|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 01:11 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
خالد
والبطولة في الفكر العربي المعاصر ـــ د.محمد جمال طحان * البطولة لغةً هي الغلبة على الأقران. وهي غلبة يرتفع بها البطل عمّن
حوله ارتفاعاً يملأ نفوسهم إجلالاً له وإكباراً. وقديماً كان البطل في القبيلة شخصاً مقدساً وكأنه يحمل قوى
خفية تدفع عن القبيلة الأذى. فالبطل لا يدافع عن نفسه فقط بل يدفع عن أفراد قبيلته الموتَ
وكأنه يهبهم الحياة، لذلك كانت بعض القبائل تعدُّ البطل من سلالة الآلهة. وهذا ما جعل هوميروس يكتب في القرن العاشر قبل الميلاد
ملحمتي "الإلياذة والأوديسا" تخليداً لصورة البطل في مخيلة اليونانيين. غير أن البطل العربي لم يكن من سلالة الآلهة وإنما هو
شخص بشري تتفجر بطولته من وجوده البشري لا من ينابيع إلهية أو قوى سحرية غيبية. البطولةُ العربية تُستمد من الواقع لا من الخيال، وهي بطولة
تستند على قوة الجسد والشجاعة التي قد يتخللها استخدام للسيف أو أي أداة مشابهة.
ولم يقف العرب بالبطولة عند جانبها الحربي وحسب بل اتسع معناها حتى شمل الخصال
الرفيعة كالصبر والحزم والحنكة:
وكذلك شمل معناها العفّة، وهاهو عنترة بن شدّاد العبسي يعتزّ
بالتعفّف:
وشمل معنى البطولةِ الحفاظ على الحقوق والكرم والدفاع عن المستجير،
وإغاثة الملهوف، والأمثلة كثيرة... ومن منّا لا يعرف قصّة المرأة المستجيرة مع
المعتصم؟ إنّما الذكرى تنفع المؤمنين.. فها هو المعتصم ينشغل بحرب
بابك ليقضي على ثورته في أذربيجان، فيغتنم تيوفيل الفرصة ويتجه بجيش جرّار من مائة
ألف مقاتل إلى أعالي الفرات ويحتل ملطية، ويرمي زبطرة بالمجانيق ويقتل أهلها
ويسبي نساءها..... وتصيح امرأة مستغيثة والروم يجرّونها في الأغلال: وامعتصماه،
وحين بلغته استغاثتها وهو بعيد عنها ، صاح: لبيكِ.... وأمر بالنفير للحرب، ثم ركب
فرسه في مقدمة الجيش، وكان قد سأل أي بلاد الروم أكثر مناعة؟ فقيل له عمورية، فنقش
اسمها على التروس والألوية وقصدها رغم تحذير المنجمين الذين تنبؤوا بإخفاق الحملة. لكن المعتصم لبّى النداء ومضى مسرعاً إلى فتح عمورية. تلك
الواقعة التي ترنّم بها كثير من الشعراء، حتى أثارت عمر أبو ريشة فراح يصوّرها
متأسياً على ما آلت عليه حالنا، يقول:
وتوالى ذكر الأبطال في التراث العربي، فمنهم طارق بن زياد..
وصلاح الدين الأيوبي وأبو فراس الحمداني وغيرهم.. ومن هؤلاء الأبطال
الصناديد خالد بن الوليد. ما الذي نعرفه عن خالد بن الوليد؟ أول غزوة خاضها خالد في الإسلام هي غزوة مؤتة، وكان له دور
فعال فيها وفي النصر على المشركين. وكان على رأس فرقة من المسلمين يوم فتح مكة واشترك في غزوة
حنين، وفي غزوة تبوك، وشارك في حروب الردة وأبلى بلاءً حسناً، وظل يقاتل قوم
مسيلمة حتى أخضعهم وقتل مسيلمة الكذاب. وكان صاحب القيادة الحكيمة والجرأة النادرة يوم اليرموك،
وكان له الفضل في فتح دمشق وغيرها. كما اشترك في حروب الفرس فهزمهم وقتل قائدهم هرمز. وإذا كانت البطولة تتمثل أحياناً في البطولة الفردية
المغامرة من أجل تحقيق الذات الخاصة في التمرد على التفرقة اللونية العرقية
أو الخروج على تقاليد القبيلة، فإن بطولة خالد تمثل ما يمكن تسميته بالبطولة
الجمعية، بطولة التضحية بالذات من أجل أن يعيش الآخرون بعدل وأمان، أو هي بمعنى
آخر، بطولة إنسانية نبيلة، تهدف إلى نشر العدالة ومحاربة الجور والفساد، أو هي
بالإجمال بطولة تمثل الضمير الجمعي الطموح لتطلعات الأمة. وهنا يظهر دور البطل الفردي في تغيير مسار الأحداث، حين تضعه
الأقدار في موقع المسؤولية. وكي نضرب مثالاً على ذلك ننتقل إلى السنة الثامنة
للهجرة حيث تلوح في الأفق قافلةٌ تمخر عباب الصحراء القاحلة، مؤلفة من ثلاثة آلاف
مجاهد... إنها سرية مؤتة التي خرجت لملاقاة هرقل الذي جاء بمئتي ألف من الروم ومن
القبائل التي انضمت إليهم. وكانت وصية الرسول r أن يتولى الجيش زيد بن حارثة ويكون نائبه جعفر بن أبي طالب فإن أصيب
تؤول القيادة إلى عبد الله ابن رواحة فإن أصيب يختار المسلمون بينهم رجلاً يتولى
القيادة. قاتل زيد بن حارثة حتى استشهد، أما جعفر فقد قطعت يمينه
فحمل الراية بشماله، وحين قطعت احتضن الراية حتى استشهد. فتولى القيادة عبد
الله بن رواحة ثم لحق بصاحبيه، فحمل الرايةَ ثابتُ بن أقرم من بني عجلان وسأل
المقاتلين عمن هو أجدر بحملها، فأجمعوا على خالد بن الوليد الذي لم يمضِ على
إسلامه سوى بضعة شهور. قبل خالد المسؤولية وبدأ في وضع خطة حربية تناسب الوضع..
وانتهز فرصة قدوم الليل فبدّل موضع الكتائب، حيث جعل الميمنة ميسرة وجعل مقدمة
الجيش في آخره. ورصد من خلف الجيش طائفة يثيرون الغبار ويكثرون الجلبة، فلما طلع
الصباح على الفريقين إذا بكل طائفة من الروم ترى قبالتها وجوهاً غير الوجوه،
وأعلاماً غير الأعلام، وسمعوا جلبة وقعقعةً للسلاح، فتوهّم الأعداء أن مدداً
جديداً أقبل على جيش المسلمين. ولما اندفع خالد للقتال يحاورهم ويداورهم ليفتح
ثغرة في صفوف الروم، ويؤمّن انسحاب الجيش، لم يتبعوه خوفاً من الكمين وظنوا أنه
يستدرجهم ليطبق عليهم.. وأبلى خالد فاندقّت في يده تسعة سيوف ولم تصبر معه سوى
صحيفة يمانية....... وكان هذا التراجع المحمي بشجاعة، غطاءً صالحاً للجيش الذي عاد
إلى المدينة بسلام حيث لم يستشهد في المعركة سوى اثني عشر رجلاً منهم القادة
الثلاثة الذين ندبوا للشهادة، وهكذا تبدّلت هزيمة جيش المسلمين إلى نصر حيث صمد
ثلاثة آلاف مقاتل مقابل مئتي ألف. أي أن كل مسلم كان يصمد أمام سبعين من أعدائه. فكيف ظهرت عبقريته الحربية؟ إن أجدادنا فسحوا الطريق لخالد الذي وجدوه أهلاً لإدارة
المعركة، فوقوا أنفسهم تبعات هزيمة محققة. وهذا يخالف الأساليب المعاصرة التي تمنع خالداً الجديد من
تحقيق إمكانياته، وتكتفي بتقريب أهل الثقة وتقديمهم على أهل الخبرة والاختصاص. وفي
رأيي أن البطولة، كما الأفكار العظيمة، هي شيء فردي، وكل ما يشاع عن التأليف
