|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:10 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
خالد بن الوليد وحــروب الــــردة ـــ هاني المبارك ترددت كثيراً قبل أن أمسك القلم لأخط كلمات عن حياة خالد بن الوليد وعن مواقفه خلال حروب الردة، وهو بطل هذه الحروب وعمادها والسيف الذي أعاد الوحدة إلى جزيرة العرب، إنه بطل حروب توقف على نتيجتها مصير أمة، ومصير دولة ناشئة أسسها رسول الله (ص)، ومن هنا تأتي أهمية هذه الشخصية العسكرية النادرة في سيرتها، والتي حملت بين جنباتها صفات أن أوفيه حقه أو بعض حقه. وقفت مستغرباً كيف وُجدت أقلام تجرأت على توحيد بعض سهام النقد إليه؟ فقلت من أنا؟ ومن هؤلاء حتى نتجرأ على النيل من هذه الشخصية وتذكرت قول خالد قبيل وفاته: "ليس في جسمي موضع شبر إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بنبل، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء". وكذلك ستكون سهام النقد الناجمة عن حقد أو حسد أو تعصب غير مؤثرة في سمعة خالد بل ستكون مع أصحابها: كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يَضِرْها وأوهى قرنَهُ الوَعِلُ لهذا كله تركت التردد وأمسكت القلم لأتحدث عن دور خالد في حروب الردة وعن تلك الفترة العصيبة من تاريخ أمتنا وقد كادت وحدة الجزيرة العربية أن ينفرط عقدها بعد وفاة رسول الله (ص) يحث لم يبقَ على الولاء لتلك الدولة من مناطق جزيرة العرب إلا الحجاز، بل وحتى الحجاز كانت بعض القبائل المجاورة له تتهيأ للإغارة عليه. وبرغم ما ذكرته عن عظمة شخصية خالد وعبقريته الفذة والنادرة بين تاريخ القادة في العالم من أصحاب العبقريات العسكرية أقول سلفاً إنني أتحدث عن إنسان من البشر وليس عن ملك من الملائكة، ولكل إنسان أخطاء وهفوات لكن عظمة الرجال تظهر حين تضيع هفواتهم وسط إعصار عظمتهم وضخامة أعمالهم. لقد التقت عزيمة القيادة السياسية المتمثلة يومئذ بالخليفة الأول أبي بكر الصديق، مع عبقرية القيادة العسكرية المتمثلة ببطل العرب والإسلام خالد بن الوليد وذلك في حروب الردة، فحقق ذلك نتائج رائعة في حفظ وحدة الدولة ودفع بها في طريق الدعوة لرسالتها لأهل الأرض في زمن لا يمكن معه تحقيق ذلك إلا بوصول الدعاة إلى كل مكان. بدأت الردة في أواخر حياة الرسول (ص) وذلك بِرِدَّة الأسود العنسي في اليمن وردَّة مسيلمة الكذاب في اليمامة. أما الأسود العنسي فقد اغتاله أبناء اليمن المسلمون الذين قوي تمسكهم بالإسلام بعد أن أرسل إليهم رسول الله (ص) معاذ بن جبل ليعلمهم أمور دينهم وبمقتل الأسود قضي على حركة الردة في اليمن. وحدث مثل ذلك في عُمان حيث قوي إيمان المسلمين وقوي مركزهم بعد أن أرسل رسول الله (ص) إليهم عمرو بن العاص، فضعفت حركة الردة وتزعزع مركز المرتدين الذين كانوا قد التفوا حول لقيط بن مالك الأزدي. وكذلك تراجعت حركة الردّة التي ظهرت في منطقة الإحساء، أو ما كان يعرف باسم البحرين، متمثلة بالمنذر بن النعمان وذلك حين تصدى لها العلاء بن الحضرمي ومجموعة من المسلمين الذين لم يتزعزع الإيمان بالدين الجديد في نفوسهم، كما لم يتزعزع ولاؤهم لمركز الدولة في المدينة المنورة. أما مسيلمة الكذاب فقد عظم خطره بعد أن التفت حوله جموع بني حنيفة في منطقة اليمامة وزاد خطره بعد تحالفه مع المتنبئة سجاح وتأييد أتباعها من بني تغلب لحركة الردة ـ كما سيأتي فيما بعد انتقل الرسول (ص) إلى الرفيق الأعلى، وخطر مسيلمة وسجاح يهدد كيان الدولة العربية الإسلامية بالتجزئة، ويهدد عقيدة التوحيد بالزوال، ويشجع أصحاب القلوب الضعيفة بإيمانها على الردة والامتناع عن الطاعة للمدينة المنورة، وللخليفة فيها أبي بكر، والخضوع لقبيلة قريش، حتى قال قائلهم: أطَعنا رسول الله إذ كان بيننا فيا لَعِبادِ الله ما لأبي بكر؟ أيورثها بكراً إذا مات بعده؟ وتلك لعمر الله قاصمة الظهر وهكذا عادت العصبية القبلية ترفع رأسها من جديد ولما يدخل الإيمان إلى قلوب معظم أبناء القبائل العربية خارج الحجاز حتى صار قائلهم يقول: كذاب ربيعة خير من صادق مضر. ورأت بعض القبائل أن دفع الزكاة إلى المدينة المنورة يمثل خضوعاً لقريش مما كانت تأباه نفوس القبائل العربية قبل الإسلام عصبية لكرامتها وعزة لنفوسها. لقد أثبتت الأحداث أن اختيار المسلمين لأبي بكر خليفة للرسول (ص) في حكم الرسول الإسلامية الفتية الجديدة كانت اختياراً موفقاً وكان الحاكم الجديد أهلاً لحمل المسؤولية وتعبئة جميع إمكانات الأمة للوقوف بوجه خطر حركة الردة والتمرد بعزم يندر مثيله، إنه خطر كبير هدد وجود الدولة وكيانها وهدد عقيدتها ووحدتها، بعد أن تعددت مناطق الردة، وكثرت القبائل المتمردة والرافضة لحكم المدينة المنورة. فجاء عزم الخليفة وإرادته الصلبة التي ما عرفت التردد والضعف، وجاء أيضاً سيف الله خالد بن الوليد، ليقف في وجه أعداء الوحدة في العقيدة والوحدة في الدولة؛ فالردة لم تكن ردّة دينية فقط بل هي أيضاً حركة تمرّد سياسي تهدف إلى الانفصال وتجزئة الدولة. وليس هنا مجال البحث في أسباب حركات الردة فهو موضوع يحتاج إلى كلام طويل وبحث خاص، ويمكننا لاستكمال الصورة هنا أن نلخص تلك الأسباب بما يلي: 1 ـ ضعف إيمان القبائل المرتدة والمتمردة، فإن معظم القبائل التي ظهرت الردة بين صفوفها كانت قد اعتنقت الإسلام في فترة متأخرة، أي في أواخر حياة الرسول (ص). فهي لم تعش تجربة الإيمان والعيش الطويل مع رسول الله (ص)، على عكس ما كان الحال بالنسبة لأهل الحجاز. 2 ـ العصبية القبلية التي يمثلها قول من قال لمسيلمة: والله إني أعلم أنك كذاب وأن محمداً صادق، لكن كذاب ربيعة خير من صادق مضر. صحيح أن أبا بكر أرسل أحد عشر جيشاً إلى جميع مناطق التمرد والردّة والخطر في شبه جزيرة العرب، مستهدفاً القضاء على حركات الردة، سواء أكانت ردة كاملة عن الإسلام، أو كانت ردة جزئية بامتناعها عن دفع الزكاة. لكن اعتماده في هذه الجيوش كان بالدرجة الأولى على من اقترن اسمه باسم حرب الردة وهو سيف الله خالد بن الوليد الذي شكل ما يشبه العمود الفقري، والدعامة الأساسية لتلك الجيوش التي انطلقت من المدينة المنورة. وعهد الخليفة أبو بكر إلى خالد بحمل المسؤولية الأولى في هذه الحروب، إنها عبقرية القائد السياسي أبي بكر في اختياره للرجل المناسب في وقت عصيب لحمل أخطر مهمة يتوقف عليها بقاء الدولة أو زوالها. وكذلك كان نجاحه في تنظيم هذه الجيوش والتنسيق بين تحركاتها وسرعة الاتصال بقادتها وإمدادها، كل ذلك كان له دور كبير في نجاحه في تنظيم هذه الجيوش والتنسيق بين تحركاتها وسرعة الاتصال بقادتها وإمدادها، كل ذلك كان له دور كبير في نجاحها في تحقيق مهماتها وإحراز الانتصارات المتتالية وإعادة الوحدة للدولة العربية الإسلامية. لقد ظن المتمردون المرتدون أن الفرصة مواتية جداً لتحركاتهم عندما سمعوا بوفاة رسول الله (ص)، وبتسلم أبي بكر لمنصب الخلافة، وبإرساله جيش أسامة بن زيد إلى أطراف بلاد الشام، مما أوهمهم بضعف المسلمين في الحجاز. وإذا بهم يُفاجَئون بقوة شخصية أبي بكر مما يندر مثيله في مثل هذه الأحوال الخطيرة التي تكاد تعصف بالدولة وتقضي على وحدتها. وهنا تظهر لنا خطورة المهمات التي عهد بها الخليفة إلى خالد بن الوليد، حيث تم توجيهه إلى أخطر تلك الحركات وأكثرها قوة وأتباعاً وهي حركة طليحة الأسدي في بُزاخة، وحركة مالك بن نويرة في البُطاح، وحركة مسيلمة الكذاب في اليمامة، وتؤيده حركة المتنبئة سجاح من بني تغلب في العراق. وهكذا نرى أن خالداً بن الوليد حمل العبء الأكبر والأهم في حروب الردة وفي قتال المرتدين، وبلغة اليوم الانفصاليين المتمردين على الدولة. كانت الخطة العسكرية التي وضعها الخليفة أبو بكر تقوم على تقسيم قواته إلى عدد من الجيوش كان أقواها الجيش الذي يقوده خالد بن الوليد، لأن هذا الجيش سيحارب أخطر حركات الردة المتمثلة بحركة طليحة ومالك ومسيلمة وسجاح. بينما أُرسلت بقية جيوش المسلمين في مهمات مساندة لخالد أو لمواجهة بعض المرتدين الثانويين. وتقوم