|
||||||
| Updated: Wednesday, June 30, 2004 12:59 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الغولُ والصُّعلوك تأبَّط شرَّاً نموذجاً شعرياً ـــ د.شريف بشير أحمد وأنت تستذكرُ الشعراءَ الصعاليك في العصر الجاهلي يستوقفكَ (تأبّط شرّاً) بلقبٍ تركَّب جملةً تعتصرُ السَّلبية والقَتامةَ في الفعلِ والصفةِ؛ تحوَّلَ به من السُّكونية إلى الحركية، ومن الصَّمت إلى المغالبة، ومن القبولِ والخنوع إلى الرفضِ والمواجهة، ومن الخفاء القميء إلى العَلَنِ الصَّاخب؛ بدلالتين: دلالةٍ ماديةٍ تشيرُ إلى الشخص إشارةً يفتخرُ بها؛ ودلالةٍ معنويةٍ يشعرُ معها الآخرون بالرهبة المرجفةِ؛ في سياق محاورةٍ ذهنيةٍ بين ذاتين: ذاتٍ واعيةٍ تدركُ دورَ الكائن في توجيه مفهوم اللقب بالحدوث المتكرر؛ وذاتٍ مكبوتةٍ واهنةٍ لا تعي وظيفة الفردِ المتمردِ الذي يمنحُ اللقب كينونةً واقعيةً بشخصيّةٍ لها القدرةُ على المجاهرة والمصاولة... وتعرفُ أنَّ (تأبّط شرّاً) قد نشأ في بيئةٍ مرهقةٍ لشاعرٍ شرودٍ يعشقُ الحريةَ فكرةً ومنهجاً؛ ولا يستقرُّ على نَسَقٍ حياتيٍّ رتيبِ الأنماطِ فخرجَ عن المنظومةِ القبليةِ التي تُشَكِّلُ الفردَ برؤية الجماعة؛ بقوةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ، ووعي شعري؛ لم ينسجم بهما مع الأعرافِ والنظمِ السوسيولوجية؛ رغبةً منه في تحقيق ذاتهِ ووجوده؛ ففارقَ القبليةَ التي سنَّت نظماً هيكليّة لا تقبلُ المخالفةَ والمعارضةَ؛ فارقها إلى أعماقِ الصحراءِ حيث يعيشُ الوحشُ، ينتخبُ لنفسه مجتمعاً بديلاً يختاره بإرادته؛ ويتحررُ فيه من سُلطوية الآخر، وتتفاعلُ فيه الذاتُ مع البيئة تفاعلاً يخلقُ عالماً تتذاوبُ فيه المتناقضات:
وتُرَدِّدُ قولين من الأقوال التي تُحدِّدُ سبباً أنتج لقب (تأبّط شرّاً) نعرضُهما عرضاً تحليلياً- حوارياً؛ لصلتهما بالقول: -أولهما: أنه رأى كبشاً في الصحراء فاحْتمله تحت إِبطه، فجعل يبولُ عليه طول طريقه. فلمّا قربَ من الحيِّ ثَقُلَ عليه الكبشُ، فرمى به، فإذا هو الغولُ، فقال له قومُه: ما تأبَّطتَ يا ثابتُ؟ قال: الغول. فقالوا: تأبَّطت شرَّاً، فَلُقِّبَ بذلك([2]). ويبدو أنّ فعل الرؤيةِ البصريةِ قد تحقق من نوعية الحيوان في أثناءِ محاولته سبرَ أغوار الوجود الذي يقفُ خارج ذاته، وعالمهِ الطبيعيِّ. ثم تدخَّل الراوي الشعبي، فحوَّله من الكبشيةِ إلى الغُولية رغبةً منه في مواصلةِ السردِ عبر فاعليّة الفضاءِ، وتأثير الشخصية، والقولُ بالغولِ المحمولِ بعد سؤالٍ عن الحدثِ؛ فيه نزعةٌ تمويهيةٌ تميلُ إلى المبالغةِ في إثارةِ الدهشة. -ثانيهما: أنّه لقيَ الغولَ في ليلةٍ ظلماءَ في موضعٍ يُقالُ له (رحى بطان) في بلاد هُذيل. فلما أَصبحَ حملها تحت إِبطه، وجاءَ بها أصحابه فقالوا: لقد تأبَّطت شرَّاً([3]). هل تُصدِّقُ أنّ هذا اللقاء فعلُ مواجهةٍ ومقابلةٍ في سياق صراعٍ بين كينونتين: كينونةٍ تعقلُ؛ وكينونةٍ حيوانيةٍ لا تعقلُ؛ وبين وجودَيْنِ: وجودٍ واعٍ حقيقيٍّ تحركهُ رغبةُ التحررِ، ووجودٍ يحركهُ الجوعُ، وتسيرُ به الغريزةُ؟ وهل تعتقدُ أنّ الغولَ حيوانٌ أليفٌ داجنٌ، وأنه خفيفُ الوزن يُحملُ بعيداً كما تُحملُ العباءةُ، وأنه مبذولٌ في ديار (هذيل) وأنه واهنُ الشكيمة، ضعيفُ النواجذ؛ وأنه لا يُوصفُ بالوحشية في الهجوم، وبالخرافةِ في الواقع؟ وإن كنتَ تُصَدِّقُ أنّ تأبّط شراً قد قالَ:
أظنُّ أنَّ الخيالَ الشعريَّ قد ضخَّم الأشياءَ مُسْتَدعياً حيواناً (خرافياً) يقبعُ في الذاكرة الشعبية للمجتمع الجاهليِّ بوصفه نموذجاً يُخَوِّفُ به الكبارُ والصغارَ، أو يَسْتَمطرونَ الشرَّ على أعدائهم وخصومهم بالدعاء عليهم به. وكأني بالقولين السابقين يَصْدُرَان عن عقلية تمتهن القصَّ والحكاية، وتحترفُ الرواية؛ لتشكيل الحدثِ الشائقِ تشكيلاً تستسيغُهُ ذائقة العوام، وتُتقنُ بناءَ الوجود اللغويِّ للغولِ بتجسيدِ الوهمِ والتخيّل تجسيداً واقعياً بالكلمات. وكأني بالشاعر (تأبّط شراً) يمتلكُ طاقةً حيويةً يَسْتحوذُ بها على الآخر (الغول) وإرادةَ الفعلِ التي تُقَرِّرُ التغييرَ. *** وتلزمُ (الغولُ) ذهنيةَ (تأبَّط شراً)، وتتسلَّطُ عليه، فإذا به يعتقدُ بوجودِها، فضخَّمها؛ وقدَّم لها صورةً محاطةً بنسيجٍ هُلامي يكشفُ ما كان يثيرُهُ القلقُ لصعلوكٍ يمتطي الليالي المظلمةَ بين الآكام والشعاب المقفرة التي تتجسَّمُ فيها المشاهدُ أشباحاً مخفيةً/ مرعبةً؛ وتختلطُ الأصداءُ في بؤرةٍ سمعيةٍ غامضةٍ، ورؤيةٍ بصريةٍ متباعدة الأرجاء، ضبابيّة المعالم، حيث أقامَ (تأبّط شرّاً) من صراعهِ الخيالي مع الغول قصةً شعريةً في قصيدته (اللامية) بوصفيةٍ لغويةٍ شكلَّت موضوعاً له مقوماتُ التكوين ببنيويةٍ جماليةٍ تنطقُ بالواقعية الفنية؛ وبأيقوناتٍ حواريةٍ يتسمُ فيها (الموصوف/ الغول) بصفاتٍ إنسانيةٍ في سياق وحدةٍ موضوعيةٍ تحتويها عاطفةٌ شعورية موحَّدة ينشأ فيها كلّ جزءٍ من أجزائها نشوءاً طبيعياً مقنعاً؛ بعد أن تتكاملَ فيه الجزئياتُ والعناصرُ بمطلعٍ حواريٍّ:
يُصَرِّحُ الشاعرُ بعَلَميتهِ (ثابت بن جابر) بوصفه راوياً خارجَ السرد وشخصيةً محوريةً تتغلغلُ في ثنايا المتن الحكائي؛ وموضوعاً يدورُ حوله الخطابُ، وينتجُ عنه القصُّ. ويُبرزُ علميَّة المتكلِّمة (سُليمى) بوصفها صَاحبَتَه التي لا تمتلكُ ملامحَ أُنثويةً، والتي خَبِرَت قدرته، وتُعاني من عجزه وضعفهِ؛ فتعلنُ ضَجرها منه (رجلاً عنيناً). فتتفاقمُ في جوارحهِ عقدةُ الاغتراب الاجتماعيِّ التي لا يستطيعُ معها تشكيلَ أسرةٍ؛ لأنَّ هاجسَ القتلِ يُهيمنُ عليه. فإذا به يَجِدُ نفسَه بين جماعةٍ ذكوريةٍ تفتقرُ إلى النساءِ في لحظاتِ الفيضِ العاطفيِّ. قيل: خطبَ تأبَّط شرَّاً امرأةً من هذيلٍ من بني سَهْمٍ، فقال لها قائلٌ: لا تنكحيهِ فإنّه لأوَّلِ نَصْلٍ غداً. فقال تأبط شراً:
وينتقلُ فعلُ الرؤيةِ في المطلع (أرى) من المستوى البصريِّ المنظور في العالم الخارجيّ إلى المستوى المخبوء بتجربةٍ واقعيةٍ تكشفُ فيها صاحبتُهُ شيخوخَتَه التي يرفُضها، وعجزه الذي ينتقضُ منه؛ لجاراتٍ لها يُجَالِسْنَها، ويَسْتمتعنَ بالقولِ في حواريةٍ نسائيةٍ سقطَ فيها (الشاعرُ/ الذكرُ)، وأُخرِجت شخصيتُهُ من الغموضِ إلى الوضوحِ (ثابت Dتأبَّط شرّاً)، فإذا به يُقَدِّمُ بديلاً موضوعياً بالحضورِ الناعظِ الذي ينقي الغيابَ الواقعيَّ، أو المتخيَّل؛ أو التغييبَ القسريَّ؛ ليهيئ الذهنَ لوقوعِ حدثٍ مرقوبٍ في ليلةٍ داكنةِ الأوداجِ، ومكانٍ بهيمٍ:
وهنا يَتَقمَّصُ الشاعرُ دورَ البطولة، ويمارسُ طقوسَ الهيمنة، ويحتوي السردَ بذاتيةٍ تخترقُ النواحي والجوانب؛ لتمزِّقَ بكفايةٍ لغويةٍ أستار الكلالة، ثم يسطو على الحدث بصوتٍ جهورٍ، ويُقيمُ أودَه بمجموعةٍ متناميةٍ من الصِّفات والحركات المسرحية ليكفَّ لسان جارته عنه، ويستردَّ هيبَتَه بين (النساء/ الجارات) ويرسِّخ مهابَته بين (الذكور/ الرجال). إذ يصوِّرُ نفسَه رجلاً خارقاً قويَّ اليدين لا قعيداً، ولا مُطَّرحَاً هَواناً؟ قد قتل الخوفَ في عقلِهِ، وطَرَدَهُ من ذهنهِ، وودَّع الوَهَنَ في جسدهِ بساقَيْن يتقدَّمُ بهما الغارةَ، ويكونُ في طليعتها عند (الجراء/ الركض)، ويعرضُ قدرتَه وقوَّته المادية/ الجسدية في سياقِ سباقٍ للسرعةِ بينه وبين الجياد، يتخيَّلَهُ، ليعلنَ أنه الأسبقُ، والأسرعُ، بعد أن خلَّف الجيادَ وراءه عاجزةً عن اللحاقِ به يكسوهَا غبارُ قدميه؛ وكأنه (السوبرمان). ثم جعلَ الليلَ شديدَ الظلمة في زمنٍ مفتوحٍ تمتدُّ فيه الحركةُ من الأزمنة البعيدةِ وصولاً إلى القريبةِ بدلالةِ الفعلِ الماضي (جبتُ) بحثاً عن الآخرِ / المجهولِ في لحظةٍ سكونية:
وبفعلٍ إراديٍّ مقصودٍ يقابلُ (تأبَّط شراً) الغولَ في ليلٍ أليل حَذِراً قلقاً، ومقبلاً مدبراً، يهتدي بوميضِ البرقِ، وألسنةِ اللهب؛ ويتحركُ يمنةً ويسرةً حتى لا يغفلَ أو ينعسَ. وبعد أن أبصرَها تغوَّلت عليه، وكادت تفتك به؛ فإذا به يُحوِّلُهَا بخيالٍ خصبٍ من التوحِّش إلى الأنسنةِ، ومن العُجمةِ إلى النطقِ، ومن البهيميةِ إلى المدنيّة؛ ومن الوهم القاهرِ إلى الواقعية باللغة الفصيحة. ويبدو أنَّ (تأبّط شراً) مغتبطٌ بعجائبيّة الصِّلة بينه وبين الغول، فيجنح إلى مفهوم المجاورةِ نافثاً فيه حزمةً من المفاهيمِ والقيمِ والدلائل المشعَّة تنعقدُ أواصرُها، وتتوحَّدُ حول الملاصَقةِ الجسدية التي تدورُ في فلكِ المباشرة الجنسية في لحظةٍ شهوانيةٍ يكشفُها فعلُ الرغبة والمطالبة الصارخ. إذ لم يستطع الشاعرُ في أوانِ التأزُّم النفسيِّ أن يخفيَ ما يَجيشُ في أعماقهِ من عنفِ الشهوة المكبوتةِ؛ فيتجاوزُ حدودَ العقلِ والشرعيةِ بالغواية، ويستبدلُ بالغول صاحبتَه (سُليمى)، ويرومُ أن يثبتَ لها كفايته وفحولته المثلومَة؛ فيدخلُ الحدثُ في شَرَكِ المخالفة، وعقدةٍ المنافرةِ بين كائنين: (الشاعر/ الإنسان) و (الغول/ الحيوان). وتهبطُ المرأةُ من عالم المثالِ، وتتحوَّلُ إلى (غولٍ). ويستقرُّ ذهنُ الشاعر في أيقونةِ معرفةِ الجسد بعد أن تعلَّق به. فإذا بالغول قد نفرت من المؤالفةِ الإنسيةِ بحثاً عن قرينها في النوع، ومثيلها في الشكلِ والصفةِ؛ لأنّ الأمثال والنظائر تتجاذبُ. ويجتهدُ (تأبّط شرّاً) من خلال السرد بإقناعنا بواقعية الحدث بالمفاجأة بواو الحال، وبالفعلين المتعاقبين في البناء النحوي اللذين أصابا القارئ بِخَيبْة التوقع في السلوك والفكرة (طالبتُها Ù فالْتَوَتْ). إذ نلحظُ تنافراً صميماً بين الحلم والواقع، بين الغيبوبة والصحوةِ، بين طُرقِ الشك واليقين، لأننّا أمام دفقةِ الحياةِ التي لم تعترف بالفوارقِ بين الكائناتِ. وتتخلَّلُ عبارة (ما أهولا) حزمةٌ من الترابطاتِ والتناقضاتِ التي توحِّدُ صورتين مختلفتين (للغول) تتضايفان في مخيِّلة (تأبّط شرّاً): *الأولى: صورةُ (امرأة/ جارة) تجسِّدُ نموذجاً جمالياً، ومثالاً للجسد والخصوبة، يتخلَّصُ الشاعرُ بها من متاعبِهِ بدعةٍ واطمئنانٍ. وهذه الصورة تتصلُ بطورِ الفتوةِ والشبابِ والعنفوان؛ وتُعَدُّ مرحلةً من مراحل النجاةِ من القلقِ والموتِ المعنوي. مما يجعلُ الرَغبة القارّةَ في الجملةِ الفعلية (وطالبتها بُضعها) ذات دلالة. *الثانية: صورةُ (الغول) العالقة في الأذهان بوصفها شيطانية الصفاتِ تلتهمُ عظامَ الموتى، ومصدراً من مصادر المتاهةِ المخيفة والشعور بالهلاك والضياع. وهذه الصورة تُصيبُ الشاعرَ بالفزعِِ والخوفِ والحيرة من كراهةِ المنظرِ، وغائلة الطريق؛ فيدرأُ بالجملةِ الفعلية (وطالبتُها بُضعها) عن نفسهِ أغوالَ التفزيعِ، وأهوالَ الموقفِ. وبذلك تُصبحُ الجملةُ المتراميةُ الأطراف: (تهوَّلَ وجهُ الغولِ فاستغول) أو (تغوَّلَ وجهُ الغولِ فاستغول) تصبحُ قطباً محورياً تدورُ حوله سياقاتُ النص المتناظِرة والمتنافِرة، وتتفجَّرُ فيها مظاهر الحياة والموت، والخصب والجفاف. فأدركَ (تأبّط شرّاً) أنّ وجودَه رهنٌ بقدرتِهِ على الصراعِ مع (الغول) ليعيدَ لنفسهِ خصوبتها المفقودة. وتستمرُّ المجادلةُ حتى تكتملَ مَشهديةُ الحدثِ:
يقيمُ (تأبّط شرّاً) تفاهماً لُغوياً مع (الغول) التي تبرزُ عنصراً من عناصرِ الخطابِ الشفاهي؛ وكأنه مقتنعٌ بأُنثويتها، وقادرٌ على التواصلِ الذهنيِّ معها، بوصفها بديلاً موضوعياً حسياً عن (سُليمى)؛ حيثُ يُغريها ويُقويها بقدرتهِ، وكفايتهِ؛ ويستمهلُها حتى تنظرَ فعله معها. فإذا بالغول –من وجهة نظره- ترفضُهُ شكلاً ومضموناً، وتأنفُ منه، وتستخفُّ به، وتستهجنُ قوله، وتعلنُ عجزه –كما أعلنَتْهُ سُليمى لجاراتها- فيواجهُ (تأبَّط شرّاً) القولَ بالقتل:
إنّ (تأبّط شرّاً) يوثِّقُ حدثَ اللقاءِ، والصراعِ، والقتلِ، بسؤالٍ متخيَّلٍ يفترضَهُ وعيُهُ آنياً؛ حتى يُبِيْحَ لنفسهِ الهائجة جواباً حوارياً-شعرياً يقتنصُ به المبادرةَ الثائرةَ؛ ويعرفُ من خلالهِ أنّ أحداً لن يسألَه عن جارتهِ (الغول) سؤالاً منطقياً- حقيقيَّاً؛ لأنّ (الغولَ) حيوانٌ خرافيٌّ خَلَقَهُ خيالُ شاعرٍ يسطو عليه الوهمُ والتصعلكُ، والصحراءُ، والليلُ البهيمُ. فضلاً عن أنّ (تأبَّط شرّاً) بدأ يشعرُ بفرديته، ونرجسيَّتِهِ في المواجهة؛ بعد أن كانَ لوقتٍ قصيرٍ منساقاً وراءَ فكرة التوحُّدِ الكليِّ مع (الغول). والتناقضُ واضحُ بين الذاتين، والغريزتين معاً. ويدورُ اللقاءُ/ الصراعُ في مكانٍ له تقاسيمهُ الناشزة. فتأبّط شرّاً يعرفُ موقعه والمكان الذي يقفُ فيه، ويسيرُ إليه؛ ويُبينُ لنا البدايات المشعَّة حتى نَتَنَبَّأَ بالحدث، ونشاركه نشوةَ النهاية. و (اللوى) بؤرةٌ واقعةٌ في سياقِ السردِ بجغرافيةٍ معلومةٍ ترتسمُ أثافيها، وآثارُها في صعيدِ (المنزل). ولا نتصوّرُ أنّ منزلَ (الغول) آهلٌ معمورٌ؛ بل (قبرٌ) ترقدُ فيه رقوداً ساكناً، وتمكثُ بين أضلاعه مكوثاً أبدياً لا حَراكَ له.
