مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 93 و 94 - السنة الرابعة والعشرون - آذار وحزيران 2004 - المحرم وربيع الثاني 1424
Updated: Wednesday, June 30, 2004 01:02 AM
فهرس العدد
 

كلام في الحب ـــ رئيس التحرير

لن ألجأ إلى المعجمات القديمة والحديثة لأستنبط مفهوماً للحب؛ لأن المعجمات تنقل عن بعضها التعريف التقليدي للحب، وهو الرغبة الشديدة التي تنشأ عنها علاقة وطيدة بين إنسانين أو أكثر، والشائع الغالب أن الحب تلك العلاقة التي طرفاها واحدٌ من جنسين مختلفين، تنبعث لتلبي دوافع غريزية أفاض في الحديث عنها وعن وصفها علماء النفس وعلماء الاجتماع.

ونظراً لأن الحب ينبثق من غريزة بشرية، فقد مارسه أفراد الجنس البشري على مدار حقب التاريخ، فطفتْ على سطح التاريخ قصصٌ مختلفة تناقلتها أدبيّات الأمم، فخلّدها هذا التناقل على تتابع الأجيال والعصور.

ولكنني لا أبحث الآن عن هذا النوع من الحب، وبهذا المفهوم المعجمي الضيق، وخاصة أن مفهوم الحب لم يَعُد مقصوراً على العلاقة بين طرفين من جنسين مختلفين كالذكر والأنثى، وإنما اتسع مفهوم الحب فشمل حب الوالدين والأولاد والأهل عامة، ثم اتسع أكثر فشمل حب الوطن الذي جعله (فيرلين) الحب الأول بعد حب الله، وحب كل ما له علاقة بمنفعة مادية أو معنوية. وتجاوز هذه المفهومات، وخاصة عند المتدينين المؤمنين، إلى حب الذات الإلهية، وما صدر عنها من تعليمات وتشريعات مكتوبة بقصد خير البشرية.

واكبتْ كتابتي لهذا الموضوع ـ مصادفةً ـ منتصف شهر شباط الحالي وواكب ذلك مرور صديق لي على مكتبي، فلفتَ نظرَه عنوان هذا الموضوع في هذا الظرف بالذات، فقال لي: أظنك ستكتب مقالاً عن هذه البدعة التي وفدَتْ إلينا من جملة ما وفد من بِدَع الغرب، فتلقّفها المراهقون من شبابنا وفتياتنا، تلك البِدعة التي يسمونها (عيد الحب)، والتي يُنسب ابتداعها لقديس يزعمون أن اسمه (فالنتاين) في ظروف اجتماعية ودينية معينة، ونسجت حولها أسطورة، وإن شئت فقل أساطير. والأساطير تدخل العقل الجمعي فتتحول إلى تقاليد، والتقاليد تتحول عند المراهقين إلى حقائق، تصل عند بعضهم إلى مرحلة التقديس، وخاصة إذا كان للبدعة بريق يلاقي قبولاً في نفوسهم، ويكفي أن تكون هذه الظاهرة تحمل اسم (الحب) حتى يكون لها من البريق ما يعشي أبصار المراهقين، فعيد الحب ابتدأ ظاهرة أسطورية شعبية، وانتهى ظاهرة تجارية استهلاكية، يغري الشبّانَ والفتيات بريق (الحب) الذي يحمله (العيد) وما دروا أن أذكياء الاقتصاديين روّجوا لهذا العيد بدوافع تجارية، لينفقوا كل سلعة تحمل اللون الأحمر، وقد أفلحوا بهذا الترويج، وانطلت الحيلة على شباب هذا الزمان المفتون بالبدع، وخاصة شباب العالم الثالث الذي تعاورت عليه الإحباطات في شؤونها الخاصة والعامة، فوجد سلوته وبهجته في اللجوء إلى ممارسة هذه البدعة الظريفة، ولم يُدرك أن ممارسته لهذه الظاهرة العاتية تصرف اهتمامه عن ظواهر أساسية جادّة.

وأعتذر عن الكتابة في هذا الجانب من موضوع الحب؛ لأنني أخشى أن تكون الكتابة فيه نوعاً من التكريس له، والترويج لأفكاره، وما هذا الذي أردت، ومع ذلك قلت لصديقي: لقد كتبت عن هذا الموضوع ذات يوم في مكان آخر، وليس من الحكمة في شيء أن أعاود الكتابة عنه في صفحات مجلة تراثية.