الخطة على ضرب قوات المرتدين، كلّ منهم على انفراد، قبل أن تتحالف وتتجمع فتشكل خطراً كبيراً يصعب القضاء عليه. خالد وطليحة: كانت الخطة العسكرية تقضي بأن يبدأ خالد بقتال طليحة الأسدي في منطقة بُزاخة بين جبلي أجأ وسلمى إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة. ومنها ينتقل إلى البطاح لتأديب مالك بن نويرة ومنها إلى اليمامة لضرب أخطر هؤلاء المرتدين المتمردين مسيلمة الكذاب. كان أبو بكر قد أوصى ألا يحارب أحداً قبل أن يدعوهم إلى الإسلام، أي يدعوهم للعودة عن التمرد والردة وإعلان الولاء للدولة وخليفتها، وأن يحرص على هداهم فمن أجاب قبل منه ومن رفض قاتله ونكل به. أما طليحة فكان زعيماً لقبيلة بني أسد، وقد بدأ عداؤه للإسلام وللرسول (ص) في وقت مبكر، وكشف عن هذه العداء بعد غزوة أُحد بثلاثة أشهر مستغلاً هزيمة المسلمين وخسارتهم في تلك الغزوة فعزم على مهاجمة المدينة المنورة، لكن الرسول (ص) أرسل قوة من فرسان المسلمين فرقت جموعه، وقضت على مشروعه، وغنمت ماشية قبيلته المتآمرة. ثم شارك مع قوة من قبيلته بني أسد في غزوة الخندق أو الأحزاب ـ وعاد مع رجاله خائباً بعد انسحاب قريش وأحلافها. وفي السنة السابعة للهجرة حاول عرقلة هجوم المسلمين على خيبر لكنه أخفق، وانسحبت قبيلته. وفي السنة التاسعة للهجرة جاء وفد من بني أسد يعلن إسلام قبيلته، وهكذا انتهى عداء بني أسد وزعيم طليحة بإسلامهم في عام الوفود، فكان إسلامه مع قبيلته إسلاماً سياسياً لم يصل بهم إلى الأعماق حيث ينطبق عليهم قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنَّا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم( (سورة الحجرات 49 الآية 14) وبدأ يكشف عن ردته عندما سمع بمرض الرسول (ص) فادعى طليحة أنه نبيّ، وازداد ردة وتمرداً بعد وفاة الرسول (ص) وتلقى تأييداً لردته وتمرده من قبيلتي غطفان وطيئ. كانت بداية لقاء جيش خالد بن الوليد مع المرتد المتمرد طليحة الأسدي حين لقي رجال من طليعة جيش خالد أخاً لطليحة فقتلوه ـ وهو حِبال ـ وتصدى لهم طليحة وأخوه سلمه فقتلا ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن. وتألم خالد لما أصاب رجاله على أيدي هذه المتمرد الخطير، لكنه لم يتعجل السير نحو جموع طليحة بل عمد إلى التريث وتأخير اللقاء الحاسم مستفيداً من خيراته العسكرية، محاولاً كسب بعض القبائل المؤيدة لطليحة، وبدأ بقبيلة طيئ وكانت وسيلته إليها أحد وجوه القبيلة وهو عدي بن حاتم الذي نجح بإقناع مجموعة كبيرة من قبيلته بالعودة إلى حظيرة الإسلام والولاء للدولة والرجوع عن الردة والتمرد وجاء بعدد من فرسانها وعددهم حوالي خمسمائة فارس والتحقوا بقوات خالد، كذلك نجح عدي بن حاتم في إعادة بني جديلة عن ردتها وتمردها إلى الطاعة والإسلام والتحق منهم حوالي ألف مقاتل بجيش خالد. وهكذا اطمأن خالد بن الوليد إلى وضع القبائل المجاورة، كما كان مطمئناً إلى وضع قواته نظاماً وطاعة وانضباطاً وحماسة، فتقدمت وهو على رأسها نحو طليحة الذي كانت تتجمع قواته في منطقة بُزاخة، وهي مؤلفة من بني أسد ومن لحق بهم من بني فزارة وغيرها. وتبعاً لوصية الخليفة عرض خالد على طليحة شروطه، وهي العودة عن الردة والتمرد إلى الإسلام والطاعة ورفض طليحة شروط خالد فكان لابد من الحرب. وكان خالد قد نظم قواته بحسب القبائل فعقد راية طيئ لعدي بن حاتم، وعقد راية الأنصار لثابت بن قيس، وعقد الراية العامة لزيد بن الخطاب. بدأ القتال بحماسة من المسلمين واستماتةٍ منهم، بعد أن رأوا قائدهم خالد بن الوليد يقتحم أشد المواقع خطورة، وهو ينادي بأعلى صوته: الله، الله، مشجعاً ومحرضاً على القتال متنقلاً على فرسه من الميمنة إلى الميسرة فانصرف بنو فزاره وخرجوا من صفوف المرتدين المتمردين، وعلى أثر ذلك فر طليحة وزوجه باتجاه بلاد الشام ملتجئاً إلى بني كلب، وعاد بنو عامر وبنو سليم وهوازن إلى الإسلام والولاء والطاعة للخليفة في المدينة المنورة. ووقع قائد بني فزارة بالأسر