ويصعدُ الصعلوكُ بالحدثِ إلى ذروتهِ- بعد أن ضَخَّمَ عقدتَه- منطلقاً من فكرةِ المبادأة بالهجومِ الدونكيشوتي بدلالة الفعلِ (جلّلتها) الذي يُوهمُ بواقعية (الحدث)، وحقيقة الصِّراع؛ والذي يُعَدَّ صيحةً من صيحاتِ المفاخَرة والمباهاة؛ لينحدرَ اللقاءُ الدراميُّ إلى نهايتِهِ بلحظةٍ من لحظاتِ التنوير يقتلُ فيها الصعلوكُ الغولَ، ويُقَدِّمُها أُضحيةً في طقسٍ من طقوسِ التكفيرِ عن خطيئةِ الوجودِ في نَفْرةٍ أُسطورية يتمحورُ حولها نسقٌ متكاملٌ من الرموزِ والإشاراتِ الجمعية التي يعمرُ بها النص. وتترابَطُ دائرةُ السردِ، وتتعالقُ شآبيبُ الحدثِ بأفعالٍ تتعاقبُ في التركيب، وتَصدرُ عن الصعلوكِ والغولِ صدوراً غير متناغم: (طالبتُها D فالْتَوت)، (فقلت D فولَّت). وغالباً ما يكونُ (تأبَّط شرّاً) هو البادئ بالمبادرةِ في الفعلين الأول والثالث؛ ويكونُ فعلُ الغولِ ثانياً يتوسَّط سُلطوية الشاعرِ بعليّةٍ لا يكادُ يدفنُها: (فقلتُ /فولَّت/ فكنتُ). وبين البدايةِ السليمةِ (طالبتها) والنهاية الدموية (فجلّلتها) تتشكَّلُ متواليةٌ من الأفعالِ الناشطةِ تترجَّحُ من خلالها الذاتُ الشاعرةُ بين الرغبةِ في الحياةِ وقرارِ الحسم بالقتل العَمْد. (طالبتُها فقلتُ +فكنتُ + هممتُ + اعتزمتُ Ù فجلّلتها). وبذلك يعبرُ النص عن نبرةٍ متمردةٍ تطغى فيها الشخصية الفرديةُ على الشخصية الجماعيةِ- القبليّة، وتمتزجُ بها عاطفةٌ تُحِفّزها دواعي التكوين الإنسانيِّ الذي يميلُ إليهِ الصعلوكُ، ويشتاقُهُ؛ ليقضيَ به على أَثَلةِ الاغتراب الاجتماعي، ويلفظُ عقدةَ غيابِ (أو) تغييب الجسدِ الأنثويّ. إذ وجدَ تأبّط شرّاً في قتل الغولِ وسيلتَه الناجحةَ في الظهورِ والبقاءِ حياً؛ والكشفِ عن تجليّات روحِهِ النافرةِ، ومعاناتها الدائبة. وينتهي بقتلِ الغولِ كابوس العشق الجسديّ الذي يُصبح في ظل التوحُّد مع الكينونةِ صورةً من صورِ الخطيئة والقداسةِ معاً... ويُعلنُ تأبّط شرّاً عن لقائه بالغول عند (رحى بِطان) بنونيّةٍ تكتنزُ تراكماتٍ نوعيةً وكميةً وفق منطقٍ جدليٍّ يُشَكِّلُ ثنائيةً تعلو فيها ذاتٌ هميمةٌ دؤوبٌ فوق الفناءِ والخنوعِ في لحظةٍ تُمثِّلُ مزيجاً من مستقبلٍ آتٍ، وماضٍ مُتَصَرِّمٍ يُخَبِّئُ تجربةً حادةً تعتصرها ذوائبُ التلاشي والتجدُّد.
يُثيرُ الفعلُ (لاقيتُ / لقيتُ) حفيظةَ القارئ الذي تنشطُ ذاكرتُه ومرجعيّاته بحثاً عن جزئياتٍ خافيةٍ؛ ويستولي عليه حدثٌ موضوعيٌّ تضغطهُ فكرةٌ قارّةٌ في (المطلع) بعد أن تحوّلت الرؤيا إلى (واقعةٍ)، والأوهامُ المرقونةُ إلى (لقاءٍ). ويتقمَّصُ الشاعرُ شخصيةَ الساردِ، وتتلبَّسهُ شخصيةُ (المبلِّغ) حتى يبلغَ بالقصِّ بناءً حوارياً يُغري به المتلقي؛ فَيصيخُ بسمعهِ إليه وهو يجهرُ بالحدث الذي أقامه ليرويه؛ أو عايَشه ليباشِرَهُ ذهنياً وكأنّه يجعلُ من (المروي لـه) خارجَ السردِ والنص راوياً يروي عنه تفاصيلَ اللقاءِ في (رحى بطان)، ومُبَلِّغًاً يجردُه من ذاتِهِ ويختصُّ بفتيان فهمٍ؛ ليتحققَ له التماهي في الوجود. ويسطعُ المكانُ بدلالتهِ الجغرافيّة والمعنوية التي يفترضُ الشاعرُ فيها أنّ المتلقي يعرفُ ماهيتها الوصفيّة والإرشادية؛ ويخمِّن خبرته ببعض ما يحتويه ذلك المكانُ، وما يشيرُ إليه بوحداتٍ لغويةٍ تنأى عن الغموض، وتجنحُ إلى التصريح والتخصيص. ويهتدي القارئ الحصيفُ إلى أنّ (رحى بطان) مكانٌ تختصُّ به ديارُ (هذيلٍ)، وأنّ عِداءً عقيماً موصولَ العراك بين (تأبّط شرّاً) و (بني هذيل) تسْتعصي عقدُهُ على الحكماءِ حين صوَّرت المصادرُ أُمَّه في صورةٍ وضيعةٍ تسعى فيها لقتلِ ولدِها (تأبّط شرّاً)؛ لأنّه شكَّ في دخولِ (أبي كبير الهذلي إلى خبائها؛ فهدَّدها بالقتلِ لو رآه داخلاً عليها؛ فأوكِلتْ قتله لأبي كبير الذي تزوَّجها([8]) وكانَ (تأبّط شرّاً) يُبدي الكراهيةَ له، ويرتابُ بهِ صغيراً؛ فلما كَبرَ، وترعرعَ، خشيَ (أبو كبير) بأسَه، فاحتالَ ليقتله، وخرجَ به في غزوةٍ، ودفعَ به إلى الأعداءِ، لكنّه تمكَّنَ من الفتكِ بهم([9]). ويبدو أنَّ (تأبَّط شرّاً) قد أدركَ ذلك، فأصبحَ طوالَ عمرهِ عدوّاً لبني هذيل. حتى قيلَ: إنَّه قُتِلَ في بلادِ هُذَيْلٍ، وأُلقِيَ في غارٍ يُقالُ له (رضمان) فوجِدَت جثتُهُ فيه بعد مقتله([10])، وبذلك يتحولُ لقاؤهُ بالغول إلى لقاءٍ ببني هذيل يزجُرُهُم، ويزجرونه. وتشخيصُ (فتَيان فَهْمٍ) يحتقبُ مفهوميةً تواصليةً بقصديّةٍ اجتماعيةٍ؛ ويحملُ قيمَ المروءةِ؛ والشجاعة، واليَفَاعة، والفروسيَّة، والتفوق على الأقران، ووصفَهم بالفتوّة، وأسبغَ عليهم لبوسَ القوّة والجسارة والبأس وكأنّه يختصُّ بهم، بوصفهِ فتىً من (فتيانِ فَهْمٍ) ينتسبُ إليهم؟ وينتسبونَ إليه؟ ويُثيرُ فيهم نوازعَ المغامرة، ويحركون فيه بواعثَ المبادَرة والفعل.
