مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 93 و 94 - السنة الرابعة والعشرون - آذار وحزيران 2004 - المحرم وربيع الثاني 1424
Updated: Wednesday, June 30, 2004 12:59 AM
فهرس العدد
 

ووصفه لها وهي تقوم بمهمتها الشاقة في خض اللبن ناقلاً جميع تفصيلاتها، بحسبانه زوجاً يراقب امرأته وهي تؤدي واجباتها المنزلية يقول:

فلمَّا أدَى واسْتَرْبَعَتْه تَرَنَّمَتْ

 

ألاَ كُلُّ شَيءٍ ما خَلاَ اللهَ بائِدُ

فَذَاقَتْه مِنْ تَحْتِ اللِّفافِ فَسَرَّها

 

جَراجرُ منه وَهْوَ مَلآنُ سانِدُ

هذان البيتان يرصد فيهما الشاعر الزوج لحظات سرور الزوجة وقد رأت الوطب ملآن يسند نفسه، فذاقت اللبن من تحت اللفاف فوجدته قد خثر، فترنمت ببيت لبيد.

أما الدليل الأخير الذي يقوي ترجيحنا أن المرأة المهجوّة هي زوجة الشاعر فهو تكرار هذا النموذج للمرأة في شعر حميد، كمقطوعته الدالية التي يقول فيها([1]):

لقد ظلمت مرآتها أمَّ مالك

 

بما لاقت المرآة كان محرَّدا

أرتها بخديها غضوناً كأنها

 

مَجرٌّ غصون الطلح ما ذقن فدفدا

رأت مَحجِراً تبغي الغطاريفُ غيره

 

وفرعاً أبى إلا انحدارا فأبعدا

وأسنانَ سوء شاخصاتٍ كأنها

 

سوامُ أناس سارحٌ قد تبددا

وهذه الصورة لامرأته هي نقيض الصورة التي وردت في قصيدة سويد بن أبي كاهل([2]):

تمنح المرآة وجهاً واضحاً

 

مثل قرن الشمس في الضوء ارتفَعْ

صافيَ اللون وطرفا ساجيا

 

أكملَ العينين ما فيه قَمعْ

وقروناً سابغاً أطرافها

 

عللتها ريح مسْكٍ ذي فنع

ويختم حميد مقطوعته بضيقه من السنين المجدبة التي تتابعت عليه، والديون التي تلاحقه، وإلا تزوج عليها مكسالاً كالغزال الأغيد، همها الأكبر هو سحق طيبها، خلافاً لامرأته التي تقوم بدباغة الجلود يقول:

فأُقْسِمُ لولا أنّ حُدباً تتابعت

 

عليّ ولم أبرح بدَيْنٍ مُطَرَّدا

لزاحمت مكسالاً كأن ثيابها

 

تُجنُّ غزالاً بالخميلة أغيدا

إذا أنت باكرت المنيئةَ باكرت

 

مَدَاكاً لها من زعفرانٍ وإثمدا

ولا يخفى أن القصيدتين تشابهتا في الموضوع وهو هجاء الزوجة، والمرأة الموصوفة هنا تقوم بنوع آخر من الأعمال الشاقة هو دباغة الجلود وقد أشار إليها بقوله (المنيئة). ويلاحظ أنه هنا شكا من تتابع سني المحل عليه بينما في الدالية الأولى نسب هذا الشيء للمرأة حين قال:

تَتَابَعَ أعْوامٌ عليها هَزَلنها

 

وأَقْبَلَ عامٌ يُنْعِشُ الناسَ واحِدُ

أما المكسال التي أقحمت في هذه المقطوعة، فليست إلا ضرباً من الأماني التي لا سبيل إلى تحقيقها، فليبق الشاعر إلى جانبي شمطائه التي هي عون له على قسوة الحياة.

والنموذج الثاني هو قصيدة حميد المشهورة في وصف الذئب التي يقول فيها([3]):

ترى ربةٌ البهم الفرارَ عشية

 

إذا ما عدا في بَهمها وهو ضائع

فقامت تعُسُّ ساعةً ما تُطيقها

 

من الدهر نامتها الكلابُ الظوالع

رأته فشكّت وهو أطحلُ مائل

 

إلى الأرض مَثْنيٌّ إليه الأكارع

وصفت المرأة بأنها (ربة بهم) أي تقوم بأمرها وهي ساهرة تصل الليل بالنهار حرصاً على أداء مهمتها والحفاظ على كيان أسرتها، فإن كنّا في الدالية قد شاهدنا ذئباً من البشر هو (أبو الخشخاش) جاءها يلتمس زبدة جهدها المضني فصدته ولم تنفعه المحاولة، فإنها في عينية وصف الذئب بوغتت بذئب من السباع، هو أيضاً اشتد به الجوع في ليلة باردة، ولكن لا حيلة لها معه، ولذا تمكّن من أحد حملانها وخطفه ولعلها أعجبت بهذه المقدرة فيه وتمنت لو أن ابنها مثله:

إذا نال من بهم البخيلة غِرة

 

على غفلة مما يرى وهو طالع

تلوم ولو كان ابنَها فرحت به

 

إذا هبَّ أرواحُ الشتاء الزعازع

النموذج الثالث من شعر حميد هو قصيدته اللامية التي أورد فيها قصة لشمطاء عانت من ضنك العيش ولم يكن لها بعل، فشاءت إرادة الله أن يأتيها البعل، ومن بعده الابن الصالح الذي صار رئيساً لقومه، ثم أصيب في الحرب وجاءها نعيه، فاشتد عليها الرزء حتى إنها أوشكت أن تقتل نفسها، ولكنه راجعها من بعد إذ لم يكن خبر موته محققاً. والذي يعنينا في هذه اللامية أن المرأة المذكورة فيها هي نفس النمط للمرأة المذكورة في سابقاتها وفي الدالية موضوع بحثنا، ومن ثم يحتمل أن يكون الشاعر هو البعل الذي قدر للشمطاء بعد طول انتظار([4]):

فوجدي بجمل وجدُ شمطاءَ عالجت

 

من العيش أزماناً على مِرر القُلّ

فعاشت معافاة بأنزحِ عيشة

 

ترى حسناً ألا تموت من الهزل

قضى ربُّها بعلاً لها فتزوجت

 

حليلاً وما كانت تؤمل من بعل

والنموذج الأخير أبيات قالها حين طلبت منه زوجته أن يسيرا معاً لأداء فريضة الحج فقال لها انتظري حتى نصير إلى سعة([5]):

وقالت أغثنا يا بن ثور ألا ترى

 

إلى النُّجد تحدي نوقه وجمائله

فقلت امكثي حتى يسار لعلنا

 

نحج معاً قالت اعام وقابله

لقد طالما أكببت تحت بجادكم

 

وما كسرتني كل عام مغازله

تحسرت المرأة على الأعمال التي تقوم بها لتُعين الزوج على أعباء الحياة وذكرت هنا الغزل الذي من شأنه أن يضعف بصرها، ومع ذلك فالزوج يماطلها في تحقيق أمنيتها في أداء الحج مع كونه يستطيع، ولذا قالت (أعام وقابله)، ولا يغيب عنّا ما كان الزوج يلوّح به من الزواج عليها إذا صار إلى يسار في مثال سابق.

دالية حميد وهجاء الزوجة بالبخل

من أين جاءت شبهة وصف المرأة بالبخل في هذه القصيدة؟ جاءت شبهة البخل لسببين، أولهما الأبيات التي وصفت فيها وهي تسعى جاهدة لتستخرج كل ما في اللبن من الزبدة، وما يكتنف ذلك من جهد وعرق وخاصة إذا تذكرنا حجم الوطب وكيف كان يعاسرها:

إذا مَالَ من نَحْوِ العَراقي أمَرَّه

 

إلى نَحْرِها مِنْه عِنَانٌ مُناكِدُ

وقوله:

يَمِيلُ على وَحْشِيِّه فيُمِله

 

لإِنْسِيِّهِ منها عِرَاكٌ مُنَاجِدُ

ثم بعد الفراغ من الخض بدأت المرأة تجمع الزبدة بحرص لا تريد أن يبقى منها شيء عالقاً بالوطب:

فعَضَّتْ تَراقِيهِ بِصَفْراء جَعْدةٍ

 

فَعَنْها تُصادِيه وعَنْها تُرَاوِدُ

وربما يكون الشاعر أبو تمام لثقافته الواسعة قد نظر إلى قصيدة حميد هذه حين قال في فتح عمورية:

حتى إذا مخض الله السنين لها

 

مخض البخيلة كانت زبدة الحقب

ويضاف إلى ذلك البيت الذي وصفت فيه وهي (تعدو وكرى) لتمنع الحمل من أن يرتضع أمه:

إذا الحَمَلُ الرِّبْعِيُّ عارض أمَّه

 

عَدَتْ وَكَرَى حتَّى تَحِنَّ الفَدافدُ

والبيت الذي يصفها بأنها تضن على نفسها بالنوم لتنجز مهامها:

فقامت بأثناء من الليل ساعة

 

سراها الدواهي واستنام الخرائد

نستخلص من هذه الأبيات حرص المرأة على أسرتها وعلى أداء مهامها بإتقان مهما كلفها هذا من الجهد والعرق والسهر.