وهو عيينة بن حصن، فأرسله خالد إلى المدينة المنورة فتاب بين يدي أبي بكر وأعلن إيمانه وعودته إلى حظيرة الإسلام فقبل منه ذلك وحسن إسلامه. بقي خالد شهراً في بُزاخة يطهّر المنطقة من المتمردين المرتدين ويلاحق بصورة خاصة أولئك الذين غدروا بالمسلمين وقتلوا منهم، وذلك تنفيذاً لتعليمات الخليفة أبي بكر الذي كتب إلى خالد بعد انتصاره على طليحة في بُزاخة يقول: "لِيَزدكَ ما أنعم الله به عليه خيراً... جِدَّ في أمر الله ولا تَنيَنَّ، ولا تظفرنَّ بأحد من المشركين قَتَلَ من المسلمين إلا قتلته ونكلت به غيره... وهكذا أخذ خالد يعامل المتمردين المرتدين بمثل ما فعلوه بالمسلمين من قتل وحرق ورمي من شواهق الجبال. ومع ذلك فقد تجمعت فلول من قوات طليحة من غطفان وبني سليم وطيئ وهوازن وأسد، حول امرأة تسمى أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة وحرضتهم على قتال جيش خالد فقاتلها المسلمون وأبدى خالد جرأة عظيمة في قتالها فعقر جملها وقتلها وهزم جموعها وتم له النصر عليها. وبذلك أنهى خالد بن الوليد المرحلة الأولى، بالقضاء على حركة طليحة بن خويلد الأسدي وبدأ يستعد للمرحلة الثانية وهي: حركة مالك بن نويرة التميمي: كان مالك بن نويرة زعيم بني يربوع وهم فرع كبير من قبيلة بني تميم ومركز عشيرته في البُطاح ـ بين جبل سلمى واليمامة. وكان قد تزوج من ليلى بنت المنهال المعروفة باسم أم تميم التي اشتهرت بجمالها حتى قيل إنها أجمل بنات الجزيرة العربية، وحين اعتنق بنو تميم الإسلام عيّنه رسول الله (ص) زعيماً على عشيرة بني حنظلة وكلفه بجمع أموال الزكاة منهم، وعندما سمع بوفاة الرسول (ص) ارتد عن الإسلام، وأعاد أموال الزكاة المجموعة لديه إلى دافعيها من بني حنظلة. تابع خالد مع قواته المسير نحو بني تميم وزعيمهم مالك بن نويرة في البطاح وأذَّن المسلمون كما أمرهم أبو بكر واستجاب بعض بني تميم فأعلنوا الطاعة والعودة إلى الإسلام، ورفض آخرون إلا الإصرار على التمرد والردة وعلى رأسهم مالك الذي وقع بالأسر مع الكثيرين من بني تميم. تقول إحدى الروايات التاريخية إن مالكاً والأسرى قتلوا نتيجة اختلاف في فهم معنى كلمة أدفئوا أسراكم. وقد قالها خالد لجنوده في ليلة شديدة البرد، وأدفئوا بلغة كنانة تعني اقتلوا، فقام الجند بقتل الأسرى وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة، وكان ضرار كنانياً. وتقول رواية أخرى بأن خالد بن الوليد حاور مالك بن نويرة بعد أسره حول متابعته للمتنبئة سجاح عندما مرت بمنطقته، وبامتناعه عن دفع الزكاة، وبقوله عن رسول الله (ص): إن صاحبكم يزعم.. كل ذلك أغضب خالداً فأمر بضرب عنقه فقام ضرار بن الأزور بقتل مالك بن نويرة. وأرجح صحة الرواية الثانية فقد أثار مقتل مالك مشكلة حين اختار خالد الزواج من أرملة مالك أم تميم، فتحدث بذلك بعضهم وتحركت ألسنة تنتقد عمل خالد بل وصل بعضهم إلى اتهام خالد بأنه قتل مالكاً ليتزوج بزوجته. وفي مثل هذه الأحوال عادة يلعب الخصوم والحساد دوراً في تزوير الحقائق وتضخيم الوقائع وتشويه الأحداث، للوصول إلى تحقيق أهدافهم وإرضاء نفوسهم. وهذا الأمر نجده في جميع المجتمعات قديمها وحديثها وخاصة بالنسبة لأصحاب الشهرة من عظماء الرجال وكبار القادة، حيث نجد المعارضين والحسّاَد والخصوم يصطادون في الماء العكر وينسى هؤلاء أن أولئك العظماء بشر ويخطئون كما يخطئ البشر وليسوا ملائكة معصومين، وأن ما قام به خالد يومئذ إنما هو تصرف لا يخالف عادات العرب لا في الجاهلية ولا في الإسلام. أما الأمر السيئ المخالف لأخلاق العرب فإنما هو الاختلاق والكذب والتشهير في غير حق، كالذي قام به بعضهم ففسروا الحادث كما صورته لهم نفوسهم ـ الحاقدة أو الجاهلة ـ ونسي هؤلاء أنهم أمام شخصية اتصفت بالورع والتقى وبالرجولة والبطولة وأنه منح أمته من الأعمال والبطولات ما يعجز عن مثله مئات الرجال الأبطال بل ألوفهم. والدليل على ما أقول أن سيرة خالد قبل حروب الردة وبعدها تثبت ذلك، فقد كان متمسكاً