مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 93 و 94 - السنة الرابعة والعشرون - آذار وحزيران 2004 - المحرم وربيع الثاني 1424
Updated: Wednesday, June 30, 2004 12:59 AM
فهرس العدد
 

قراءة في دالية حميد بن ثور ـــ د.بتول حاج أحمد*

ملخص البحث

هذا البحث هو قراءة للنص منبثقة من رؤية خاصة نتج عنها بعض المعطيات.

أولاً: انتظم القصيدة خيط شعوري شكلت فيه المرأة المهجوة حضوراً فاعلاً في إطار قاموس لغوي طابعه المميز خطاب أنثوي آخذ بعضه برقاب بعض، مما يدل على اهتمام الشاعر بتجويد السبك وإحكام البناء.

ثانياً: ألمحت القراءة إلى أن المرأة المهجوة هي زوجة الشاعر ولم يكن توظيف المرأة في النص الهجائي يمثل اتجاهاً سائداً في عصر حميد. كما أن البخل الذي هجيت به ليس صفة متأصلة فيها وإنما هو من قبيل حرصها على كيان أسرتها.

ثالثاً: كشفت القراءة عن براعة الشاعر في فن الوصف مستغلاً فنوناً بيانية شتى لتشكيل صورة المرأة المهجوة حتى بدا في كثير من الأحيان كالمعجب بها.

دالية حميد بن ثور الهلالي:

جُلُبَّانَةٌ وَرْهَاءُ تَخْصي حِمَارهَا

 

بفِي مَنْ بَغَى خَيْراً إليْهَا الجَلامدُ

عَريبيَّةٌ لا ناحِضٌ منْ قَدَامَةٍ

 

وَلاَ مُعْصِرٌ تَجْرِى عليها القَلاَئدُ

إزَاءُ مَعَاشِ لا يَزَال نِطاقُها

 

شَدِيداً وفيها سَوْرَةٌ وهي قاعِدُ

مُدَاخَلَةُ الأرْساغِ في كل إِصْبَع

 

من الرِّجْلِ منها واليَدَيْنِ زَوَائدُ

كأنّ مَكانَ العِقْدِ منها إذا بَدَا

 

صَفاً مِنْ حَزِيزٍ سَهَّلتْه الموَارِدُ

تَتَابَعَ أعْوامٌ عليها هَزَلْنَها

 

وأقْبَلَ عامٌ يُنْعِشُ الناسَ واحِدُ

عَضَمَّرَةٌ فيها بَقَاءٌ وشِدَّةٌ

 

ووَالٍ لها بَادي النَّصيحَة جاهد

إذا ما دعَا أجيْادَ جاءَتْ خَنَاجِرٌ

 

لَهامِيم لا يَمْشِي إليهنَّ قائدُ

فجاءَتْ بمَعْيُوفِ الشرِيعَةِ مُكْلِعٍ

 

أرسَّتْ عَلَيه بالأكُفِّ السَّواعدُ

فمَا زالَ يَسْقى المَحضَ حتَّى كأنَّه

 

أجيرُ أُناسٍ أغْضَبُوه مُبَاعَدُ

فَجَاءَتْ بذي أوْنَيْن أعْبرَ شَاتُه

 

وعُمِّرَ حَتَّى قِيلَ هَلْ هُوَ خَالدُ

وغَرَّرَهُ حتَّى استدَارَ كأنَّه

 

على القَرْوِ عُلْفُوفٌ منَ التُّركِ راقِدُ

فلمَّا أدَى واسْتَرْبَعْته تَرَنَّمَتْ

 

ألاَ كُلُّ شَيءٍ ما خَلاَ اللهَ بائِدُ

فَذَاقَتْه مِنْ تَحْتِ اللِّفافِ فَسَرَّها

 

جَراجرُ منه وَهْوَ مَلآنُ سانِدُ

إذا مَالَ من نَحْوِ العَراقيِ أمَرَّه

 

إلى نَحْرِها مِنْه عِنَانٌ مُنَاكِدُ

فلمَّا تَجَلَّى اللَّيْلُ عَنْهَا وأبْصرتْ

 

وفي سُدَفِ اللَّيْلِ الشُّخُوصُ الأباعِدُ

يَمِيلُ على وَحْشِيِّه فيُمِلُّه

 

لإِنْسِي‍ِّهِ منها عِرَاكٌ مُناجِدُ

يُقالُ لها جِدِّي هَوَيْتِ وبادِرِي

 

غِناءَ الحَمَامِ أنْ تَمِيعَ المَزَايدُ

فَعَضَّتْ تَراقِيهِ بصَفْراء جَعْدَةٍ

 

فَعَنْها تُصادِيه وعَنْها تُرَاوِدُ

تَأوَّبَها في لَيْلِ نَحْسٍ وقِرَّةٍ

 

خَلِيلِي أبو الخَشْخاش واللَّيلُ بارِدُ

فَقَامَ يُصادِيها فقالتْ تُرِيدُني

 

على الزَّادِ، شَكْلٌ بَيْننا مُتَباعِدُ

إذا قالَ مَهْلاً أسْجِحِي حَمْلقَتْ لَه

 

بزَرْقَاءَ لمْ تَدْخُلْ عليها المَراودُ

كأنّ حِجَاجَيْ رَأسِها في مُثلَّمٍ

 

من الصَّخْرِ جَوْنٍ خَلَّفَتْه المَوارِدُ

إذا الحَمَلُ الرِّبْعِيُّ عارض أُمَّه

 

عَدَتْ وَكَرَى حَتَّى تَحِنَّ الفدافد

فَقَامَتْ بأثْنَاءٍ من اللَّيْلِ سَاعَةً

 

سَرَاها الدَّوَاهي واسْتَنامَ الخَرَائدُ([1])

البناء الفني للقصيدة

هذه الدالية من جيّد شعر حميد بن ثور، وهي ذات وحدة في الغرض إذ لم يجاوز الشاعر هجاء المرأة إلى أي غرض آخر، وهو هجاء صادر عن عاطفة قوية سرت في أوصال القصيدة فأكسبتها بنية فنية متماسكة تجلت في القاموس اللغوي الذي التزم بالخطاب الأنثوي أو ما يلابسه في أغلب أبيات القصيدة على النحو الذي سنبينه.

جاء مطلع الدالية مفتاحاً ودليلاً على ما سيأتي من أبياتها:

جُلُبَّانَةً وَرْهَاءُ تُخْصي حِمَارهَا

 

بفِي مَنْ بَغَى خَيْراً إليْهَا الجَلامدُ

جمع الشاعر للمرأة المهجوة في صدر البيت صفات حسية تقابلها صفات خلقية، فهي جلبانة أي خشنة صخابة تبع ذلك وصفها بالحمق في قوله (ورهاءَ) أي حمقاء، وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر آثر في هذا المطلع وفي كثير من أبيات القصيدة لغة التلميح على لغة التصريح، فعندما أراد أن يصفها بقلة الحياء كنى عن ذلك بقوله (تخصي حمارها) "يقال جاء كخاصي العير إذا وصف بقلة الحياء"([2]). أما العجز فمؤداه أنها لا يرجّى منها خير، ولكن الشاعر وضعه في قالب تلميحي ينم عن اليأس التام حين قال (بفي من بغى خيراً إليها الجلامد) ولا يستبعد أن يكون الاسم الموصول (من) إشارة (لأبي الخشخاش) الذي سيرد ذكره لاحقاً وهو الذي جاء يلتمس عندها القرى وباء بالخيبة. أما من جهة القاموس اللغوي الأنثوي فنجد الصفات المؤنثة هي (جلبانة وورهاء) الأولى بالتاء والثانية بألف التأنيث الممدودة، أما الضمائر المؤنثة فهي الهاء في قوله (حمارها ولديها) كما أن الفعل (تخصي) يدل صراحة على المرأة ولذا لحقت به تاء المضارعة.