أكتب الآن عن مفهوم (الحب) وقد فرغتُ من قراءة الكتب الكثيرة في التراث العربي، تمهيداً لإنجاز كتاب في هذه الظاهرة سميته (الحب والصداقة) من منظور التراث وعلمي النفس والاجتماع، ومنظور فلسفة الحب بصفته ظاهرة إنسانية تحرك العلاقات البشرية وتضبط الموازين الناظمة لهذا الكون. وجمعتُ في ذلك الكتاب نماذج صالحة وكثيرة من تحليل ممارسات عمالقة الشعراء والأدباء والمفكرين العرب لهذه الظاهرة تنظيراً وتطبيقاً، كما حاولت تفسير المخزون التراكمي الذي جاءت به قرائح عمالقة الحب عند العرب؛ وما تركوه من شعر ونثر وقصص أمتعت الأجيال العربية وغير العربية. حقباً طويلة من الزمان. ووقعتُ في التراث العربي على مصنفات على غاية من الدقة في التنظير لهذه الفكرة، فيها من التعمق والشمولية وصواب الرأي الشي الكثير، ككتاب (روضة المحبين) لابن قيم الجوزية، وكتاب (التعريف بالحب الشريف) للسان الدين بن الخطيب، وكتاب (طوق الحمامة في الألفة والآلاف) لابن حزم الأندلسي، و(مصارع العشاق) للسراج البغدادي، وكتاب (تزيين الأسواق) لداود الأنطاكي، و(أسواق الأشواق) للبقاعي، وإن أغريتك بالبحث عن مزيد من مثل هذه المؤلفات فاقرأ الفصل الذي ألّفه ابن النديم في (فهرسه) حيث عدَّد فيه عشرات المصنفات التي ألِّفتْ في هذا الفن.

وأظن أن كلمة ذلك العالِم الذي كان يتحدث عن خصائص الأمم صادقة عندما وصف العرب بأنهم (أمة حب) وكأنه أكَّد مقولة شاعرهم:

الحب في الأرض شيء من ملاحتها

 

لو لم نجده عليها لاخترعناه

فالأمة العربية من أشد أمم الأرض نزوعاً إلى الحب، وكأنّ شاعرها الآخر ينطق بكل لسان من ألسنة أفرادها عندما قال:

لولا المحبة في جوانحه

 

ما أصبح الإنسان إنسانا

من هنا أدخل إلى مدخل (الحب) ومن هذه المقاربة التي أطلتُ في التقديم لها أعبر إلى مفهوم الحب الذي أردت أن أكتب عنه.

فكتابتي عن الحب تتجاوز الحب القائم بين فردين، لتتناول الحب القائم بين الجماعات، أو بالأحرى الحب القائم بين أفراد جماعة وجماعةٍ أخرى، وهذا نوع من الحب قلَّ أن كَتَب عنه الكتّاب والأدباء، وتحديداً أوجزت الكتابة عن الحب الذي يطلبه الساسة الأمريكيون، الساسة القابعون في البيت الأبيض والبنتاغون يطلبون ـ على الرغم من كل ما يفعلونه من كبائر ـ من الأمة العربية والمسلمة أن يحبوهم، وأن ينبذوا ما في أنفسهم من كراهية وحقد، ويريدون من العرب أن يسمعوا ويطيعوا، ولهذا يكثر الحديث الآن في الصحافة والإعلام القول: (الاستماع إلى الطرف الآخر)، وهي كلمة حقٍ يُراد بها باطل، يطلب الساسة الأمريكان ـ ويحلو لهم أن يُسمّوا أنفسهم السادة الأمريكان ـ بطريقة دبلوماسية حيناً، وهمجيةٍ حيناً آخر، وخاصة بعد نشوة الانتصار التي حققوها على مجموعة من الأمم الضعيفة في السنوات الأخيرة، أخذتهم نشوة العزة بالإثم أن يقولوا: لقد اقتربنا من بلوغ هدفنا الأسمى بناء إمبراطورية القطب الأوحد، ولنرفع للناس شعار (العولمة) التي من أهدافها السياسية شن الحروب على الاستبداد وإحلال الديمقراطية ـ وهذه أيضاً كلمة حق يُراد بها باطل، يطلبون من العالمين: العربي والإسلامي أن يحبّوهم.

وأقول ـ متعجباً من طلب رجال السياسة الأمريكية مثل هذا الطلب، وهم يعلمون أنَّ مقومات الحب غير متوفرة، لا على المستوى الفردي، ولا على المستوى الجماعي. كيف يُقنِع (المستغِل) ـ بكسر الغين ـ نفسه بطلب المحبة من (المستغَل) ـ بفتح الغين ـ؟ ويبدو الطلب أشدَّ قِحةً بين (المحتَل) ـ واقرأها الآن مرة اسم فاعل ومرة اسم مفعول ـ كيف يستسيغ المحتَل لنفسه أن يغزو شعباً في أرضه، ويستثمر خيراته، ويُذل أبناءه، ويستبيح حرماته ومقدساته، ويحمله على أن يبدل مناهجه التربوية، وتقاليده الفطرية، ويهجر شريعته الدينية، ويطلب منه أن يحبه؟!

من سجايا الشعب العربي الفطرية، أنه محب ودود، متسامحٌ واسع الصدر، مضياف، طيب القلب، شيمته الإيثار لا الأثرة، ومن هنا لا أغالي إذا قلت: إنه ـ وبمعزلٍ عن كل المظالم التي يرتكبها الساسة الغربيون بحق الشعب العربي والمسلم ـ يحب الشعب الأمريكي ومن يدور في فلكه ـ أفراداً وجماعات، ويفرح للمنجزات التي يحققها علماؤه في غزو الفضاء لا في غزو الشعوب، ويبتهج للمنجزات العلمية التي يوظفها في خدمة الإنسانية، ويُكبر كل العقول التي صدَّرت للناس منجزات أفكارها الخيّرة للعالم كله، وشعار الشعب العربي الكلمة المأثورة: (الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)، ومن هنا يأتي (حبه) للأمة التي لا تكيل بمكيالين، ولا تميل كل الميل مع المعتدي على المعتدى عليه، وتستعمل (حق النقض ـ الفيتو) إذا أجمعت الدول على إنصاف الشعب المغلوب، ورفع الظلامة عنه.

كيف تطلبون من الشعب العربي أن يحب أمة تناصر عدوه الذي يحتل أرضه ويقتل أبناءه، ويهدم منازله، ويبيد مصادر عيشه ومقومات رزقه؟! كيف تطلبون من الشعب العربي أن يحبكم، وأنتم قد فتحتم صفحة الاستعمار الغربي بعد أن طُويت منذ ثلث قرن؟!

كيف قبلتم خديعة عدو العرب الأول ـ وأنتم تدَّعون الذكاء ـ عندما أقنعكم بتلاعبه بدلالات المصطلحات اللغوية، فسمَّيتم المقَاومة إرهاباً، والجهاد اعتداءً على المدنيين، والاستشهاد في الدفاع عن الوطن انتحاراً غير حضاري، وفوضى الحريات ديمقراطية، وتسليم ثروات الأمة بالإكراه تطبيقاً؟! وأسلحة الدفاع عن النفس أسلحة دمار شامل، وإخضاع الأمم وترويضها لإمبراطوريتكم سياسياً واقتصادياً وثقافياً متطلبات عصر العولمة؟! وسكتّم عمن يملك ـ فعلاً ـ  ترسانة دمار شامل كادت تتآكل مع الزمن لقِدَم تخزينها، وتفاعل مكوناتها، ومع ذلك تطلبون من الشعب العربي أن يحبكم؟! ما هذا المنطق العجيب في طلب الحب؟! والحب عند بني البشر عملية تبادلية، قوامها رضى الطرفين وفائدة المحبين، وحسبي أن أذكركم بشعر ذلك الشاعر العظيم الذي عاش  عمره في  بلادكم: أمريكا. تعلَّموا منه مبادئ الحب، وأكتفي بأن أقتطف لكم أبياتاً في (مبادئ الحب) من قصيدة طويلة. يقول فيها:

يا صاحِ، خذ علم (المحبة) عنهما

 

إني وجدت (الحب) علماً قيِّماً

واعمل  لإسعاد الورى وهنائهم

 

إن شئتَ تسعد في الحياة وتنعما

أيقظ شعورك (بالمحبة) إن غفا

 

لولا شعورُ الناس كانوا كالدُّمى

ما الكأس لولا الخمر غير زجاجةٍ

 

والمرء لولا (الحب) إلا أَعظُما

لو تعشق البيداء أصبح رملها

 

زهراً، وصار سرابُها الخدَّاعُ ما

لو لم يكن في الأرضِ إلا مبغضٌ

 

لتبرَّمتْ بوجوده وتبرّما

لاح الجمال لذي نُهىً، فأحبه

 

ورآه ذو جهلٍ فظنَّ ورجَّما

لا تطلبنَّ (محبة) من جاهلٍ

 

المرء ليس (يحب) حتى يفهما

فكرتُ أن أعتذر؛ لأنني خرجتُ عن منهجي في الافتتاحيات، فأطلتُ في الحديث، وخلطتُ عبق الأدب بنكد السياسة، ولكن تذكرت كلمات الذين ينظِّرون لوظيفة الأدب والفن، فعلمونا أن الأديب والمفكر مُطالب بأن يروّض قلمه لخدمة أمته، وأدبه في توعية الجيل الذي يعاصره، وهذا ما أردت.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244