بأخلاق الإسلام، وقد شارك في قيادة الجيوش التي حررت بلاد الرافدين وبلاد الشام وقاد معركة اليرموك. ولم يعرف عنه أي خلق مخالف لما تقتضيه أخلاق الإسلام وتعاليمه، بل رأيناه يعزل من قبل الخليفة عمر بن الخطاب عن القيادة وهو في قمة المجد العسكري فينفذ الأمر ويبقى مع الجيش يقاتل كجندي في سبيل الله. ويأتي من يحاسبه من قبل الخليفة عمر على أموال صرفها فيظهر من التحقيق أنها من أمواله الخاصة وتثبت براءته. وما تذكره بعض الأقلام وتتحدث به بعض الألسنة من تنكيله وتمثيله بمالك بعد قتله وقطع رأسه وحرقه بالنار، فهي صورة بعيدة كل البعد عن أخلاق خالد بن الوليد وقد خاض عشرات المعارك وقتل وأسر الكثير من أعدائه الفرس والروم، فما سمعنا أنه قام بعمل غير أخلاقي يتنافى مع وصايا رسول الله (ص) وخليفته أبي بكر في معاملة القتلى والأسرى، مما يدعونا إلى رفض تلك الروايات والتي يعود معظمها إلى تأثر أصحابها بأهواء من حقد وحسد أو من حب في شهرة تكسب على حساب النيل من عظمة عظيم أو بطولة بطل وبئس الرجال ينال شهرة عن هذا السبيل. إن تاريخ الدول والشعوب الأخرى مليء بأحداث مخزية وصور سوداء، لكنهم يظهرون من تاريخهم الوجه الجميل ويضربون صفحاً عن الصور السوداء والمخزية وما أكثرها في تاريخهم. أما أن نخترع أحداثاً سوداء وصوراً مخزية اختراعاً، وليس لها وجود إلا في أذهان من فسر بعض الحوادث على هواه وزور واختلق ليسيء إلى تاريخ أمته المجيد، فهذا أمر غريب لا نجد له مثيلاً لدى الأمم التي تغار على تاريخها وسمعة ماضيها وأبطالها وعظمائها. قبل أن نترك قضية مالك بن نويرة وحادثة قتله على تمرده وردته ونزداد اطمئناناً إلى سلامة عمل خالد بن الوليد لا بأس من أن نطلع على حوارين حدثا بين خالد ومالك، وبين عمر بن الخطاب وأخ لمالك. أما الحوار الأول. فقد كان قبيل ضرب عنق مالك حيث قال خالد معاتباً ومؤنباً مالكاً على متابعته للمتنبئة سجاح عند مرورها بمنطقته، ثم أنبَّه على رفضه تأدية الزكاة قائلاً: ألم تعلم أن الزكاة قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك. عندئذ غضب خالد وقال: هو صاحبنا وليس بصاحبك؟ وصاح بضرار بن الأزور قائلاً: اضرب عنقه، ففعل. والحوار الثاني: كان بين عمر بن الخطاب ومتمم بن نويرة ـ أخي مالك ـ فقد قال عمر لمتمم: لوددت أني رثيت أخي زيداً بمثل ما رثيتَ به مالكاً أخاك ـ وكان زيد بن الخطاب قد استشهد في حروب الردة ـ فقال متمم: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار حيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزية متمم. وهذه شهادة أخ مالك بأنه مات على ردة وتمرد لا على إسلام وطاعة. إن صورة خالد بن الوليد ستبقى، ويجب أن تبقى، منزهة بعيدة عن كل ما يشوه جمالها وعظمتها ويسيء إلى عبقريتها وبطولاتها، لما له من مواقف مجيدة ورائعة في رسم تاريخ أمتنا العربية، إنه نموذج نادر يريد أعداء الأمة تشويه صورته البطولية لئلا يكون قدوة لشباب العرب في تضحياتهم وإخلاصهم وجرأتهم واستماتتهم في الذود عن أرض الوطن والحفاظ على عقيدة الأمة ومقدساتها. ومن الجدير بالذكر أن الحقد والحسد والضغينة والخلاف تلعب دوراً كبيراً في الدس وتشوبه الحقائق للإساءة إلى الشخص المقصود بالحسد والحقد عليه. ومن الملاحظ أن الرجل الذي حمل على خالد لزواجه من أرملة مالك هو أبو قتادة، وهو نفسه الذي حمل على خالد عند فتح مكة وجاء إلى رسول الله (ص) وأخبره أن خالد بن الوليد قتل بني خديجة دون رحمة برغم استسلامهم. وكان أبو قتادة يتربص بخالد ويحمل له في نفسه كراهية وحقداً دنيئاً ومع ذلك لم يجد ما يشفي غليله لا عند الرسول (ص) ولا عند أبي بكر الذي عاتبه لأنه ترك الجهاد وأمره بالعودة ليلتحق بقوات خالد بن الوليد. وما أظن ولا أعتقد أن رسول الله (ص) كان يغض النظر عن خالد إذا ما تجاوز حدود الشرع وكذلك بالنسبة لخليفته أبي بكر، وهو من عرفناه شدة في موقفه من الدفاع عن الدين وتعاليمه ولا تأخذه في الحق لومة لائم. خالد