية التي غرستها العقيدة في نفوسهم بأن من يقتل منهم فله الجنة(42). ثم يقول: "إن تقارير المصادر عن الحرب التي دارت في سورية بين العرب والروم مربكة. وبمحض الصدفة اكتشفت ما يبدو لي أن المفتاح لفهم حملات العرب في سورية وهو الممرّ الواقع بين نهر اليرموك وجبل الدروز (العرب) في درعا. وبعد أن يصف المكان الذي تصوَّر أنه كان ميدان المعارك قال: كان تكتيك المسلمين أن يهاجموا العدو بسرعة ثم يتراجعوا ليقطعوا خطوط مواصلاته. وكان الجيش البيزنطي البطيء الحركة غير قادر على التعامل مع ذلك التكتيك.‏

ولذلك عمد قادته- كما فعل الجيش البريطاني سنة 1941- بإقامة معسكر محصَّن بين مضيق اليرموك وطبقات الحرار. وكان في قدرة العرب، أحياناً، أن يغيروا على أطراف المعسكر، وينسحبوا، لقد فقدهم للعلم العسكري جعل من الصعب عليهم أن يهاجموه. وكان هرقل، فيما يبدو، واثقاً من أن قواته في اليرموك آمنة، ولذلك وجَّه جهوده ضد تقدُّم عمرو بن العاص في فلسطين معتقداً أنه لو انتصر عليه لاحتلَّ العقبة وهدَّد من هناك خطوط مواصلات المسلمين إلى المدينة مما سيدفعهم إلى الانسحاب من اليرموك. ولا شك أن القادة العرب في اليرموك قد علموا بتحرّك القوة البيزنطية جنوباً إلى فلسطين، فوجدوا أنفسهم في موقف صعب؛ وبخاصة أن بينهم وبين قوات عمرو بن العاص منطقة جبلية باستثناء ممر عبر ضواحي مؤاب (الكرك)، فعبروه مسرعين، وصالحهم أهلها، ونزلوا عبر وادي عربة إلى بير السبع حيث يوجد عمرو بجيشه، وكسبوا السباق إلى الميدان. ودارت هناك معركة أجنادين، فهُزِم البيزنطيون هزيمة ساحقة. وكان خالد بن الوليد قائد تلك المعركة التي قُتِل فيها عكرمة بن أبي جهل، والتي أبطلت استراتيجية هرقل في هجومه المضاد. ثم عادت قوات المسلمين الرئيسية إلى اليرموك التي بقي فيها الجيش البيزنطي الوحيد في الميدان. ومرة أخرى واجه المسلمون بمعنوياتهم المرتفعة بعد أجنادين البيزنطيين الذين انهارت معنوياتهم بعد تلك المعركة. وعند بداية سبتمبر من سنة 634م(43) (13هـ) أجبروهم على الانسحاب، وانفتحت أبواب سورية أمام المسلمين، وكان قائدهم العام في المعركة خالد بن الوليد. وفي أثناء المعركة التي دامت أياماً تسلَّم أبو عبيدة رسالة من المدينة تفيد بموت أبي بكر، كما تسلَّم رسالة من عمر بن الخطاب بعزل خالد عن القيادة العامة وتوليته إياها. لكن أبا عبيدة أخفى ذلك حتى تحقق النصر بقيادة خالد(44). ولعلّ من أوضح المسائل التي اختلف فيها الكاتبان مسألة من استلم رسالة عزل خالد وتولية أبي عبيدة. فخطاب يرى أن خالداً هو الذي استلمها في حين يرى غلوب أن الذي استلمها أبو عبيدة. وماذا بعد اليرموك؟‏

يقول خطاب: إن جيش المسلمين تقدَّم صوب دمشق وفي مقدمته خالد بن الوليد، ولما حاصروها كان أبو عبيدة على ناحية، وخالد على ناحية، وعمرو بن العاص على ناحية. ودام الحصار سبعين ليلة. وكان خالد لا يبيت إلا على تعبئة. وذات ليلة علم أن أهل دمشق لديهم حفلة بمولود بطْريقهم، فانتهز الفرصة، وتسلَّق بأتباعه السور من جهة باب المدينة الشرقي، واقتحمها. وفزع من فيها، فقصدوا أبا عبيدة، وصالحوه وفتحوا له الباب الذي في ناحيته. وهكذا دخل خالد البلدة عنوة، ودخلها أبو عبيدة صلحاً، وأجريت ناحية خالد مجرى الصلح(45).‏

