|
||||||
| Updated: Wednesday, June 30, 2004 12:59 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ووصفه لها وهي تقوم بمهمتها الشاقة في خض اللبن ناقلاً جميع تفصيلاتها، بحسبانه زوجاً يراقب امرأته وهي تؤدي واجباتها المنزلية يقول:
هذان البيتان يرصد فيهما الشاعر الزوج لحظات سرور الزوجة وقد رأت الوطب ملآن يسند نفسه، فذاقت اللبن من تحت اللفاف فوجدته قد خثر، فترنمت ببيت لبيد. أما الدليل الأخير الذي يقوي ترجيحنا أن المرأة المهجوّة هي زوجة الشاعر فهو تكرار هذا النموذج للمرأة في شعر حميد، كمقطوعته الدالية التي يقول فيها([1]):
وهذه الصورة لامرأته هي نقيض الصورة التي وردت في قصيدة سويد بن أبي كاهل([2]):
ويختم حميد مقطوعته بضيقه من السنين المجدبة التي تتابعت عليه، والديون التي تلاحقه، وإلا تزوج عليها مكسالاً كالغزال الأغيد، همها الأكبر هو سحق طيبها، خلافاً لامرأته التي تقوم بدباغة الجلود يقول:
ولا يخفى أن القصيدتين تشابهتا في الموضوع وهو هجاء الزوجة، والمرأة الموصوفة هنا تقوم بنوع آخر من الأعمال الشاقة هو دباغة الجلود وقد أشار إليها بقوله (المنيئة). ويلاحظ أنه هنا شكا من تتابع سني المحل عليه بينما في الدالية الأولى نسب هذا الشيء للمرأة حين قال:
أما المكسال التي أقحمت في هذه المقطوعة، فليست إلا ضرباً من الأماني التي لا سبيل إلى تحقيقها، فليبق الشاعر إلى جانبي شمطائه التي هي عون له على قسوة الحياة. والنموذج الثاني هو قصيدة حميد المشهورة في وصف الذئب التي يقول فيها([3]):
وصفت المرأة بأنها (ربة بهم) أي تقوم بأمرها وهي ساهرة تصل الليل بالنهار حرصاً على أداء مهمتها والحفاظ على كيان أسرتها، فإن كنّا في الدالية قد شاهدنا ذئباً من البشر هو (أبو الخشخاش) جاءها يلتمس زبدة جهدها المضني فصدته ولم تنفعه المحاولة، فإنها في عينية وصف الذئب بوغتت بذئب من السباع، هو أيضاً اشتد به الجوع في ليلة باردة، ولكن لا حيلة لها معه، ولذا تمكّن من أحد حملانها وخطفه ولعلها أعجبت بهذه المقدرة فيه وتمنت لو أن ابنها مثله:
النموذج الثالث من شعر حميد هو قصيدته اللامية التي أورد فيها قصة لشمطاء عانت من ضنك العيش ولم يكن لها بعل، فشاءت إرادة الله أن يأتيها البعل، ومن بعده الابن الصالح الذي صار رئيساً لقومه، ثم أصيب في الحرب وجاءها نعيه، فاشتد عليها الرزء حتى إنها أوشكت أن تقتل نفسها، ولكنه راجعها من بعد إذ لم يكن خبر موته محققاً. والذي يعنينا في هذه اللامية أن المرأة المذكورة فيها هي نفس النمط للمرأة المذكورة في سابقاتها وفي الدالية موضوع بحثنا، ومن ثم يحتمل أن يكون الشاعر هو البعل الذي قدر للشمطاء بعد طول انتظار([4]):
والنموذج الأخير أبيات قالها حين طلبت منه زوجته أن يسيرا معاً لأداء فريضة الحج فقال لها انتظري حتى نصير إلى سعة([5]):
تحسرت المرأة على الأعمال التي تقوم بها لتُعين الزوج على أعباء الحياة وذكرت هنا الغزل الذي من شأنه أن يضعف بصرها، ومع ذلك فالزوج يماطلها في تحقيق أمنيتها في أداء الحج مع كونه يستطيع، ولذا قالت (أعام وقابله)، ولا يغيب عنّا ما كان الزوج يلوّح به من الزواج عليها إذا صار إلى يسار في مثال سابق. دالية حميد وهجاء الزوجة بالبخل من أين جاءت شبهة وصف المرأة بالبخل في هذه القصيدة؟ جاءت شبهة البخل لسببين، أولهما الأبيات التي وصفت فيها وهي تسعى جاهدة لتستخرج كل ما في اللبن من الزبدة، وما يكتنف ذلك من جهد وعرق وخاصة إذا تذكرنا حجم الوطب وكيف كان يعاسرها:
وقوله:
ثم بعد الفراغ من الخض بدأت المرأة تجمع الزبدة بحرص لا تريد أن يبقى منها شيء عالقاً بالوطب:
وربما يكون الشاعر أبو تمام لثقافته الواسعة قد نظر إلى قصيدة حميد هذه حين قال في فتح عمورية:
ويضاف إلى ذلك البيت الذي وصفت فيه وهي (تعدو وكرى) لتمنع الحمل من أن يرتضع أمه:
والبيت الذي يصفها بأنها تضن على نفسها بالنوم لتنجز مهامها:
نستخلص من هذه الأبيات حرص المرأة على أسرتها وعلى أداء مهامها بإتقان مهما كلفها هذا من الجهد والعرق والسهر. أما السبب الثاني في شبهة البخل فهما البيتان اللذان يوضحان موقفها من الزائر الذي جاء يلتمس القرى:
لقد صادف مجيء الزائر لحظة فراغها من استخراج الزبدة بعد تلك الجهود المضنية، ولذا كانت أحرص ما تكون عليها وذهبت محاولات الزائر لها بأن تلين أدراج الرياح. وهكذا فإن البخل الذي نسب إلى المرأة في هذه الدالية ليس بخلاً مذموماً منبثقاً عن شح وسوء خلق وإنما هو من قبيل حرصها على الكيان الاقتصادي للأسرة، وتلتقي في هذا الأمر مع غيرها من النساء، يقول الدكتور أحمد الحوفي عن المرأة في هذا الشأن([6]) "إنها كانت أحرص على المال من الرجال ولعل أسباب ذلك أنهن أحفل بالثروة وتنميتها، ثم لأنهن أحسن تدبيراً للمال ولا يحفلن بثناءٍ ينقص المال ويسبب الخصاصة" وتوجد الكثير من المرويات الشعرية في حرص المرأة على صون مال الأسرة ومن ثم قد تلوم زوجها على الإنفاق. يقول حاتم الطائي مخاطباً زوجته([7]):
ويقول عمرو بن كلثوم([8]):
ولحميد بن ثور ذاته أبيات سوى هذه الدالية تسير في هذا المنحى هي قوله([9]):
يلاحظ مما سبق أن الزوجة تعطي نفسها الحق بأن تسائل الزوج في إنفاقه المال، والزوج ينفرد بالإنفاق ويغلب إرادة الزوجة بالإقتار لأنه صاحب المال والقادر على كسبه. والزوجة في دالية حميد لم تكن فقط حريصة على مال زوجها بل كان لها دور عملي في الحفاظ على الكيان الاقتصادي للأسرة من خلال ممارستها للكثير من الأعمال كرعاية البهم، خض اللبن، دباغة الجلود والغزل، إذاً فهي مشاركة بجهدها، وليس غريباً أن تتشبث بثمرة هذا الجهد، ولا بد أن براعة الشاعر في وصفها بالقلب صياغي ساخر هو الذي دفع إلى هذه الشبهة، ويبدو الشاعر كالمعجب بهذا الصنيع منها وما هجاؤه لها إلا محض سخرية من زوجة نكدية. مدح تحت عباءة الهجاء: هذه القصيدة موضوعها هو الهجاء ولكن المتأمل يلاحظ أن هذا الهجاء يحمل بين طياته في كثير من الأحيان مدحاً خفياً، ويتجلى هذا التنازع في مظهرين، أولهما إتيان الشاعر بصفات جسدية أو معنوية معيبة للمرأة لتنافيها مع رقة الأنثى، ولكنّا نلمح من ورائها إعجاباً خفياً منه بهذه الصفات، ثانيهما نزوع الشاعر إلى أسلوب أشبه بالتضاد تتراوح فيه اللغة بين الدلالة على المعنى والمعنى المقابل له مع احتمال ترجيح أحدهما. لعل مطلع القصيدة هو أول مثال على المظهر الأول، فقد وصفت فيه المرأة بقلة الحياء لخصائها للحمار ولكن لا يخفى أن الشاعر بدا كالمعجب بهذه الجراءة وهذه الدربة وهذا المراس:
ومن أمثلته قوله يصف أعلى صدرها والعظمين اللذين ينبت عليهما حاجباها وتشبيههما من المدرك الحسّي بالحجر حول البئر وقد سهلته آثار الواردين فجسَّد بهذا التشبيه صلابة هذين الموضعين من جسد امرأته، ولم ينس ما عليهما من تجاعيد، وهي بلا ريب صورة معيبة و لكنها بلا ريب أيضاً تحمل إعجاباً خفياً بهذه القوة:
ومنها قوله واصفاً إياها وهي تعدو وراء الحمل الربعي لتمنعه من أن يرتضع أمه وتضرب الأرض الصلبة بقوة حتى يسمع لهذه الأرض حنيناً وفيها نلمح إعجاب الشاعر بقوة امرأته:
أما المظهر الثاني فيتجلى في قوله:
وصفت المرأة في هذا البيت بأنها نَصَف أي بين (المعصر المتزينة بالقلائد) وبين (الناحض التي تقدمت بها السن) فالصفتان المتضادتان (ناحض) و(معصر) وردتا بالنفي لعدم استقرار الشاعر على نعت المرأة بإحداهما على سبيل القطع. وفي قوله:
أثبت لها في أول البيت صفة محمودة هي (إزاء معاش) أي هي تدبر شؤون المال، ثم وصفها بالقوة وكنى عنها بشدة النطاق، وأن لها تحفزاً وهباباً ولكنه جاء في آخر البيت بلفظة (قاعد) أي المتقدمة في السن وهي لا توائم الصفات السابقة، فلا ندري هل هو متأرجح بين أن يمدح قوتها ويذم تقدمها في السن؟ أم هو يريد أن يمدحها بالقوة مع تقدمها في السن؟ وفي قوله:
وصفها بأنها لا تنام، دائبة لتنجز أعمالها خلافاً للحييات من النساء اللائي لسن لشيء آخر الليل يسهرن فقابل بين (سراها) و(استنام) وبين (الدواهي) و(الخرائد)، ولا يخلو الأمر من إعجاب خفي بمقدرتها على السهر وعلى الإنجاز. أما البيت الذي يمثل هذا المظهر خير تمثيل فهو:
لا تفوتنا الإشارة أولاً إلى تأكيد الشاعر للتعبير بالحركة الجسدية عن طريق العين "وتعد حركة العين أو ما يسمى بالسلوك العيني من أهم الحركات الجسمية ويقصد بالسلوك العيني طريقة النظر بالعينين"([10]) وبالعودة لبيت حميد نلاحظ الترجُّح في شطري البيت، إذ في الصدر قول حقيقي من أبي الخشخاش يرجوها أن تلين، عبر عنه بلفظة (أسجحي) التي ترد في معاني اللين والعطف. مثال ذلك قول عبد يغوث الحارثي([11]):
يقابل (أسجحي) في عجز بيت حميد لغة الحركة الجسدية بالعين المُعبَّر عنها بلفظة (حملقت) التي أغنت عن أي مقال. أما قوله (بزرقاء لم تدخل عليها المراود) فهي في صفة العين وتحتمل الهجاء لأن العرب تعد كل أزرق العين لئيماً. قال الشاعر([12]):
ويرون أن زرقة العين مما يدل على العداوة. ورد ذلك في أبيات الشمّاخ في رثاء سيدنا عمر (t)([13]):
السبنتى هو النمر وهو لئيم أزرق العينين. وتحتمل المدح باعتبار زرقة العين تعني الصفاء تشبيهاً لها بصفاء الماء، قال زهير([14]):
كما تحتمل المدح أيضاً على تشبيهها بزرقاء اليمامة التي اشتهرت بقوة بصرها. أما قوله (لم تدخل عليها المراود) فيحتمل الهجاء أي هي لا تكتحل لتجمل عينيها وجاء بـ (المراود) لأنها هي أداة الاكتحال، وتحتمل المدح في أنها تفوق الزرقاء حدة بصر لكونها لم تستخدم الإثمد لتكتسب حدة البصر كما هو مروي عن الزرقاء، بدا الشاعر مترجّحاً بين المدح والهجاء ولكنه قولاً واحداً لا يخفى إعجابه بهذه النظرة الشرسة التي حملقت بها لأبي الخشخاش ولها بريق مرعب كأنها لبوة، أما الوجه الآخر للإعجاب فهو ما أشرنا إليه من تشبيهها بعين الزرقاء. وهكذا نخلص من خلال هذه الإضاءات البيانية التي وقفنا فيها مع بعض أبيات القصيدة إلى أن هجاء الشاعر لامرأته لم يخرج من إطار السخرية. هذا وفوق كل ذي علم عليم. ثبت المراجع: -القرآن الكريم 2-البخلاء، الجاحظ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ت. 3-الحماسة، أبو تمام، تحقيق د. عبد الله عبد الرحيم، إدارة الثقافة والنشر، الرياض، 1401هـ/ 1981م. 4-الحيوان، الجاحظ، تحقيق. عبد السلام هارون، مصر، 1356هـ/ 1983م. 5-دراسات في علم اللغة، فاطمة محجوب، دار النهضة، مصر، د. ت. 6-ديوان حاتم الطائي، حاتم الطائي، دار صادر، بيروت، د. ت. 7-ديوان الحطيئة، المؤسسة العربيّة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، د. ت. 8-ديوان حميد بن ثور الهلالي، صنعة عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1371/1951. 9-ديوان عمر بن أبي ربيعة، دار صادر، بيروت، 1385/1966. 10-ديوان عمرو بن كلثوم، ط1 تحقيق: إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، لبنان 1411هـ 1991م 11-شرح أبيات سيبويه، ابن السيرافي، حـ1، د. ت. 12-شرح المعلقات السبع، الزوزني، ط4، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1413هـ/ 1993م. 13-طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، شرح محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، د. ت. 14-المرأة في الشعر الجاهلي، أحمد الحوفي، د. ت. 15-المعاني الكبير، ابن قتيبة، مجلس دائرة المعارف الإسلامية، حيدر آباد، 1369هـ. 16-المفضليات، المفضَّل الضبّي، ط5، تحقيق أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون، دار المعارف، مصر، د. ت. |