ومسيلمة الكذاب: كان مسيلمة بن حبيب من بني حنيفة الذين يقيمون في اليمامة شرقي منطقة نجد وكان قد وفد مع رجال من قومه على رسول الله (ص) في السنة التاسعة للهجرة، وقد أسلم الرجال الذين جاء معهم بعد اجتماعهم بالرسول (ص) وسماعهم منه. وعند عودتهم إلى اليمامة أدعى مسيلمة النبوة، وصار يأتي قومه بكلام مسجع يقلد فيها آيات القرآن الكريم، ثم أحلَّ لقومه الخمر والزنا وأعفاهم من الصلاة طمعاً في كسبهم إلى جانبه مدعياً أنه شريك محمد (ص) في النبوة، وكتب إلى الرسول (ص) بأن له نصف الأمر ولقريش نصف الأمر. فكتب رسول الله (ص)إليه: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. ثم استفحل خطر مسيلمة وردته وتمرده بعد وفاة الرسول (ص)، وقد رأينا أن خليفة رسول الله (ص) أبا بكر عهد إلى خالد بن الوليد لضرب مسيلمة بعد أن ينتهي من طليحة الأسدي، ومالك بن نويرة. وفعلاً ما أن انتهى خالد من قمع حركة طليحة الذي فر بعد هزيمته إلى بلاد الشام، وقمع حركة مالك بقتله وهزيمة قومه في معركة البُطاح، حتى اتجه لتنفيذ تعليمات الخليفة أبي بكر والتي حملها إليه شريك بن عبدة الفزاري وفيها يدعوه إلى تقوى الله، والعناية بمن معه من المسلمين، وأن يستشير في أموره وجوه المهاجرين والأنصار، ويعاتبه بلطف وبتلميح دون تصريح لزواجه من أرملة مالك بن نويرة، وينبهه إلى خطر بني حنيفة وأن يباشر الأمر معهم بنفسه وأن يرهبهم ويستعمل معهم ما يستحقونه من قسوة وشدة. كان الخليفة أبو بكر قد أرسل جيشين لمساعدة جيش خالد بن الوليد في معركته القادمة مع مسيلمة الكذاب الذي كان يقود بني حنيفة، وهو من أخطر المتمردين المرتدين. وكان الجيش الأول منهما بقيادة عكرمة بن أبي جهل والجيش الثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة. وصدف أن حاول عكرمة بقواته أن يتصدى لمسيلمة قبل وصول خالد، لكنه شعر بضعفه وخسارته أمام قوات مسيلمة فانسحب منتظراً قدوم خالد الذي كان اسمه يلقي الرعب في قلوب أعدائه. وصل خالد مع جيشه في الوقت المناسب والتحقت به قوات عكرمة وشرحبيل وبلغ عدد قواته جميعاً حوالي 12 ألف مجاهد يواجه بها قوات مسيلمة التي بلغ عددها حوالي 40 ألف مقاتل تعسكر في منطقة تعرف باسم عقرباء. نظم خالد قواته استعداداً لمعركة خطيرة حاسمة مع أخطر مرتد متمرد، واستفاد خالد من وجود عدد من بني حنيفة ظلوا على إسلامهم فقاموا بمحاولات للتأثير على بني قومهم وشق صفوف رجال مسيلمة، ومن هؤلاء عمير بن ضابي اليشكري وكان من فرسان اليمامة وأسيادها وما عرف قومه بإسلامه، فتحدث مع أهل اليمامة محذراً من هؤلاء الرجال الذين حاولوا التأثير على قومهم ثُمامة بن أثال من وجوه بني حنيفة، قال لقومه: اسمعوا مني، وأطيعوا أمري ترشدوا، إنه لا يجتمع نبيّان بأمر واحد، إن محمداً (ص) لا نبي بعده، ولا نبي يرسل معه،... إنه جاء لقتالكم رجل يسمى سيف الله... وأعطى خالد راية الجيش لزيد بن الخطاب، وأعطى راية المهاجرين لسالم مولى أبي حذيفة، وعين على الخيل البراء بن مالك، وأعطى راية الأنصار لثابت بن قيس. وكان مسيلمة يخطب ويتحدث مع بني قومه محذراً من الهزيمة حيث تصبح نساؤكم سبيات، فقاتلوا من أحسابكم وامنعوا نساءكم... وبدأت معركة رهيبة بين قوتين غير متكافئتين عدداً، لهذا كان هجوم بني حنيفة شديداً زعزع صفوف المسلمين حتى وصل المرتدون إلى خيمة خالد، واستشهد عدد من كبار القادة من أمثال زيد بن الخطاب، وعظمت حماسة المسلمين واستماتوا وثبتوا في مواقعهم حتى أن بعضهم نزلوا في حفر وأقسموا ألا يخرجوا منها، ومن هؤلاء ثابت بن قيس حامل لواء الأنصار. كان خالد خلال المعركة يقتحم صفوف أعدائه محاولاً الوصول إلى مسيلمة داعياً قادة المرتدين إلى المبارزة وما خرج واحد منهم إلا قتله، إنه حقق أمام المسلمين صدق رسول الله (ص) في تسميته بسيف الله، وسيف الله لا يهزم. وبدأ المرتدون بالتراجع ثم ولَّوا الأدبار. وبدأ خالد بهجوم عام وضع المسلمون سيوفهم في رقاب الفارين الذين التجأوا إلى حديقة