أما السبب الثاني في شبهة البخل فهما البيتان اللذان يوضحان موقفها من الزائر الذي جاء يلتمس القرى:

فَقَامَ يُصادِيها فقالتْ تُرِيدُني

 

على الزَّادِ، شَكْلٌ بَيْننا مُتَباعِدُ

إذا قالَ مَهْلاً أسْجِحِي حَمْلَقَتْ لَه

 

بزَرْقَاءَ لمْ تَدْخُلْ عليها المَراودُ

لقد صادف مجيء الزائر لحظة فراغها من استخراج الزبدة بعد تلك الجهود المضنية، ولذا كانت أحرص ما تكون عليها وذهبت محاولات الزائر لها بأن تلين أدراج الرياح.

وهكذا فإن البخل الذي نسب إلى المرأة في هذه الدالية ليس بخلاً مذموماً منبثقاً عن شح وسوء خلق وإنما هو من قبيل حرصها على الكيان الاقتصادي للأسرة، وتلتقي في هذا الأمر مع غيرها من النساء، يقول الدكتور أحمد الحوفي عن المرأة في هذا الشأن([6]) "إنها كانت أحرص على المال من الرجال ولعل أسباب ذلك أنهن أحفل بالثروة وتنميتها، ثم لأنهن أحسن تدبيراً للمال ولا يحفلن بثناءٍ ينقص المال ويسبب الخصاصة" وتوجد الكثير من المرويات الشعرية في حرص المرأة على صون مال الأسرة ومن ثم قد تلوم زوجها على الإنفاق.

يقول حاتم الطائي مخاطباً زوجته([7]):

أماوي إن المال غادٍ ورائح

 

ويبقي من المال الأحاديث والذكر

أماوي إن يصبح صداي بقفرة

 

من الأرض لا ماءٌ لدي ولا خمر

تري أن ما أهلكت لم يك ضرني

 

وأن يدي مما بخلت به صفر

وإني لا آلو بمالي صنيعة

 

فأولـه زاد وآخره ذخر

ويقول عمرو بن كلثوم([8]):

بكرت تعذلني وسط الحلال

 

سفهاً بنت ثوير بن هلال

بكرت تعذلني في أن رأت

 

إبلي نهباً لشرب وفضال

لا تلوميني فإني متلف

 

كل ما تحوي يميني وشمالي

لست إن أطرفت مالاً فرحاً

 

وإذا أتلفته لست أبالي

ولحميد بن ثور ذاته أبيات سوى هذه الدالية تسير في هذا المنحى هي قوله([9]):

لقد أمرت بالبخل أم محمد

 

فقلت لها حثي على البخل أحمدا

فإني امرؤٌ عودت نفسي عادة

 

وكل امرئ جار على ما تعودا

أحين بدا في الرأس شيب وأقبلت

 

إليّ بنو عيلان مثنى ومَوْحَدا

رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي

 

وراءك عني طالقاً وارحلي غدا

يلاحظ مما سبق أن الزوجة تعطي نفسها الحق بأن تسائل الزوج في إنفاقه المال، والزوج ينفرد بالإنفاق ويغلب إرادة الزوجة بالإقتار لأنه صاحب المال والقادر على كسبه.

والزوجة في دالية حميد لم تكن فقط حريصة على مال زوجها بل كان لها دور عملي في الحفاظ على الكيان الاقتصادي للأسرة من خلال ممارستها للكثير من الأعمال كرعاية البهم، خض اللبن، دباغة الجلود والغزل، إذاً فهي مشاركة بجهدها، وليس غريباً أن تتشبث بثمرة هذا الجهد، ولا بد أن براعة الشاعر في وصفها بالقلب صياغي ساخر هو الذي دفع إلى هذه الشبهة، ويبدو الشاعر كالمعجب بهذا الصنيع منها وما هجاؤه لها إلا محض سخرية من زوجة نكدية.

مدح تحت عباءة الهجاء:

هذه القصيدة موضوعها هو الهجاء ولكن المتأمل يلاحظ أن هذا الهجاء يحمل بين طياته في كثير من الأحيان مدحاً خفياً، ويتجلى هذا التنازع في مظهرين، أولهما إتيان الشاعر بصفات جسدية أو معنوية معيبة للمرأة لتنافيها مع رقة الأنثى، ولكنّا نلمح من ورائها إعجاباً خفياً منه بهذه الصفات، ثانيهما نزوع الشاعر إلى أسلوب أشبه بالتضاد تتراوح فيه اللغة بين الدلالة على المعنى والمعنى المقابل له مع احتمال ترجيح أحدهما.

لعل مطلع القصيدة هو أول مثال على المظهر الأول، فقد وصفت فيه المرأة بقلة الحياء لخصائها للحمار ولكن لا يخفى أن الشاعر بدا كالمعجب بهذه الجراءة وهذه الدربة وهذا المراس:

جُلُبَّانَةٌ وَرْهَاءُ تَخْصي حِمَارهَا

 

بِفِي مَنْ بَغَى خَيْراً إليْهَا الجَلامدُ

ومن أمثلته قوله يصف أعلى صدرها والعظمين اللذين ينبت عليهما حاجباها وتشبيههما من المدرك الحسّي بالحجر حول البئر وقد سهلته آثار الواردين فجسَّد بهذا التشبيه صلابة هذين الموضعين من جسد امرأته، ولم ينس ما عليهما من تجاعيد، وهي بلا ريب صورة معيبة و لكنها بلا ريب أيضاً تحمل إعجاباً خفياً بهذه القوة:

كأنّ مَكَانَ العِقْدِ منها إذا بَدَا

 

صَفاً مِنْ حَزِيزٍ سَهَّلته الموَارِدُ

كأنَّ حِجَاجَيْ رَأسِها في مُثَلْمٍ

 

من الصَّخْرِ جَوْنٍ خَلَّفَتْه المَوارِدُ

ومنها قوله واصفاً إياها وهي تعدو وراء الحمل الربعي لتمنعه من أن يرتضع أمه وتضرب الأرض الصلبة بقوة حتى يسمع لهذه الأرض حنيناً وفيها نلمح إعجاب الشاعر بقوة امرأته:

إذا الحَمَلُ الرِّبْعِيُّ عارض أمَّه

 

عَدَتْ وَكَرَى حَتَّى تَحِنَّ الفَدَافِدُ

أما المظهر الثاني فيتجلى في قوله:

عَرِيبيَّةً لا ناحِضٌ منْ قَدَامَةٍ

 

وَلاَ مُعْصِرٌ تَجْرِي عليها القَلاَئِدُ

وصفت المرأة في هذا البيت بأنها نَصَف أي بين (المعصر المتزينة بالقلائد) وبين (الناحض التي تقدمت بها السن) فالصفتان المتضادتان (ناحض) و(معصر) وردتا بالنفي لعدم استقرار الشاعر على نعت المرأة بإحداهما على سبيل القطع.

وفي قوله:

إزَاءُ مَعَاشٍ لا يَزَال نِطاقُها

 

شَدِيداً وفيها سَوْرَةٌ وهي قاعِدُ

أثبت لها في أول البيت صفة محمودة هي (إزاء معاش) أي هي تدبر شؤون المال، ثم وصفها بالقوة وكنى عنها بشدة النطاق، وأن لها تحفزاً وهباباً ولكنه جاء في آخر البيت بلفظة (قاعد) أي المتقدمة في السن وهي لا توائم الصفات السابقة، فلا ندري هل هو متأرجح بين أن يمدح قوتها ويذم تقدمها في السن؟ أم هو يريد أن يمدحها بالقوة مع تقدمها في السن؟

وفي قوله:

فقامت بأثناءٍ من الليل ساعة

 

سراها الدواهي واستنام الخرائد

وصفها بأنها لا تنام، دائبة لتنجز أعمالها خلافاً للحييات من النساء اللائي لسن لشيء آخر الليل يسهرن فقابل بين (سراها) و(استنام) وبين (الدواهي) و(الخرائد)، ولا يخلو الأمر من إعجاب خفي بمقدرتها على السهر وعلى الإنجاز.

أما البيت الذي يمثل هذا المظهر خير تمثيل فهو:

إذا قالَ مَهْلاً أسْجِحِي حَمْلَقَتْ لَه

 

بزَرْقَاءَ لمْ تَدْخُلْ عليها المَراودُ

لا تفوتنا الإشارة أولاً إلى تأكيد الشاعر للتعبير بالحركة الجسدية عن طريق العين "وتعد حركة العين أو ما يسمى بالسلوك العيني من أهم الحركات الجسمية ويقصد بالسلوك العيني طريقة النظر بالعينين"([10]) وبالعودة لبيت حميد نلاحظ الترجُّح في شطري البيت، إذ في الصدر قول حقيقي من أبي الخشخاش يرجوها أن تلين، عبر عنه بلفظة (أسجحي) التي ترد في معاني اللين والعطف. مثال ذلك قول عبد يغوث الحارثي([11]):

أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا

 

فإن أخاكم لم يكن من بوائيا

يقابل (أسجحي) في عجز بيت حميد لغة الحركة الجسدية بالعين المُعب‍َّر عنها بلفظة (حملقت) التي أغنت عن أي مقال. أما قوله (بزرقاء لم تدخل عليها المراود) فهي في صفة العين وتحتمل الهجاء لأن العرب تعد كل أزرق العين لئيماً. قال الشاعر([12]):

لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر

 

كما كل ضبّي من اللؤم أزرق

ويرون أن زرقة العين مما يدل على العداوة. ورد ذلك في أبيات الشمّاخ في رثاء سيدنا عمر (t)([13]):

وما كنت أخشى أن تكون وفاته

 

بكفي سبنتى أزرق العين مطرق

السبنتى هو النمر وهو لئيم أزرق العينين.

وتحتمل المدح باعتبار زرقة العين تعني الصفاء تشبيهاً لها بصفاء الماء، قال زهير([14]):

فلما وردن الماء زرقاً جِمامُهُ

 

وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم

كما تحتمل المدح أيضاً على تشبيهها بزرقاء اليمامة التي اشتهرت بقوة بصرها. أما قوله (لم تدخل عليها المراود) فيحتمل الهجاء أي هي لا تكتحل لتجمل عينيها وجاء بـ (المراود) لأنها هي أداة الاكتحال، وتحتمل المدح في أنها تفوق الزرقاء حدة بصر لكونها لم تستخدم الإثمد لتكتسب حدة البصر كما هو مروي عن الزرقاء، بدا الشاعر مترجّحاً بين المدح والهجاء ولكنه قولاً واحداً لا يخفى إعجابه بهذه النظرة الشرسة التي حملقت بها لأبي الخشخاش ولها بريق مرعب كأنها لبوة، أما الوجه الآخر للإعجاب فهو ما أشرنا إليه من تشبيهها بعين الزرقاء.

وهكذا نخلص من خلال هذه الإضاءات البيانية التي وقفنا فيها مع بعض أبيات القصيدة إلى أن هجاء الشاعر لامرأته لم يخرج من إطار السخرية. هذا وفوق كل ذي علم عليم.

ثبت المراجع:

-القرآن الكريم

2-البخلاء، الجاحظ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ت.

3-الحماسة، أبو تمام، تحقيق د. عبد الله عبد الرحيم، إدارة الثقافة والنشر، الرياض، 1401هـ/ 1981م.

4-الحيوان، الجاحظ، تحقيق. عبد السلام هارون، مصر، 1356هـ/ 1983م.

5-دراسات في علم اللغة، فاطمة محجوب، دار النهضة، مصر، د. ت.

6-ديوان حاتم الطائي، حاتم الطائي، دار صادر، بيروت، د. ت.

7-ديوان الحطيئة، المؤسسة العربيّة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، د. ت.

8-ديوان حميد بن ثور الهلالي، صنعة عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1371/1951.

9-ديوان عمر بن أبي ربيعة، دار صادر، بيروت، 1385/1966.

10-ديوان عمرو بن كلثوم، ط1 تحقيق: إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، لبنان 1411هـ 1991م

11-شرح أبيات سيبويه، ابن السيرافي، حـ1، د. ت.

12-شرح المعلقات السبع، الزوزني، ط4، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1413هـ/ 1993م.

13-طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، شرح محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، د. ت.

14-المرأة في الشعر الجاهلي، أحمد الحوفي، د. ت.

15-المعاني الكبير، ابن قتيبة، مجلس دائرة المعارف الإسلامية، حيدر آباد، 1369هـ.

16-المفضليات، المفضَّل الضبّي، ط5، تحقيق أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون، دار المعارف، مصر، د. ت.



([1]) ديوان حميد بن ثور: 79.

([2]) المفضليات: 191.

([3]) ديوان حميد بن ثور: 103.

([4]) ديوان حميد بن ثور: 123.

([5]) شرح أبييات سيبويه لابن السيرافي: 1/273.

([6]) المرأة في الشعر الجاهلي د. أحمد الحوفي: 364.

([7]) ديوان حاتم الطائي: 50.

([8]) ديوان عمرو بن كلثوم: 57.

([9]) ديوان حميد بن ثور: 76.

([10]) دراسات في علم اللغة: 163.

([11]) المفضليات: 157.

([12]) لسان العرب: مادة زرق.

([13]) طبقات فحول الشعراء: 1/128.

([14]) معلقة زهير شرح المعلقات السبعة للزوزني.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244