مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 88 - السنة الثانية والعشرون - كانون الأول "ديسمبر" 2002 - شوال 1423 هـ
Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:11 AM
فهرس العدد
 

خالد بن الوليد و معارك الفتوح ـــ د.محمد ضاهر وتر*

كان خالد يستنصر بالله (وما النصر إلاّ من عند الله)، كما كان يستمد العزيمة والمعنويات العالية والوثوق بالنصر من بعض شعرات من شعر رسول الله (، وضعها في قلنسوته الحمراء، يقاتل بها وهي على رأسه، ومن تسميته بسيف الله؛ وهو القائل "إن معونة الله تأتي على قدر النية" (الطبري –تاريخ الأمم والملوك: 2/603؛ وقد عدّه كثير من العرب والعجم بأنه من أعظم قواد العالم).‏

تضمن هذا البحث البنود التالية:‏

1- مقومات القيادة عند خالد بن الوليد.‏

2- الثوابت والمبادئ القتالية عند خالد، وقد تطرقت فقط إلى ثلاث مسائل، كانت تطبق في الماضي، وطبقت في الزمن المعاصر، وستطبق في المستقبل مع مراعاة الحداثة والظروف المحيطة وهي:‏

أ- السرعة في الأعمال القتالية والحركية العالية.‏

ب- التأثير النفسي على العدو.‏

جـ- الإعياء وأساليب الوصول إليه.‏

3- الأسباب التي أدت إلى انتصار خالد في معاركه.‏

خالد بن الوليد وأهم معارك الفتوح‏

خالد من بين القادة الذين حباهم الله بمقومات القيادة: القابليةِ البدنيّة، والقدرة العقليّة، ثم صقلهما بالخبرة والمعرفة.‏

طويل القامة يُرى من بعيد من بين أقرانه، وإذا ركب الفرسَ تكاد رجلاه تلمس الأرض، شثن الكفين والقدمين، عضلاته قوية، كشحُ البطن، عريض المنكبين، متسق الهيئة، وجهَه قد لوحته شمسُ الصحراء، يُرى عليه أثر الجدري، عيناه حادتان، تلمس فيهما الوثوبَ والجديّة والصرامة والعزيمة؛ كان مصارعاً في سوق عكاظ، وقد تصارع مع عمر بن الخطاب في فتوّتهما، فصرع خالد عمرَ؛ ولقد أمسك بقائد معركة السلاسل القائد الفارسي (هرمز) فلم يستطع أن يتخلص من قبضته الفولاذية، وكان (هرمز) يعد من أقوى قواد فارس، وفي معركة مرج الصفّر أمسك خالد بياقة (كولوس) قائد حامية دمشق، ورفعه ثم رماه عن فرسه، ثم أمسك بـ (أدادير) القائد الثاني، بعد أن ضرب قوائم حصانه، فرفعه عن الأرض وهوى به، فكسر ساقه، وأخذه أسيراً.‏

وأما القدرة العقلية، فقد أوتي ذهناً متوقداً، ومحاكمة نيّرة، وفهماً للأمور، ولمحاً للمسائل المعقدة، وسرعةً في الإجابة؛ وقد شهد له رسول الله ( بهذه القدرة العقلية، فقال له: "إني أرى عقلاً رجوت ألا يسلمك إلاّ إلى خير" (ابن سعد –الطبقات: 252/4، 7/394) فهو في كل معاركه كما سنرى، يبرز مواهبهَ، فيقاتل عدوه بطرق فيها الجِدّة والابتكار، ففي معركة (الوَلَجة) التف على عدوه، وهاجم مؤخرته، وفي معركة (المُصَيَّخ) اتخذ قتال التلاقي لألويته الثلاثة، ففي كل معركة شكل من أشكال القتال التكتيكية والاستراتيجية.‏