مسوَّرة عرفت منذ ذلك الوقت بحديقة الموت. يأتي بعض عبقرية خالد العسكرية من بعد نظره وتقديره وحسن اختياره لرجاله، فقد اعتمد في معظم معاركه على رجال كانوا نماذج في الشجاعة والجرأة وسرعة الحلّ لما يواجههم من أزمات ومشاكل وكان الواحد من هؤلاء يعد بالمئات من المقاتلين، من أمثال القعقاع بن عمرو التميمي وأخيه عاصم ومن أمثال هؤلاء في معركة حديقة الموت، البراء بن مالك ـ وهو شقيق أنس بن مالك ـ وكان البراء قد حضر جميع المشاهد مع رسول الله (ص) عدا غزوة بدر، وكان مضرب المثل في الجرأة والإقدام، ومن صور شجاعته ما كان منه في حرب مسيلمة وجموعه من المرتدين المتمردين في معركة حديقة الموت، حيث كان مسيلمة وأصحابه قد لجأوا إلى تلك الحديقة وأغلقوا أبوابها واحتموا بأسوارها، فقال البراء لأصحابه ارفعوني وألقوا بي في الحديقة من فوق سورها فحملوه على تروسهم ورفعوها على رماحهم وألقوا به من فوق السور فوقع في الحديقة، ولم يزل يقاتل حتى فتح أحد أبوابها واندفع المسلمون منه، وبدأ قتال مرير انتهى بانتصار المسلمين بقيادة خالد بن الوليد وهزيمة المرتدين ومقتل نبيهم الكذاب مسيلمة. ومن الصور الأخرى لمعركة حديقة الموت صورة مسيلمة حيث ذكرت الروايات التاريخية أن مسيلمة لجأ أثناء القتال داخل الحديقة بعد اقتحام المسلمين لها إلى ثلمة في جدار وكان في حالة شديدة من الخوف، مما أصاب قواته من الهزائم والخسائر فرآه وحشي العبد الحبشي الأسود قاتل حمزة في غزوة أحد، فسارع إليه وأطلق حربته فأصابته وخرجت من الطرف الآخر منه. وأسرع إليه أيضاً أبو دجانة سماك بن خرشة فضربه بالسيف وقضى عليه. يقول وحشي بأنه خرج مع المسلمين إلى اليمامة وأخذ معه الحربة التي قتل بها حمزة ـ عم الرسول (ص) ـ فلما رأى مسيلمة سدد إليه حربته ودفعها نحوه فوقعت فيه، وشدَّ عليه رجل من الأنصار وهو عبد الله بن زيد بالسيف، والله أعلم أينا قتله فإن كنت أنا قد قتلته أكون قتلت خير الناس بعد رسول الله (ص) وهو عمه حمزة، وقتلت شر الناس وهو مسيلمة الكذاب. بعد معركة حديقة الموت: كان مجّاعة بن مرارة أحد رجال بني حنيفة قد وقع في الأسر بيد المسلمين، فأخذ خالد بن الوليد وخرج معه يتجول في ساحة المعركة في حديقة الموت، ليتعرف بواسطته على جثة مسيلمة الكذاب، وربما ليزداد يقيناً بمقتله، فلما وصلا إلى مسيلمة قال مجّاعة: هذا صاحبكم. فقال خالد: قبحكم الله على اتباعكم هذا. ومما ورد في أخبار خالد خلال حربه لمسيلمة أن مجّاعة أوقع خالداً بخديعة وذلك حين عزم خالد على غزو حصون اليمامة ولم يكن فيها سوى النساء والصبية والشيوخ. لكن مجّاعة أوهم خالداً بأن تلك الحصون ممتلئة بالمقاتلين من بني حنيفة وطلب منه مصالحة عنهم، فصالحه خالد، ثم ذهب مجاعة ليأخذ الموافقة من في الحصون على ذلك الصلح، وطلب من النساء أن يلبسن الدروع والخوذ وأن يظهرن من الحصون فما نظر خالد إليهن ظن أنهن رجال مقاتلون كما قال له مجاعة، وتم الصلح ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا جميعاً. وتقول هذه الرواية التاريخية إن الخبر حين وصل إلى الخليفة أبي بكر عاتب خالداً على أنه خدع من قبل مجاعة، كما عاتبه على سرعة زواجه وهو وسط جهاد ودماء وشهداء. فكان جواب خالد لأبي بكر في رسالة بعث بها مع أبي برزة الأسلمي جاء فيها: أما بعد فلعمري ما تزوجت النساء حتى تم لي السرور وقرَّت لي الدار... وأما حسن عزائي على قتل المسلمين فوالله لو كان الحزن يبقى حياً أو يرد ميتاً لأبقى حزني الحي وردَّ الميت، ولقد أقحمت في طلب الشهادة حتى يئست من الحياة وأيقنت بالموت... وأما خدعة مجاعة إياي فلم يكن لي علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيراً، أورثهم الأرض وجعل لهم عاقبة المتقين. وأعتقد أن خالد بن الوليد كان يقدر أوضاع المجاهدين من المسلمين الذين كانوا في حالة شديدة من التعب، فهم على درجة كبيرة من الإنهاك بعد حروب متواصلة خاضوها مع قوات طليحة في بزاخة ثم مع قوات مالك بن نويرة في