مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 88 - السنة الثانية والعشرون - كانون الأول "ديسمبر" 2002 - شوال 1423 هـ
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:10 AM
فهرس العدد
 
خالد بن الوليد في مرآة "عمر أبو ريشة" ـــ محمد قجة

خالد بن الوليد في مرآة "عمر أبو ريشة" ـــ محمد قجة

تمهيد:

لسنا   الآن في سياق بحث تاريخي يتناول من خلاله عمر أبو ريشة سيرة القائد العربي الكبير "خالد بن الوليد". ولكننا أمام لوحة فنية متميزة صنعها عمر أبو ريشة بوحي من سيرة القائد العربي "خالد".

وموضوع الشخصيات التاريخية أثير لدى الشاعر "أبو ريشة". فلقد أفرد في دواوينه خمس قصائد تتناول السيرة النبوية بصورة أو بأخرى.

ففي مجموعته الأولى "شعر أقدمه إلى الفن" قصيدة دالية عنوانها "لمحة" تتناول السيرة النبوية في ثمانين بيتاً وتعود إلى عام 1935([1]) ومطلعها:

أوقفي الركب يا رمال البيد

 

إنه تاه في مداك البعيد

وفي ديوانه الثاني "من عمر أبو ريشة" قصيدتان في الموضوع نفسه. الأولى همزية تاريخها 1941 من 100 بيت بعنوان "محمد"، ومطلعها([2]):

أي نجوى مخضلة النعماء

 

رددتها حناجر الصحراء

والثانية ميمية من 51 بيتاً بعنوان "يا رمل" في ذكرى المولد النبوي، ومطلعها([3]):

يا رمل ما تعب الحادي ولا سئما

 

ولا شكا في غوايات السراب ظما

وفي مجموعة "أمرك يا رب" قصيدتان تتصلان بالسيرة النبوية. الأولى نونية من 65 بيتاً بعنوان "من ناداني" ومطلعها([4]):

رد لي ما استرد مني زماني

 

وأراني ما الحلم كان أراني

والأخرى لامية من 102 من الأبيات عنوانها "أنا في مكة" ومطلعها([5]):

لم تزالي على ممر الليالي

 

موئل الحق يا عروس الرمال

وفي هذه القصائد جولات هامة وتفصيلية في السيرة النبوية وأبرز الشخصيات في تلك المرحلة، والموضوعات المؤثرة كالمعارك والفتوحات، وما ينتهي إليه أبو ريشة من إسقاطات معاصرة.

كما تناول أبو ريشة الموضوع التاريخي في بعض مسرحياته، وبخاصة مسرحية "ذي قار"([6]).

وهناك موضوع أثير آخر لدى عمر أبو ريشة هو الحديث المطول عن الشعراء الذين يحبهم. فلقد أفرد لكل من المتنبي والمعري وديك الجن والريحاني وبشارة الخوري وشوقي وحافظ إبراهيم وأحمد الصافي النجفي قصيدة تخصّ كل واحد منهم. وتحدث عن الشعراء المعاصرين في مسرحية "محكمة الشعراء". وأفرد قصيدة لسيف الدولة الحمداني([7]).

*    *     *

وفي محاولة منا لتفسير هذا الولع بالموضوع التاريخي لدى عمر أبو ريشة لابد لنا من إلمامة ببواكير نشأته في أسرة عربية ذات اهتمام ثقافي وتراثي وصوفي. فقد درس القرآن الكريم وشهد الأذكار الصوفية وقرأ الشعراء القدامى وحفظ لهم. وأضافت إليه الأسفار خبرة نوعية من خلال عمله في السلك الدبلوماسي، وإلمامه بعددٍ من اللغات كالفرنسية والإسبانية والتركية والإنكليزية.

هذا المزيج من المكونات الثقافية جعل من عمر فناناً متميزاً يبدع في صوغ اللغة، وتركيب الصورة، وتكوين الموسيقا، في تناغم قدير يمسك بناصية الكلاسيكية والرومانسية في وقت معاً. فترى لديه عذوبة الرؤية ورمزية الأداء، ونبرة الإيقاع، والقدرة على توليد الصور.

نشأ الشاعر والبلاد تخرج من إطار الحرب العالمية الأولى مقسمة ممزقة والاحتلال الفرنسي البغيض جاثم فوق الأعناق. وصور البطولة الوطنية تعبر أمامه من خلال الثوار ضد هذا الاحتلال، فنجده يلجأ إلى الماضي المجيد باحثاً عن رموز البطولة ليستحضرها ويُسقط ظلالها على الواقع.

وكان شبح مأساة فلسطين يزداد هولاً واقتراباً، والشاعر يرى كيف يتخاذل الحكام، وكيف يعسف الاحتلال، وكيف تحاك المؤامرات.

*    *     *

كان عمر أبو ريشة في الثلاثين من عمره حينما نشر قصيدة "خالد" فتاريخ القصيدة يعود إلى عام 1938 كما تشير كل طبعات الديوان([8]). وإذا نحن استثنينا قصائد السيرة النبوية، فإن خالداً هو الشخصية التاريخية الوحيدة في العصر الإسلامي الأول، التي خصّها أبو ريشة بقصيدة كاملة.

وخالد، هو أشد قائد عسكري عرفه التاريخ الإسلامي، وهو القائد الذي لم يُهزم قطّ، حتى وهو على شركه. وخالد من نخبة قريش وفتيانها وفرسانها، ويلتقي نسبه مع الرسول الكريم في الجد السابع([9]) وذلك على النحو التالي:

1-محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب.

2-خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الملك بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب.

ويروي مصعب الزبيري في كتابه "نسب قريش" [أن خالداً كان مباركاً، ميمون النقيبة، دعي "سيف الله" وقال الرسول حين إسلامه: "رمتْكم مكّة بأفلاذ كبدها" وولاه الرسول أعنة الخيل وجعله في مقدمته. وكان خالد أثيراً عند أبي بكر، وقد هزم أهل الردة وقتل مسيلمة، وفتح الحيرة والسواد، وأمّره أبو بكر على الشام حتى عزله عمر]([10]).

في هذا النص المجتزأ لمصعب الزبيري يمكننا تحديد المحاور الهامة في حياة خالد ودوره الحاسم في أكثر هذه المحاور، وذلك على النحو التالي:

1-ولد خالد لأسرة عظيمة في قريش كانت لها القبّة والأعنّة. ووالده الوليد بن المغيرة نزلت فيه الآيات الكريمة: "ذَرْني ومن خلقتُ وحيداً، وجعلتُ له مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً، ومهّدتُ له تمهيداً، ثم يطمع أن أزيد، كلاّ إنه كان لآبائنا عنيداً، سأرهقُه صَعوداً..."([11]).

     وكان الوليد من أثرياء قريش وزعيم مخزوم.

2-نشأ خالد في بيئة متْرفة، وتوفّر له المال والجاه والفروسية، وظهرت عليه ملامح النبوغ العسكري والقيادي المبكر.

3-شارك خالد وهو مُشْرك في عددٍ من الأعمال ضد المسلمين، أهمها "معركة أحد" ودوره في تعديل نتيجة المعركة ضد المسلمين، ثم في الخندق والحديبية وعمرة القضاء([12]).

4-بعد إسلامه شارك خالد خلال حياة الرسول في اثني عشر عملاً عسكرياً لعل أبرزها غزوة مؤتة وفتح مكة ودومة الجندل.

5-كان لخالد الدور الحاسم في قمع حركة المرتدين الخطيرة والواسعة وخاض في ذلك سبع معارك كانت أقساها معركة "اليمامة" ضد مسيلمة وبني حنيفة. وأسهم هذا الدور في ترسيخ الإسلام في الجزيرة العربية وانطلاقه إلى آفاق أبعد.

6-خاض خالد ثماني معارك في العراق حطّم خلالها الغطرسة الفارسية وألقى الرعب في قلوب الجيوش الفارسية، مما سهّل لسعد بن أبي وقاص مهمة النّصر في "القادسية" بعد ذلك. وأبرز معارك خالد في العراق كانت في الولجة والحيرة والأنبار.

7-بلغ خالد ذروة المجد العسكري التاريخي في معركة اليرموك الفاصلة الحاسمة التي كانت تحريراً للأرض العربيّة من الاحتلال الأوربي الذي دام ألف عام بأشكاله الإغريقية والرومانية والبيزنطية. وخاض قبْل اليرموك وبعدها أكثر من عشر معارك في جبهة الشام.

8-تتحدث الروايات التاريخية باضطراب واختلاف عن قضية عزل خالد عن قيادة جبهة الشام من قبل عمر. ولسنا الآن بصدد الغوص في هذه الروايات، فهذا يحتاج إلى بحث مستقل مستفيض.

9-أخيراً يتوفى خالد ويُدفن في حمص حيث مثواه الأخير. برغم إشارة بعض المصادر القليلة إلى غير ذلك.

*    *     *

ونتساءل الآن: ما الذي توقف عنده أبو ريشة وهو يرسم لوحته الفريدة بعنوان "خالد".

هل اتبع أبو ريشة نسقاً تاريخياً يَرْصُد الأحداث وينقلها إلينا بأمانة المؤرخ الموضوعي؟

هل ألمّ أبو ريشة بكل جوانب حياة خالد تفصيلاً؟

هل استوقفتْهُ حادثة دون أخرى؟

لقد تناول أبو ريشة موضوعه بريشة الفنان، وليس بلغة المؤرخ. ولكنه الفنان المنغمس في قضايا أمته، المؤمن بتراثها وبطولاتها، الفنان الذي يرى الواقع العربي الممزق، وسياط الاحتلال تكوي جوانب الوطن، ومؤامرة الصهيونية والاستعمار العالمي تهمّ بقضْم "فلسطين" وما بعدها.

تقع قصيدة خالد في 69 بيتاً من البحر الخفيف ومن رويّ "النون" ويمكننا تقسيم القصيدة فنياً إلى الأجزاء التالية:

أولاً: مقدمة فلسفية تاريخية عامة تتألف من ستة أبيات، يخاطب من خلالها الشاعر "راويات الزمان" طالباً منها أن تمنحه الرؤية التي يتمكن من خلالها أن يُنطق شفتيه بالغناء، وأن يردد قلبه الصلاة([13]):

لا تنامي يا راويات الزمان

 

فهو لولاك موجةٌ من دخان

تتوالى عصوره وبها منكِ

 

ظلال طريّة الألوان

أبداً تبْسم الحياة عليها

 

بسمةَ المطمئنّ للحَدثان

أسمعيني حفيف أجنحة الإلهام

 

من أفقك القصيّ الداني

وانثري حولي الأساطير فالروح

 

على شبه غصة الظمآن

حسبُهما أن أردّها لك من قلبي

 

صلاةً، ومن شفاهي أغاني

هذه المقدمة الفلسفية تصلح أن تكون تمهيداً لأيّ نص شعري تاريخي لدى عمر أبو ريشة، ونلاحظ فيها نسق المفردات المتناغمة المتلاحقة: [الزمان –العصور- الحياة- الحدثان- الأساطير- الصلاة- الأغاني]...

وهذه المفردات على بساطتها نقلنا من خلالها الشاعر إلى أفق التأمل التاريخي الإنساني، لينتقل عبرها إلى المدخل الثاني من قصيدته.

ثانياً: يدخل أبو ريشة في عصر النبوة من خلال مخاطبته "روايات الزمان" مرة ثانية. ومن جديد تتماوج مفرداته الغنية بأدائها لتنقلنا إلى الموضوع: [الرمل –الغبار- الأجيال- الطيوف- الغيوب- الوجوم- النبيّ- الفتح- الصحراء- موطني الأجرد- المجد...] وتتألف هذه القطعة من ثمانية أيبات.

وعبر هذه اللوحة ينسج الشاعر طريقة ليدخل في عصر النبوة، متسائلاً مع روايات الزمان إذا كانت الأجيال تذكر نفحات المجد التليد، وذكريات البطولات في عصر النبوة... ونرى الإلحاح على مفردات: الرمل –الصحراء- الأجرد... الخ. يؤكد من خلالها أبو ريشة همومه التاريخية([14]):

راويات الزمان هل شعر الرمل

 

بنفض الغبار عن أرداني

وهبوب الأجيال في يقظة الذكرى

 

وتهويمة الطيوف الرواني

وانفلاتي من الغيوب بأقدام

 

غريب نائي الحمى حيران

ما لـه في وجومه يغمز الشعر

 

فيهمي مثالثاً ومثاني

نفحات النبيّ، والفتح، والعلياء،

 

والعزّ، والندى، والبيان

رعشات في أضلعي ماجت الصحراء

 

فيها وماج فيها افتتاني

صدق الحب أن موطني الأجرد

 

روضي وجدولي ودناني

يُنبت المجد قبل أن ينبت الورد

 

ويعطي الثمار قبل الأوان

ثالثاً: يصل أبو ريشة إلى سلامة موضوع "خالد"، وها نحن أمام لوحة فريدة تصور معركة "أحد" في ستة وعشرين بيتاً.

هل تستحق معركة أحد نسبة 40% من القصيدة؟! بينما سنجد أن أحداثاً برمتها قد تغاضى أبو ريشة عن ذكرها كحروب الردة وفتوح خالد في العراق.

أبو ريشة هنا ليس مؤرخاً يعرض الأحداث ويحلّلها ويفسّرها. إنه الفنان الذي يبحث عن "حبكة" يبني عليها رؤيته للموضوع والحدث، وقد وجد هذه الحبكة في معركة "أحد" التي كان دور خالد سلبياً فيها تجاه المسلمين، فحاول أبو ريشة أن يجعل من لقاء "أحد" بين الرسول الكريم وبين خالد المشرك نقطة الانطلاق التي زعزعت شخصية خالد المشرك ووضعت أولى خطواته على طريق الإيمان، وفجرت فيه طاقات القائد العسكري المبدع الذي لم يعرف له التاريخ الإسلامي مثيلاً.

وهذه اللوحة عن معركة "أحد" بأبياتها الستة والعشرين، تنقسم بدورها إلى أربعة أقسام:

أ-نحن أولاً في مكة، وبنو مخزوم مع قريش يستعدون للثأر من هزيمتهم في معركة بدر. ومخزوم هم أصحاب القبّة والأعنّة، أي أنهم المسؤولون عن الاستعداد للحرب. وهاهو أبو ريشة يمضي إليهم في مرابعهم يصور لنا استعدادهم قبل المعركة([15]) في خمسة أبيات:

ما أرى؟! هذه ذوائب مخزوم

 

وهذي خيامهم والمغاني

ما لهم زيّغ الحلوم يُعدّون

 

كريم الهشيم للنيرانِ

سدلوا الأُزرَ مغضبين وشدوا

 

الخُمر، واستلأمُوا لِيَوْم رهان

يطلبون النبي في "أحد" والثأر

 

طاغ، لم يثنهم عنه ثانِ

وامتطوها مذاكياً تخطف الأرض

 

وعضّاتها على الأرسان

خرج الموكب من مكة... فيه ذوائب مخزوم، وقد تحركوا بنزق وعصبية وغيظ، أعدوا الخيام وهشيم النيران، وشدوا الخُمر على وجوههم والأزر على أجسادهم، ولبسوا لأْمة الحرب من الدروع، وموجة الحقد والثأر في نفوسهم تجعلهم يدفعون الخيول لتخطف المسافات وصولاً إلى ساحة المعركة.

ومن جديد نرى براعة الشاعر عمر أبو ريشة في صياغة مفرداته وإلباسها وحي معانيه. مفردات تلائم عصر القصيدة التاريخي، ويصفها الشاعر المبدع في إطار عصره الحديث: [ذوائب –خيام- الهشيم- الأزر- الخمر- استلأموا- الثأر- مذاكياً- الأرسان...].

ب-في الأبيات الثلاثة التالية يضعنا الشاعر في أرض معركة "أحد" بطرفيها: المسلمون يدافعون عن الحق ويحمونه بسيوفهم. والمشركون بأحقادهم وخلفهم النساء الجاهليات يُثرن تلك الأحقاد:

أحدٌ لاح حين لاح عليه

 

عالمٌ ضمن هيكل إنساني

زرع الحق في كتاب مبين

 

وحماه بكل عضب يماني

كيف يطوى الحسام والجاهليات

 

هيام الأوثان بالأوثان

جـ-بدأت المعركة في "أحد". ويسير الشاعر مع الخطّ الزمني التاريخي فيعرض لنا في ثمانية أبيات كيف أن الرماة المسلمين تخلّوا عن مواقعهم جرياً وراء الغنائم. إنّها النفس البشرية بين القمة والقاع، وكيف أن القائد البارع "خالداً" وهو المشرك في جيش قريش استطاع أن يلتقط اللحظة المناسبة، فانعطف إلى الجبل بعد أن تركه الرماة وحوّل هزيمة قريش إلى نصر، ونصر المسلمين إلى نكسة مؤلمة.

وأبو ريشة يرسم لنا لوحته بتصاعدٍ وتناسق، ففي أربعة أبيات تندلع المعركة وينزل الرماة وينادي النبي فلا يسمعون نداءه إلا بعد فوات الأوان، وتنقلب نتيجة المعركة.

وفي الأبيات الأربعة التالية حديث عن خالد، البطل المثير للإعجاب... وهذه الأبيات الأربعة لعلها المحور الفنّي الذي وصل إليه أبو ريشة... المحور الذي يصور لحظة اللقاء بين الرسول الكريم وقد حاصره القرشيّون المشركون، وبين خالد وقد همّ بالاعتداء على الرسول الكريم، فلم يتمكن وكبا به الجواد، وتعثرت قدماه.. فأشرقت في نفسه بارقة إعجاب وعجب، وداعبت نفسه هواجس رحمانية.

إنها نقطة المحور في القصيدة. وهنا سر تركيز عمر أبو ريشة على معركة "أحد" وحديثه المطول عنها في 26 بيتاً.

وثب الهول وِثبة فلّت البيض

 

وشظّت عوالي المرّان

وعدا المؤمنون في غفلة النَّصْر

 

وراء الأسلاب كالعقبان

فدوت صيحة النبيّ فثابوا

 

فإذا هم في قبضة العدوان

وإذا المشركون عاصفة هوجاء

 

تدمي جوانب الميدان

*     *     *

وفتاهم ذاك المطوح بالهام

 

مثير الإعجاب في الفرسان

دفع المهر مغضباً، فكبا المهر

 

أمام النبي بعد حِران

فانتفى سيفه، وهمّ، فلم يقوَ

 

ولم تنطلق لـه قدمانِ

فارتضى بالسّجال، وارتد حرّان

 

وفي النفس هاجسٌ رحماني

هذه اللغة المنتقاة، وهذا القاموس الفريد الذي ينسج من الكلمات رداءاً متميّزاً: هذا القاموس لا نجده في الشعر الآخر لعمر أبو ريشة، شعر المرأة، شعر التأمل، شعر الوطن... إن قاموسه التاريخ مترف بالمفردات التاريخية في إطارها الحديث الساحر: [الهول –البيض- المرّان- الأسلاب- العقبان- الميدان- الفرسان- المهر- حِران- سيف].

د-ويقف أبو ريشة بعد المعركة يصوّر لنا الوضع النفسي للمسلمين وقد تحول نصرهم إلى نكسة، وقتل منهم سبعون من خيرتهم. ويستثمر هذا الموقف ليؤكد وقوفه على النقطة المحورية التي تمثلت في اللقاء بين الرسول الكريم وبين خالد المشرك.

وإذا كان خالد قد "ارتد حرّان وفي النفس هاجس رحماني" فما هو الوضع الإنساني في معسكر المسلمين وقد تشتت شملهم في "أحد"؟ نحن أمام عشرة أبيات يختم بها أبو ريشة صورة معركة "أحد". وهو ببراعة فائقة يقدم لنا صورة إيجابية للبطل خالد في معركة "أحد" على الرغم من أنه كان السبب المباشر في هزيمة المسلمين وتغيير نتيجة المعركة.

لنلاحظ كيف قدم لنا خالد هذه الصورة الإيجابية في الأبيات العشرة التالية:

أطرق المؤمنون والأمل العاتب

 

يندى على الجباه الحواني

كل نفس في السرّ سائلة: من أين

 

ذاك الفتى العجيب الطعان

لم يلح قبل في كنانة مخزوم

 

سنان كمثل هذا السنان

لا تزيغوا، صاح النبي، فلولا

 

الزيغ لم تطرقوا على الخذلان

الهوى الدنيوي والهدف العلوي

 

في النفس ليس يلتقيان

أعلمتم من الفتى المتثنّي

 

بوشاح البطولة الأرجواني؟!

‍إنه ابن الوليد زغردة النصر

 

وأنشودة الجهاد الباني

مرّ في ناظري طيفاً بعيداً

 

عبقري النضال ثَبْتَ الجَنان

وكأني أراه يضرب شرق الأرض

 

بالغرْب مُشرق الإيمان

وأرى كبرياءه دمعة التكفير

 

مسفوحة على القرآن

لقد عرض أبو ريشة في تلك الأبيات للنقاط التالية:

-براعة خالد وذكاؤه في اغتنام الفُرَص وعبقريته العسكرية.

-إعجاب المسلمين ببطولة خالد برغم أنه عدو.

-انكفاء خالد أمام الرسول وبداية قلقه النفسي.

-الرؤيا النبوية للمستقبل حول دور خالد الريادي في الفتوحات.

-الصفح النبوي المبكر عن خالد "دمعة التكفير مسفوحة على القرآن".

رابعاً: كان في القصيدة العربية التقليدية ما يدعى "حسن التخلص". وهو أن يتقن الشاعر الانتقال من موضوع إلى آخر في قصيدته من خلال رابط خفي أو ظاهر يصل الموضوعين.

وفي قصيدة عمر أبو ريشة نقلة بارعة بعد لوحة معركة "أحد" فلقد انتهت اللوحة والرسول الكريم يرنو عبر المستقبل فيرى خالداً يضرب شرق الأرض بالغرب مُشرق الإيمان.

وها نحن في المقطع الجديد من القصيدة أمام انعطافة تقول:

"صدق العهد".

أي عهد؟. إنه رؤيا الرسول الكريم لمستقبل خالد، وها قد صدق العهد.

في ستة أبيات يلخص أبو ريشة كل المجد العسكري لخالد في الفتوحات من غير أن يشير بالاسم إلى حروب الردة ومعارك العراق. ولكنه يتوقف عند "اليرموك" ذروة المجد العسكري لخالد ولانتصارات المسلمين.

ما العهد الذي صدق؟. إنها الفتوحات تتوالى، وخالد فيها محور البطولات، وصداه يملأ الآفاق، والمآذن تصدح باسم الله في كل مكان. والروم المتغطرسون بحاجة إلى صفعة تجلوهم عن البلاد التي احتلوها. وها هي كفّ خالد السحرية تسحق جيش الروم في اليرموك، وها هي أفواج اليرموك تجري بجثث الروم المعتدين([16]):

صدق العهد، فالفتوح توالى

 

وصدى خالد بكلّ مكان

أينما حلّ فالمآذن ترجيع

 

أذان المهيمن الديّان

وبدا الروم في ضلال مناهم

 

شوكة في معاقد الأجفان

فأتاهم بحِفْنةٍ من رجال

 

عندها المجد والردى سيّان

ورماهم بها، وما هي إلا

 

جولةٌ، فالتراب أحمر قانِ

وضلوع اليرموك تجري نعوشاً

 

حاملات هوامد الأبدان

خامساً: يصل الشاعر إلى موضوع حسّاس هو عزل عمر لخالد عن القيادة العامة في الشام، وليس هذا مجال البحث في تاريخية الموضوع ومدى دقته وملابساته.

ولكننا أمام رؤية شاعرية فنية حاول من خلالها أبو ريشة أن يقدم الرجلين "عُمر وخالداً" في صورة إيجابية. فالخليفة عمر يعزل خالداً لئلا يفتتن به الناس.

والقائد خالد يتلقى العزل بنفس رضية مؤمنة. ولا يشير الشاعر إلى أي أسباب أو ظروف أو أقاويل رددها الرواة حول هذا الموضوع.

لدينا تسعة أبيات في هذا المقطع تتحدث عن افتتان المسلمين ببراعة خالد، وعن شهرته التي جعلته موضع حديث الناس رجالاً ونساء، وهذا ما دفع الخليفة إلى عزله.

هذا العزل لم يؤثر –كما يرى أبو ريشة- في نفسية خالد، بل نراه ينطلق في فتوحاته في بلاد الشام مؤكداً أنه المؤمن الذي لا يتزعزع إيمانه أمام أيّة حادثة([17]):

هلل المؤمنون واهتزت البشرى

 

تروي حناجر الركبان

فإذا خالد على كل جفن

 

خطرات من الطيوف الحسان

سمر الغيد في الليالي الكسالى

 

وهوى الصيد في الزحام العوان

فتنة خيف أن يشيع بها الزهو

 

فتلوي بالقائد الفتّان

فنحاه الفاروق، فانضمّ للجند

 

فخوراً بعزة الإذعان

وتراءى أبو عبيدة في الفيحاء

 

يحمي قيادة الفرسان

وفتى النّبْل خالد يقحم الأسوار

 

في نخبة من الفتيان

لم تزعزع من عزمه إمرة الفاروق

 

بل فجرته فيض تفاني

وإذا راضت العقيدة قلباً

 

فمن الصعب أن يكون أناني

لنلاحظ كيف تلونت مفردات الشاعر بالإعجاب والفرح والثقة وهو يتحدث عن خالد البطل الأسطورة: [هلل المؤمنون –البشرى- خطرات- الطيوف الحسان- الغيد- الصّيد- فتنة- الفتان- النبْل- نخبة].

لقد تمكن أبو ريشة من السير مع الصورة تصاعداً حتى نقطة الحسم الفكري:

وإذا راضت العقيدة قلباً

 

فمن الصعب أن يكون أناني

لقد شغل موضوع عزل عمر لخالد شاعرنا أبو ريشة، فنراه يتناول الموضوع في مكان آخر غير هذه القصيدة المطولة. فيكتب ثلاثة أبيات بعنوان: "أنا لا أقاتل من أجل عمر". ونراها في ديوانه "أمرك يا رب"([18]).

يا من رأى فارس اليرموك يخلفه

 

أبو عبيدة والهيجاء تستعر

دعا سريته الغضبى وقال لها

 

وبسمة الكبْرِ في خدّيه تنتشر

إنّا نقاتل كي يرضى الجهاد بنا

 

ولا نقاتل كي يرضى بنا "عُمر"

سادساً: نعود إلى القصيدة الأولى المطولة، لنرى كيف يقف أبو ريشة مع خالد في موقف مناجاة واستحضار، مسقطاً همومه على هذا الموقف وفي أحد عشر بيتاً يطوف بنا أبو ريشة في متاعب أمته المعاصرة مقارنة بأمجادها الغابرة، فينادي خالداً من وراء العصور لعله يرى ما نحن فيه من تشرذم. ولكن الشاعر يبقى في حماسه وثقته بشعبه، وهو لا يُظهر اليأس، وإنما يسترشد بحماسة الجند برغم خور القادة والحكام. وهو يحسن ربط البطولات القديمة بإسقاطاته المعاصرة. والشاعر يصرح لخالد بأنه لا يخاف البغي والطغيان، وأنه لن يسكت عما تعانيه أمته، فبطولات الماضي ما تزال تنبض في عروق الحاضر، وإيحاءات معركة بدر لا تزال في الأذهان بكُلِّ معانيها وقدسيّتها([19]):

يا مسجّى في قبة الخلد، يا خالد

 

هل من تلفتٍ لبياني

لا رعاني الصبا إذا عصف البغي

 

وألقى فمي ضريح لساني

أقسم المجد أن أقطّع أوتاري

 

عليه بأكرم الألحان

أنا من أمة أفاقت على العزّ

 

وأغْفت مغموسة في الهوان

عرشها الرّثّ من حراب المغيرين

 

وأعلامها من الأكفان

والأماني التي استماتت عليها

 

واجمات تكلّمي يا أماني

لا تقل: ذلّت الرجولة، يا خالد

 

واستسلمت إلى الأحزانِ

حمحمات الخيول في ركبك الظافر

 

مازلن نشوة الآذان

كم طوت هذه المرابع أفلاذ

 

قلوب "بدرية" الخفقان

قم، تلفت، ترَ الجنود كما كانوا

 

منار الإباء والعنفوان

ما تخلّوا عن الجهاد، ولكن

 

قادهم كل خائن وجبان

سابعاً: في الأبيات الثلاثة الأخيرة يعود الشاعر إلى مقدمته الفلسفية التاريخية، فيناجي "راويات الزمان" مرة ثانية:

راويات الزمان، مالي أناجيك

 

ومالي أغصّ بالأشجان

اغسلي الذكريات عني، فمالي

 

باحتمال العبء الثقيل يدان

أَوْ فَسِيلي مَراوِداً تنثر الكحل

 

ضياءً في مقلة الوسْنان

إنه لا يستسلم برغم أشجانه وغصصه، وهو يرجو راويات الزمان أن تدفع عنه ذكريات الماضي لأنه لا يقوى على احتمال هذه الذكريات في واقعه المؤلم الممزق.

ولكنه يعود فيتفاءل بأن راويات الزمان، سوف تُشرع مراودها لتكحل بها الأجفان الوسنى المتعطشة إلى غد مجيد.

*     *      *

لقد كتب أبو ريشة هذه القصيدة قبل ثلثي قرن، ولا تزال المعاني فيها نابضة بالحياة، وقد غدت المرارة أكبر، وغدا العدوّ أشرس، وغدت الآمال تتضاءل، ولكنها لا يمكن أن تخبو، وليس لها أن تخبو.

إنها لوحة فنية رائعة قدّمها أبو ريشة من خلال هذه الشخصية المحورية الخالدة، شخصية "خالد بن الوليد".


([1]) عمر أبو ريشة شعر أقدمه إلى الفن، ص 179، مطبعة العصر الجديد، حلب 1936.

([2]) عمر أبو ريشة من عمر أبو ريشة، ص 112، مطبعة الكشاف، بيروت، 1947.

([3]) عمر أبو ريشة، من عمر أبو ريشة، ص164، مطبعة الكشاف، بيروت، 1947.

([4]) عمر أبو ريشة، أمرك يا رب، ص23، دار الأصفهاني، جدة، 1984.

([5]) عمر أبو ريشة، أمرك يا رب، ص37، دار الأصفهاني، جدة، 1984.

([6]) عمر أبو ريشة، ذي قار، المكتبة الحلبية 1931.

([7]) عمر أبو ريشة، مجلة الحديث، ص 94، السنة 14، حلب.

([8]) عمر أبو ريشة، ديوان عمر أبو ريشة، ص537، دار العودة/ بيروت، 1988.

([9]) ابن هشام، سيرة ابن هشام، ص 143، القاهرة، 1356هت.

([10]) مصعب الزبير، نسب قريش، ص320، دار المعارف، القاهرة، ط3، 1982.

([11]) سورة المدثر، الآيات من 11 حتى 17، وبقيّتها حتى الآية 27.

([12]) إن المعلومات التاريخية في هذا الجزء مستقاة أساساً من تاريخ الطبري. وكتب الصحابة وبخاصة الإصابة للعسقلاني.

([13]) عمر أبو ريشة، الديوان، 537-538.

([14]) عمر أبو ريشة، الديوان، 538-539-540

([15]) عمر أبو ريشة، الديوان، 540-541-542-543-544-545.

([16]) عمر أبو ريشة، الديوان، 545-546.

([17]) عمر أبو ريشة، الديوان، 546-547-548.

([18]) عمر أبو ريشة، أمرك يا رب، ص73.

([19]) عمر أبو ريشة، الديوان، 548-849-550.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244