أما غلوب فيقول: إن المسلمين بعد اليرموك تقدَّموا عبر حوران إلى دمشق. وكان الروم قد أرسلوا قسماً من قواتهم إلى فحل ليقطعوا خطوط مواصلاتهم. لذلك قرَّر قادة المسلمين حامية تلك الخطوط بحصار تلك البلدة في بداية سنة 635م (ذي القعدة 13هـ). واضطر أهلها إلى الاستسلام على أن يدفعوا الجزية. وواصل المسلمون تقدُّمهم، بقيادة أبي عبيدة، حتى وصلوا أبواب دمشق في أواسط مارس 635م (محرم 14هـ). وقد بقي خالد قائداً للقوات التي قدم بها من العراق. وهكذا أصبح جيش المسلمين أربع فرق مع كون قيادته العامة لأبي عبيدة. وعسكر خالد مع خمسة آلاف من رجاله خارج بوابة دمشق الشرقية، وأبو عبيدة في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة، والقادة الآخرون في أمكنة أخرى. واستمر الحصار حتى أواخر الصيف. ويبدو أن اتصالات حدثت بين خالد وبطْريق دمشق، الذي كان مذهبه مخالفاً للمذهب الذي عليه قادة الروم. وقد أخبر خالداً بالليلة التي سيكون فيها احتفال، وستكون الجهة التي أمام معسكره غير محروسة تقريباً. فتسلَّق رجال من جند خالد السور، وقتلوا الحارسين اللذين عند البوابة، وفتحوها. فدخل العرب المدينة قبل شروق الشمس. وعندما سمع حاكمها الأصوات المفاجئة سارع إلى إرسال أحد رجاله إلى أبي عبيدة عارضاً الاستسلام بصلح. ويبدو أن أبا عبيدة لم يكن يعلم بما قام به خالد. فلما تقابلا داخل المدينة أخبره بالصلح. وهكذا تم الاستيلاء على دمشق(46).‏

وبالعودة إلى خطاب نجده يذكر أن المسلمين بعد استيلائهم على دمشق سار بهم أبو عبيدة، وعلى مقدمته خالد بن الوليد، إلى فِحل، التي كان أهلها قد قصدوا إلى بيسان وفجروا مياه منطقتها حتى أصبحت موحلة. ثم هاجموا المسلمين، لكنهم انهزموا وأسلمتهم هزيمتهم إلى الوحل، فلم يفلت منهم إلا الشريد. ثم سار المسلمون إلى حمص فأرسل هرقل جيشاً بقيادة توذر نحو دمشق، وأردفه بآخر بقيادة شنس مدداً لأهل حمص. واقتفى خالد توذر فلما نشبت المعركة بين جيشه وجيش يزيد بن أبي سفيان طلع عليه خالد من خلفه. لذلك لم ينج من الروم إلا القليل. وقصد أبو عبيدة إلى حمص، فطلب أهلها الصلح وأجابهم المسلمون إلى ذلك، وبعد ذلك أرسل أبو عبيدة خالداً إلى قنسرين، فلما نزل بلدة الحاضر التقى بجيش رومي عليه ميناس، فقاتله وقتله بعد أن دافع عنه الروم دفاعاً شديداً.‏

وأرسل أهل الحاضر إلى خالد أنهم عرب حُشِروا كرهاً للحرب، فتركهم. وسار حتى نزل قنسرين، وحاصر أهلها حتى طلبوا الصلح على مثل صلح حمص، فأبى إلا خرابها، وخرَّبها. فلما أباد خالد الروم في الحاضر وخرَّب قنسرين يئس هرقل من بقاء الشام تحت حكمه، فودَّعها بقوله: "عليك السلام يا سورية سلاماً لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي إلا خائفاً"(47).‏

أما رواية غلوب للأحداث فمختلفة. فهو يقول: إن فرق الجيش الإسلامي بعد الاستيلاء على دمشق غادرتها. فعمرو بن العاص عاد إلى فلسطين، وحاصر القدس، وشرحبيل بن حسنة عاد إلى الأردن وسلَّمت له بيسان وطبرية، وأبو عبيدة تحرَّك شمالاً وسلَّمت له بعلبك وحمص وحماة، وخالد استقر في حمص. ويزيد بن أبي سفيان اتجه جنوباً وسلَّمت له مؤاب. وبقيت صور وصيدا وبيروت وطرابلس، كما بقيت القدس، في أيدي البيزنطيين. وراح الامبراطور البيزنطي يجمع قوات لاستعادة ما فقده من بلاد الشام. وكان كثير من الذين جمعهم من الأرمن بقيادة بانس Baanes، وانضم إلى تلك القوات جبلة بن الأيهم أمير بني غسان. وتم إعداد ذلك الجيش في الشهور الأولى من عام 636م (15هـ). وكان أكبر جيش جمع في سوريا. وما إن تمَّ ذلك حتى ترك المسلمون كل المناطق التي سبق أن استولوا عليها، وعادوا إلى جنوب اليرموك، وتعقَّبهم البيزنطيون فأعادوا احتلال ممر درعا، الذي سبق أن أجبروا على تركه قبل ثمانية عشر شهراً. على أن المسلمين ما لبثوا أن طوّقوهم من الشرق، وقطعوا خطوط مواصلاتهم. وإضافة إلى ذلك فإن الانقسامات بين الأرمن والإغريق داخل القوات البيزنطية كانت شديدة مما أضعف معنوياتها. وزاد موقفها حرجاً بمجيء إمدادات للمسلمين، ثم هبَّت رياح شديدة من الجنوب الشرقي، فاستغل المسلمون الفرصة وهاجموا البيزنطيين خلالها، وحطّموا الجسر الذي تمر به خطوط مواصلاتهم، وقضوا عليهم. وفي صباح اليوم التالي- الثاني والعشرين من أغسطس 636م (رجب 15هـ)- لم يعد الجيش، الذي قضى هرقل عاماً في إعداده، موجوداً. ولما سمع بذلك، وهو في أنطاكية أدرك أنه فقد سوريا إلى الأبد، ومضى عبر جبال طوروس متجهاً غرباً. وعاد أبو عبيدة متجهاً شمالاً، فأعاد احتلال دمشق وحمص وبعلبك وغيرها من المدن التي أخلاها المسلمون خلال هجوم البيزنطيين المضاد. وفي خريف عام 636م أصبحت كل سوريا تحت حكمهم(48).‏

ولعلَّ من المناسب أن يختتم الحديث عن خالد بما ذكره خطاب عن مزايا الجندي الممتاز التي يرى أن خالد بن الوليد كان يتحلَّى بها كلها؛ وهي: العقيدة الراسخة، والضبط المتين، والعقلية المتزنة، والشجاعة الشخصية، والتدريب الجيد، والقابلية البدنية، والمعنويات العالية. وقد دلَّل على تحلِّيه بتلك الصفات بمواقف واضحة من سيرة ذلك البطل، كما أورد ما قاله فيه النبي، (، وخليفتاه أبو بكر وعمر. فقد خاطبه النبي بقوله: "كنت أرجو لك عقلاً رجوت ألاَّ يسلمك إلا إلى خير"، كما قال عنه: "إنه سيف من سيوف الله". وقال عنه أبو بكر: "لا أشيم سيفاً سلَّه الله على الكافرين"، كما قال: "عجزت النساء أن يلدن مثل خالد". وقال: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد". وقال عمر: أمَّر خالد نفسه. يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال مني". وقال عنه عندما بلغه موته: "قد ثلم في الإسلام ثُلمة لا ترتق". رضي الله عن أبي سليمان، ورحمه رحمة واسعة.‏

* - الأمين العام لجائزة الملك فيصل وأستاذ في جامعة الملك سعود.‏

(1) ولد في الموصل عام 1338هـ/1919م، وتخرَّج من الكلية العسكرية سنة 1938، فعمل في سلاح الفرسان، وتخرَّج من كلية الأردن عام 1948، ومن كلية الضباط الأقدمين في العراق عام 1954، ومن كلية الضباط الأقدمين في بريطانيا عام 1955. وكان عضواً في المجمع العلمي العراقي ومجمع اللغة العربية في القاهرة ومجمع اللغة العربية في دمشق؛ إضافة إلى عضويته في هيئات علمية أخرى، ومنها أنه كان رئيساً للجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية التي اقترح توحيدها، حتى أخرجت المعجمات العسكرية الأربعة الموحدَّة.‏

وقد ألَّف عشرات الكتب؛ وبخاصة ذات الصبغة العسكرية، وفي طليعتها الرسول القائد، والفاروق القائد، وخالد بن الوليد، إضافة إلى سلسلة عن قادة الفتح من المسلمين. ومع اهتمامه بالتاريخ العسكري لدى المسلمين الأوائل اهتم بالأوضاع العسكرية العربية الحاضرة. فكان رائداً في تدريس العسكرية الصهيونية وكشف خططها ونواياها. وقد توقع نشوب الحرب بين العرب والصهاينة يوم 5/6/1967 وحذَّر المسؤولين من ذلك، ونشر توقعه في اليوم الأول من ذلك الشهر. ثم أصدر آراءه حول تلك الحرب في كتابه الأيام الحاسمة قبل معركة المصير وبعدها، وذلك عام 1967.‏

(2) ولد في بريطانيا عام 1897م وتوفي بها عام 1986. وقد عمل ضابطاً في المنطقة الجنوبية من العراق من عام 1920 إلى عام 1930. ثم استدعته الحكومة الأردنية ذلك العام فعمل لديها ستاً وعشرين سنة أسس خلالها حرس البادية، وتولَّى، عام 1939، قيادة الجيش العربي، الذي اشترك في عمليات سنة 1941 في العراق، وحارب ضد قوات فيشي في سوريا، ثم مع الصهاينة عام 1948. وفي عام 1956. أعفي من منصبه، وأقام في بلده بريطانيا حيث تفرَّغ للكتابة، وأصدر أكثر من سبعة عشر كتاباً؛ منها: جندي مع العرب، وبريطانيا والعرب، وحرب الصحراء، والفتوحات العربية الكبرى.‏

(3) صدرت الطبعة الثالثة في بيروت عام 1973م. وهو المعتمد هنا.‏

(4) صدر هذا الكتاب في لندن عام 1963م.‏

(5) خطاب، ص 53، كانوا يضربون قبَّة يجمعون فيها ما يجهَّز به الجيش، كما كانوا يتولَّون قيادة الفرسان في المعارك.‏

(6) خطاب، ص ص 58-59.‏

(7) غلوب، ص 72 و91.‏

(8) خطاب، ص ص 60-62. لم يفرد غلوب خالداً بذكر في معركة الخندق.‏

(9) خطاب، ص 67.‏

(10) خطاب، ص ص 71-74.‏

(11) غلوب، ص 93.‏

(12) المراد قيادة ميمنة الجيش.‏

(13) خطاب، ص 76.‏

(14) خطاب، ص 79. على أن غلوب (ص 97) لم يفرد اسم خالد بقيادة.‏

(15) خطاب، ص 81. ويوافقه غلوب في ذكر ما حدث إلا أنه لم يذكر اسم خالد.‏

(16) آية 25، سورة التوبة.‏

(17) خطاب، ص 82.‏

(18) خطاب، ص ص 84-85.‏

(19) غلوب، ص 99. وأكثر الروايات تؤيِّد ما قاله.‏

(20) خطاب، ص ص 94-97.‏

(21) غلوب، ص ص 110-111. لم يشر إلى المصدر الذي اعتمد عليه في عودة بني سليم وهوازن إلى دفع الزكاة. والذين ذكرتهم أكثر المصادر عامر وغطفان.‏

(22) خطاب، ص ص 101-103.‏

(23) غلوب، ص ص 111-112.‏

(24) خطاب، ص ص 104-109.‏

(25) غلوب، ص 113. على أنه يرى أن أعداد القتلى من الطرفين، التي أوردتها المصادر، تبدو غير دقيقة.‏

(26) المرجع نفسه، ص ص 113-114.‏

(27) خطاب، ص ص 113.115.‏

(28) غلوب، ص ص 124-126.‏

(29) خطاب، ص ص 115-118.‏

(30) غلوب، ص ص 115-118.‏

(31) خطاب، ص ص 119-120.‏

(32) غلوب، ص 128.‏

(33) خطاب، ص ص 120-122.‏

(34) غلوب، ص 128.‏

(35) خطاب، ص ص 122-127.‏

(36) غلوب، ص ص 130-131.‏

(37) خطاب، ص ص 132-134.‏

(38) خطاب، ص ص 134-135.‏

(39) غلوب، ص ص 131-134. ويرى (ص 136) أن خالداً لقي مقاومة شديدة في مرج راهط ولولا ذلك لاقترب أكثر من دمشق ليجبر البيزنطيين على الانسحاب من درعا.‏

(40) خطاب، ص 138 وغلوب، ص 134.‏

(41) خطاب، ص ص 140-143.‏

(42) غلوب، ص ص 139-140.‏

(43) كانت وفاة أبي بكر في 23 آب (أغسطس) 634م.‏

(44) غلوب، ص ص 140-146 و150-151.‏

(45) خطاب، ص ص 143-145.‏

(46) غلوب، ص ص 155-159.‏

(47) خطاب، ص ص 145-148.‏

(48) غلوب، ص ص 159-160 و173.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244