الجماعي والبطولة الجماعية ماهو إلاَّ أوهام تحمل شعارات غير قابلة للتطبيق، يهدف
أصحابها من إشاعتها إلى إثارة الحماسة في المجتمع لإيقاظ الروح الجماعية لديهم كي
تنهض الهمم، ويهبّ الناس من رقادهم؛ ولكنّ بناء النفس البشرية لا يستجيب بشكل عملي
إلى مثل هذه الدعوات، لأن الولادة حدث فردي، والخلاص في الإسلام وفي الديانات
السماوية كلّها خلاص فردي ]يوم لا ينفع
مال ولا بنون[،
كذلك عندما أتألم فإن أحداً، مهما كان يحبني، ومهما حاول أن يخفّف عنّي أو أن
يفتديني بنفسه فإنّ ذلك لن ينقل ألمي إليه، إنها أشياء غير قابلة للتبادل، ولأنّ
الرسول الكريم يدرك هذه الحقيقة عن النفس البشرية ويعرف منطق الخلاص، حرص على
إيصال الرسالة الدقيقة. هل يمكن أن يسلم خالد أو عمر أو سواهما إذا كان الإسلام
سيجعلهم أذلاّء مستصغرين؟ بل لقد آمنوا بعد أن أيقنوا بأنهم سيكبرون بالإسلام
ويفوزون بالدارين. ومع ذلك أقول: هل كان من الممكن لخالد أو سواه أن يكون بطلاً
لولا أصحابه؟ البطولة الفردية أمر قائم لاشكّ فيه، ولا يمكن إنكاره،
ولكنّه أيضاً أمر غير ممكن التحقّق بغير الجماعة التي تسمح له بالظهور، وتستمر في
دعمه حتى يؤتي ثماره، وهي ثمار تحقّق للبطل فرصة إثبات الذات، كما تحقّق للجماعة
فرصة الشعور بالأنفة والتميّز والتمتّع بالكرامة. خالد بطل.. نعم، وإن إتاحة الفرصة له كي تبرز مواهبه
الحربية، كان لها رافدان مهمّان: الأوّل تقديم خالد بوصفه أنموذجاً للبطولة
والتضحية والذود عن حياض الأمّة، والثاني قطع الطريق على المدّعين الذين يتسنّمون
قيادة الأمّة ثمّ يودون بها إلى الجحيم لأنّهم، بالأصل، لا يملكون موهبة القيادة
التي تؤهلّهم لأداء الرسالة التي تناط بهم. وهنا أيضاً تظهر عبقرية عمر الذي أتاح له بعد النظر أن يمارس
صلاحياته، بوصفه خليفة فيدافع عن خالد ويمارس دور الوقاية قبل أن يستفحل الأمر،
فيأمر بعزل خالد قبل أن تسوّل له نفسه أن يذهب بعيداً في الزهو وينتقل إلى سدّة
القيادة السياسية فيمارس الإدارة التي لا يعرف مفاتيحها، فيخسر نفسه على الصعيدين:
التخلّي عن ساحة المعركة التي يتقنها، والتورّط في الإدارة التي يجهلها، فيخسر
بذلك سمعته الجهادية، ويتأذّى المسلمون وهم ما يزالون يبنون دولتهم الفتيّة. النتيجة المستخلصة من هذا الحدث، ومن خلال قراءة جديدة له،
يبدو لنا، بمعنى من المعاني أنَّ الخليفة عمر، بحكمته المعهودة المدهشة، ساهم
بتكريس صفة البطولة لخالد بن الوليد، ومن حُنكته خالد الحربية أنّه حاصر مدينة
الأنبار وكانت مدينة حصينة محاطة بخندق عميق، لكنه كان قليل الصبر على الحصار فأمر
رماته أن يصوبوا سهامهم إلى عيون أعدائهم، وأن يرموهم في وقت واحد، فأصابوا نحو
ألف عين منهم، فسميت تلك الواقعة (ذات العيون). ثم طاف بالخندق وتخيّر أضيقَ نقطة فيه، فأمر بنحر الإبل
الضعيفة، وألقاها في الخندق حتى غطت ذلك الجانب فصنع بذلك جسراً عبر عليه جنوده
تحت غطاء من الرماة الذين أخذوا يرشقون حامية الحصن بالنبال، حتى استطاع اقتحام
الحصن وفتح المدينة. لكن خالداً يزهد في القيادة كما البطل الحق حين يجد طموحه
أكبر من القيادة التي لم تكن هدفه، ويساعده على استمرار الزهد قرار عمر بعزله. وقد
حدث ذلك في معركة اليرموك التي لم يجد أبو بكر خيراً من سيف الله المسلول خالد
لقيادتها، فأمره بالمسير إلى الجيش الإسلامي فيها حيث كانت تنتظره أربع كتائب من
المسلمين يقودها أربعة من الأمراء، اجتمعوا فيما بعد جميعاً تحت إمرة خالد. وهناك وقف خالد بجيش المسلمين خاطباً: (إن هذا يوم... من