وفي البيت التالي نسب المرأة إلي بني عريب ووصفها بأنها نَصَف لا معصر ولا ناحض فـ (عريبية) صفة مؤنثة لحقت بها التاء أما (معصر وناحض) فهما صفتان مختصتان بالمؤنث كحائض ومرضع. و(قدامة) مصدر لحقت به تاء التأنيث ما (القلائد) فهي من مستلزمات الزينة لدى المرأة غالباً.

وفي البيت التالي وصفها بأنها (إزاء معاش) ولعلها صفة يستوي فيها المذكر والمؤنث بدليل بيت أحيحة بن الجلاح([3]):

ولكني خلقت إزاء مال

 

فأبخل بعد ذلك أو أنيل

(سورة) اسم مؤنث. و(قاعد) صفة تختص بالمؤنث كما ورد في الآية([4]) )والقواعد من النساء اللائي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة(. و(النطاق) مما تلبسه المرأة. أما الضمائر المؤنثة فهي الهاء في قوله (نطاقها) والضمير المنفصل "هي" في قوله (وهي قاعد).

وفي البيت التالي مواصلة لوصفها بالقوة الجسدية حيث جعلها قوية الأرساغ وأن امتهانها للأعمال قد نتج عنه نتوءات في أصابع رجليها ويديها. الصفة المؤنثة قوله (مداخلة) والضمير المؤنث الهاء في قوله (منها).

وفي البيت التالي وصف الشاعر أعلى صدرها وكنى عنه بقوله (مكان العقد) ولا يخفى أن هذه العبارة تشع بالسخرية إذْ لم يعد هذا النحر مكاناً للعقد بل تحول إلى مكان صلب كالصخرة، وهي ذات السخرية الخفية عندما أشار في بيت سابق إلى القلائد وهي من مستلزمات الزينة للمرأة. الضمير المؤنث الهاء في قوله (منها) وجاءت تاء التأنيث ملحقة بالفعل (سهّل).

وفي البيت التالي أشار الشاعر إلى أن المرأة قد كابدت أعواماً مما أدى إلى هزالها، ومن بعد أقبل عام إنعاش وبركة:

تَتَابَعَ أعْوامٌ عليها هَزَلنْها

 

وأقْبَلَ عامٌ يُنْعِشُ الناسَ واحِدُ

في عجز هذا البيت نَفَس من الآية الكريمة في خبر سيدنا يوسف عليه السلام )ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يَعْصِرون(([5]) ويلاحظ أن الفعل (ينعش) يبعث على الحيوية بعد الركود. ولم يأت اختياره للفظة (تتابع) مصادفة ولكن لأن الهزال أتى نتيجة التتابع. الضمائر المؤنثة الهاء في قوله (عليها) و(هزلنها).

وفي البيت التالي عاد الشاعر للإشارة إلى قوتها وشدتها فاستغل لفظ (عضمرة) التي تؤدي أصواتها هذا المعنى أي معنى القوة، ثم أدخل عنصراً لصيق الصلة بالمرأة هو الوالي أو الزوج وهو يحثها ويحفزها لمواصلة العمل وما أبعده من الوالي في رائية عمر بن أبي ربيعة([6]):

ووالٍ كفاها كل شيء يُهمها

 

فليست لشيء آخر الليل تسهر

أما النصيحة التي اجتهد في إسدائها لها فسيرد نصها في بيت لاحق. الأسماء والصفات المؤنثة هي (عضمرة، شدة والنصيحة) أما الضمائر فالهاء في قوله (فيها) و(لها).

والبيت التالي يفسر معنى (عام الإنعاش) المشار إليه آنفاً إذا صار للمرأة وواليها قطيع من الضأن، وأورد الشاعر اسم شاة (أجياد) يبدأ الوالي بدعائها لتحلب ثم يتبع باقي القطيع، تتمثل الأنوثة في هذا البيت في الضأن وصفاتها الخاصة (لهاميم وخناجر) والضمير المؤنث هو (هن) في قوله (إليهن).

ينطلق الشاعر في البيت التالي من مرحلة الحلب إلى مرحلة الخض التي ستقوم بها المرأة ولذا بدأ البيت بقوله (فجاءت) أي المرأة بوطب متسخ شبهه بالمورد الذي يعافه الناس لقذارته، ومع ذلك فقد كان الوطب يابساً ظلت تصلحه مثبتة إياه بحركة قوية، ومن المحتمل أن الوالي قد شاركها في هذا العمل لأن الشاعر استخدم لفظ الجمع في (الأكف والسواعد). الأسماء المؤنثة (الشريعة، الأكف والسواعد)

وفي البيت التالي ذكر أن الوطب احتاج لأن يبل بالمحض وهو الخالص من كل شيء والمقصود هنا اللبن، وشبهه في ذلك بالأجير المغاضب، وفي قوله (يسقي) إشارة إلى أن الوالي ربما قد شاركها في هذا العمل أيضاً.

وعاد في البيت التالي إلى ذكر الوطب الضخم فوصفه بأنه ذو لونين، والمعنى أنه جيء به من جلد شاة ذات لونين وهذه الشاة لم تجز زماناً، أي وفر صوفها، وتهكم الشاعر من هذا الصنيع إذ مهما عُمِّر فلن يخلد. وجعل الوطب مصنوعاً من جلد شاة وليس كبشاً ليوائم المنحى العام للقصيدة وهو الخطاب الأنثوي. ويظهر توكيد الشاعر لفاعلية المرأة وسيطرتها على الحدث من إيراده للفعل (جاءت) في هذا البيت وفي بيت سابق.

وفي البيت التالي جاء بضمير المذكر في قوله (فغرره) ليدل على أن الوالي هو الذي ملأ الوطب الضخم باللبن، وشبّه الوطب بشيخ لحيم كثير الشعر من الترك (ربما كانوا يتصفون بالضخامة) لم يأت بالمرأة في هذا البيت بل خصصه للوالي ليقوم بمهمة ملء الوطب الضخم باللبن ويترك لها مهمة خضه.

في البيت التالي أرادت المرأة التأكد من خثورة اللبن وجاهزيته للخض، فتأملت الوطب من جوانبه الأربعة، فسرها لضخامته وامتلائه، فترنمت ببيت لبيد (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ولكن الشاعر جاء بـ (بائد) لمكان القافية وتطالعنا تاء التأنيث في قوله (استربعته) و(ترنمت).

البيت الذي يليه يسير في ذات النهج، غير أنها ذاق اللبن لتستوثق من خثورته وهي تستمع مسرورة إلى جرجرته داخل الوطب. الأفعال المؤنثة (فذاقته) والضمائر المؤنثة الهاء في قوله (فسرها). ولا بد من التنويه أن تكرار حرف العطف (الفاء) في أغلب هذه الأبيات لم يأت مصادفة وإنما أريد به تأكيد التتابع والتلاحق في الحدث بلا توازن ولا كسل.

في البيت التالي تصوير دقيق لمكابدة المرأة مع الوطب فلم تكن طريقها لاحبة، فهي تجذب الوطب إلى نحرها فيعاسرها وينفلت منها، فتسيطر عليه لما وصفت به من قوة جسدية، ويلاحظ أنه ذكر (النحر) بينما كنى عنه من قبل بقوله (مكان العقد). الضمير المؤنث الهاء في قوله (نحرها).

في البيت الآتي أراد الشاعر أن يصور نفسية المرأة وهي تحدق في جنبات المكان توجساً من أن يأتيها الليل بطارق، جاء بتاء التأنيث في قوله (أبصرت) وبالضمير المؤنث الهاء في قوله (عنها).

في البيت الآتي تبدو وكأنها قد طردت هذا الهاجس، وعادت لإكمال مهمتها الشاقة إذ ينحرف الوطب يمنة فتميله بقوة إلى اليسار في حركة دائبة. جاء بالضمير المؤنث الهاء في قوله (منها).

وفي البيت الذي يليه يطالعنا الزوج وهو يحثها برغم جهدها لأن تنهي المهمة قبل طلوع الشمس لئلا تميع المزايد. جاء هذا البيت مشحوناً بإيحاء بليغ، فلم يصرح بأن الذي حفزها هو الوالي لأن الفعل جاء مبنياً للمفعول (يقال) ولكن قرائن الأحوال تشير إلى ذلك، ألم يكن الوالي في بيت سابق (بادي النصيحة جاهد)؟ ومن الواضح أن الشاعر قد جاء بنص هذه النصيحة في قوله (جدي هويت وبادري غناء الحمام أن تميع المزايد) و(غناء الحمام) كناية عن طلوع الشمس و(أن تميع المزايد) فيها مجاز إذ ذكر المحل ويريد الحالّ فالتي تميع ليست المزايد بل الزبدة الحالّة فيها، وقوله (هويت) دعاء عليها من الوالي. الضمائر المؤنثة ياء المخاطبة في قوله (جدي وبادري) تاء المخاطبة في قوله (هويتِ) والهاء في قوله (لها) ولا ننسى أن (المزايد) جمع مزادة ولذا رجع إليها بالفعل (تميع).

البيت التالي يجسد لحظة الإنجاز والظفر، حيث عضت المرأة تراقي الوطب وقد بدت لها الزبدة الصفراء الغليظة، زبدة لبن الضأن، فصارت تجمعها وتزيلها من جنبات الوطب، عبّر الشاعر عن هذا بقوله (فعنها تصاديه وعنها تراود). الأسماء المؤنثة (التراقي) والصفات المؤنثة (صفراء) و(جعدة) والضمائر المؤنثة الهاء في قوله (فعنها تصاديه وعنها تراود) وتكرار الضمير يدل على تكرار الحدث أما الحروف المؤنثة فتاء التأنيث في قوله (عضت) وتاء المضارعة في قوله (تصاديه وتراود).

البيت التالي يشير إلى أن حدسها قد صدق وهاهو زائر بعينه (أبو الخشخاش) يأتيها وقد اشتدت برودة الليل. الضمير المؤنث الهاء في قوله (تأوبها) و(قرة) اسم مؤنث.

في البيت التالي يظهر صراع من نوع آخر، فإذا كان الصراع في الأبيات السابقة صراعاً حسياً يتطلب جهداً وعرقاً فهو هنا صراع معنوي، ظهر أمامها طارق جائع مقرور، وصادف مجيئه لحظة الإنجاز. قام الضيف (يصاديها) ولم تأت هذه اللفظة إلا لتوائم رصيفتها التي ظهرت في بيت سابق حين كانت المرأة تجتهد في إزالة الزبدة جميعها من جنبات الوطب، فهل تطعمه ثمرة جهدها وقد ضنت بها على جنبات الوطب؟ وفي قوله (تريدني علي الزاد شكل بيننا متباعد) إشارة إلى أن هذه المرأة ليست ممن يحتفين بالضيف ويقدمن له الزاد بل جاءت عبارة (شكل بيننا متباعد) تحمل معاني اليأس التام من العطاء، ونرى فيها ظلالاً من مقولة الشاعر في المطلع (بفي من بغي خيراً إليها الجلامد) وقد ألمحنا هناك إلى أن (من) ربما كانت إشارة إلى (أبي الخشخاش). والشاعر هنا ينزع إلى التصوير القصصي فيجعل ( أبا الخشخاش) شخصية ثانوية مع شخصية المرأة ويدير بينهما حواراً. يشار للمرأة بالفعل الذي لحقت به تاء التأنيث (فقالت) ويعاد إليها بالضمير الهاء (يصاديها) وقد أوضحنا صلة المرأة عموماً بلفظة (زاد).

وفي البيت الآتي لم ييأس (أبو الخشخاش) بل حاولها ورجاها أن تلين بقوله (أسجحي) ولكن المرأة بدلاً من أن تلين نظرت إليه نظرة شرسة أوصدت في وجهه أبواب الأمل. ويلاحظ الضمائر المؤنثة في ياء المخاطبة في قوله (أسجحي) والهاء في قوله (عليها) أما الأسماء المؤنثة ففي قوله (زرقاء) وأما لفظة (المراود) فوثيقة الصلة بالمرأة لأنها مما يعينها على تجميل عينيها، وقد رأينا نظير ذلك في قوله (القلائد) و(العقد) ولكن هذه المرأة بعيدة العهد بهذه الأدوات.

البيت الذي يليه يصف حجاجي رأس هذه البخيلة أي العظمين اللذين ينبت عليهما الحاجبان بأنهما صلدان كالحجر الذي حول البئر، تماماً كما وصف أعلى صدرها من قبل. الضمير المؤنث الهاء في قوله (رأسها).

البيت الذي يليه صورة أخرى من صور بخلها ومن صور قوتها الجسدية، فهي إذا رأت أحد حملانها يسعى ليرتضع أمه عدت عدواً سريعاً لتمنعه وهذا معنى قوله (وكرى) حتى يسمع للأرض الصلبة حنين، وجعل الحمل ربعياً أي نتج في الربيع لأن هذا أقوى له. رجع الشاعر للمرأة بالفعل الذي لحقت به تاء التأنيث في قوله (عدت) أما الأسماء المؤنثة فهي لفظة (أم).

البيت الأخير

فقامت بأثناء من الليل ساعة

 

سراها الدواهي واستنام الخرائد

هذه المرأة تسهر لترعى شؤون الأسرة وتقوم بجميع الأعمال مهما صعبت، بينما الخرائد أي الحييات من النساء يغططن في نوم عميق، والمقابلة واضحة فقد جزم حميد بأنها ليست من هؤلاء الحييات حين صدَّر قصيدته بأنها (تخصي حمارها) الأمر الذي يتنافى والحياء. الأسماء المؤنثة (ساعة) و(الدواهي) و(الخرائد). الفعل (قامت) لحقت به تاء التأنيث وجاء بالضمير المؤنث الهاء في قوله (سراها).

وهكذا نجد أن الشاعر قد أورد للمرأة المهجوة في هذه القصيدة التي لم تتعد الخمسة والعشرين بيتاً أورد لها ثلاثين اسماً وصفة مؤنثة وما يلابسها (مما هو وثيق الصلة بالمرأة) ورجع إليها بخمسة وثلاثين ضميراً للمؤنث وما يلابسه (كإلحاق تاء التأنيث أو تاء المضارعة بالفعل) مما يؤكد وحدة الشعور واستحواذ موضوع القصيدة على وجدان الشاعر.

وما أعان على هذا التداعي والاتساق والتلاحم مجيء القصيدة في سياق قصصي، جسدت فيه المرأة المهجوة بكل صفاتها الآنفة الذكر شخصية محورية لها حضور واضح من أول القصيدة إلى آخرها، تلتها شخصية الوالي الذي بدا متسلطاً يستحثها مع مثابرتها وجهدها، وقد أعانها هو في إنجاز بعض المهام التي لم تقو هي عليها. ثم شخصية الزائر (أبو الخشخاش) الذي بدا هضيم الجناح لحاجته الماسة للطعام وإصرار المرأة على حرمانه برغم محاولاته، ولا يخفى أن هنالك شخصيات ثانوية أثبتت في السياق، كذكر الشاعر للحمار في مطلع القصيدة وذكره لقطيع الضأن، ثم تحديده لشاة بعينها (أجياد) باعتبارها أول ما بدأ بها الحلب، وإشارته إلى الشاة ذات اللونين التي صنع من جلدها الوطب، ولا ننسي الحمل الربعي وأمه، فقد كلف هذا الحمل المرأة جهداً لتعدو خلفه وتمنعه من أن يرتضع أمه، ويضاف إلى ذلك إشارته (للأجير) و(علفوف الترك) اللذين شبه بهما الوطب.

ولإثبات الحدث وتفعيله جعل له الشاعر حيزاً زمانياً (اختار أن يكون غالباً ليلاً) كقوله:

فلمَّا تَجَلَّى اللَّيْلُ عَنْها وأبْصرتْ

 

وفي سُدَفِ اللَّيلِ الشُّخُوصُ الأَباعِدُ

وقوله:

تَأوَّبَها في لَيْلِ نَحْسٍ وقِرَّةٍ

 

خَلِيلِي أبو الخَشْخاش واللَّيْلُ بارِدُ

وقوله:

فَقَامَتْ بأثنَاءٍ من اللَّيْلِ سَاعَةً

 

سَرَاهَا الدَّوَاهِي واسْتَنامَ الخَرائدُ

كما كان للحوار دور بارز في تفعيل الحدث. مثاله:

يُقالُ لها جِدِّي هَوَيْتِ وبادِرِي

 

غِناءَ الحَمَامِ أنْ تَمِيعَ المَزَايدُ

وقوله:

فقَّامَ يُصادِيها فقالتْ تُرِيدُني

 

على الزَّادِ، شَكْلٌ بَيْننا مُتَباعِدُ

وهناك حوار داخلي أو هو حديث النفس في قوله:

فلما أَدَى واستربعْته ترنَّمت

 

ألا كل شيء ما خلا الله بائد

وهناك حوار مزدوج اللغة لغته لدى أبي الخشخاش هي اللغة المعروفة أما لدى المرأة فهي لغة العيون التي كانت أبلغ من كل لسان:

إذا قالَ مَهْلاً أسْجِحِي حَمْلقَتْ لَه

 

بزَرْقاءَ لمْ تَدْخُلْ عليها المَراودُ

دالية حميد وهجاء الزوجة

ترجّح عندنا أن المرأة المهجوة في هذه الدالية هي زوجة الشاعر لأسباب عدة، أولها أن أبيات القصيدة وردت في (حيوان) الجاحظ مصدَّرة بـ (قال حميد يصف امرأته)([7]).

وثانيها يأتي من خلال استنطاق النص، حيث وردت الإشارة للوالي أي الزوج نصاً نحو قوله:

عَضَمَّرَةٌ فيها بَقَاءٌ وشِدَّةٌ

 

ووَالٍ لها بَادي النَّصيحَة جاهد

ورجوعاً إليه بالضمير في أبيات نحو:

إذا ما دعَا أجْيادَ جاءَتْ خَنَاجِرٌ

 

لَهامِيم لا يَمْشِي إليهنَّ قائدُ

الضمير في (دعا) يعود للوالي ونحو:

وغَرَّرَهُ حتَّى اسْتَدَار كأنّه

 

على القَرْوِ عُلْفُوفٌ منَ التَّركِ راقِدُ

الفعل غرره يعود للوالي. ونحو:

يُقَالُ لها جِدِّي هَوَيْتِ وبادِرِي

 

غِناءَ الحَمَامِ أنْ تَمِيعَ المَزَايدُ

الفعل (يقال) لم يسم فاعله ولكن القرائن السابقة تشير إلى الوالي.

كما أن النص احتوى على وصف تفصيلي دقيق للمرأة ناتج عن مشاهدة توائم أن يكون المتحدث زوجاً. مثال ذلك وصفه للنتوءات في أصابع رجليها ويديها وتأكيده لوجودها في كل أصبع من أصابع الرجلين واليدين:

مُدَاخَلَةٌ الأرْساغِ في كل إِصْبَعٍ

 

من الرِّجْلِ منها واليَدَيْن زَوَائدُ

ووصفه لأعلى صدرها وللعظمين اللذين ينبت عليهما الحاجبان:

كأَنَّ مَكانَ العِقْدِ منها إذا بَدَا

 

صَفاً مِنْ حَزِيزٍ سَهَّلتْه الموَارِدُ

 



* باحثة سودانية ، جامعة الملك سعود.

([1]) ديوان حميد بن ثور. 65 ـ 71. الجلبانة: المصوتة الصخابة كثيرة الكلام سيئة الخلق. الورهاء: الحمقاء. تخصي حمارها: بمعنى أنها قليلة الحياء لا تبالي ما صنعت. عريبية: من بني عريب حي من اليمن. الناحض: التي نحضَ أي كثر لحمها وترهل بسبب تقدمها في السن. قدامة: مصدر قديم. المعصر: التي بلغت شبابها وأدركت أو دخلت في الحيض أو راهقت. إزاء معاش: أي تدبر شئون المال. النطاق: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها فترسل الأعلى إلى الأسفل والأسفل ينجر على الأرض. سورة: أي وثوب وارتفاع. قاعد: القاعد عن الولد كما في الآية الكريمة )والقواعد من النساء اللائي لا يرجون نكاحاً(. مداخلة: أي قوية متماسكة. الأرساغ: الرسغ هو الموضوع المستدق بين الحافر وموضع الوظيف من اليد والرجل ومفصل ما بين الساعد والكف والساق والقدم. زوائد: أي عقد ونتوءات. عضمرة: العضمر البخيل الضيق. أجياد: اسم شاة. خناجر ولهاميم: أي كثيرة اللبن على التشبيه لها بالنوق. معيوف الشريعة: معيوف أي مكروه والشريعة مورد الشاربة. مكلع: إناء وسقاء كلع ككتف التبد عليه الوسخ مكلع أي متسخ. أرست: أي أثبتت. المحض: اللبن الخالص. أعبر شاته: أي وفر صوفها ولم يجزها. غرره: أي ملأه. العلفوف: الجافي والشيخ اللحيم المشعراني. القرو: الحوض الطويل ترده الإبل. خثر اللبن: أي صار غليظاً. استربعته: نظرت إليه من جوانبه الأربعة. الجراجر: الماء المصوت. العراقي: جمع عرقوة، الخشبة المعروضة على الدلو. النحر: أعلى الصدر. العنان: السير الذي يشد به الوطب. الوحشي: الشق الأيمن. الإنسي: الشق الأيسر. مناكد: أي معاسر. المزايد: جمع مزادة أي سقاء. جدي: أي اجتهدي. هويت: دعاء عليها. جعدة: أي غليظة. تأوبها: جاءها ليلاً. النحس: الريح الباردة. الحجاج: العظم الذي ينبت عليه الحاجب. المثلم: هو ما كسر حرفه. الجون: هو الأسود أو الأبيض. والكرْي: عدْوٌ سريع جداً. الفدافد: الأرض الصلبة. الخرائد: الحييات من النساء.

([2]) المعاني الكبير: 1/ 5998.

([3]) البخلاء: 2/135.

([4]) سورة النور الآية 60.

([5]) سورة يوسف الآية 49.

([6]) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 122.

([7]) الحيوان: 3/199. [ وتجدر الإشارة إلى أن العلامة الميمني محقق ديوان حُميد ذكر ص 65 أن حميدأ هنا يصف امرأةً نزل عليها هو وصاحب له يقال له: أبو الخشخاش، ثم فسرّ كلمة الوالي في البيت التالي بأنه القائم بأمر المال- هيئة التحرير].

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244