ولما جاء دور العلم وصقلُ الموهبتين، قام خالد ونشأ في عائلة وفي بيئة تمجد القتال، فقد كان بنو مخزوم مسؤولين عن التدريب، وعن تعليم القتال على أسس صحيحة كما كانوا يرونها، ولقد تعلم خالد منذ نعومة أظفاره صنعة القتال: ركوبَ الخيل وفنونَ القتال، والضربَ بالسيف، والطعن بالرمح، والرميَ بالقوس، أكان راكباً أم مترجلاً، حتى غدا في بني مخزوم وفي قريش يضرب به المثل في هذا العلم؛ ولذا فقد حاز على هذه المقومات التي ذكرها الله بقوله: (قَال إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادهُ بَسْطَةً في الْعِلْمِ والجِسْم( (سورة البقرة- الآية 247).‏

لقد جاءت حروب الردة، في زمن أبي بكر الصديق، تدريباً لخالد، وصقلاً لموهبته القتالية، فقد تعلم من تلك الحروب الاستمرار في القتال دون أن يترك لأعدائه فرصة الانتظار والتحضير، والضغط المستمر على خصمه، وعدمَ إتاحة أي وقت حتى مجرد التفكير أو التصدي والردَّ على العدو بحزم وشدة بحيث يذيقه أشدَّ الضرر، ويسومه سوءَ العذاب، والحمايةَ لمؤخرة الجيش لأن القبائل التي كان يقاتلها خالد بن الوليد اعتادت حرب العصابات، ولا تزال تمارس هذا النوع من القتال، فكانت مجموعات الحماية من مهمتها: درءُ الأعراب المرتدين، ووقايةُ مؤخرة الجيش الإسلامي والأنساق الأخيرة، والانقضاضُ العنيف نحو مركز القيادة وقتل القائد، ويقتله يضطرب العدو وينهزم، كما حصل تماماً عندما حمل خالد على مسيلمة بهجوم عاصف، فأدبر هارباً حتى قتله، والحذرُ الشديد أثناء التقدم والاقترابُ من الأهداف، فكان لا يتقدم إلاّ باستطلاع وبثِّ العيون، وإرسالِ الدوريات والطلائع؛ كل ذلك حتى يأمن من المفاجأة، ومن الكمائن المنصوبة، ومن الغارات المفاجئة، والمطاردة أي التماس المباشر المتوازي والمتلاقي حتى لم يترك للعدو فرصة لإعادة تنظيمه، أو استكمال قوته، كما حدث مع قوات مالك بن نويرة، وكما حدث لقوات مسيلمة حين التجأت إلى حديقة الموت، فلم يغن عن هذا الالتجاء شيئاً، ولم يشفع لها انسحابُها من ساحة القتال.‏

بعد أن اكتسب خالد خبرة قتالية في حروب الردة، وجهه أبو بكر لفتوح العراق، وكانت أهم معارك هذا الفتح: كاظمة (السلاسل)، المذار، الوَلَجَة، أُلَّيْس (نهر الدم)، أمغيشيا، الحيرة، الأنبار (وقعة ذات العيون)، عين التمر، دومة الجندل، الحَصيد، المُصَيَّخ، الزّميل والثني، الفِراض. وقد نظمت في هذه المعارك جدولاً بينت فيه: اسم المعركة وتاريخها، ومكانها، وحجمَ الجيوش المتقاتلة وقياداتها، وفنَّ القتال وأشكاله التكتيكية والاستراتيجية، وكان هذا الحقل أهم ما في هذا الجدول، وكان آخر حقل في هذا الجدول هو النتائج؛ وإني سأتناول في هذا بعض المسائل التكتيكية والاستراتيجية التي كان يطبقها في فتوح العراق والشام.‏

أولاً: السُّرعَة في الأعْمال القِتَاليَّة والحركيّة العالية‏

ذلك مبدأ من مبادئ القتال الذي استخدمه كبار القادة في القديم أمثال هانيبال، وفي الحديث أمثال رومل ومونتوغمري، ويبقى هذا المبدأ معمولاً به في الحاضر والمستقبل، مع التطوير والتحديث طبقاً للمسائل التالية:‏

1-قرار القائد السريع الذي يعتمد على جميع المعطيات والمعلومات عن الصديق والعدو والأرض الصحيحة، إذ كان خالد يتميز بسرعة إعطاء القرار ضمن المهلة المحددة، حالما تأتيه المعلومات، ففي معركة كاظمة قرر وبسرعة القتالَ بحركية عالية، وبمناورة واسعة، فقد دخلت المعلومات عقلة ودماغه؛ أما الآن فقد صُنِعتْ أجهزة إلكترونية، تتلقى وتُصْدِر بأسرع مما كان في السابق، وسيكون الغد أسرع مما هو الآن.‏

2-وسائط نقل الجند والسلاح، إذ كانت على الإبل والدواب والسفن والقوارب البسيطة، ثم تطورت إلى العربات والبنادق التي تطلق قذائفَها رشاً ودراكاً، ثم تطورت إلى الطائرات السريعة التي تسبق سرعتها سرعةَ الصوت، وازدادت المسافات، وصارت الأرض كلها مسرحاً عملياتياً، يمكن للقاذفات وللصواريخ أن تصل إلى أية بقعة من الأرض في زمن قصير جداً؛ وكان خالد في زمانه يسبق عدوه في هذا المجال وفي الوصول بسرعة قبل خصمه، ففي معركة الوَلَجة وصل قبل الجيش الفارسي، ووجه إليه ضربة سريعة أفقدته وعيه؛ فالسابق بزمن قبل خصمه هو الذي سيربح المعركة، فإذا انطلق صاروخ، قبل أن ينطلق الصاروخ المعادي، أو أنهما انطلقا بوقت واحد، وكانت سرعة أحدهما أكبر من سرعة الآخر، فإن النصر لمن سبق.‏

3-تخفيف مؤخرة الجيش، أي أن يكون الجيش ذا حركية عالية، وسرعةً في التقدم، وهذا ما كان عند خالد، فإن جيشَه لم يكن له مؤخرة، فهو يتنقل على الإبل أثناء المسير، وعلى الخيل أثناء القتال، ويكفي الجيش من الطعام أن يتناول أفرادُه بضعَ تمرات؛ أما الجيش الفارسي، فكانت مؤخرته ثقيلة، لا يستطيع أن يتقدم بسرعة، ولا يستطيع أن يتنقل إلاّ على طرق ممهدة على الأقل، بعكس الجيش العربي الإسلامي الذي كان يقوده خالد، وكانت هذه السرعة والحركة تعوض الفرس للاضطراب والفزع حتى أن بعض قياداتهم تفر، وتنسحب قبل وصول خالد إليها، كما حدث في فتح الأنبار، إذ فرَّ حاكمها؛ وفي 12 أيار 1940 اندفعت القوات الألمانية بسرعة نحو فرنسا وهاجمت واستولت على عدة مدن، وبقي الهجوم متواصلاً حتى 19 أيار، وقد قطعوا (350) كم خلال مدة بسيطة؛ وكانت مؤخرة الجيش لا تحد من هذا الاندفاع السريع؛ وإذا ما قارنا بين الحركية في الحربين العالميتين، وبين الحركية في فتوح خالد للعراق وبلاد الشام،لوجدنا حركية خالد أسرع وأقوى اندفاعاً من الحركية التي استخدمت في الحربين العالميتين، مع الأخذ بعين الاعتبار تطور وسائط النقل الدبابة مقابل الفرس، والتقنية في مساعدة القائد مقابل المسائل العادية في اتخاذ القرار؛ واجتاح الجيش الألماني فرنسا في أيار 1940، وقطع مسافة 350كم خلال أحد عشر يوماً؛ واجتاح الجيش الإسلامي العراق ومواقع الفرس في نيسان 633 خلال سنة تقريباً، وقطع مسافة بين ذهاب وإياب، وبين مناورة، وبين إنقاذ جيش عياض في دومة الجندل أكثر من ألفي كيلومتر:‏

ثانياً: التأثير النفسي‏

1- هو مجموعة الأعمال التي كان يقوم بها خالد للوصول الانهيار المعنوي للخصم، وإلى استلامه أو هربه، وقد طُبق هذا المبدأ من قبل قادة عسكريين في الماضي أمثال نابليون عام 1796-1797، و(هانيز غودريان) عام 1940. وللوصول إلى هذا التأثير كان خالد يقوم بما يلي: 1-الهجوم الشديد والعنيف كما حدث تماماً في معركة (أُلَّيْس) في الأسبوع الأخير من صفر سنة 12هـ- الأسبوع الثاني من أيار عام 633م، فلم يثبت الجيش الفارسي ومن معه من الفرس والعرب، وقتل منهم الكثير حتى جرى الدم عبيطاً؛ وكما كان في دومة الجندل.‏

2-قتل قائد جيش الخصم، وبقتله تنهار معنويات جنده، فقد قتل (هرمز) قائد الجيش الفارسي في معركة الكاظمة، وقتل الجودي بن ربيعة قائد القبائل العربية المدافعة عن حصن دومة الجندل، كما قتل عقّة بن أبي عقّة في معركة عين التمر، إذ انقض عليه مع مجموعة من حراسه، فوصل إليه وهو في القلب، فانتزعه من بين جنوده، ثم قتله على مرأى من المشاهدين، كما قتل ربيعة بن بجير في معركة الثني والزميل، وهكذا كان أولَ ما يبدأ به القتال أن يغتنم الفرصة للانقضاض على القائد؛ وهذا الأسلوب لا يزال متبعاً حتى وقتنا الحاضر، وسيطبق في الحروب القادمة، إنه من الثوابت القتالية، فالجنود متى فقدوا قائدهم، فترت همتُهم، وهمد نشاطُهم، وضعفت معنوياتهم.‏

3-تكثيف الرمايات (رشقات النبال) على الأماكن الحساسة من أجسام المقاتلين الأعداء؛ ففي معركة الأنبار، وفي حصار هذه المدينة، كان النبّالة من الجيش الإسلامي، إذ لما أمرهم خالد –وهم ألف- أن يرموا العيون، فرشقوا رشقة من ألف نبال، ثم أتبعوها برشقة أخرى سريعة، ثم ثالثة، وكانت حصيلة هذه الرشقات أن فقئت عيون ألف مقاتل من مدافعي هذه المدينة، فهربوا مذعورين، وهم يقولون "ذهبت عيون أهل الأنبار". وهرب معهم قائدهم؛ وهذا الأسلوب أيضاً لا يزال معمولاً به حتى هذه الأيام؛ وقد كتب تشرشل في مذكرته في 3 أيلول 1940 "يجب أن نزيد من وسائلنا لنقل أكبر حمولة من المتفجرات في أجواء ألمانيا لسحق صناعتها سحقاً تاماً وبنيتها العلمية التي يرتبط الجهدُ الحربي والتنظيمُ الاقتصادي للعدو". وقد شمل القصف فيما بعد ذلك القوى المدنية والعسكرية على المستويين التكتيكي والاستراتيجي، وجاءت القنبلة الذرية تتويجاً للقصف الكثيف والمدمّر.‏

4-السمعة القياديّة لشخصية خالد‏

إن شخصية خالد وهيبته القيادية، وشجاعته وجرأته، وأنه لن يهزم أمام أعدائه، كل ذلك قد أثّر نفسياً في صفوف العرب والفرس والروم، ففي معركة دومة الجندل، وقبل المعركة الثانية، كان خالد قد أُرسل بتكليف من قبل الرسول ( إلى دومة الجندل وذلك في منتصف شعبان سنة 9 هـ- تشرين الثاني عام 630م، فأسر أكيدر بن عبد الملك وصولح على الجزية، واليوم وبعد انقضاء ثلاث سنوات، يقف أكيدر والجودي بن ربيعة ومن معهما من القبائل العربية: كلب، غسان، وديعة، فيتصدون للجيش الإسلامي الذي كان بقيادة عياض بن غنم، فيسرع خالد لنجدته، فما أن سمع أكيدر بتحرك خالد باتجاه دومة الجندل، حتى حزم أمتعته، وخرج منها هارباً إلى بلاد الشام؛ وفرّ (آزاذبه) حاكم الحيرة، كما فر أكيدر؛ وقد سماه رسول الله (: سيف الله فقال: "فنعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلّطه الله على الكفّار والمنافقين".‏

ثالثاً: الإعياء‏

هو استنزاف قوة العدو المادية والمعنوية للوصول به إلى درجة الإعياء، بحيث لا يمكنه الاستمرار في الحرب إلى النهاية.‏

كان خالد يركز على العنصر البشري المعادي، فهو في كل معاركه مع الفرس والروم، إنما يكثر من إخراج كثير من المعركة، إمّا بالقتل، أو بالهرب إذ يفسح لهم المجال للهزيمة، وهذا ما حدث في معركة أجنادين، إذ هرب معظم الجيش الرومي إلى جهات مختلفة، وفي هذه الحالة يسهل على خالد أن ينتقم منهم وأن يهزمهم. وإذا أحصينا عدد القتلى في الجيش الفارسي لتجاوزت نصف مليون، ومن الروم أقل، ومن العرب أقل.‏

كان خالد يصل إلى هذا الإعياء بأشكال تكتيكية واستراتيجية؛ ففي أول معركة مع الفرس، استخدم التضليل والخدعة، فقد سار بجيشه على طريق كاظمة، وظن العدو أنه سيلتقي مع هذا الجيش بالقرب من هذه المدينة، أو على طريقها على الأقل، وحالما اتجهت قوات الفرس نحو كاظمة، حول خالد اتجاهه نحو الحفير، فاضطر هرمز أن يحول تركه نحو هذا الاتجاه، وما أن تحول وقطع شوطاً، تحول خالد إلى اتجاه كاظمة، فاضطر هرمز أن يعيد جيشه إلى كاظمة، فأصاب جيشه من الإعياء ما أصابه، ولاسيما أنه كان ثقيلاً بحركته وعتاده، وبهذا الشكل التكتيكي، استطاع خالد أن يفتح جيشه للمعركة، وينتصر على أعدائه؛ ويظهر هذا الشكل واضحاً في معركة اليرموك إذ أجل خالد هجومه لقوات الروم إلى اليوم الرابع، وكان خلال الأيام الأربعة متخذاً الوضع الدفاعي، حتى إذا وصل العدو إلى حد الإعياء، قام بهجوم معاكس، قضى فيه على الجيش الرومي وكبّده خسائر كبيرة؛ وهذا مبدأ طبق في الماضي في الحربين العالميتين، وطبق في حرب تشرين عام 1973، وطبّق الآن في فلسطين، وفي أمكنة من العالم على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.‏

وإنه لمما يزيد الإعياء إعياءً أن الجيش الرومي كان ثقيلاً بأفراده فأغلبهم من البدينين الذين لا يتحركون إلا ببطء وذلك من كثرة الطعام وقلة التدريب؛ ووسائط نقلهم ثقيلة، فهم يجرون بعرباتهم المؤن والألبسة والأعتدة، ونظام قتالهم بطيء وثقيل، إذ يربطون بالسلاسل أثناء القتال حتى لا يستطيع الجندي أن يقاتل إلاّ مع أفراد السلسلة؛ في حين أن أفراد الجيش الإسلامي كانوا على درجة كبيرة من الرشاقة والخفة والمرونة، وذلك لأن طعامهم كان بسيطاً غير معقد، وأن الغزوات والقتال المستمر المرافق للتدريب قد أكسبهم خفة ورشاقة في ميدان القتال، وكذلك فإن الجيش الإسلامي لا يملك عربات، ولا يقيد نفسه أثناء القتال.‏

لقد كان خالد في فتح العراق مبارزاً كبيراً ماهراً، سرعان ما يقضي على خصمه، وكان يجيد التطويق من المجنبات والخلف والأمام، فلم يترك للجيش الفارسي مجالاً في أن يتملص أو ينسحب كما حدث في معركة الوَلَجَة، وكان من أبرز القادة في حصار الحصون، فلم يزل على الحصار حتى يستسلم قائد الحصن ومن معه كما فعل بحصون الحيرة؛ وكان هادفاً في إعادة تنظيم جيشه كلما دعت الحاجة إلى ذلك بشكل يتناسب مع المهمة القتالية وقوةِ العدو وطبيعةِ الأرض كما فعل عندما تقدم إلى الأنبار، وقد أظهر خالد براعة في قتال التلاقي، فهاجم المُصَيَّخ من ثلاثة اتجاهات، وكذلك عند دخوله العراق قسم جيشه إلى ثلاثة تشكيلات، وهذا النوع من القتال كان يعطي خالداً حرية في القيادة، وسرعة في المناورة، والتعاونَ إذ يستطيع التشكيل الذي تقدم ونجح في مهمته أن يساعد التشكيل الآخر الذي اصطدم بمقاومات عنيفة حالت دون تقدمه، وتضليلَ العدو عن الاتجاه الرئيسي، وتحقيق المفاجأة، والتطويق؛ وطبق خالد في قتاله مع الفرس أيضاً تجزيء القوات المعادية، فكان يحارب كل جزء وحده ويتغلب عليه؛ ومن إيجابيات هذا المبدأ أنه حقق لخالد مبدأ التفوق على هذا الجزء لاسيما وأن القوات الفارسية مجتمعة كانت أضعاف القوات الإسلامية، واستخدم هذا المبدأ في معركة (أُلّيْس) عندما فصل نصارى العرب عن فارس وقاتلهم وحدهم؛ وفي معركة الحيرة عندما قتل ابن صاحب الحيرة مع مجموعة القتال، وأمر قادته بمحاصرة كل حصن على حدة، وفي معركة عين التمرحين فصل تشكيل عقّة بن أبي عقة من العرب وأسره، ولما رأى الفرس ما حل بعقة انهزموا، فطاردهم وقتل منهم الكثير؛ وبالمطاردة وهو نوع من أنواع القتال كان خالد لا يطارد وذلك بسبب إنساني، فإن الهارب أو الذي رمى سلاحه يتركه وشأنه، إنما كان على تماس مباشر مع العدو لئلا يعيد تنظيمه، أو أن يَنْضمْ إلى تشكيل من تشكيلات الفرس، وهؤلاء هم وحدهم الذين لا ينجيهم الفرار من القتل، وكان رسول الله ( ينهى القادة عن المطاردة، فإذا هرب وترك سلاحه، فإن الهاربين أو الذين استسلموا، أو الذين طلبوا الأمان، فإنهم كانوا جميعاً في مأمن من القتل، ومع شدة خالد في القتال فإنه كان يترك الهارب فلا يتعقبه إلاّ إذا تأكد انحيازه.‏

كان خالد يعلم أن القوة في الرمي، ولهذا فإنه كان يشدد على دقة الرمي، ويقوم بتدريب الرماة بشكل جيد، ففي معركة الأنبار ظهر دور هؤلاء الرماة، فكانوا من دقتهم يسددون على العيون فيصيبونها، وتدل هذه المعركة على دقة الرمي ومستوى التدريب الرفيع.‏

لقد كانت مهنة الجهاد محببةً إلى خالد، فهو يؤثرها على كل الأعمال ويجعلها في مقدمة اهتماماته، وكان يقول: "لقد شغلني الجهاد عن تعليم كثير من القرآن" (ابن حجر- الإصابة: 2/99).‏

وقد عبر عن حبه لهذه المهنة بقوله: "ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أحبّ إليّ من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية أُصبّح فيها العدو". (الذهبي –سير أعلام النبلاء: 1/269؛ 27).‏

من حرب الفرس إلى حرب الروم، ومن أرض العراق إلى أرض الشام، معارك كثيرة خاضها خالد قبل أن يتوجه إلى الشام حيث قاتل في الفراض الاتحاد المختلط من الجنسيات العربية والفارسية والرومية، فقضى عليها جميعاً، ومكث في الفراض عشرة أيام ثم عاد إلى الحيرة بانتظار الأوامر الجديدة من القائد الأعلى ومن مركز القيادة العامة في المدينة.‏

رأى أبو بكر أنه لا يتم النصر على الروم إلاّ بخالد الذي خاض معارك الردة والعراق فلم يهزم، فأرسل إليه يستحثه السير بسرعة إلى جبهة الروم، ونفذ هذه المهمة الشاقة في المسير؛ وإن خالد بن الوليد اقترن بأبي بكر الصديق الذي كان معجباً بقيادته وبخبرته القتالية، وبانضباطه العالي، وبخاصة عندما أتاه نبأ العزل فاستقبلهُ بكل طواعية، وبجوده وكرمه، وبشجاعته التي تعتمد على الإقدام دون التهور، وبتدريبه المتواصل الذي بدأه منذ أن كان يافعاً، واستمر به حتى آخر حياته، وبمعنوياته العالية التي كان يتمتع بها حتى في أعقد الظروف وأصعب المهام، وبشدته في القتال، وبحسه الحربي الذي لا يخطئ، وبأناته ووثوبه، وبتحمله للنصب والسغب، وتصرفه في حدود الفكرة العامة للقائد، وبقراره الصحيح النابع من معطيات صحيحة، وتقدير صحيح، وبعقيدته النابعة من إيمان بالنصر من عند الله.‏

كان خالد يحب أن يترك له حرية التصرف على المستوى التكتيكي، وألا يقيده القائد الأعلى بأمور هو ألصق بها، وأقرب إليها، ولما أراد أبو بكر أن يتدخل في الشؤون التكتيكية، وأن يفسد عليه خططه وتحركاته، قال لأبي بكر: "إما أن تَدَعني وعملي، وإلاّ فشأنك بعملك". (ابن حجر –الإصابة: 2/99). حقاً إنه القائد الذي تصرف بحكمة وشجاعة ومرونة وحركية عالية على مستوى المعارك التكتيكية.‏

لا يغريه مال من غنيمة، ولا يردده عن هدفه مكسب من عَرَض، ولا يسف إن جمع السلاح والأعتدة والأنعام، ولا يزهو بنفسه إن انتصر، ويصبر إن أصابته البأساء والضراء في الحرب، فغنم ما غنم من حصن العذيب، وفي معركة عين التمر، وظن العدو أنه متى ظفر خالد بهذه الغنائم، فإنه سوف يتلهى أو يتوقف عن القتال، لكن خالداً ظل محافظاً على هدفه، وأكمل فتح المدن والحصون؛ وفي منطقة البصرة بـ (كاظمة) نزل وتمركز اضطرارياً بعيداً عن الماء، فأوصى جنده بالصبر والاحتمال؛ وفي معركة الولجة –التي تبعتها انتصارات كثيرة في المذار وفي منطقة البصرة- أمر المقاتلين الابتعاد عن الغرور، وألا تأخذهم لذة النجاح والغلبة، وأن يكونوا على يقظة وحذرٍ، وجاهزية قتالية كاملة؛ وفي معركة أُلَّيْس استنصر بالله، وجاء ربه بقلب ملؤه الثقة والتواضع.‏

يعود انتصار خالد في فتوح العراق والشام إلى المبادئ القتالية ذات الدعائم والثوابت القوية التي تصلح في كل زمان ومكان في عصرنا وفي العصور الخالية، وفي العصور القادمة وهي: السرعة في الأعمال القتالية والحركية العالية، والتأثير النفسي، والإعياء، وإلى الأشكال القتالية المختلفة على المستويين التكتيكي والاستراتيجي كالهجوم الجبهي، والاختراق الجبهي (إسفين) والهجوم الجنبي (الخاصرة) أو (الخاصرتين)، والالتفاف القريب أو البعيد، والهجوم من المؤخرة، والهجوم على طول الجبهة (هجوم عام)، والهجوم بالقلب وتثبيت المجنبتين، والدفاع بصورة مؤقتة مع المحافظة على الهجوم لإعادة التوازن، أو الهجوم بالمجنبتين وتثبيت القلب، والهجوم المعاكس؛ كل ذلك كان خالد يفعله، وكذلك القواد الذين من أمثاله يستطيعون أن يقوموا بكل هذه الأشكال القتالية، لكن الجديد والبراعة عند خالد كانتا تكمنان في أنه كان يطبق هذه الأشكال طبقاً لما تقتضيه ظروف القتال، وحالة العدو والصديق، فيضع ويطبق كل حالة في زمانها ومكانها الصحيحين، وكأنها مفصلة تفصيلاً، ومطابقة تطبيقاً؛ وإن نسيت فلا أنسى ابتكار الأساليب والأنظمة القتالية الجديدة، لأول مرة في تاريخ الجيش الإسلامي، يبتكر خالد نظام القتال بالكتائب (الكراديس) وبالدفاع المتحرك في معركة اليرموك، وكان قبلها يقاتل الجيش بنظام الصفوف يقاتل وكأنه بنيان مرصوص، ويتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف، وهو مقيد بهذا النظام؛ وطبقاً لتفوق العدو في العُدَد والعدد، فقد شكل خالد ستة وثلاثين كردوساً بعدد ألف من المقاتلين بقيادة قائد؛ ومن مميزات هذا النظام المبتكر بأنه يساعد على الحرية في المناورة، والتحرك السريع في ميدان المعركة، وله تأثير كبير على إحداث الخروقات الكثيرة في صفوف العدو، وعلى الالتفات على مجنبتي العدو ومؤخرته؛ كما ابتكر (السد الزّاحف) في رماياته الكثيفة في معركة الأنبار، وكان من نتيجة ذلك أن هرع الناس، يتبع بعضهم بعضاً دون نظام، ودبت الفوضى في صفوف المدافعين، فلم يدر أحدهم أين يتوجه وأين يسير؛ كما يعود انتصار خالد إلى الدعم الذي لقيه من أبي بكر الصديق، وإلى التخطيط من قبل القيادة العليا في المدينة، وإلى متابعة القتال، وإعطاء التعليمات أولاً بأول، وإلى الإمداد المتواصل بالرجال والأعتدة والأسلحة، وإلى التعاون الوثيق فيما بين جيش خالد وبقية التشكيلات التي كانت تقاتل في تلك الجبهة كتشكيل عياض بن غنم، وإلى انضمام بعض التشكيلات الكبيرة كتشكيل المثنى بن حارثة الشيباني، وإلى تقسيم وتوزيع قطاعات القتال على القادة بما يتناسب وحجم الوحدات التي تهاجم تلك القطاعات (النطاقات)، ومع المهمة ومع قوة العدو، وإلى السرعة العجيبة التي كان يتنقل بها القائد العام من اتجاه إلى آخر، أو من منطقة إلى أخرى، أفلا تُعد سرعة كبيرة، عندما تحرك خالد من حدود العراق إلى دومة الجندل لإنقاذ جيش عياض، وإلى المناورة السريعة التي كان يجريها على جبهة القتال بالقوى والوسائط المتوفرة لديه، وإلى امتهان الجهاد (التخصص) في الأعمال القتالية، ورغبته الأكيدة في القتال، وإلى علمه الواسع في فن الحرب وأساليب القتال، وإلى لياقتِه البدنية وكفاءته القيادية.‏

لقد أثنى رسول الله ( على خالد: "نعم فتى العشيرة" وهو سيف من سيوف الله؛ وأثنى عليه أبو بكر الصديق فقال: "يا معشر قريش، عدا أسدُكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد" (الطبري، 2/563). وقال: "فمن يجزي عن جزاء خالد؟" (ابن كثير –البداية والنهاية: 7/115) وقال: "لأُنْسِيَنّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد (الطبري 2/603)؛ وقال عمر بن الخطاب: "كان والله سداداً لنحور العدو ميمون النقيبة". وقال: "رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أموراً ما كانت". (ابن كثير –البداية والنهاية 7/117). وقال: "رحم الله أبا بكر لقد كان حكمُ أبي بكر على الرجال خيراً من حكمي" (الطبري: 3/98)؛ كما أثنى عليه أبو عبيدة بن الجراح وبخاصة في مهارته ومعرفته بعلم القتال؛ كما أثنى عليه قواده الذين رافقوه في فتوحاته فقالوا عنه: "لا ينام ولا يُنيم ولا يخفى عليه شيء(.الطبري: 2/626).‏

وبعد، فإن خالد بن الوليد لم ينبغ في العرب ولا في غيرهم أبرع منه في قيادة الجيوش ، ولا أشجع ولا أحذق.‏

* عضو جمعية البحوث في اتحاد الكتاب العرب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244