ويُظهرُ (تأبّط شرّاً) لقاءَه بالغولِ بمشاجَرةٍ، وقتالٍ بئيسٍ موقوت في غياهبِ الصحراء، ومجاهيلِ الكثبانِ الرمليّة التي يسبرُ أغوارها، ولا يضلُّ سُراهُ فيها، والتي تخترقُها (الغولُ) في الليالي الدهماء مسرعةً كالريح في يومٍ عاصفٍ، وفي لحظةٍ من لحظاتِ الهياجِ والهيجانِ بدلالةِ الفعلِ المضارعِ (تهوي) الذي يعتصرُ الشدّة، والوحشية، والصلابةَ مع الضلالةِ، والذي يحملُ دلالَةً متصارعةً مع البداياتِ الشائهة والنهاياتِ المتفائلة؛ لتتشظَّى عناصرُ الصدمةِ والمفاجأة في بقعةٍ مكانيّة مفتوحةِ الحدود، وتتغلغلَ في سياقاتِ الزمن الدائري فتسكنه؛ ولا تستكينُ فيه. وتتجذَّرُ في القصِّ شخصيّة (المبلِّغ)، وتسقطُ من أبراجِ الخيالِ إلى أدراج السردِ؛ لتنتقلَ باللغةِ النّاصّة من الزاوية المظلمةِ التي تفتقرُ فيها إلى مُقَوِّماتِ الوجود، ومحفّزاتِ التنويرِ، إلى الركن المعرفيِّ الذي تتصفُ فيه بالخبرةِ، والدرايةِ، والروايةِ؛ لإضاءةِ الحدثِ بالدهشةِ في سَانحةٍ فريدة. وكأنّ (المبلِّغ) يدعو (فتيان فهمٍ) لنصرةِ (تأبّط شرّاً)، ونَجْدَتِهِ؟ أو لمشاركتهِ في فصلٍ من فصولِ المنازلةِ المشروعة بينه وبين (الغول ← بني هُذيل). ويتحدَّثُ (تأبّط شرّاً) مع (الغول) بخطابٍ مؤنْسَنٍ، وَمتْنٍ فكريٍّ ـ منطقيٍّ، يَفْتَرِضُ فيه قدرتها على الفهم اللغويِّ، والحوارِ الثنائي في سياق المعادلةِ الموضوعيّة؛ عارضاً رؤيته الآنيّة في الوفاقِ السلوكيِّ، والوئام الواقعيِّ بِنَبْذِ الخصومة الطارئة، والمصادمةِ القاتلةِ، والجنوح إلى السَّلم؛ رغبةً في ديمومة الحياةِ. ويعرضُ في (مفاوضاتهِ) معها تشابه المؤثراتِ التي تحتويهما معاً، وتشابكَ الأهداف التي يسعيان إليها ـ من وجهة نظره ـ في بداهةٍ خاطرةٍ للمهادنةِ، أو المخادعةِ؛ حتى يلتقطَ أنفاسَه اللاهثةَ من هولِ المنظرِ، وسوءِ المنقلب:
إنّ (تأبّط شرّاً) لا يَستعدي (الغول)، ولا يتصاغرُ أمامها؛ ولا يتوجَّه إليها بالشر والعداوة، ولا يحركُ في أضلعها رغائبَ (القتل). بل يرغبُ في هدوئها، وهو يخاطبها بأناةٍ تستندُ إلى توازنٍ في الذهنِ والعقلِ؟ وينفي عنها ـ آنيّاً ـ المبادأةَ بالبغي والضَّلالة؛ ويشركُها معه في الحال والصِّفة؛ فكلاهما مهزولٌ مُجْهَدٌ أعياهُ طول السَّفرِ، وكثرةُ الترحالِ، وأتعَبَتْهُ الفَلواتُ. إذ حوَّل (تأبّط شرّاً) الغولَ من كائنٍ خياليٍّ إلى واقعٍ وكيانٍ حيٍّ يدفعنا إلى استكناهِ العلاقة المتلازمةِ بينهما تلازُم التغيُّرِ والثباتِ، والسَّلْب والإيجاب. وبعد أنْ يدخلَ (تأبّط شرّاً) في إهابِ الغول، ويجسِّدَ تحولاتهِ الرؤيويةَ بالقولِ والفعلِ معاً؛ يُشعرُنا بدنوِّ حدثٍ مكروهٍ ـ غير مرغوبٍ فيه ـ يُمهدُ له بفعل الأمر المعطَّل (خَلِّي). وندركُ بداهةً أنّ (الغولَ) تعترضُ سبيله، ولن تخلي له مكانَه، وكأنّ (هذيلاً) بأشدائها تطلبُه، وتقطعُ عليه أسفاره؛ وترغبُهُ قتيلاً، أو أسيراً؛ وترهبُهُ طليقاً أو شريداً. فإذا بالحدثِ يتفجَّرُ، ويدخلُ في بؤرةِ الصراعِ الماديِّ الذي تقودُه الغولُ قيادةً تمحو الوجودَ الماثِل أمامها؟ وتُشتتُ بقايا الجسدِ في برهةٍ تستوجبُ فعلاً مضاداً ينهضُ به (تأبّط شرّاً)، ويرفضُ فناءَه، وشتاتَ فكرهِ، وحريّتهِ بالقتلِ المنظَّم، ويدعو إلى منازلةٍ/ مبارزةٍ يدفعُ بها عن نفسهِ هَوان القيدِ، وذلَّ الفرار، وعاقبة الطعنِ في الأعجازِ والظهورِ:
إنّ الفعلَ (شَدَّت) يُؤصِّلُ الوحشيةَ في الغولِ؛ ويكشفُها عُدوانيةَ السلوكِ تتهيَّأُ للهجومِ، وتحملُ إصْراً في الحرب، ويُظهرها بادِئةً بدايةً ممقوتةً بالتقتيلِ؛ حتى نَتعاطفَ مع (تأبّط شرّاً) في صراعهِ المشروعِ معها، ونتقبَّلَ رَدّ فعلهِ المباحِ في معركةِ الحياة والموت. وتتخللُ الفعلَ (أهوى) قيمةٌ ذهنيةٌ ـ وجوديةٌ يدافعُ بها (تأبّط شرّاً) عن حقّهِ في البقاءِ الآمنِ، وعن نظريّتهِ في حرية الحركةِ، وواقعية التعبيرِ، ليمارسَ بالفعلِ (أَضربها) طقساً من طقوسِ شخصيّته المتمردة ويطردَ الخوفَ، والقلقَ، والحيرةَ من ذاتهِ المكبوتةِ؛ وكأنّه يقتنصُ ـ في أوانِ التجلّي والحلول ـ عدوَّه الأزليَّ الذي يناديه إليه؛ ويهرولُ حواليه؛ وهو شبحُ الموت. وتُشَكِّلُ الأفعالُ (شَدَّت، أَهوى، أَضربها) نسقاً ثلاثياً يبدأ بمشهدٍ؛ وينتهي بسواهُ من خلال المواجَهة الضَارمة بين الأنا والآخر/ الغول. ويرسمُ الفعلان (شَدَّتْ ↔ خَرَّتْ) دائرةً مغلقةً تتقاطعُ فيها المقدِّماتُ مع الخواتيم. والمدهشُ أنَّ (تأبَّط شرّاً) يتأبَّط سَيْفَه، ويقاتلُ به الغولَ في صراعهِ الشعريّ معها في النصين معاً (المرهف الصارم ↔ المصقول اليماني). ولم يستخدم السَّهم أو الرمحَ؛ وكأنه في مبارزةٍ نهاريةٍ هيمنَ فيها الشعورُ بالرهبة والخوفِ عليه؛ فقاده إلى نُشدانِ الخلاصِ والأمانِ بالقتلِ في صورةٍ بالغةِ الرمزيّة للسقوطِ المروِّع الذي يقترنُ فيه الموتُ بالفناءِ. ويُصوِّرُ الفعلُ (خَرَّتْ) سقوطاً أُسطورياً لوهم يَسْتوطنُ الأزمنةَ، والأدمغة معاً؛ ويُصدرُ حكماً بالموتِ الأبديِّ على كائنٍ مجهولٍ، وفكرةٍ غامضةٍ تتجسَّدُ في (الغول ←الخوف ←بني هذيل). ويتغيرُ مسارُ الحدثِ فجاءةً. وتتنازلُ (الغول) عن الصراع المادي، وتطلب الحوارَ وسيلةً للحسمِ، وترغبُ في هدنةٍ تستجمعُ بها قُواها، وتنظرُ للخصمِ برؤيةٍ جديدةٍ:
وهنا حدثت مبادلةٌ في وظيفةِ الساردِ، ومكانهِ، وشخصيتهِ. إذ تولَّت (الغولُ) السردَ، ونظَّمت الخطابَ بحوارٍ ثنائيٍّ تَحوَّلَ به (تأبّط شرّاً) من (ساردٍ ←راوٍ ←متكلِّمٍ) إلى (مخاطبٍ ←مرويٍّ له). ولكنه لم يقبل بديمومةِ هذه الصيرورةِ؛ فعادَ مسرعاً إلى شخصيةِ (الراوي/ المتكلِّم) داخل السرد رافضاً مقولة (تبادل الأمكنة والأدوار) في البناءِ الدرامي؛ ليديمَ المؤثراتِ النفسيةَ المصحوبةَ بالصورةِ والحركةِ. وكأننا نلحظُ وجودَ نوعٍ من الترابط الطقوسي في الأداءِ بين التقمُّصِ والتخفّي، والحلول والتجسيد في معادلةٍ ينهضُ بها الحوارُ، وتخطُّها اللغةُ:
لقد صرَّحَ (تأبّط شراً) في المطلع بمعرفتهِ الموثَّقة بالغولِ من حيثُ الشكلُ، والسلوكُ والصفة. وبعد صراعٍ موصولٍ بالموت قتلاً مع الآخر؛ يُعلنُ جَهْلَه ـ لحظويّاً ـ بما يواجه. وكأنّ البداية اللغوية قد تشكَّلت بعد أن أزالت المعرفةُ أضغاثَ الجهلِ في سياقٍ تراجيديٍّ تَسْتَقِرُّ فيه البدايةُ في أعقابِ النهاية.... ويبدو من الظهور الشعريِّ للغولِ أنّ الشاعرَ يقصدُ إلى تأجيج عناصرِ الصَّدمةِ، وتأزيم الشعورِ بالدهشةِ والترهيبِ عند المتلقي؛ ليعطيَ لطاقتهِ الموّارة شحناتٍ وصفيةً في ميدانٍ تصويريٍّ يجسِّمُ؛ ويُهَوِّلُ فيه مشهديّة (الغولِ) بصورٍ حسيّةٍ مخيفةٍ، ومناظرَ رؤيويةٍ مكروهةٍ، ومقابِلاتٍ تشبيهيةٍ تقربُ الموصوفَ إلى الذهنِ. وندركُ من السرد أنّ (الصِّراعَ) سينتهي بقتل (الغول) بوصفها رمزاً من رموز الشرِّ، والظلمِ، والطغيانِ. فيأتي (تأبَّط شرّاً) على وصف رأسها بالقبيحِ تشبيهاً له برأسِ الهرِّ. ويُشبِّه ساقيها بساقَي طفلٍ كسيحٍ لا تستقيمُ حركتُه، ولا تستقر قدماه. ويجعلُ قحفَ رأسها شبيهاً بالكلب. ويصوِّرُ جسدَها مكسوّاً بثوبٍ من أوبارٍ كثةٍ وكثيفةٍ داكنةِ اللونِ طويلةِ الأطرافِ معقودةِ الأوساط. وكأني به يُنفّرُ من منظرها، وكأنها (غوريللا)؛ حتى يُثبتَ لنفسه رباطةَ الجأشِ، وصوابَ الرؤيا؛ ويُقنع القارئَ بأنّ القبحَ والتشوهَ والوحشيةَ من مبرراتِ بقاءِ (الغول)، وعاملٌ من عوامل الفناءِ والحَجْبِ، وسطوة الموت؛ كاشفاً لنا أغوارَ تجربةٍ خرج بها من عالمِ المجهول إلى عالمِ المعلوم؛ ليثيرَ في نفوسنا مشاعرَ القلق، والترقب، والمغامرة؛ ويجعلنا نحسُّ بوجهٍ من وجوهِ النقصِ في عالمنا المرئيّ بفقدانِ الغول... وهذه المفارقاتُ الحادةُ بين عالمِ البدايةِ وعالم النهاية يدلُّ على الإحباطِ واليأسِ، والقَتَامَةِ في جانبٍ، ويحملُ قدراً من الحيويّة، وومضاتٍ إيقاعيّة في جانبٍ آخر قياساً على حجم التحولات في الحاضرِ، وإدراكِ علاماتهِ وعنفهِ. ***** إنّ الفضاءَ الذي شكَّله تأبّط شرّاً، والذي تحيا فيه (الغولُ)، فضاءٌ مزدوجٌ (واقعيٌّ ـ خياليٌّ) و(مكانيٌّ ـ زمانيٌّ)؛ وحركتُهما داخلَ الفضاءِ دليلُ حضورهِ الجسديّ وحضورِ الغولِ المتخيَّلِ في لحظةِ توترٍ وتفاعلٍ مجازيٍّ يلتئمُ فيها التناقضُ والتوحُّدُ في بنيةٍ لغويّةٍ، ووحدةٍ موضوعيّةٍ متكاملةٍ تعتصرُ المخاضاتِ النفسية التي تمورُ بها الذاتُ الشاعرةُ بنبرةٍ موسيقيةٍ متمردةٍ، وحِسٍّ مُرهفٍ يثيرُ الدهشةَ والمتعةَ في لحظاتِ الرفض، والتحرر التي تتجاوزُ العاطفةَ الآنيّة الضائعةَ، والتي ينشطُ فيها العقلُ الباطنُ في أثناءِ الصّراعِ الشعري مع (الغول).... المصادر والمراجع: (1) الأغاني، للأصفهاني، طبعة بولاق (مصورة)، بيروت 1390ه ـ 1970م، ج18. (2) شعر تأبّط شرّاً، دراسة وتحقيق: سليمان داود القره غولي وجبار تعبان جاسم، مطبعة الآداب، النجف ـ العراق، 1973. (3) الشعر والشعراء، لابن قتيبة الدينوري، دار الثقافة، بيروت، 1969م، ج2. (4) معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار صادر، ودار بيروت، ج3. |