أيام الله... لا ينبغي فيه الفخر لا ولا البغي، ثم أخلصوا جهادكم وأريدوا الله
بعملكم، وتعالوا نتعاور الإمارة، فيكون أحدنا اليوم والآخر غداً، والآخر بعد غد،
حتى يتأمّر كلكم....). وفيما كانت المعركة دائرة توفي أبو بكر وتولى الخلافة عمر
وجاء البريد بنبَأ عزل خالد ونقل الإمارة إلى أبي عبيدة بن الجراح، ولكن
خالد كتم الأمر خوفاً من الفتنة، وبايع الناس على الموت وأجابوه حتى انتصر جيش
المسلمين وهزم الروم وأعوانهم، حينذاك نزع خالد شعار الإمارة عن رأسه وتقدم من أبي
عبيدة ووضعه على رأسه وأتى بالراية بين يديه. هذا ما فعله خالد الذي كان يطلب
الشهادة ولا يطلب الإمارة. لم يتمرد على أمر الخليفة... ولم يستثمر هذا النصر
لمصلحته الشخصية فيقسم الجيش إلى خصمين... ولم يعلن العراق أو الشام أو
الحيرة أو فلسطين مملكة مستقلة لخالد، لأنه كان يقاتل في سبيل الله ومن أجل تحقيق
النصر للمسلمين المستضعفين في الأرض، فعلا بهم ودخل التاريخ من باب الأبطال
الفاتحين. وكذلك فعل الخليفة عمر بن الخطاب الذي لم يعزله خوفاً من منازعته أو
تمرده، وإنما فعل ذلك من باب الحرص عليه، وقد بيّن ذلك في حوار دار بينهما حين عاد
خالد إلى المدينة، وهو قلق من أن يكون قد ارتكب خطأ يوجب العزل: ـ لِمَ عزلتني يا أمير المؤمنين؟ أجابه عمر: ـ والله إني أحبك يا أبا سليمان؛ وما عزلتك يا بنْ الوليد
إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله. فالنصر لم يصنعه خالد
وحده، وإنما هو فرد استطاع أن يكون أنموذجاً جيداً للمجاهدين الذين يقاتلون تحت
قيادته فسار بهم إلى النصر الذي هو من عند الله.... هو نصر يحققه للذين يتبعون
قوله: ]وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل
ترهبون به عدّو الله واللافت لدى الشعوب هو التمسك بصورة البطل المنقذ المخلص و
ما ذاك إلا لأنهم يلاحظون واقعاً فاسداً تتلاحق فيه هزائمهم سنة بعد أخرى فيعمدون
إلى استدعاء البطل التاريخي:
وربما يُثار هنا تساؤل مسوَّغ: لماذا العودة إلى التاريخ
والبحث في ثنايا الماضي؟... وقد يكمن الجواب في انهيار البطولات في العصر الحاضر،
وسقوط الشعارات والإيديولوجيات وكثير من الأنظمة السياسية. هذه كلها جعلت الإنسان
المعاصر يلوذ بالتاريخ، ويبحث في ثناياه عن الرموز المشرقة والبطولات الحقيقية
الغائبة والمغيبة لهذه الأمة، تعويضاً لها عن خساراتها وهزائمها وراياتها المنكسرة
في شتّى معاركها، الوهمية والحقيقية. من هنا بدأت حاجة العربي إلى استحضار شخصيات
الماضي، متخذاً منها رموزاً إيحائية أو مباشرة، يعيد من خلالها لهذه الأمة حقّها
المشروع في أن تحلم مرة أخرى بعودة أمجادها، وبزوغ فجر مستقبلها المنتَظر. ومن هنا جاءت الحاجة إلى استلهام شخصية خالد الذي نذر
نفسه لنصرة الإسلام والدفاع عن المسلمين إنّه حنين إلى الماضي ماض غير محدد، لكنه محبب وأليف، رغم
اندثاره وانطفاء وهجه ويظهر ذلك في مشهد استحضار زمن خالد، مقارناً بينه وبين
الحاضر المتأزم. خالد هذا الذي كان يحرص في كل معركة أن ينال الشهادة، لكنّه،
رغم المعارك الكثيرة التي خاضها... مات على فراشه. يقول الواقدي إن خالداً لمّا
حضرته الوفاة بكى وهو يقول: ((لقد حضرت كذا وكذا زحفاً، ومافي جسدي شبر إلاَّ وفيه ضربة
سيف أو طعنة رمحٍ، أو رمية سهمٍ، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت
البعير، فلا نامت أعين الجبناء)). غادرنا تاركاً لنا هذا التساؤل الكبير (فلا نامت أعين
الجبناء) فهل نعي ما أراد؟.. * - باحث وقاص |