البطاح، ثم خاضوا معارك رهيبة مع قوات مسيلمة انتهت بمعركة ـ حديقة الموت، ولهذا فإنه كان يبحث عن حل يتيح لقواته فرصة للراحة ـ وهذا من صفات القائد العسكري الناجح ـ فجاء عرض مجاعة لعقد صلح مع بني حنيفة خاصة وأنهم عادوا إلى الإسلام فكان لابد من تلبية مطالبهم، إنه تفكير قائد عسكري فذ يبحث عن مصلحة قواته لتكون دائماً جاهزة لتلبية ما يطلب منها والحكمة تقول: إذا أردت أن تطاع فسل المستطاع. وخالد يعلم أن أمام قواته مهمات خطيرة وكبيرة عليها أن تقوم بتنفيذها، فأمام هذا الوضع كان لا بد لخالد بن الوليد أن يقبل بذلك الصلح المشرف الذي يتيح لقواته فرصة للراحة وينسجم مع شريعة الإسلام بعد أن أعلن بنو حنيفة عودتهم للإسلام بعد مقتل النبي الكذاب مسيلمة. ويؤكد ما ذهبت إليه ما ورد في رسالة أخرى أرسلها خالد بن الوليد إلى الخليفة أبي بكر بعد عقده الصالح المذكور مع بني حنيفة يقول فيها:... أقسم بالله إني لم أصالحهم حتى قَبِلَ من كنتُ أقوى به، وحتى عجف الكراع، وهلك الخف، ونهك المسلمون بالقتلة والجراح،... إنها صورة مؤلمة للحالة التي وصل إليها المسلمون من التعب والإنهاك والجراح. ولهذا تقول الرواية: إن أبا بكر سُرَّ بعد قراءته لهذه الرسالة. نهاية المتنبئة سجاح: سجاح بنت الحارث بن سويد كانت تعود بنسبها من جهة أبيها إلى بني يربوع، ومن هنا كانت على قرابة مع مالك بن نويرة، بينما تعود بنسبها من جهة أمها إلى بني تغلب الذين كانوا يقيمون في بلاد الرافدين، وهذا ما جعل الرواة يقولون بأنها كانت نصرانية أي على دين بني تغلب. وعندما بدأت حركات الردة خاصة بعد وفاة رسول الله (ص) وسمعت بردة طليحة ومسيلمة، بدأت بإعلان نبوتها وتبعها عدد كبير من بين تغلب ومن بني يربوع وسارت إلى منطقة نجد حيث أرسلت إلى مالك بن نويرة تقترح عليه مهاجمة المدينة المنورة معاً. ثم اتفقا على مهاجمة بعض القبائل المعادية لبني تميم وتغلب. لكن قواتها أخفقت في صدامها مع بعض القبائل في منطقة نجد فاتجهت مع أتباعها نحو اليمامة واجتمعت هناك بمسيلمة الكذاب وعرض عليها نصف الأرض، ثم عرض عليها الزواج فقبلت به زوجاً وجعل مهرها وضع صلاتين مما فرضه محمد (ص) وهما صلاة الفجر وصلاة العشاء. ثم لما بلغها سير خالد بن الوليد بقواته نحو منطقة اليمامة بعد أن قضى على حركتي طليحة ومالك بن نويرة، عادت إلى منطقة بلاد الرافدين وبقيت بين قومها من بين تغلب ثم عادت إلى الإسلام وحسن إسلامها. وتوفيت في عهد الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في مدينة البصرة، وقيل بل كانت وفاتها في مدينة الكوفة. في ختام هذا البحث أستطيع القول إن لخالد بن الوليد الفضل الكبير في توطيد أركان الدولة العربية الإسلامية وحفظ وحدتها، فهو القائد العسكري الأول في حروب الردة وصاحب اليد الطولى في قمع حركات المرتدين، التي كانت حركات تمرد وانفصال. فقد كان بحق سيف الله المسلول، دلّل على عبقريةٍ عسكرية نادرة اكتسب علومها من فطرة نشأ عليها منذ صغره ثم من خبراته التي حصل عليها في معاركه السابقة قبل إسلامه وبعده، ومن ميزات في شخصيته، منها جرأة منقطعة النظير، وإيمان يجعله يضحي بحياته في سبيله. أكثر الله من أمثاله في أمتنا العربية التي تعاني اليوم من كثرة التحديات والأعداء، وتحتاج إلى قادة كخالد بن الوليد سيف الله. مصادر البحث ومراجعه (1) تاريخ الطبري: ج 3، الطبعة الأولى المطبعة الحسينية المصرية (في أخبار سنة 11 هـ) (2) البداية والنهاية: لابن كثير، ج 5، الطبعة الثالثة دار الفكر 1998 (في أخبار سنة 11 هـ) (3) الكامل في التاريخ: لابن الأثير الجزري، ج 2، (في أخبار سنة 11 هـ، من ص 128 حتى 147) (4) أعلام النساء: عمر رضا كحالة، ج 2، الطبعة العاشرة مؤسسة الرسالة 1991 (5) خالد بن الوليد: الجنرال. أ. أكرم، ترجمة العميد الركن صبحي الجابي ـ دمشق 1976 (6) حروب الردة د. شوقي أبو خليل، الطبعة الأولى دار الفكر، دمشق 1984 م. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |