مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 93 و 94 - السنة الرابعة والعشرون - آذار وحزيران 2004 - المحرم وربيع الثاني 1424
Updated: Wednesday, June 30, 2004 01:01 AM
فهرس العدد
 

وبصرنا بساقية تتلوى تلوّيَ الأفعوان، وتخفق خفقات قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبّتها عقوداً فوق أثوابها الممسّكة، والنسيم يكسوها ويلبسها غلائل مفركة، فقلت:

                   أساقية أم أرقمٌ فرّ هاربا

فقال:    أم الريحُ قد هزّت من الماءِ قاضبا

فقلت:

حصىً مثلُ دُرّ الثغرِ أجرى زلالُه

 

رضباً وأبدى نبتُه النضرُ شاربا

فقال:

يوَشّحها زهرُ الرياض قلائداً

 

ويُلبسها مرُّ الرياح جلاببا([1])

***

ويروي ابن ظافر الأزدي في موضع آخر من كتابه، عن الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي، عن أبي غالب شجاع الذهلي، قال:

قال لنا أبو منصور بن أبي الضوء العلوي: كنت في قرية يقال لها بشيناء، وبها أبو محمد النامي، وهناك ناعورتان للزرع، فقال فيها وأنا حاضر:

أناعورتَيْ شطَّيْ بَشيناءَ إنني

 

نظيرُكما في الوجد والهَيَمانِ

أنينُكما يَحكي أنيني وعَبرتي

 

كمائكما في شدة الجريان

فلازلتما في خفضِ عيشٍ يمدّه

 

أمانٌ من التفريقِ والحدثان

وعملت أنا في الحال:

بَشينى لها ناعورتان كلاهما

 

تسحُّ بدمعٍ دائم الهملان

مخافةَ دهرٍ أن يصيب بعينه

 

لإحداهما يوماً فيفترقان([2])

وقد أورد هذا الخبر ياقوت في معجم البلدان مع اختلاف طفيف في الإسناد والرواية([3]).

وحكى ابن ظافر الأزدي في موضع ثالث من كتابه ما وقع له مع القاضي الأعز بن المؤيد في حديث طويل، حول دولاب بئر في بستان مجاور للنيل، فقال القاضي الأعز:

حبذا ساعة المجرة والدولاب يهدي إلى النفوس مسرَّهْ

أدهمٌ لا يزالُ يعدو ولكن

 

ليس يعدو مكانَه قيدَ ذرّه

ذو عيون من القواديس تُبدي

 

كلُّ عينٍ من فائض الماء عَبره

فلكْ دائر يُرينا نجوماً

 

كلُّ نجم منها يرينا المَجرّه

وقال ابن ظافر:

ودولابٍ يئن أنينَ ثكلى

 

ولا فقداً شكاه ولا مضرَّهْ

ترى الأزهارَ في ضِحْكٍ إذا ما

 

بكى بدموع عين منه ثَرَّهْ

حكى فلَكاً تدور به نجومٌ

 

 

تؤثر في سرائرنا المسرّه

يظل النجمُ يغربُ بعد نجم

 

ويطلع بعدما تَجري المجرّه([4])

ويمكن أن نلحظ من خلال استقرائنا لهذه الشواهد الأربعة أن النواعير المقصودة ليست على العاصي. وإنما هي نواعير صغيرة، أقيمت على الآبار وضفاف الأنهار، في بغداد والقاهرة، أو على دجلة والنيل، وهي تشبه النواعير التي تحدث عنها أبو الحسن الشمشاطي في كتابه الأنوار في محاسن الأشعار قبل قرن من الزمن، وكانت أوصاف الشعراء لها متقاربة، وكلهم مجمعٌ على أن الناعورة فلك دائر، وأن قواديسها نجوم. غير أن ابن ظافر الأزدي وصاحبه القاضي الأعز قد أضافا المجرة إلى ذلك الفلك الدائر، وكذلكم الشعراء سوف يزيدون في حديثهم عن النواعير معنى جديداً كلما تصرمت العصور وتعاقبت الأجيال، ولكل عصر وجيل إبداعه وإمتاعه.

وربما كان أحمد شوقي أمير الشعراء في القرن الماضي أول من ذكر هذه النواعير في شعره، ويسميها "السواقي"، وهو وحده من أشار إلى أن هذه السواقي تدور بقوة الحيوان الذي كُفَّ بصره بيد الإنسان حتى لا يرى الدنيا تدور حوله من كثرة دورانه، والنير في عنقه. يقول شوقي في قصيدته "الربيع ووادي النيل":

وجَرت سواقٍ كالنوادب في القرى

 

رُعْنَ الشجيَّ بأنّةٍ ونُواحِ

الشاكياتُ وما عرفن صبابةً

 

الباكياتُ بمدمعٍ سحّاح

من كل باديةِ الضلوع غليلةٍ

 

والماءُ في أحشائها.. مِلْواحِ

تبكي إذا ونيتْ وتضحك إن هفت

 

كالعِيس بين تنشُّطٍ ورزاحَ

هي في السلاسل والغلولِ.. وجارُها

 

أعمى ينوء بنيره الفدّاح([5])

وقد وجدت لشوقي قصيدةً أخرى يحن بها إلى مصر وهو في الآستانة، مطلعها:

بالله يا نسماتِ النيل في السَّحرِ

 

هل عندكنّ عن الأحبابِ من خبرِ؟

وفيها يصف "ساقية" بجوار الهرم بقوله:

ذكرتُ مصرَ ومن أهوى ومجلسَنا

 

على الجزيرة بين الجسر والنَّهَرِ

اليومُ أشْيبُ والآفاقُ مذهبة

 

والشمس مصفرة تجري لمنحدر

والنخل متشحٌ بالغيم تحسبه

 

هِيفَ العرائس في بيضٍ من الأزُر

وما شجانيَ إلا صوتُ ساقيةٍ

 

تستقبل الليلَ بين النَّوْح والعبر

لم يترك الوجدُ منها غيرَ أضلعها

 

وغيرَ دمع كصوب الغيث منهمر

بخيلة بمآقيها فلو سئلت

 

جفناً يعيرُ أخا الأشواق لم تُعِر([6])

3ً ـ نواعير حماة في شعر ابن نباتة المصري:

عاش ابن نباتة المصري بين عامي 686 ـ 768ه‍ إبان فترة حكم سلاطين المماليك البحرية، وقد وفد إلى حماة أيام حكم الملك المؤيد إسماعيل بن علي المشهور بأبي الفداء 712 ـ 732ه‍ وحكم ابنه الملك الأفضل 732 ـ 742ه‍، وقال فيهما أجمل قصائده التي عرفت باسم ((المؤيدات)) و((الأفضليات))، كما قدّر له أن يتمتع بطبيعة حماة الجميلة ونهرها العاصي ونواعيرها الشادية. ولعل أسعد أيام عمره المديد كانت في حماة، فقد حظي عند أبي الفداء ونجله الأفضل حظوة بالغة، ونال من الهبات والصلات ما لم ينله شاعر في عصره، وعاش في بلاطهما عيشة راضية لم يعرف فيها ذائقة العسر أو غائلة الهوان.

ومن يقرأ ديوان ابن نباتة الضخم أو يطلع على شيء من رسائله النثرية فسوف يلحظ أثر حماة واضحاً في شعره ونثره على حد سواء، وبخاصة في قصائده الطوال أو في مثانيه ومثالثه والسبعة السيارة التي برع في صياغتها براعة فائقة، وكانت التورية هي السمة الغالبة على سائر أعماله الأدبية، وأظهر فيها من فنون الاقتدار والابتكار ما جعله سيداً في هذا اللون البديعي، وهو الذي مشت ملوك الأدب قاطبة بعد القاضي الفاضل تحت أعلامه طبقاً لما يقوله ابن حجة الحموي في خزانة الأدب. من ذلك قوله يصف حماة في الزمن الوسيم من أيامه الخضيلة الجميلة ونضرة النعيم في واديها الرحيب الخصيب:

أحسنْ بوجه الزمن الوسيمِ

 

تعرفُ فيه نضرةَ النعيم

وحبذا وادي حماةَ الرحبُ

 

حيث زهى العيشُ به والعُشُبُ

أرضُ السناء والهناء والمرحْ

 

والأمن واليُمنِ ورايات الفرح

ذات النواعير سقاهُ التربُ

 

وأمّهات عصْفه والأبُّ

تعلمتْ نوح الحمام الهُتفِ

 

أيام كانت ذات فرع أهيفِ

فكلّها من الحنين قلبُ

 

لاسيما والماء فيها صبُّ

لله ذاك السفحُ والوادي الغَردْ

 

والماءُ معسولُ الرُّضاب مُطَّردْ

يصبو لها الرائي فكيف السامعُ

 

ويحمدُ العاصي فكيف الطائعُ؟

ومن المؤكد أن ابن نباتة المصري في حديثه عن نواعير حماة قد استفاد من دلالات من سبقه من الشعراء الذين وصفوا النواعير أو تغنوا بفلكها الدائر ودمعها الماطر.. وحنينها وأنينها، وأضاف إليها شيئاً جديداً بفضل إتقانه للصنعة البديعية التي مكنته من افتراع الألفاظ واختراع المعاني وتوليد ما هو ملائم للمظاهر الحسية والإثارية التي تقدّمها النواعير.

ولقد شبّه بعض الشعراء الذين سبقوا ابن نباتة الناعورة بالفلك الدائر كما رأينا من قبل، أمثال ابن الرومي وأبي بكر الصنوبري وغيرهما ممن كان مولعاً مستهاماً بمناظر النواعير الخلابة.. وسحرها المعجب المطرب. وجاء ابن نباتة ليزيد هذا المعنى قدراً من التزويق والتلوين وبخاصة عندما يجعل كواكب المجرة مذنباتٍ حسناوات تجرّ وراءها ذوائبها كأنها ذيول ذات أضواء سنية تذكرنا بالخيوط المائية التي تنساب وتتناثر من صناديق الناعورة وهي تدور فتزيد ما حولها ألقاً لا يخبو.. وجمالاً ليس يزول.. وتدع خيال المتلقّي حراً طليقاً في المدى الواسع والأفق الرحيب. يقول ابن نباتة:

ناعورة بمنازل البحر اقتضتْ

 

في حالة التشبيه بثَّ عجائبِ

فلك يدور على المَجرّة مطلقاً

 

أسنى الكواكب وهي ذاتُ ذوائب([7])

وربما ذهب ابن نباتة في التشبيه مذهباً أغرب وأعجب .. عندما يجعل الناعورة ذات قدرة على حماية ما حولها من الغياض والرياض بسيفها وترسها، وهما وسيلة الدفاع للبطل. يقول ابن نباتة:

يا حبذا في الحُسن ناعورةٌ

 

كأنها من فلَك الشمس

تحمي حمى الروضات من مائها

 

وشكلها بالسيف والترس([8])

فالترس المدور يحكي الناعورة في شكلها الدائري، والسيف الضارب يحكي الماء المنسكب من قواديسها، وهذا التشبيه لم أقع على نظير له في غرابته، وقد عوّدنا ابن نباتة أن يقدم لنا دائماً في تشبيهاته البيانية كل ما هو غريب، ولكنه لا يخرج عما هو ممكن أو محسوس. ومن التشبيهات المألوفة تشخيص الناعورة، فهي ذات جسم وقلب، والجسم متعب منهوك لكثرة ما يتحرك ويحمل من أثقال. أما القلب فطيّب.. لا يسأم ولا يبرم.. ولا ينفك عن البر والإحسان، وهذا القلب النابض بالحياة هو الذي يمنح الناس عيشاً كريماً.. كما يمنح الأرض الخضرة والنضرة. يقول ابن نباتة:

أعجب لها ناعورةً.. قلْبها

 

للماء مُنشي العيش والعشب

تعبانة الجسم.. ولكنها

 

كما ترى طيبةُ القلب([9])

وقد يصور لنا ناعورة في روضة وفقاً لأسلوبه في التشخيص، ويستخدم التورية برشاقة وناقة، فهو يورّي باسم "جعفر" واسم "ربيع"، ونحن نعرف أن الجعفر لغة هو النهر والربيع اصطلاحاً فصل من فصول السنة، والمحدّثون يروون الحديث الشريف عن فلان وعن فلان، وابن نباتة في هذه اللعبة اللفظية يوظف التورية في أحسن حالاتها.. تاركاً قارئه أو سامعه يعجب من قدرته البديعية، وهو إمام الصنعة فناً وإبداعاً. يقول ابن نباتة:

أحسنْ بها ناعورةً في روضة

 

عن جعفر يروي الهناءَ ربيعُها

هذا.. وليس يُعدّ موجُ دموعها

 

وتُعدّ من فرطِ السقام ضلوعُها([10])

ويأخذ ابن نباتة البيت الثاني ويزيده إيضاحاً وجلاء مستخدماً لغة الحوار، حيث نجد الناعورة حزينة سقيمة تبحث عن قلبها الضائع، في حين تبدو دموعها منسكبة على جسمها الناحل. يقول ابن نباتة:

وناعورة قالت وقد ضاع قلبها

 

وأضلعها كادت تعدّ من السقْم:

أدور على قلبي لأني أضعتَه

 

وأما دموعي فهي تَجري على جسمي

ويروق لابن نباتة في موضع آخر أن يوزع محاسن الناعورة على الأسماع والأنظار وهي تدور.. وتبكي:

وناعورة قَسَّمت حسنها

 

على ناظر وعلى سامع

وقد ضاع نشر الربى فاغتدت

 

تدور وتبكي على الضائع([11])

ولا يخفى ما يحمل الفعل "ضاع" من معنى الضياع والضوع في آن معاً، وهذا من مستلزمات التورية، أعني المعنى القريب وهو "الضياع" والمعنى البعيد وهو "الضوع"، والضياع معروف، والضوع هو انتشار رائحة الطيب، وهذا الاستخدام يتيح للقارئ تقليب معنى البيت على أكثر من وجه إن شاء، ويفتح أمامه باب الاحتمالات. ومثله في تعدد المعاني في البيت الواحد قول ابن نباتة:

أحببْ بها ناعورة كم حدّثت

 

بلسان ماءٍ.. والحديثُ شجون

حنّت فباطنها قلوبٌ كله

 

وبكت فظاهرُها الجميع عيون([12])

وكما كان ابن نباتة مولعاً بالتورية.. بارعاً في استخدامها، كذلك كان مولعاً بالإيداع وهو أن يودع بيتاً من شعر غيره أو نصف بيت أو ربع بيت بعد أن يوطئ له توطئة تناسبه بحيث يظن السامع أن البيت بأجمعه له، وكان ابن نباتة في هذا اللون من البديع نسيج وحده طبقاً لمقولة ابن حجة الحموي في خزانته. فقد عمد في إحدى مثانيه عن الناعورة إلى إيداع نصف بيت من شعر المتنبي وهو قوله [أنا الغريق فما خوفي من البلل] وبيتا ابن نباتة هما:

يا ربّ ناعورة غنت لنا وبكت

 

كحالة الصبّ بين اليأس والأمل

قالت.. ودمعُ أخي العشاق يتبعها:

 

[أنا الغريق فما خوفي من البلل]([13])

وحالة الناعورة هنا في غنائها وبكائها كحالة الصب العاشق.. إنه يتقلب بين اليأس والأمل، فهو يبكي تارة عند الإحباط، ويغني أخرى عند الاغتباط.

ثمة ثلاثيتان متقاربتان في معناهما، يتحدث في الأولى عن مشاركته للناعورة في البكاء والحنين، فهي تحن إلى ماضي شبابها أيام كانت عوداً زاهراً في بستان، وهو يئن من سقام الغرام والبعد عن محبوبته.. فيشكو لها، ولا بدّ للمفطور من سامع ذي مروءة يبثّه شكواه لعله يجد عنده حسن المواساة أو طيب السلوى، أو يتوجع مثله على ما أصابه. يقول ابن نباتة:

وناعورة كانت قضيباً وأصبحت

 

إلى القضب شوقاً كالحماة تسجع

شكوتُ لها ضر الغرام.. وحالها

 

كحالي بكاء أو حنيناً يُرجَّع

ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة

 

يواسيك أو يسليك أو يتوجع

أما الثانية فمجمل القول فيها أن الناعورة والشاعر، كلاهما يعاني الأسى منذ عهد بعيد، لقد تعلمت سجع الحمام على أيكها، وتعلمت من الشاعر فن البكاء على أحبابه. يقول:

ناعورة نشأة على عهد الأسى

 

مثلي فما تنفكّ ذاتَ توجُّع

كانت قضيباً قبل ذلك يانعاً

 

في أيكة نبتت بإثرة موضع

ناح الحمام بها وأبكاني الأسى

 

فتعلمت نوح الحمام وأدمعي([14])

ذلكم هو ابن نباتة المصري في حديثه عن نواعير حماة، لقد جمع بين فن الصناعة وروعة البداعة، وكان في صنيعه محسناً.. وفي بديعه متقناً، وكفى حماة أن تميس جمالاً وجلالاً على لهاة الشاعر المصري الذي قال فيها وفي مليكها المؤيد أبي الفداء:

أما حماة فعيش ساكنها

 

صفو.. وكل زمانها سَحَرُ

إسكندرُ الأيام مالِكُها

 

بدليل أن زمانَه الخَضرُ([15])

وبعد:

ذاكم هو حديث النواعير في تراثنا العربي الزاهر، وهو غيض من فيض، وقليل من كثير، ولكن هذا الفيض.. وهذا الكثير غير مجموع في كتاب، ولكنه منثور.. متفرق شذر مذر في كتب الأدب والمختارات والرحلات ودواوين أهل الشعر من مطبوع ومخطوط، وضمّ هذه المتفرقات غير يسير، ويحتاج إلى قدر من التقصي والبحث للعثور على مقولات الشعراء في النواعير قديماً وحديثاً. ولعل شعراء العهدين الأيوبي والمملوكي كانوا أكثر الشعراء إثارة وتفنناً في تكوين صورهم الفنية، وتلوينها بالمحسنات البديعية.. وما أقدرهم على ذلك. غير أن شعراء حماة لهم صولات وجولات في هذا الميدان، وما من شاعر حموي إلا وله في النواعير شعر مسموع، وصفاً أو ذكراً، محاورة أو مناجاة، والحديث عنها طويل وهو بالتأكيد ذو فتون وشجون.

أما كتّاب الغرب وشعراؤه الذين خلبتهم نواعير حماة فقد كتبوا عنها فرائد من بيانهم، وقد علمت مؤخراً أن أحد الفرنسيين قد جمع ما قاله شعراء العربية في النواعير.. وربما ظهر كتابه قريباً. ولا يخفي أحد السويسريين وهو فيليب بندل دهشته من مشهد النواعير وصوتها الغريب فيقول: تقوم هذه النواعير بالإيقاع المنسق لحياة السوريين، فهي تتكلم بلغة الأبدية البسيطة لتروي قصة حياة عظيمة لهذه البلاد المدهشة، ثم يقول: يقف السائح فجأة وهو مأخوذ بدوار التاريخ، فالعالم هناك في عريه الأزلي، ففي الجنوب هذه دمشق. وليس بعيداً عن تركيا تقوم حلب العظيمة.. وفي الشرق هناك الصحراء المترامية التي تتحول فتصبح واحة في تدمر.. وعلى أطراف خط الطول جنوبي البلاد هناك بصرى..، لكن الدفق والنغم الداخلي الحقيقي من سورية الخالدة فهو من حماة التي تضرب على وترٍ ألحان هذا الدفق الفياض، فهي تترنم بمزامير خفايا ثقافتنا، وهي تردد من غير أن تتوقف أبداً تاريخ الإنسان.. النواعير كما يقول "بندل" علامة الاستمرارية، والجو بجوارها يوحي بالسلام الدائم.

إن الدهر يدور، وإن النواعير لتدور، وكلاهما خالد إلى الأبد، وفي كل دورة يبزغ نجم، ويغرب آخر، والنور الضئيل المنبعث من قنديل في محراب الأزل سيظل رمز عطاء لا ينفد، يصل الأول بالآخر، والحاضر بالغابر.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أهم المصادر والمراجع:

 ـ أساس البلاغة: محمود الزمخشري (538)ه‍ ـ تحقيق عبد الرحيم محمود ـ طبعة مصورة (1982)م.

2 ـ الأنوار ومحاسن الأشعار: علي بن محمد العدوي الشمشاطي ـ طبعة الكويت 1977م.

3 ـ بدائع البدائه: علي بن ظافر الأزدي (613)ه‍ ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ طبعة مصورة ـ بيروت (1992).

4 ـ ديوان ابن الرومي (ج3) ـ تحقيق حسين نصار ـ مطبعة دار الكتب (1976)م.

5 ـ ديوان ابن نباتة المصري: الطبعة الأولى ـ مصر 1905م.

6 ـ الشوقيات (ج2): أحمد شوقي ـ الطبعة المصرية القديمة.

7 ـ معجم الأدباء (ج13): ياقوت الحموي (626)ه‍ ـ دار المستشرق، بيروت، بلا تاريخ.



([1])  بدائع البدائه، ص204.

([2])  بدائع البدائه، ص252.

([3])  معجم البلدان 1/291.

([4])  بدائع البدائه، ص246.

([5])  انظر الشوقيات 2/25. المِلْواح: السريعة العطش، صفة لِـ "باديةِ". والرّزاح: الإعياء والتعب. والغلول: جمع غُلّ وهو القيد.

([6])  انظر الشوقيات 2/153.

([7])  ديوان ابن نباتة، ص61.

([8])  ديوان ابن نباتة، ص272.

([9])  ديوان ابن نباتة، ص61.

([10])  ديوان ابن نباتة، ص317.

([11])  ديوان ابن نباتة، ص317.

([12])  ديوان ابن نباتة، ص538.

([13])  ديوان ابن نباتة، ص425.

([14])  ديوان ابن نباتة، ص315.

([15])  ديوان ابن نباتة، ص247.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244